ما قبل البداية.

كان نهاري اليوم حافلًا بالعمل الجاد.. صعبٌ أن أواجه يومًا كهذا بعد عُطلة نهاية الاسبوع التي دائمًا ما تغمرنا بالكسل والخمول، لكنّي أُحِبُّ ما أفعل..

لطالما كانت العلومُ شغفي وشُغلي الشاغل، ورثتُ حُب الأبحاث العلميّة عن والدي الذي كان طبيبًا جرّاحًا، رغبتُ بأن أسير على خطاه لكنّه منعني بإصرارٍ كبير وحدّةٍ لم أجد لها مبررًا آنذاك.. لكنّي فهمتُ لاحقًا، فالشيء الذي أحبّهُ طوال حياته وكرّس له كل مجهوداته غدر به ودفعه للهاوية بين ليلةٍ وضُحاها...

لفح صدري هواءُ المعمل البارِد فور دخولي له قائدةً فريقي الصَغير، كذلك دخلت بقيّة المجموعات من الطلاب خلفنا تُطوّق المعاطف البيضاء أجسادنا التي توارَت خلف منضدات حامِلة لعدّة تركيبات كيميائيّة سائلة تختلفُ ألوانها.. تضمّها أنابيبٌ ضيّقة، كُلُّ مجموعةٍ مُكوّنةٍ من أربعة أفراد تأخُذ مكانها أمام إحدى المنضدات بينما نستمعُ لوابلٍ من المعلومات على لِسان أستاذتنا الجامعيّة «مونيكا».

"درسنا من قَبل عن خصائص تلك الفيروسات المُنتشرة على كوكب الأرض، لكن حان وقتُ التجرُبة العمليّة.. إذا وضعنا مُحتوى الأنبوب (ألِف) أمام كل مجموعةٍ مِنكُم في الأنبوب (باء) الذي يحتوي على الكربون فسيظهرُ لنا مُحتوى الأنبوب (تاء) وهو أحد الفيروسات الأكثر تهديدًا للحيوان في القرن العشرين.."

رأيتُ صديقي يعبثُ في مُكبِّر الجُزيئات بجانب المُعِدّات، فصفعتُ يده تلقائيًا هامِسة بنبراتٍ تحذيريّة:

- ستضيعُ علينا فرصة ربح المشروع إن بقيتَ تُشتّت نفسك عن سماع الشرح أيها الأبله!

نظر لي ساخرًا، ثم أعاد بصره نحو المُكبِّر وكأن كلامي ذهبَ مع الريح، فزفرتُ الهواء بغضب لأنظر أمامي وأتجاهله...

لم أتعجّب لردّة فعله البتّة، فدائمًا ما يكون «ديلان» باردًا جدًا مهما كانت اللحظاتُ مُلتهِبة!

صحيحٌ أن ملامحه تدفعُ مُبصِرها للسَكينة، وعيناه بنيّة تنطقُ باللُطفِ والطيبة، حتى شعرهُ المُرتّب يدعوك لتقبُّل هذا الشخص الماثل أمامك بصدرٍ رحب، إلا أنه بارد كقطعةٍ من القطب الجنوبي لم يُذِبها الإحتباسُ الحراريّ.

أتذكّرُ أننا كُنّا نتشاجرُ يومًا وأخذتُ ألقي عليه اللوم وأعاتبه صارخةً وباكية وظلّ يسمعني لآخر لحظة، إلى أن تفوّه بإعتذارٍ بسيطٍ زائفٍ حطّم مشهدًا دراميًّا لم يكتمِل.

مشروع تلك السنة يعني لي الكَثير، يكاد يعتمدُ عليه مستقبلي بأكمله في علم الأحياء الدقيقة! مشروعُ مجموعتنا هذه المرّة عن الفيروسات المُهجّنة، قلّما أنجذبُ إلى مشروعٍ لهذا الحد... تلك المرة تحديدًا كان شغفي يزداد مع كل معلومةٍ نُزوّدُ بها، بدا الموضوع جديدًا ومثيرًا للإهتمام.

