[١] تجربة مُشوّهة.
دُفِنَت التجرُبة في أحشاء القِرد، وماتت معه..
هكذا قررت الاستاذة «مونيكا» أن نصرِف أنظارنا عن هذا المشروع الـ'فاشِل' كما نعتتهُ هي! وطلبت منّا أن نعمل على مشروعٍ جديد مُتجاهلين ما حدث هذا النهار، كان الإرتباكُ طاغيًا على نفسِها أثناء مغادرتنا للغرفة.. مما لم نفهمهُ أبدًا، ماذا دهاها تلك المرأة؟
كلمة 'فاشل' لم تكُن مُنصِفة البتّة.. قد أستبدلُها بـ'غريب' بعد كل ما توصّلنا إليه من إستنتاجاتٍ لا تمتّ أيّ من صفات الفيروسَين الأصليين بصِلة!
أخبرني «ديلان» أن يدهُ تحرِقهُ بعض الشيء لكنّه يتحامَل، وقد ساعدتهُ على تدوين الملاحظات التي تم ذكرها في المحاضرة، وظلّ هو شاردًا مُحتارًا... ما يشغل باله قد شغل بالنا جميعًا، وقررنا إبقاء هذا الأمر سرًّا بين أربعتِنا..
تُرى ماذا كان هذا الذي حدث؟ لا أعرف، لكن ما أعرفهُ جيدًا أن المشروع لن ينتهي بهذه السهولة!
- أيجبُ أن أستخدم الحرارة لفردِ شعري أم أتركه مُموّجًا كما هو؟
سألتني «چولي» للمرة العشرين منذ جلوسنا في القاعة، إذ إلتفتُّ لها لأقاطع عبثها بأطراف شعرها حيثُ قُلت مُضجرة:
- أوتعرفين؟ سيكون من الصعب أن يسألني أحدهم أن أختار الأسوأ.. ثرثرتك أم ثرثرة الاستاذ!
- لن يهتم أحدٌ لرأيك من الأساس.
أخرجت لي لسانها بطفوليّةٍ مَعهودةٍ منها، وشتّت إنتباهي عنها حديثُ «لوسي» مع زميلَينا «ويليام» و «ڤيولا» والذي بدا أنهُ مُخططٌ لحفلِ عيد ميلاد واحدة من أعزّ صديقاتنا.. «سكاي» الصهباءُ خاصتنا ذات العينين الفيروزيّتين.
إبتسمتُ أثر تذكُّري لِما إتفقنا عليه.. سوف نُفاجئها بمنزلها فور أن يتقابَل العقربان عِند مُنتصف الليل مُستغِلّين سفر أهلها لظروفِ العمل، نتمنى أن تُحب فكرة إستعمارنا لبيتها في وقتٍ كهذا دون سابق إنذار.
باغَتني أنينٌ خافتٌ صدر من فمِ «ديلان» فإلتفتُّ له مُتسائِلة، لكنه سبح في عالمٍ آخر شاردًا في ذراعِه الذي رفع عنهُ كُمَّ مِعطفه..
- ما الخطب؟
تسائلتُ بينما أتفحّص ذراعه برفقته، ملامحي إعتلتها الدهشةُ.. وقلبي إلتهمهُ الذُعر!
كيف أرى ما أرى؟!
ذراعه تلوّن بالأحمر بغتةً، وبدأ جلده يرتفِع عن مستواه العاديّ ثم يهبط مجددًا وكأن هناك حركات بداخله مَجهولة المصدر!
قبل أن أحصُل على فُرصةٍ لِأُعلِّق وجدتُ نفسي أحُكّ مِعصمي، تراودني حكةٌ شديدةٌ أشعُرُ بها على طولِ ذراعاي.....
رفعتُ أكمام سُترتي لأحُكّ جلدي بعُنف خاضعةً لتلك الحكّة المُستفزّة... ألمني جلدي أكثَر، فحاولتُ أن أُزيد من سُرعة الحكّ حتى تَعِبت، وتوقّفت عن الحكّ... إنما توقّفتُ عن الحراكِ تمامًا فور أن شعرتُ بشعورٍ غريبٍ يجتاحُ جسدي..
ذراعي أخذ اللون الأحمر تمامًا كـ«ديلان» وبدأت تظهر الدماء بمكان الحكّ نتيجةً لأظافري الطويلة لكن ليس هذا ما جذب إنتباهي وأوقعني في بئرٍ من الحيرة لا غور له،
بل شعوري بشيء ما قد إخترق جلدي وبدأ يتحرّك أسفلُه مُدغدِغًا إياي بطريقةٍ مؤلِمة!!
