١٨ | الضباب يتلاشى.

"شكّ القُرّاء كان بمحلِّه إذًا! لقد أحزنتني رغبتكِ في ترك الكتابة، لم أتوقّع ذلك أبدًا..."

"أُريدُ زيارتكِ في يومٍ ما، أتسمحين؟"

"عزيزتي ومُلهِمَتي ألِكسندرا، لقد بدأتُ أقلق! أنا قادمة غدًا.."

نقرتُ على إسم حسابها بعد قراءة رسائلها ذات التواريخ المُختلِفة، وألقيتُ نظرةً سريعةً عليه حتى وقعت عيناي على آخر مَنشورٍ لها:

أرسلتُ لها ذات يوم 'ورود بيضاء تُنافِسُ بياض قلبِك' لأنّي ساذجة! ساذجة جدًا..

قرأتُ التعليقات فكان أغلبها ممن يقتله الفضول حول معرفة مَن تقصد، فوجدتُ ردّها الذي كان مُنذُ دقائق: شخصيّة خذلتني. صارحتني ببرود أن الأمل التي كانت تمدّني به طوال تلك الفترة كان مجرّد كذبة أحببتُ تصديقها.

وضعتُ هاتقي جانِبًا، ونظرتُ لطعامي الذي بَرد دون أن أتذوّقه حتى.. وتنهّدتُ طويلًا.

إذًا كانت لورا صادِقة بشأن إخباري بمجيئها، أنا من تغيّب عن مواقع التواصل الإجتماعي في الآونة الأخيرة.

لن أكذب وأوهم نفسي بأن الأمر برمّته لا يضايقني، بل يمزّقني! كلماتها كمقطوعةٍ موسيقيةٍ عنيفة تأبَى مُغادرة أذني، ونظراتها التي تحوّلت من فرحةٍ وخجلٍ وفخرٍ إلى خذلانٍ وأسفٍ وندم لازالت تؤلمني! لقد أحيَت مشاعرٍ وأوجاعًا حارَبتُ ظهورها لفتراتٍ وفترات.. وكانت النتيجة فَيض دموعي وإنهيار جُمُودي المُزيّف.

كلماتُها كحبّات ملحٍ رَمَتها على جرحٍ عميقٍ في قلبي لم يجِفّ.. فَتَلَوَّى ألمًا.

لن أنكر أنٌ رسائلها كانت تجعلني في قمة السعادة! ولا يحزنني سوى تبدُّل كلمات نعتتني بها مثل 'كاتبتي المُفضّلة، مُلهمتي، قُدوَتي.' بـ 'ضعيفة. مُخذِلة. شخصيّة.'

همستُ لنفسي في خفوت "لن تبكي مجددًا!" لأمسَح دموعي وأتماسَك، مرّت الثواني.. وغرقت أجفاني في الدموع مرّة أخرى لِأفقِد السيطرة عليهم وأنهار باكية.

*****

أين تكون حين أحتاجك؟ أين تختبئ حين أبحث عنك؟ أيّ مسارٍ أسلُك لأصل إليك يا مَن عذّب فؤادي بقدرِ ما أحياه؟!
تُشبه المطر جدًا! تُشْبِهه بقَسوَته وبهَجرِه الطويل،
تأتي فجأة تخلُق في قلبي فرحًا وأملًا
و أَتَفَاجَأ بَعد لحظاتٍ برَحيلِك!
وتُشبه المُخدَّرات.. تمنحني نشوةً مؤقتة ثم تُغرِقني في عواقبٍ لا حصر لها.
كالماء تمامًا، تُحيي وتُميت.. تُسقِي وتُغرِق.
أحيّ أنت أم ميّت بقلبٍ نابِض مثلي؟
أتعبني إشتياقي، وأرهقني إنتظاري..
وأنت بارد لا تشعر، فسأكون باردة مثلك، بل وأكثر!

كوّمت الورقة في يدي لأقطعها ثم أرميها صَوب سلّة المهملات، ككل الأوراق التي سبقتها حتى نفذ حبر قلمي، ونفذ معهُ صبري.

مررتُ بصراعٍ داخليّ عنيفٍ وقاسٍ.. جعلني أقتنِع بأن شون كان وهمًا جميلًا لن يتكرر!