كان الهدوء يكتنفُ هذا المعمل كما العادة.. لا صوت يُسمَع سوى صوتُ أستاذتنا، إنّما تخلّلهُ همسٌ خافتٌ في اذني:

- چيسي.. أودُّ الذهاب إلى حفلة موسيقية هذا المساء، وأنتِ ستُرافقيني لا محالة.. جميعهم رفضوا، كُونِي أفضل منهم إذا سمحتِ.

رميتُ «چولي» بنظراتٍ حارقةٍ فتحمحمَت قبل أن تصُب كامل تركيزها على مُحاضرتنا العمليّة.

بَدَت لطيفةً جدًا وجسدها النحيف يلُفّهُ المعطف الأبيض مُتماشيًا مع لونِ بشرتها الصافي، بينما يكسِرُ هذا البياض خُصلات شعرها المُموّج التي إتخذت لونًا بُنيًّا داكِنًا كالقهوة، مُنسدلةً على ظهرها ليظهر طولها المتوسّط.. لكنّ عيناها البُنيّة يفوحُ منهما الشغبُ والرقّة في آن..

ألعبُ دور الأم الحريصة على أبنائها في هذه المجموعة المعتوهة التي وُضِعتُ فيها رغبةً من القدر، «لوسي» و«چولي» و«ديلان» يُصيبوني بتلف الأعصاب في كل صباح! إلا أن «لوسي» فاجأتني بهدوئِها تلك المُحاضرة، كُلّما تفقّدتُ أحوالها وجدتها تُركّز جيدًا.

إنها أقصرنا قامةً، وأطولنا لسانًا! قد تبدو شفتاها مَرسومتين بدقّة ولكنهما تُطلِقان الشتائم في وقتِ الحاجة فتنهار أناقة مظهرهما... ولديها عينان خضراوتين لامعتين تحتدّ نظراتهما عِند الغضب فتُصيبُ مُبصرها بالرُعب، فيما عدا ذلك فَـ«لوسي» رقيقةُ الطلّة بشعرها الكستنائيّ الناعم التي تبعثرت خصلاته ما بين البني الداكن والأسود وأحيانًا البني البرّاق.. بالكاد يُلامسُ كتفيها.. ونظّارتها الطبيّة إستكانت على جسرِ أنفها فزادَت من مظهرها وقارًا وإن كان مُزيّفًا.

تابَعنا الأستاذة تقوم بإجراء التجارُب أمام أعيننا، حتى سنحت لنا الفُرصة لنفعل.. ونفذّنا الأمر في فضول رغم علمنا بأنها ستكون النتيجة نفسها.

إنتهت المُحاضرة الأولى لهذا اليوم، حملتُ أغراضي لنُغادر كبقيّة المجموعات من الطلبة.. فباغتتني «لوسي» بشرودها الغريب والمُريب في آن.

سألها «ديلان» مُتهكّمًا:

- أيُعجبكِ المعمل لهذه الدرجة؟ أم أن أحد الفيروسات شغل بالكِ وخطف حواسكِ يا حالِمة؟

لم تُعجبني دُعابته السخيفة ككلّ ما سبقوها، أما «لوسي» فضحكت وطالعتهُ قائلة بنبرةٍ غلّفتها الثقة المُفرِطة:

- الإحتمالُ الثاني، وقريبًا جدًا سوف تُناديني بعالِمة أيها الفاشل!

- توقّفي هُنا، فلو كان فاشلًا لَمَا كان في مجموعتي.

بثقةٍ أخبرتها فدحرجت عينيها ساخِرة، أما «ديلان» فربّت على كتفي شاكِرًا، قبل أن يسألني في تعجّب:

- أتمدحين نفسكِ أم تدافعين عنّي لأنه إختلط عليّ الأمر!!

تركتُ حقيبتي على المنضدة وجلستُ في إستعدادٍ لسماعِ ما في جعبتها من أفكار، كما حكّ «ديلان» لحيتهُ في حيرة ودفعَت «چولي» بكتفِها مُتسائلة:

- هيّا، أخبرينا.. فيمَ تُفكّرين؟

لمع وميضٌ من الإعجابِ في عينيها، تُعجبُ بفكرتها الخاصة، والسريّة حتى الآن.. بدت عليها ثقة كبيرة وكأنها لا تنتظر رأي أحد منّا من الأساس، ورتّبت أفكارها لتفصح عنها فتُطعِمُ نظراتنا المُتسائلة:

- أترون الفيروس في الأنبوب (ياء)؟ إنه يحمِلُ كل الخِصال المُعاكِسة للفيروس الآخر في الأنبوب (ألف).. أتساءلُ ماذا قد يحدُث إذا إندمجا الإثنان معًا بكميّاتٍ مُتساوية.. أي صفاتٍ ستتولّى السيطرة وتسود الأخريات؟!

