١١ | سقوط على أرض الواقع.
"أتعرفون ماذا كان في الظرف؟"
إبتسمتُ بمكرٍ بينما أطالعهم جميعاً، فأردف شون متصنعاً الملل "هذا يكفي، أخبرينا الآن!" لأنفي برأسي.
وجدتُ أنهم لا يملكون أية توقعات، وحملت وجوههم حماساً شديداً قد جعلني أُفصِح عمّا بالظرف قائلة "لقد كانت دعوة لحفل تكريم الكُتّاب السنويّ."
عَلَا التصفيقُ لأبتسم ويصيح شون بسعادة "يا إلهي! إنها فرصتكِ يا ألِكس، عليكِ الخروج من المنزل!"
أومأتُ مؤيدةً فكرته، فأتى وسحبني إلى صدره في عناقٍ دافئٍ زاد من سعادتي، ثم قُلت "ولكن هناك فكرة غريبة تراودني منذ أيام، ولا أدري إن كان يجب أن أنصاع لها!"
"ما هي؟" عقد حاجبيه بفضولٍ لطيف، فأجبته بحرج "في الحقيقة لقد إشتقتُ لتحريك قدماي كثيراً، وبتحريكي لهما في أرض الخيال إزداد إشتياقي لفعل ذلك في الواقع! فراودتني فكرة أن أخضع لعمليّة جراحيّة.. لكنني متوترة جداً." فإلتقط يدي بين خاصتيه وإبتسم قبل أن يجلس أمامي كعادته اللطيفة.. وحينها أعلمُ أنه سيملأ مسامعي بعبارات الدعم -التي أصبحت الدافع الأوّل لي في كل شيء أفعله- كما يفعل دائماً.
"أنا أشجّعكِ على التفكير في هذا الأمر، أتعجّبُ في الحقيقة لعدم إتّخاذكِ لهذا القرار من قبل.. ما الذي منعك؟"
"خوفي الغبي." إختصرتُ إجابتي ليبتسم أكثر ويُقبّل يدي ضاحكاً، فشعرتُ بحُرقةٍ في حلقي وتصلُّب الشرايين في جسدي..
نظرتُ إلى بقيّة رفاقي وإبتسمتُ بتوتُّر لأتلعثم "أيمكنني أن أتحدّث مع شون لدقائق يا رفاق؟" ليحرّكوا رؤوسهم بالموافقة وأذهبُ برفقة شون مبتعدين عنهم بمسافةٍ كبيرة.
تخيّلتُ أننا على حافة هضبة واسعة تملأها الحشائش الخضراء الزاهية.. وأمامها وادٍ مليء بالأشجار المُتشابكة والعصافير تُغرّد فوق أغصانها، والسماءُ صافية.. على يمينها قُرصٌ ذهبيّ يزداد توهّجاً وترسل آشعته الدفء إلى هذه الأرض ليكتمل سحرها..
ثوانٍ وأصبح الأمر واقعاً أمامي، فسحبتُ يد شون وإبتسمت بحبور بينما أجلس على حافة الهضبة، ففعل مثلي وعلى ثغره إبتسامة لعوبة..إستفزّت فضولي لأندفع بسؤالي "لِمَ تبتسم أيها الأبله؟" فضحك بقوّة ثم قال "أبتسِمُ لأنّكِ مُرتبِكة، لِمَ ترتبكين؟" ثم نظر بعيني لأهرب منه سريعاً وأُحدِّق بالمنظر أمامي.. بينما أضم ساقاي إليّ وأستند بذقني عليهما.
"لديّ بعض الأسئلة لك يا شون، لن أرحل قبل أن تجيب عليها كلها! فقد نفذ صبري تمامًا.." سمعتهُ يُهمهم، فطرحتُ سؤالي الأوّل "لِمَ لَم يظهر لي أحدٌ في واقعي من ساكني عالم الخيال غيرك؟" نظرتُ إليه فرفع كتفيه قائلاً "لا أعلم.."