يا للهول...!
وإذا بجلدي يرتفع عن مستواه العاديّ كوجودِ شيء ما بأسفله بالفعل.. بل ويتحرّك!
وجلدي يرتفعُ معهُ أينما ذهب..
توسّعت عيناي وصار قلبي يضخّ دمًا مُلوّثًا بالرُعبِ في عروقي جميعها، تعرّق جبيني بشدّة وقاومتُ الصُداع الطاحِن في رأسي لأرفع عيناي المُضطربتَين وألتفِت لكلّ مَن حولي..
وكان الأكثر رُعبًا مما حدث معي أن البعض يحكّون جلدهم بهياجٍ ويطلّ القلق من عيونهم مثلي!
سمعتُ خفقان قلبي المُتسارِع وصفير أذناي... ووقعتُ في دوّامةٍ بعثرت تفكيري تمامًا، صرتُ لا أسمع ولا أرى ولا أتكلم... مأخوذةً من هول ما يحدث.
أمعقولٌ أن يُصيبنا إختراقٌ في الجلد؟!
_____________
[مِن وجهة نظر ويليام]
أمسكتُ بيدِ «ڤيولا» التي أطلقت شهقاتٍ عاليةٍ بينما تُراقِبُ جسدها يزداد إحمرارًا وهياجًا، فحاولتُ أن أُخفِّف عنها بقولي الذي بدا لها هذيًا:
- إهدأي يا ڤِي.. لنرَ طبيب الجامِعة، يبدو بأنه طفح جلديّ قاسٍ لا أكثر.. سيكون كل شيء على ما يُرام.
سحبت يدها من قبضتي لتبكي صارخة:
- طفحٌ جلديّ؟ إن الدماء تحرقني كُلّما مرّت في عروقي، وجسدي يدفعني لحكِّه رغم محاولاتي بالمقاومة حتى تشنّجت أصابعي! ليس بطفحٍ جلدي على الإطلاق يا ويليام.
- إنظُري.. هناك الكثيرون حولنا تُراودهم تلك الحساسيّة الجلديّة، علينا أن نسأل الطبيب بشأن هذا لتأخذوا العلاج جميعًا.
عملتُ على تهدئتها بكلّ ما لديّ من طاقة، ثم أخذتها معي لطبيب الجامِعة مُنسحبَين من القاعة التي إنقلب جوّها من المرح للفزع... لم تقوَ «ڤيولا» على الحديث أبدًا.. كل ما تفعله هو عضّ شفتيها لكتمِ صرخاتها وحكّ جلدها بعنفٍ، عنف شديد! كان كفيلًا ليُصيبني بالإرتباك.
رفع الطبيب عينيه عن حاسوبه المُتنقّل، ثم إبتسم لنا ونُثِر التساؤل على وجهه.. فبادرتُ بالقول:
- أيها الطبيب.. نحتاجُ لمُساعدتك، أختي تُعاني من ألمٍ نجهلُ مصدره.
نظرتُ إليها فلاحظتُ إضطرابًا يتوارَى خلف عينيها، شجّعتها بإيماءةٍ من رأسي فتنهَّدَت مُستسلِمة، أخذت خطوةً تُقرّبها من الطبيب الذي نهض من مجلسه يصُبّ تركيزه نحونا.. وكادت تتحدّث إنما دُفِع باب المكتب فجأة لتظهر «كلارا» الشقراء الطويلة، ملابسها غير مُهندمة وشعرها ليس مُرتّبًا.. على غير عادتها!
بدت غاضبة حدّ الجنون حيثُ دفعتني لتعبُر، ثم تصيح بالطبيب:
- دعك منهما، إن حالتي طارئة..
إعتلت شفتاي إبتسامةٌ مُستهزِئة، بينما دفعتني «ڤيولا» هي الأخرى لتقترب من الفتاة وتتحدّث بإنفعالٍ جمّ:
- لا أظن ذلك، فأنا أُعاني من حكّة شديدة... هيا، إغلقي الباب فور خروجكِ.
ناظرتها الأخرى بتعجّب، وكأنّما سُكِب دلوٌ من المياه الباردة على نيران غضبها.. فهمست:
- أنا كذلك!