شردنا جميعًا للحظات، نُقلّبُ هذا السؤال في أذهاننا فظهرت علاماتُ الإستفهام على أعيننا كلّنا دون إستثناء، حينها لعقتُ شفّتي السُفليّة ثم رفعتُ عيناي إليها وصارحتها:

- هذا رائع.. لازال علينا أن نأخُذ إذنًا من الاستاذة نيكول أن ننفّذ تلك الفكرة، لكنّي أشجّعكِ بقوّة.

إبتسمت «لوسي» في حبور، وقبل أن تتحدّث قاطعتنا «چولي» بسؤالٍ جعلنا نلتزمُ الصمت..

- ماذا لو كان إندماجهما دون فائدة.. كأن تتحارب كلّ صفتَين مُعاكستَين لبعضهما البعض حتى تفقدا قواهما وتكون النتيجةُ مُحايِدة..!

وأخيرًا شاركنا «ديلان» وتساءل مُفكِّرًا:

- وماذا لو إتحّدتا كل صفتَين مُعاكستَين فتولَد صفةٌ ثالثة لا تمتّهما بصلة؟ كإمتزاج اللون الأبيض مع الأسود.. فيُخلَق اللون الرمادي الشاذ عنهما!

لأوٌل مرة أشعُر وكأنه يُعطي إنتباهًا وجديّةً لحديثنا، علاوةً على أنه طرح فكرةً يجب أن تؤخذ في عين الإعتبار، تفاقمت حيرتُنا حتى كادت تبتلعنا.. حينئذٍ إبتسمَت «لوسي» وتطلّعت بوجوهنا تستفزّنا بغموضِ نبرتها..

- أتعرفون كيف نحصُل على إجاباتٍ لأسئلتنا؟

إمتلأت أعيننا بالتساؤل، وقلوبنا بالشغف.. فرفعت كتفيها ببساطةٍ لم أتوقّعها.

- لنُجرِّب أيها الرفاق!

___________

ذهب أربعتُنا للاستاذة «نيكول» راغبين في أخذ الإذن منها والتصريح الرسمي لعمل تلك التجرُبة تحت مُراقبةٍ منها إن لزم الأمر... حقيقةً بدا الإعجابُ على وجهها لكنّها رفضت التنفيذ بشدّة.

- لا يمكنني الموافقة على تلك التجرُبة غير الدقيقة، لم يُجرّب العُلماء تلك الفكرة من قبل مما يدعونا للشكّ..لم يتم وصف إلا حوالي خمسة الاف فيروس حول العالم وهذا المزيج ليس من ضمنهم.. هذا غيرُ آمن، غير مُستحب، وغيرُ مُستباح..

تطلّعت في وجوهنا فلاقَت التبرُّم يرسمُ أبرز لوحاته ويتجلّى، حينها تنهَّدَتْ وجلست على مكتبِها قليلةَ الحيلة:

- آسفةٌ يا رفاق، لا أستطيع أن أساعدكم، ركّزوا على المشروع الرئيسي من فضلكم... بالتوفيق.

تفاجئتُ من إنفعال «لوسي» التي ضربَت مكتبها بيدها الغاضِبة وتحدّثت بهدوءٍ حاربت لتزييفه:

- هذا هو المشروع الرئيسي! أليس عن الفيروسات المُهجّنة؟ سنصنع واحدًا بدلًا من دراسة هجينٍ موجود من قديم الأزل..! من حقّنا كطلبةٍ أن تسنح لنا الفرصة لنضع مشاريعنا قيد التجرُبة! حتى لو كان الأمر خطيرًا كما تزعمين.. مَن سيتضرر؟ فأر التجرُبة وحده مَن سيتأذى... لماذا تخشين وجعهُ لهذه الدرجة أيتها الطبيبة وكأنه أحد أفراد عائلتكِ؟!

