٨ | أنا أكثرُ مَن يعرفكِ.
مَضَت الأيام كلمحة البَرق الخاطِف، لم أشعُر بمرورِ الوقت برفقة شون. إعتدنا علي الذهاب إلي أرض الأحلام يوميّاً، في كُل وقت وكُل ساعة.
أصبح روتيناً جديداً جميلاً جاء ليكسِر روتين حياتي المُملّ، أصبحتُ أهرب مِن واقعي وألجأ إلي أرض الخيال. حيثُ أستخدِم قدماي، ويحدُث ما يخطر علي بالي، وأتحكّم بزمام الأمور وكأنني أحيا حياةً ثانية أكونُ فيها سيّدة قراري.
قابلت العَديد مِن الأشخاص الخياليّة.. وقابلتُ جميع شخصيّات رواياتي!
إنهم يُقيمون حياة فعليّة هُناك، مِنهم مَن تزوّج ومَن يَعشَق ومَن فُطِر قلبه ومَن يدرس ومَن يعمَل. كُلّما رأيت شيئاً جديداً في عالم الأحلام كُلّما إزددتُ دهشةَ وتعجّباً، والأسئلة تتصارع في رأسي.
إندمجت معهم كثيراً، حتي أصبحوا أصدقائي، لكن شون كان أفضلهُم بالتأكيد.
كُلّما عانيت مِن تشابُكٍ في الأفكار الروائيّة وفراغ داخل رأسي كان يقوم بمساعدتي ويمدّني بالأفكار الجديدة والأحداث المنطقيّة.
كُلّما عطل مُخّي، كان يُدير المُحرّك الخاص به مجدداً..
لقد فتح لي باباً واسعاً لرؤية الحياة بشكلٍ مُختلف. منحني القُدرة علي السير بإستخدام قدماي! جعلني أزور أماكن لم أذهب لها يوماً. وألتقي بأناسٍ جديدة وأصنع علاقات عديدة بعدما كانت علاقاتي تقتصِرُ علي مُداعبتي لأوسكار. جعل مِن شخصيّتي الإنطوائية الجبانة المُملّة والكئيبة شخصيّة مُختلفة! تعشق قضاء الوقت مع أصدقائها -وإن كانوا خياليين- وتُحِب خوض المغامرات ومُقبلة علي الحياة بمرحٍ لا مثيل له.
طالَت فترة مكوثي في عالم الخيال كثيراً، حتي أنني في بعض الأحيان كُنت أنسى أنني مَشلولة لكثرة إستخدامي لقدماي هُناك.
لاحظت صوفيا غيابي عن غُرفتي عدّة مرّات، وكُلّما سألتني كُنت أخترع لها حجّة مُناسبة، مثلاً أنني كُنتُ أستخدم المِرحاض.. أو كُنت في الحديقة مع أوسكار.. كنت أختلِقُ أي عذر لجعلها تصمُت!
في الأسابيع الماضية شعرتُ وكأنني طائرٌ يُحلّق بجناحيه في سماءٍ صافيةٍ واسِعة، وكأنني دخلتُ باباً مِن أبوابِ الجنة، وأركُض في دَرب السعادة بحماسةٍ تتوهّج أكثر فأكثر.
حماستي أنسَتني أن أجنحتي قد تُقَصّ في أيّ وقت، وأقع علي أرضِ الواقع دون حولٍِ ولا قوّة.
*****
"ما الذي تودّين فعله الآن؟"
إبتسمتُ بتوسُّع لأقُل "أن أركُض فوق السلالم المؤدية إلي مِترو الأنفاق." ثم سمعته يتحدّث ببساطة "أهذا كل شيء؟"
إلتفتّ له لأرفع كتفاي مُفسِّرة "لطالما أردت فعل ذلك. الأمر ممتع، خصّيصاً في هذا الوقت حيثُ لن يتواجد الكثيرون هناك!"
نهض فجأة ليُنظّف ملابسه ثم يمدّ يده قائلاً "أعطني يدكِ ألِكس." وإبتسامةٌ عذبة إحتلّت ثغره لتظهر غمّازته اللطيفة.
لامسَت يدي خاصته، لأنهض وأسير بجانبه نحو مكانٍ مَجهول.
"ماذا تُريدين أيضاً؟" لفح الهواء أجسادنا بينما يسألني، فضغط علي يدي أكثر.. لأشعر بحرارة جسده تنتقل لي.
"أن أُقابِل فلين وأصفعه حتي ينزف فمه وتصرُخ وجنتاه طالبةً بالرحمة." لمع الشرّ في عيناي لأبتسِم بخُبث، فضحك شون بصخب لأشاركه.