- مِمَّ تشكيان بالضبط؟
عدّل الطبيب نظارته على جسرِ أنفِه الأفطس، فخلعت أختي معطفها لتكشِف عن ذراعيها المليئَين بالبثورِ الحمراء الغريبة، وإشتكت:
- أشعر بدغدغةٍ مؤلمة وحكّة مستفزّة منذ حوالي نصف ساعة مما سبب لي الإحراج في المحاضرة، وتطوّر الأمر بشكلٍ مَهول حتى غزت البثور جسدي! وتبدأ الحكّة بالإنتقال من مكانٍ إلى آخرٍ بالتدريج، لكنّي أفقدُ أعصابي مع هذا الشعور فعليًّا..
رفع أحد حاجبيه مُشككًا، ثم إستقرّت عيناه على جسدها، وإندهش حينما شُدَّت أناملها تِجاه عنقها فتبدأ بحكِّها مُنصاعةً لألمٍ يتملّكها، يلغي أوامرها، ويرفُض تمرُّدها...
تفحّصها بنظراتِه المُرتابة، فبثّ الرُعب في قلبي.. لأزدرد ريقي مُتوتِّرًا.
أحضر مُكبِّرًا ليتفقّد جلدها بتمعُّن، ورآه يتحرّك صعودًا ونزولًا ثم تنتقِل حركته لمنطقةٍ أخرى.. وكأن كائنًا حيًّا يركُضُ داخل جسدها ويتمدّد، أسفل جلدها.
كان خائفًا من لمسِها.. كما إرتبكت نظراته حيثُ إنتهى من الإطّلاع عليها، ثم مسح وجهه بكلتا يديه قبل أن يطلق لجام لسانٍ كبّلهُ الإستغراب:
- لم أرَ لهذا مثيلًا في حياتي!
شعرَت «ڤيولا» بقلبِها ينقبضُ.. وزادت قبضتها قوّة على معطفها التي إعتصرتهُ يداها المُضطرِبتان، كما تجمّعت الدموع في عينيّ الفتاة الأخرى بينما تصرخ في وجهه تطالبهُ بتشخيص تلك الأعراض...
سُرعان ما ربتُّ على كتفِ «ڤيولا»، وصِحت به مؤنّبًا:
- من المفترض أن تعرف ما هذا.. إنه عملُك أن تعتني بالجامعيّين!
- من المُفترض يا فتى، ليس من اللازم.. ألم ترى كيف يتشنّج جسمها ويتهيّج جلدها؟!!
جلس على مكتبه ليخلع نظارته الطبيّة ويتنهّد، بينما سألته أختي وإهتزّت نبرتها بدافع القلق:
- وما العمل؟!
نقّل ناظريه بيننا لبُرهة، ثم تكلّم:
- دعوني أبحثُ عن تلك الأعراض، وأُهاتِف أصدقائي الأطبّاء لربّما أكتشف الأمر.. وفور وصولي لشيءٍ ما سأتّصل بكم.
إحتجّت الشقراء بعد صمتٍ طويل:
- لكنّي لن أحتمِل الألم أكثر.. أسرِع في عمليّة البحث، فأنا أكادُ أُجنّ!
هزّ رأسهُ بالموافقة، ثم غرق في دوّامة أفكارِه.. إرتدت «ڤيولا» معطفها فأخفت البثور القاسية، بينما الشقراء دفعتني لتخرج.. أدرتُ عيناي ساخرًا ثم طوّقتُ «ڤيولا» بذراعي لنرحل من هنا.
غادرنا خائبَين، وقلِقَين لحدٍّ كبير..
- دفعتني صديقتك مرّتان، وأنتِ مرة واحدة.. إنها تتفوّقُ عليكِ.
حاولتُ تلطيف الأجواء بمُداعبتها، ومع ذلك قرصَت ذراعي قائلة:
- ليست بصديقتي! إنها كلارا... ولا تتفوّق عليّ في أي شيء سوى الوقاحة والدناءة.
- أهناك من هي أكثر وقاحة منكِ؟! عيبٌ عليكِ، لا تكذبي كي لا يحلّ بكِ عقابٌ وخيم.. ألا يكفيكِ كونكِ مريضة بأعراضٍ فضائيّة؟!
توقّفنا عن السَير فجأة حيثُ رمت بمعطفها عليّ وبدأت تحكّ جلدها سريعًا وتكتم صرخاتها حتى تلوّن وجهها بالأحمر...
يا إلهي، قد تكون «ڤيولا» جرباء!
__________
[مِن وجهة نظر چيسي]
أقفلتُ الدفتَر الخاص بالتجربة الـ'فاشِلة' خاصتنا أثناء سيري مَع مجموعتي في الرواق.. إنها تجربة مُشوّهة، ناقِصة، لم تكتمِل.