هكذا يذهبُ وقار النظارات، وهدوء عينيها، ولطافة مظهرها.... كل هذا يتبخّر فيظهر وحشٌ كاسرٌ يتحفّز للقتال ما إن يشتعل فتيل غضبها.

إنفجر «ديلان» ضاحكًا، و«چولي» إبتسمَت في فَخر، بينما إكتست الحُمرة وجهي أثناء تحديقي بمعالم الطبيبة مَنثورة عليها الدهشة، بالتأكيد لو كانت ستوافق على إجراء تلك التجربة قبل دقائق فَبعد لمسة «لوسي» السحريّة سترفض... للأبد.

نهضت الاستاذة من مجلسها وحدّقت بوجهها بحدّةٍ ثاقِبة، وهسهست:

- أنتِ تفتقرين للأدب!

قابَلتَها بنظراتٍ جريئة، فأضافت الأخرى بعد صمتٍ ليس بطويل:

- لكنكِ أقنعتِني. متى تُريدون البدء؟

إبتسمت «لوسي» بتوسُّعٍ كبير، كما سعدنا جميعًا وظهرت حماستُنا حين تعجّلنا بالأمر.. أخذنا ما نحتاج وطلبنا منها إرشادنا حيثُ غُرفة التجارب.

تذمّرت «چولي» مُتمتمةً بينما كُنّا في طريقِنا للغرفة المَنشودة:

- ويلٌ لأفكار لوسي، لولاها لكُنتُ في منزلي أستعدّ لحضور الحفل الموسيقي الراقي!

تنهّدتُ لأخبرها:

- لم ينتهِ اليوم الدراسي أصلًا، توقّفي عن التذمّر في اذني وإلا قطّعتُ تذكرتكِ أمام أُم عينيكِ الآن!

دفعتني في كتفي غاضبةً، فإبتسمتُ لها ودلفنا للغرفة التي أدهشني جمالُها..

الأرضية كانت بيضاء لامِعة، كما هو حال السقف والجدران.. إمتلأت الغرفة بخزانات ذات أبواب طويلةٍ أيضًا بيضاء كبياض الثلج، وعدّة أدوات وفحوصات وفئران التجارب في الأقفاص المُحكمة.

تحدّثت الاستاذة كاسرةً لحظاتِ تأمُّلنا للغرفة:

- تكمُن مُشكلةً واحدة؛ لا يمكنكم أن تُجرّبوا الأمر على الفئران لدينا، فكُلّها مُصابة بالفعل.. سيكون من الصعب مُلاحظة النتائج عليهم، ولا يوجد لدينا مَن هو سليم في الوقت الراهن.. أيمكنكم الإنتظار حتى الإسبوع المُقبل؟

إن أنجزنا هذا المشروع اليوم فسيكون إنتصارنا عظيمًا، سوف نُلقّب بأوّل مجموعة علميّة تنهي مشروعها بنجاح في وقتٍ قياسي.. سوف نسبق مجموعة الشقراء «كلارا» التي سبقتنا لعامين على التوالي، فجَنَت ومجموعتها سُمعةً من أفضل ما يكون.

لستُ أحقد عليها، لكنّا بذلنا مجهودًا كبيرًا في مشروعيّ العامين الماضيين ولم نلقَ مديحًا أو إهتمامًا وتشجيعًا مثلما حدث مع مجموعتها.. أظن أنه حان الوقت لنستردّ مكانتنا في تلك الجامعة!

قرأتُ الموافقة في ملامح الجميع، فوجدتُ نفسي أعترِض مُتسائلة:

- أما مِن حلٍّ آخر؟ جديًّا نُريدُ أن ننهي المسألة سريعًا كي نُدوّن النتائج ونستخلص نظريّةً مُفيدة.. وأنتِ ترين كم نحنُ مُتحمّسين!

تعجّبوا لرأيي، لكنه كان في صالِح الجميع فإلتزموا الصمت مؤيدين كلامي.. وقفت الاستاذة «مونيكا» تُفكّر مليًّا، حتى باغتتنا بإيماءةٍ صغيرةٍ من رأسها، وأضافت:

- هُناك قردٌ صغير لدينا لم نُمارس عليه أية تجارب أو نظريّات، إنه في الحُجرة المُجاوِرة... إتبعوني.