ضيّقتُ عيناي بإصرارٍعلى معرفة الإجابة، فسُرعان ما تحدّث "أُقسِمُ لكِ يا ألِكس، لا فكرة لديّ عن السبب!" لأتنهّد في يأس.
"ما هو سؤالك الثاني؟"
سألته دون تردُّد "كيف يُمكنك لمسي ولمس كل الأشياء المادية في أرض الواقع؟" وصنعت معه تواصلاً بصريّاً لأحرص على عدم هربه من الإجابة تلك المرّة، فتحمحم قائلاً "لا أعلم.."
"لا تعلم، صحيح؟" نظرتُ لهُ بمكرٍ يفوحُ من عيناي، فأومأ لي غير متوقّعاً ردّ فعلي التي كانت في غاية الهدوء..
"لِمَ لا أستطيع تخيُّل ردودك عليّ؟ لِمَ لا أتوقّع ما تقوله؟ ألستَ مِن نسيج خيالي كما قُلت؟!" عقدتُ حاجباي بينما أنظر إليه، فسُرعان ما قاطعته بإنزعاجٍ واضح "لا تعلم، أعلم!"
ظللنا لدقائقٍ طويلة على هذه الحال، كلانا شاردٌ ولا يتحدّث، لكنّي لديّ الكثير لأقوله! وأشعر بأن الكلام تجمّع في حلقي ليخنقني حتى بات المكان ضيّقاً والأكسجين يقلّ منسوبه تدريجياً.. كل ما في الأمر أنني مترددة.. جداً!
أسنبقى هكذا إلى الأبد؟
"ألِكسندرا.." شعرتُ بلمسته على كتفي لأتنهّد وأنظر نحوه، لأشعر بأنه يملك الكثير لقوله أيضاً..
"أنا أيضاً لديّ أسئلة كثيرة، لستِ وحدكِ مَن يتحرّقُ شوقاً لإيجاد الإجابات، لكن بعض الأسئلة لا إجابة منطقيّة لها.."
*****
دخلتُ غُرفتي بواسطة دفعي للكرسي الذي سئمت منه، يتبعني شون بينما يدندن بكلماتِ أغنيةٍ لطيفة. إلتففت لهُ قائلة "حسنًا يمكنك الذهاب الآن بعد أن قُمت بتوصيلي."
"أتظنين ذلك؟ لقد جئت معكِ لأتأكّد من أنّكِ سوف تهاتفين مَن دعاكِ إلى حفل التكريم وتبلغيه بحضورك، ثم لاري بيكر وتخبريه بموافقتك على زيارة مكتبه.. وإلا لن أذهب!" حذّرني بسبابته متحدياً، فأدرتُ عيناي ساخرة "يا له مِن تهديدٍ مرعب!"
"أهذا أفضلُ ما عِندَك، سيّد شون؟" رفعتُ حاجبي بتلاعُب، فإبتسم ليحشر يديه في جيبِه مُردِفًا "لا أرغبُ بأن أقسو عليكِ، ولكنّي قد ألجأ إلى الحلّ الثاني وهو عدم إصطحابكِ لعالمي مجدداً." فإتسعت عيناي لأزدرد ريقي فيضحك..
ضحكته ظلّت تتردّد في أذني تلك المرة مما جعلني أبتسِم بتوسُّع، ثم أخذتُ هاتفي لأنقر بعض الأرقام وأضعه على أذني.. بينما شون يُلقي بجسده على سريري المُرتّب، مُرتدياً حذائه الرياضي!
سُرعان ما صرخت به "إخلعه وإلا قتلتُك!" حينها فُتِح الخطّ ليستفهم الرجُل "عفواً، ماذا؟"
شعرتُ بحرجٍ يستولي عليّ، ثم تشجّعت لأتحدّث "آسِفة للغاية، لم أكن أحدثك!"
أخبرته عن موافقتي على حضور الحفل وأنني سعيدة لحصولي على تلك الدعوة، وأرمي نظراتٍ غاضبة نحو شون بين حينٍ وآخر لعبثه في دفتر مذكّراتي.