جميعنا أصابتنا حكّةٌ عنيفة ومُثيرة للجنون.. وجميعنا توصّلنا لإستنتاجٍ يضربُ في المنطِق سهمًا.
لابُدّ أن للأمر علاقة بالتجربة التي أجريناها صباحًا، مؤكدٌ أن القرد عندما عضّ «ديلان» نقل إليه الفيروس المُهجّن وأصابه بالعدوى.. لكن كيف إنتقلت العدوى لكل هؤلاء الناس في حين أن أربعتنا فقط من أجروا التجربة؟
في الواقع لم نلحَظ الكثيرين يحكّون أجسادهم.. فنحنُ أنفسنا أخفَينا الأمر قدر المُستطاع، لكنّي متأكدة من إنتشاره بيننا بطريقةٍ ما!
صِرتُ أقبِض على يدي وأشدّ أعصابي أو أعضّ على شفّتي السُفليّة كلما راودتني الحكّة.. الأكثر إيلامًا في الأمر هو شعوري بإحتراقِ الدماء في عروقي وإصابتي بالصداع الفتّاك، وخصيصًا شعور الدغدغة السخيفة فور مرورِ الفيروس الذي يخترق جلدي من منطقة لغيرها.
- رِفاق، سنذهب للأستاذة نيكول كي تفتح لنا غرفة التجارب مجددًا.. علينا أن نُكمِل ما بدأناه.. تلك التجربة لا يجب أن تمُر مرورًا عابرًا لطيّات النسيان بتلك البساطة، إنها سبب ما نحنُ فيه من ألم غريب.
تنهّدتُ بينما أخبرهم، فأردفت «چولي» مؤيدة:
- أكيد، لنقُم بإجراء التحاليل على جثة القرد.. وفحصٍ لقراءة بيانات سائله المنويّ، ولندرس حالته على نطاقٍ أوسع.
إنصرفتُ إلى المكتبة وطلبتُ من الموظّفة أن تجمع لي الكتب الخاصة بأمراض الجلديّة وطب الجلديّة بشكل عام، فأخذت وقتًا حتى أعطتني ما يُقارب العشرين كتاب... سُرعان ما أدخلتهم حقيبتي وسجّلت بياناتي في أوراقها الرسميّة مُستعيرةً إياهم، ثم أخذت أتحامَلُ على كتفاي اللذان حملا حقيبتي التي زاد وزنها كثيرًا.
كانت «چولي» قد هاتفت والدتها تطلبُ منها أن تأتِها بمجموعة الأعشاب الطبيعيّة التي تحتفظ بها في المنزل، وحرصت على عدم الإفصاح عمّا حل بنا من مرض.. وبالفعل جائتها والدتها بما طلبت لإقتراب منزلهما من الكُليّة..
إجتمع أربعتنا مجددًا في الرواق، ووقفنا ننظر لـ«ديلان» الذي إستجمع شجاعته ثم تقدّم نحو الاستاذة «نيكول» طالبًا منها بعض الوقت لتسمعنا.
حاول كُلٌ منّا أن يقنعها لتدعنا ندخل الغرفة مجددًا، لكنها أخذت ترفض.. حاولنا كذلك أن نكتم أمر الأعراض الغريبة وألا نجعلها تلاحظ شيئًا، ولم يبقَ الأمرُ سرًّا لوقتٍ طويل على ما أظن..
حيثُ جاء طبيبُ الجامعة مِن العدم، وسحبها من بيننا ليُحدّثها بهمساتٍ وهمهماتٍ مُبهمة غامضة.. لم يرتَح لها قلبي بتاتًا، لكنّ عقلي بات يستنتجُ مَضمونها فغمرني القلق..
أتساءل لِمَ يسترقان النظر إلينا بتلك الطريقة التي عبثت بنبضات قلبي؟ وجمّدت الدماء في عروقي!
_____________
ايه رأيكوا يا شباب؟
وتتوقعوا ايه للي جاي؟
عامةً الرواية مفيهاش تفاعل عكس توقعاتي خالص افتكرت انكوا هتفرحوا لما ارجع انزلها بس مش كله قرأها وشكرًا للي بيستنوا كل فصل منها❤️
ولو مفيهاش اساءة ادب لو حابين ممكن تعملوا منشن لاصحابكوا يتابعوها وهي في اولها كده💕
اشوفكوا الفصل اللي جاي💕
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top