أشارت لنا وغادرت فتبعناها مُبتسمين، أكاد أجزم أن «چولي» وحدها العابسة بسبب حفلٍ لم تتأخّر عليه من الأساس، لابدّ أنها تخفي شيئًا بخصوص ذاك الحفل.. مِلتُ عليها مُتسائلة:

- أستُقابلين ماركوس هُناك أم شخص جديد؟

رفعت حاجبيها بدهشة وحملقت بي طويلًا قبل أن تتحدّث بنبرةٍ لم تخلُ من المزاح:

- ذكيّةُ يا چيسي.. لقد كشفتِ أمري! على أي حال نحنُ على وِفاق الآن، أدري أن الحياة بين حبيبَين سابقَين لا تبدو سعيدة في كل الأزمنة والأمكنة.. ولكنّي أجد معهُ صُحبةً جيدة ونكنّ لبعضنا الإحترام، آسفةٌ لكوني أُخالفُ قاعدةً إجتماعيّة راسِخة.

- كاذِبة، عيناكِ تلمعان وإبتسامتكِ تتوهّج.. أُقسِمُ بكل الأيمان أنكما لستُما 'حبيبين سابقين' يا ماكِرة!

ضحكت في خجل، بينما إلتفّت «لوسي» التي كانت تسيرُ أمامنا ورقّصت حاجبيها مُبتسِمة، ودندَن «ديلان» بكلمات أغنية رومانسيّة فتبيّن أنهما تابعا مجرى الحديث... تلقّيتُ لكمةً قويّة بعض الشيء على جانِب معدتي من «چولي» التي أخفت وجهها بين يديها مُغمغِمة:

- يا للفضيحة!

توقّفنا جميعًا عن فعل أي شيء فور أن إلتفّت لنا الاستاذة بملامحٍ حملت الرَيبة بعد إصدارنا للجلبة.. تفوّهنا بإعتذار، ثم فتحت لنا الحجرة التي لم تختلف أبدًا عن السابقة سوى أن إضاءتها كانت أقلّ شدّة، وكانت أكثر إتساعًا وفراغًا، لا تضم من الكائنات الحيّة سوى النباتات والبكتيريا وقرد واحد ينكمشُ في قفصه متخذًا وضعيّة القرفصاء، إقتربتُ منه كثيرًا فإكتشفت أنه مُستيقظ حين رفع عينيه إليّ وحملق بي.

بدا ظريفًا جدًا.. هادئًا ومُسالمًا، إطمأنّت نَفسي وشرعتُ أُخرِج أنبوبيّ الفيروسات من حقيبتي الصغيرة.

الأنبوب (ألِف): فيروس الـ(سونام) خصاله: عائلة الإيبولا، يسبب الحمى النزفية، يحمل غشاءً دهنيًا، أكثر الفيروسات تعقيدًا وفتكًا.

الأنبوب (ياء): فيروس الـ(إيزروس) خصاله: عائلة الهانتا، رئوي، لا يحمل غشاءً دهنيًا، يمكن التغلب عليه بسهولة.

ونحنُ على وشك إكتشاف هجينهما الآن.. أخذ «ديلان» مقدار عشرين ملّي من الأنبوبين ومزجهما في أنبوبٍ ثالث دون أن يُقلّب أو يُدخِل لهما أية عواملٍ غير هواء الغُرفة ودرجة حرارتها العاديّة.

مرّت دقائق طويلة للغاية أثارت الحيرة في نفوسنا.. بصرنا موجّه نحو الأنبوب، وعقلنا مُشتّت وأفكارنا تضاربت فيها الإحتمالات..

رغم كوننا في فصلِ الشتاء إلا أنني شعرتُ بجبيني يتعرّق جرّاء التوتر بينما أُراقبُ «ديلان» يُسجّل إستنتاجًا في دفترِه بيده الحُرّة، بينما أمسَك بالهجين الغامض -حتى الآن- في يده اليُسرَى.

الخطوة الأولى: خلط عشرين ملّي من كل فيروس أصليّ غير مُهجّن، لكن فور أن وُضعِا الفيروسان تمّت عمليّة إمتزاجٍ آليّة.. ذابا الإثنان داخل بعضهما البعض كذوبان مُكعّب سُكّر في الماء.. لا يحتاجُ تقليبًا أو خَلطًا بل وقتًا وحسب.