"أُراهِن أن يدكِ مَن ستصرُخ ألماً." أضاف ساخراً، فأدرتُ مُقلتاي بملل "لم أضحك!"
زمجر شون ليرفع يدي التي يُمسِك بها ويُريني إيّاها قائلاً "إنظُري! لقد أخذَت اللون الأحمر لمجرّد إمساكي بها."
"لا تجعلني أمنح وجنتك اللون الأحمر لمجرّد صفعي لها." ضيّقتُ عيناي بينما أسحب يدي.
"إذاً.. أترغبين في صفع فلين؟" أمسَك بيدي مُجدداً لنُتابع السَير، فأومأت بحقدٍ دَفين يغمُر قلبي.
"تخيّلي فلين أمامك.. في محطة لمِترو الأنفاق."
أغلقتُ عيناي مُنفّذةً كلامه، وإسترجعتُ صورةً مُشوّشة لفلين آنذاك.. ثم رسمتها في محطّة مِترو الأنفاق لأتعمّق أكثر في تفاصيل وجهه الجامِدة، التي لم أنساها أبداً.
فتحتُ عيناي لأجِد أنني بداخل محطّة مِترو الأنفاق، بجانبي شون.. وأمامي فلين!
ينظر لي فلين في ثبات، ويديه في جيبه ببرودٍ قاتِل، وعلي وجهه إبتسامة أضرمت النيران في قلبي.
سحبتُ يدي من قبضة شون لأركض نحوه..
صفعته بقوّة، وأعدت الكرّة... ولم يهتزّ أبداً.
وكأنني خلقتُ تمثالاً لا يبالي ولا يشعر.
إستفزّني جموده.. فعُدتُ أصفعه مجدداً بكُلّ ما أملُك مِن غلٍّ وحقد، حتى ألمتني يدي وتوقّفت لألتقِط أنفاسي بينما أطالعه، لازال يبتسِم.
شعرتُ بيدِ شون توضَع علي كتفي.. أرجعني للخلف ليتقدّم نحوه، وأخذ يلكُم وجهه بعُنفٍ شديد.
ركله بين ساقيه ثم عاد يركُل معدته ويضربه بكُل ما أوتى من قوّة.
توقّف عن ضربه لينظر لي نافياً "هذا لا يبدو كافياً." وأمسك بجسد فلين ليلقي به فوق القضبان.. وسُرعان ما أتى القطار ليأخُذه في طريقه.
أخذت أضحك بقوّة.. حتي تألّمت معدتي وتجمّعت الدموع بعيناي، وكِدتُ أختنق بينما أشاهد شون يُشاركني الضحك.
"أكُنتِ تتحدثين عن الركض فوق السلالم؟" الحماسة لمعت في عينيه ليسحب يدي ويركُض نحو السلالم برفقتي، وقهقهاتنا تملأ المكان.
صعدنا السلالم ركضاً.. كدت أقع عدّة مرّات ولكن ذراع شون كانت مُنقذتي.
نزلنا من الناحية الأخرى راكضين، حتي توقّفنا لنلتقط أنفاسنا ونضحك مُمسكين بمعدتنا.
"عليّ أن أُخبركِ أن إنهاك رجليكِ بهذه الطريقة قد يجعلهما غير قادرين علي الحراك هُنا أيضاً." علّق شون بينما يلهث، فضحكتُ لأجلِس أرضاً بتعبٍ مَلحوظ.
حبيتُ علي يداي حتي وصلت لطرفِ الرصيف وأسدلت قدماي بينما أعتدل في جلستي، مواجِهةً سكّة القطار.
أتى شون بجانبي، ونظر لي قائلاً "لا تسدلي قدميكِ هكذا، وإلا سنلحق بفلين!" فضحكتُ مجدداً لتدمع عيناي.
"توقّف! أنت تؤلم معدتي.." دفعت كتفه مُتوقّفةً عن الضحك.. فسُرعان ما إنقضّ علي معدتي مُدغدغاً إياها لتعُمّ ضحكاتي المكان بينما أحاول التملُّص من يديه.
إعتدلنا في جلستنا، لأبتسِم بخفّة وأحدّق في الفراغ أمامي بينما أقول "جميعنا سنلحقُ بفلين يوماً ما."
"أتقصدين المَوت؟"
حرّكت رأسي بالإيجاب، ونظرت نحو شون الذي رفع كتفيه مُعلِّقاً "حتي وإن كان المَوت هو النهاية الطبيعية لأيّ شيء، فأنتِ لازلتِ علي قيد الحياة."