إستسلمتُ إلى عقلي بعد أن أُتلِف قلبي، ووجدت الكثير من الأدلّة التي قادتني إلى ما كنت أخشاه.. وجدتُ أنني أُواظِب على العلاج والجلسات ومنذ أن بدأت أذهب للطبيب وشون مُختَفٍ من حياتي! لربّما أنا أتعافَى فلم أعُد أراه.. لعلّ مرضي قد قَرُب على الشفاء!

الضبابُ الذي يَلُفُّ تلك المسألة بدأ يتلاشَى..

لقد كُنتُ مريضةً بشون وبدأتُ أتعالَج!

فهذا هو التفسير المنطقيّ الوحيد.

من الآن فصاعِدًا.. شون مُجرّد شخصيةٍ في روايةٍ توقّفتُ عن كتابتِها للأبد..

فتحتُ هاتفي بأصابعٍ مُرتعِشة، حتى وصلت لزرٍّ لم أقترِب منهُ قبلًا، نقرتُ عليه سريعًا -قبل أن أتراجع- وكان عنوانه 'إلغاء النشر'

إنتهَى الأمر.

شعرتُ بتناقُص دقّات قلبي فجأة، وكأنها على وشك الإنتهاء هي الأُخرَى..

*****

سألتني صوفيا في ملل كَبير "وماذا قال؟"

فأنا أستفزّ فضولها منذ ساعات، بعد مُكالمتي الهاتفيّة مع طبيب جراحة المُخّ والأعصاب وهي لا تنفكّ عن سؤالي عن مُحتواها، وكأنها تجُرّ الجُمَل المُفيدة من فمي.. نظرًا لشرودي المُطلَق، تارةً أُجيبها وتارةً أُرهِق عضلات لسانِها في تكرار السؤال ريثما أنتبهُ لها..

"قال أن العمليّة تُناسِبُ حالتي، ولكن تَبقَى هُناك إحتماليّة نجاحٍ وإحتماليّة فشل بما أنها وسيلة علاج جديدة ولم يجرّبها سوى ستة أشخاص! وأخبرني أيضًا بأنه مُستعِد لتكليف الممرضات بتجهيز غرفة العمليّات وتحديد الميعاد. أهناك أسئلة أُخرى يا صوفيا أم يُمكنكِ تَركي أُفكِّر دون مُقاطعةٍ مُستمِرّة؟"

"تبقَّى السؤال الأهم! أستُجرين تلك العمليّة الخَطِرَة على حياتِك؟" إمتدت يدها لخاصتي، كي تجذِب إنتباهي سريعًا تلك المرّة وتلحقني قبل أن أغرَق في دوّامة أفكاري المُترابِطة لِتُشكِّل عُقدةً كبيرة يصعُب فكّها للتوصُّل إلى قرارٍ سليم.

"نعم يا صوفيا. لِمَ لا؟ فما سوف أخسر؟ أسأخسرُ ما هو أهمّ من ساقاي؟.. لا أظن ذلك.." رفعتُ كتفاي مُتنهِّدة، لتصيح بنبرةٍ أفزعتني "أمجنونة أنتِ؟!"

تابَعَت بعد أن سيطَرَت على إنفعالِها قليلًا: "أسوف تخضعين لعمليّة جراحيّة غير مَعروفة كفأرِ التجارُب تمامًا؟ إنها جراحة مُخ وأعصاب يا ألِكسندرا، إنْ حدث بها أي خطأ بسيط قد تفتكُّ بعقلِك! أتُعَد خسارة عقلك خسارةً بسيطةً بالنسبة إليكِ؟"

سُرعان ما أجبتها في برود "سبق وأن خسِرتهُ! فأنا مريضةٌ نفسيّة بأيّ حال."

همّت صوفيا بالوقوفِ قائلةً بغضب "أنتِ مجنونة فعليًّا يا ألِكس! لقد أتلفتِ أعصابي! سوف أُعِدّ مشروبًا مُثلَّجًا.." ثم ذهبت بعيدًا.

إلتقطتُ الهاتف لأتّصِل بالطبيب وأُحدِّد ميعاد العمليّة قبل أن تتبخّر عزيمتي القويّة، وقراري الجريء والهمجي.