الإستنتاجُ الأوّل: الفيروس المَولود في الأنبوب لونهُ تحوّل للأخضر بعد عمليّة الذوبان البطيئة.

ترك قلمهُ ورفع عينيه للأنبوب ثم شكّلت شفتاه إبتسامةً فهمتُ مغزاها، كان جاهزًا لتجربته على القِرد..

سارَت الحماسةُ في عروقنا وقامت الاستاذة بفتح القفص برفق، بينما تناولتُ أنا الدفتر، والفتاتين وقفتا تُراقبان في تركيزٍ وتحفُّز.

سُرعان ما أخرجت «چولي» حُقنةً فارغة وأعطتها لـ«ديلان» الذي ملأها بالسائل الأخضر-الهجين الذي شهدنا ولادتهُ لأول مرة منذ خمسة دقائق.

قامت الاستاذة بإرتداء القفّازات الطبيّة وقامت بتثبيت القرد الذي كان بريئًا للغاية وجميلَ المظهر، زرق «ديلان» له الحقنة في ذراعه، فلم يُبدِ ردّة فعلٍ واضحةٍ حتى خرجت الحقنة فارغةً من جسده.

وكأن الزمن توقّف والأرض كفّت عن الدوران..
حدّقنا فيه مُنتظرين أية إشارة منه، كعطشى في صحراءٍ جرداء ينتظرون الغيث.... فلم يأتِهِم.

فجأةً تشنّج جسدهُ الهَزيل.. بقى على هذا الحال لنصفِ ساعةٍ كاملةٍ إزددنا فيها ترقُّبًا، ثم تمكّن من الحراك.. أخذ يدور حول نفسه بطاقةٍ فائقةٍ وسُرعةٍ بدت لي وكأنها تنمّ عن غضبه الكبير!

رفع عينيه إلينا فلاحظنا لونًا داكنًا يغمُرها مُثيرًا للشكوك.. تبادلنا النظرات جميعًا في قلق، حينها تكلّمت الاستاذة وهي تخلع القفّازات:

- لا أظن أن الأمر سار على نحوٍ جيّد.

مسحَتْ على وجهها بإعياء، وأنا مسحتُ جبيني المُتعرِّق ثم وجّهتُ حديثي لـ«ديلان»:

- ما العمل الآن؟ يبدو وكأنه يحتاج لحقنةٍ مُسكّنة.. إنه يتحرّك داخل القفص كثورٍ هائجٍ يصعُب التحكُّم فيه!

فعلًا كان القرد عدوانيًّا جدًا على غير طبيعته، تارةً يُظهر لنا أسنانه مُهددًا.. وتارةً يعدو نحونا لكنّه لا يتخطّى حدود القفص رغم كونه مفتوحًا، وتارةً أخرى تزداد تحرّكاته غرابةً وهمجيّة.. بالإضافة إلى حَكِّه لمناطقٍ مُختلفةٍ من جسده بعنفٍ مُتهوِّر!

لم ألحَظ أنّ شفتيه تميلُ للزُرقة إلا عندما نبّهتنا «لوسي».. فصار أمرُ تبدُّل حاله شاملًا وجنونيًّا!

طلبَ قُفّازات فناولتهُ إياها، لبسها ومدّ يدهُ نحو القِرد المُريب وحاوَل أن يفتح فمه لفحصِ لون اللثة واللسان، والتأكُّد من بقاء أسنانه على طبيعتِها.. فإستسلم القرد مُنافيًا لتوقّعاتنا.

- إن لسانهُ باهتٌ وكذلك لثته، لكن أسنانه..

قاطع القرد حديثه حيثُ باغتنا جميعًا بغرزِ أسنانِه في يدِ «ديلان».. في المنطقة ما بَين الإبهام والسبابة!

أصدَر «ديلان» تأوّهًا مَكتومًا كشف عن حدّة أسنان القرد وقوّتها.. هذا مُخالفٌ لطبيعة أسنانه في مثل سنِّه!

إرتجفَت قلوبُنا وإزددنا قلقًا... كما إزداد أنين «ديلان» وعينا القرد تُطلِق الشرار نحوهُ في جرأة لم تبدُ مألوفة من فصيلة القردة.