عقدتُ حاجباي بتشوُّش، لتُقابلني نظراته المُبهِجة.. فسألته "ما الذي ترمي إليه؟"
"أنتِ تقتُلين نفسكِ الحيّة!" أضاف فزادَ مِن حيرتي، وإنجذبتُ لسماعِ حديثه.
"في رواياتكِ تمدّين الناس بالأمل والتفاؤل وأنتِ أكثَر مَن يفتقِرُ إليهما، تجعلينهم مؤمنين بالتغيير وأن الصدمة تجعل منهم أشخاصاً أكثر قوّة وأنتِ أكثر مَن يكفر بهذا المَبدأ، تقتُلين نفسكِ الحيّة يا ألِكس." رماني بنظرةٍ حملت الكثير مِن العِتاب، لأنهض وأُدخِل يداي في جيوب معطفي هاربةً مِن الحديث.
أمسَك بساقي قبل أن أرحَل، فتوقّفت حتي نهض ليُمسِك بذراعي بخفّة ويقول "إعطِني سبباً واحداً يجعلكِ تفعلين هذا بنفسك."
أغلقت عيناي مُتنهّدة، وإستجمعت قواي لأتحدّث "أكتُب لِأُغيِّر العالَم، فإن لم أستطع أن أُغيِّر واقِعي فعلي الأقلّ أساعدهم ليفعلوا."
"مَن أخبركِ بأنّكِ غير قادرة علي تغيير واقعكِ؟" عقد حاجبيه ليترُك ذراعي مُردفاً "لِمَ لا تجعلين مِن خيالكِ واقعاً؟ لِمَ لا تسعين لتحقيق ذلك؟"
"كيف أفعل؟" إبتسمت ساخِرة، فإمتدّت أصابعه ليرفع رأسي إليه ويتحدّث بلين "إهربي مِن السجن الذي وضعتِ نفسكِ به، وإخرُجي من منزلكِ.. قابلي البشر وتعاملي معهم! إحضري المؤتمرات الأدبيّة وقابلي مَن تحلمين بمقابلتهم وكفاكِ تضييعاً للفرص! عليكِ تخطّي الحادثة التي تعرّضتِ لها.. ومُباشرة حياتكِ بعزيمةٍ أقوَى، لا هدمها ببرود! الأمر يستحق العناء يا ألِكسندرا، خوضي التجرُبة علي الأقل.."
شعرتُ بعيناي تحرقني لأدير وجهي وأمسح دموعي قبل سقوطها.
"هذا يكفي! لا أريد التحدُّث بهذا الشأن.." إحتدّت نبرتي ليُعانِدني شون "عِديني بأن تؤمني بنفسكِ وأنا لن أتحدّث بهذا الشأن كما تُريدين."
"الأمر ليس بهذه البساطة! أنت لا تفهمني!" عَلَا صوتي لتخذلني دموعي وتتساقط علي وجنتاي أمامه، فأخذت أبكي بقوّة بينما ينظر لي بشفقة.
"أنا أكثرُ مَن يفهمك.." تمتم بنبرةٍ خافِتة، لأنفي برأسي بإصرار.
"أنت لا تعرفني أصلاً!"
"أنا أكثرُ مَن يعرفكِ.." حاوَط كتفي بيده، فدفعته عنّي لأصيح "ماذا تعرف عنّي؟"
طالَت فترة الصمت بيننا، تماماً كما طالت فترة بُكائي حتي ألمتني رأسي.
"أعرِفُ أنّكِ نباتيّة، وتكرهين الحفلات والتجمُّعات، لا تطيقين الأغاني الصاخبة، تفتقدين شعركِ الطويل وتندمين علي قصِّه، تُفضّلين قراءة الكُتُب علي مشاهدة الأفلام، تخافين مِن الظلام، تُحبين السهر، وتكرهين فلين." رفع حاجبيه بتحدٍّ، لأرفع عيناي الدامِعة نحوه.. وأتوقّف عن البُكاء.
"أنا أتصفّحكِ كما تتصفّحين الجرائد يوميّاً، أنا هو إنعكاسكِ في المِرآة يا ألِكسندرا! أنا أكثر مَن يعرفك." أخذ خطوةً إضافيّة نحوي، ليمسح دموعي التي تنزلِقُ علي وجنتاي بإبهامه، ويردف "وأكثر مَن يهتمّ لأمرِك."
سحبني لعناقه الدافيء، وأخذ يمسح علي شعري بحنوّ، وأنا كالجُثّة المُخدّرة الهامِدة..
توقّف ذهني عن العمل، وإلتفّت الأسئلة حول رأسي لتُصيبني بالدوار.
*****
إتأخرت شوية؟ اني آسفXD
إيه رأيكوا في الشابتر؟
توقعاتكوا؟
أشوفكوا علي خير♥
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top