*****

مرّ إسبوع كامل.. كطائرةٍ أخذتني من يوم الاربعاء للأربعاء المُقبِل! أين الوقت الذي يمرّ كالسُلحفاة؟ فأنا بحاجةٍ إليه الآن..

غُرفة العمليّات باتت جاهِزة، لا يفصلني عنها سوى عدّة أمتار! وقلقي كاد أن يقضي عليّ.. أنتظِرُ إشارةً من الطبيب أو الممرضات بأن أدخُل بعد تعقيم الغُرفة.

جائت مُمرضةٌ لتدفع الكُرسي نحو الغُرفة بعد أن تأكّدَت أنني مُستعِدّة، حينها لم أعُد أشعُر بنبضات قلبي، ولا بأنفاسي، أشعُرُ بسيلان حُبيبات العرق على جبيني وبإختناقٍ يُلازمني وكأني أُسحَب نحو بُركانٍ لا يَخمَد.

حملتني الممرضات ليضعني فوق السرير، كُنتُ مُغيبةً عن الوعي لا إراديًّا. الحركةُ المُستمرّة تملأ الغُرفة هُنا وهُناك والطبيب قد دخل والباب قد أُغلِق وبعض الممرّضات يتحدثن معي ولا أجيبهن، قد طار بي الرُعب إلى أرضٍ بعيدة لا أشعر فيها بأيّ شيء! البعضُ يُجرّدني مِن ملابسي، والبعضُ الآخر يُعلِّقُ محاليلٍ بجسدي، وواحدة تُمسِك بحُقنةٍ طويلة والأُخرَى تضبُط أجهزة القلب وتوصِّلُها بي، ورغم كل تلك الضوضاء فأنا لا أسمع سوى أنفاسي التي شعرتُ وكأنها الأنفاس الأخيرة.. أُطلِقُها بضيقٍ وأشعُرُ بدوارٍ فتّاك، حتى زُرِقَت لي حُقنةً في الوريد..

فتغيّبتُ عن الوعي فعليًّا.

*****

رنّاتٌ مُتقطِّعة قد إخترقَت أُذُناي، حاولتُ فَتح عيناي ولكن جفناي الثقيلان عَملا على إفشال تلك المُحاولة.

توصّلتُ إلى فتح عيناي أخيرًا، ثم بدأت تتضِح الرؤية رويدًا رويدًا حتى تمكّنتُ من تمييز غُرفة العمليّات التي قبعتُ بها.

نظرتُ بإتجاه صوت الرنّ غير المُنقطِع لأكتشِف بأنّه جهاز القلب المُتّصِل بي، إمتدّت يدي لجهاز التنفُّس الصِناعي بإرتعاشٍ وبُطىء لأنزعهُ عنّي، لكن أوقف حركتي صوتٌ أجش..

"لا تنزعيه الآن!"

رفعتُ عيناي المُتعبة نحو المُتحدّث، وإستطعتُ بصعوبة أن أدرك بأنهُ الطبيب..

لا أقوَى على الحديثِ، تبوءُ مُحاولاتي بالفشل كُلّما حاولت تحريك عضلات لساني.

"أُراقبكِ منذ أن إنتهت العمليّة، أترقّبُ لحظة إستيقاظكِ حتى أنني إعتذرت عن كل المواعيد التي تتعلّقُ بالعمل!" قال مُقترِبًا، ثم أمسك بدفترٍ صغيرٍ وقلم ليبتسِم ويُتابِع..

"نعم، فعمليّة كهذه تفوقُ أهميّةً عن كل شيء! يجب أن أُتابِع النتيجةَ بنفسي.."

شعرتُ بدوارٍ لا يُحتَمَل، وسقطَت أجفاني لأُغلِق عيناي بالإكراه.. ثم تبخّر شعوري بكُلّ ما حَولي.

*****

تفتكروا العملية نجحت؟🤔

تفسير ألِكسندرا لموضوع إختفاء شون صح؟

تتوقعوا أي حاجه؟

عمومًا ناقص فصلين والقصة تخلص⁦☹️⁩ حمّسوني بالكومنتس والڤوتس عشان أنزلهم في أقرب وقت💕

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top