صاح «ديلان» مُتألّمًا:

- لا أستطيع أن أسحب يدي.. لا أتمكّن من التحكُّمِ بأوصالي!

إنتفضنا جميعًا، وتراجَعَت الاستاذة مَرعوبةً مما يحدُث.. قُمتُ بسحب «ديلان» من ذراعه وساعدتني «چولي» فخلّصناهُ من أسنان ذاك الكائن الشرس والعدائيّ.

كانت أسنانه قويّةً بما يكفي ليُثقَب القُفّاز وتتساقَط الدماءُ من يد «ديلان» حتى إصطبغ القُفّاز بلونِها، وتبيّن لنا أن العضّة لم تكُن سطحيّة أبدًا.

أخذتُ أتفحّص يده حَذِرةً ومُتعجّبةً. سارعت «لوسي» بإقفالِ القفص في هلع.. فعاد القردُ حبيسًا، أما الاستاذة «مونيكا» فعادت تقتربُ منّا وهمسَت في ضيقٍ مَلحوظ:

- لا أتصوّر كيف وافقتُ على هذا الهراء..

إنشغلنا عن الردّ عليها بتطهيرِ يد «ديلان» الذي خلع قفّازه ليكشِف عن جرحٍ غائرٍ مُثير للجدل، ضمّدناهُ جيدًا لاجئِين لخزانة الإسعافات الأوّليّة بالغرفة، ثم أمسكتُ بالقلم لِأكتُب على الأوراق...

الخطوةُ الثانية: حقن قرد خاضع للتجارب بالهَجين والإنتظار لنصف ساعة.

الإستنتاجُ الثاني: للفيروس المُهجّن قُدرة على تحويل الحيوانات الأليفة لأخرى عدوانيّةٍ شرسةٍ ومؤذية، كثيرة الحركة والهياج العصبي، وتتجمّد أطرافها في بعض الأحيان فيبهُت لونها وقد يميل للزُرقة، تنتابها حكّة شديدة طوال الوقت.

إستوقفني صوتُ «چولي» تقتربُ من القفص وتهمس بحذر:

- إنظروا إلى القرد كيف إستكان وكأنّه تحت تأثير المُخدِّر!

رفعنا أعيننا نحوه مُتعجّبين، فكان يستلقي على أرضيّة القفص ساكِن الحركة كمن نفدت طاقته تمامًا، صار قطعة جمادٍ لا حول لها.

إمتزج اللونان الأخضر والأزرق على طولِ جسده وكأنها كدماتٌ قاسية، حتى ظهر هذا المزيجُ على رأسِه.. ثم توقّف اللونان عن التنقُّل في جسدِه.

عقدتُ حاجباي بشدّة.. أترقّبُ أي شيء جديد يُظهِر الحياةَ في جسمه الهامِد.

قبضتُ على يدِ «چولي» بينما أرتجِف، وهسهستُ بصوتٍ مَسموع للجميع..

- ليس مُخدِّرًا يزول مفعوله مع الوقت، بل تخدّر جسده للأبد.

قيّدني القلق فبتُّ آخُذ أنفاسي بصعوبة، بينما شعرتُ بالنظرات المُضطربة تتناقل في أعيننا مُحدّقين في بعضنا البعض.. كذلك الاستاذة «نيكول» ضربَت كفًّا في كفٍّ ثم وقفت صامتةً مثلنا، نُحاولُ تحليل الحدث.

الإستنتاج الثالث والأخير لتلك التجربة: لقد خلقنا هجينًا مُميتًا.

ماتَ القرد.
وفشلت التجربة.

____________

مساء الخير يا شباب!💕

ايه رأيكوا في الرواية بعد التعديل؟

متحمسين للفصل الأول؟

متوقعين ايه؟

هنزلكوا الفصل الاول في اقرب وقت لإنه جاهز فعلا بس عرفوني انكوا مستنينه وانا مش هتأخر😘

واستأذنكوا حطوا الرواية في قوائم القراءة بتاعتكوا ولو حابين تعملوا منشن لأي حد من اصحابكوا يتابعوها من الاول⁦ وشكرًا مقدمًا💕

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top