أنهيتُ المُكالمة لأرمي بالهاتف في جيبي وأوجّه سؤالي لشون "ماذا تفعل؟"
نهض من فوق السرير ليتقدّم نحوي، ثم مال ليضع يده أسفل ساقي والأخرى خلف عنقي لأتعجّب ويتسارع خفقان قلبي.. وإذا به يحملني عن الكُرسي ليضعني برفقٍ على السرير، ثم أحاط جسدي بيديه مُتكئًا بهما على السرير بينما يتسائل "أتريدين شيئًا منّي قبل رحيلي؟" وإبتسم، لأشعُر بأن ثغري يكاد يتفتّت لمئات القطع لكثرة إبتسامي اليوم..
نفيتُ برأسي مُبتسِمة لشعوري بفقدان القدرة على الكلام فجأة، وحدّقت بتفاصيل وجهه الفاتنة عن قُرب.. فتيقّفنت بأنه إن لم يرحل الآن، سوف يُحطّم قلبي قفصي الصدري وينبض بصخبٍ خارجه..
"تُصبحين على خير!" أردف ومال نحوي فشعرتُ بالتوتُّر يأكُلُني حيّة، حتى طبع قُبلةً لطيفةً علي جبيني.. ثم إختفى.
سحبتُ نَفَسَاً عميقاً وكأنني كُنتُ غارقة تحت الماء، وبدأتُ أبتسم بقوّة.. ثم نظرت نحو باب الغُرفة الذي فُتِح فجأة لأتفاجأ بصوفيا تدخل وملامح وجهها جامدة لا يمكنني قرائتها.
تذكّرت أنني لم أهاتف مالِك محلّ البقالة منذ إسبوع.. لابد أن المنزل ينقصه الكثير من الأشياء! لربّما هي منزعجة من تصرّفاتي مؤخراً.. لكنني طرحتُ سؤالي لأخلّص نفسي من تلك الحيرة "ماذا بِكِ صوفيا؟"
رمتني بنظراتٍ لم أعهدها منها! نظرات حملت المَكر والخبث لتطرح سؤالها الذي أخرسني لوقتٍ طويل "لِمَ لم تطلبي منّي أن أضعكِ على السرير؟ هل إستطعتِ الصعود وحدكِ يا ترى؟!"
تحوّلت ملامحي من الصدمة إلى الغضب، وعقدتُ حاجباي بينما أعتدِل في جلستي قائلة "أتسخرين مِن عَجزي يا صوفيا؟"
تبخّرت نظراتها الماكرة وشعرَت بالندم، لتتلعثم "لم أقصد ذلك!" ونظرت لي مطوّلة.. قبل أن تقترب من السرير وتعبث بأصابعها بتوتُّر.
خطور أوسكار في بالي فجأة، وتذكّرت عندما يقفز على فخذاي ويلعقُ وجهي فور إستيقاظي وقبل منامي.. فإبتسمتُ متسائلة "صحيح.. كيف حالُ أوسكار الآن؟ أتعافَى من مرضه؟"
رفعت عينيها إليّ في بطىء، قبل أن تقول بخفوت بسبب الدموع التي حبستها "هذا ما جئت لأخبركِ به.. أوسكار يحتضر يا ألِكسندرا."
تلاشَت إبتسامتي لتحلّ محلّها صدمةٌ لا مثيل لها، تجمّعت الدموع بعيناي لأنظر لصوفيا مجدداً.. حاولت الحديث ولكن تقطّعت الكلمات فوق شفتيّ.. لتتساقط دموعي الحارِقة وتنتصِبُ عروقي مُلتهبة.. وكأن كل أعضائي تبكي حُزناً..
رددتُ في خُفوت وعدم تصديق "أوسكار يموت؟" فتساقطت دموعها هي الأخرى.
يا له من سقوطٍ حادٍ على أرض الواقع، جعل كلّ جزء من جسدي ينزف وجعاً.
*****
وحشتني الرواية جداً ووحشتوني♥
عاملين إيه؟
إيه رأيكوا في الشابتر؟
متوقعين إيه للي جاي؟
أشوفكوا في الفصل الجديد بإذن الله♥
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top