9
مضت ساعتين على جلوسه أمام باب منزلها، معدته بدأت تتمرد من الجوع، لكنه يريد الاطمئنان على تلك العنيدة، زفر بحدة حين شعر بالملل من الانتظار دون جدوى، لينفتح الباب و تقول هي و علامات الانزعاج على ملامحها
-" يا لك من عنيد "
تركت الباب مفتوحا ليدلف، عرفت أنه لن يستسلم، لا شيء تغير به خلال هذه السنوات الخمسة الماضية، اتجهت نحو المطبخ حيث كانت تعد المعكرونة بالجبنة و كرات اللحم، وضعت صحنين على المنضدة لتضع المعكرونة في كليهما و تضيف صلصة الطماطم، هو لا يحب المعكرونة و هي تعلم ذلك، لكنها تريد أن تثبت له أنها قد نسيت أي تفصيل من الماضي، و ما فاجأها أنه أخذ يتناول الطعام و كأنه ليس الفتى الذي يتقيأ حين يأكلها أحد أمامه، حاولت إخفاء تفاجئها، و تناولت طعامها بهدوء، بينما هو كان يختلس النظر إليها من حين لآخر، ليكسر الصمت قائلا
-" سلمت يداك .. الطعام لذيذ "
أومأت له دون النبس ببنة شفة، ثم تأملته، لقد تغير كثيرا، عضلاته البارزة، منكبيه العريضين، خشونة صوته، و للحظات التقت عينيها بعينيه ليخفض نظره قائلا بارتباك
-" علي الذهاب .. أردت الاطمئنان عليك فحسب .. كوني بخير .. و شكرا على الطعام "
ابتسمت له بخفة ليلتفت هاما بالمغادرة إلى أن وقعت عينيه على تلك اللوحة المعلقة في الجدار، تأملها لبعض الوقت ثم تابع طريقه نحو البوابة، ليركب سيارته و هو يشعر بأن السعادة تفيض من صدره، فلم يستطع منع تلك الابتسامة البلهاء من الارتسام على ثغره، فكر في قراءة رواية ما بعد العودة للمنزل، وقعت عينيه على روايات أجاثا كريستي، و اختار رواية الضحية، ليستند على عارضة سريره و يفتح الكتاب بتشويق للتعرف على الأحداث، لم يقرأ كتابا منذ مدة، و تحسن وضع إستبرق جعل منه يفكر في العودة إلى القراءة .
انتفض من السرير بعد أن أضاءت شاشة هاتفه باسمها، اعتصرت قبضة قوية قلبه، ليضغط فورا على زر قبول الاتصال، و هو مستغرب من اتصالها عند الثالثة فجرا !!
-" إستبرق هل أنت ِ بخير ؟ ما الذي حدث ؟ أين أنتِ الآن ؟ " قال بقلق و ارتباك
-" إهدأ عاصم .. أنا في مستشفى المدينة، فارس ليس بخير، آمل أن تأتي، قد بحذر "
انتفض بذعر، ليقطع المكالمة، ثم هرع نحو دورة المياه ليغسل وجهه، و غير ثيابه، راكضا في السلالم ليقود سيارته بسرعه
توقف بعد أن وصل أخيرا للغرفة التي أرشدته إليها موظفة الاستقبال، كان يلهث و دقات قلبه تعلو، وقع نظره على تلك المرهقة الشاحبة التي تجلس على المقعد بسكون، تقدم و جلس بجانبها، لتقول
-" جثتها ما تزال عالقة في ذهني، و قبضتها الباردة الملطخة بالدماء التي اعتصرت يدي و هي تهمس أن أعتني بفارس .. كيف أعتني به و أنا بالكاد تمضى دقيقة دون أن تطاردني بقايا ذكريات كل ما حدث ؟! "
مسح دمعة فرت من عينه، خانته الكلمات، لأنه يعرف تماما أن نسيان يوم وفاة ياسمين بتلك الطريقة البشعة أمر مستحيل، لتردف
-" أريد أن أستيقظ من هذا الكابوس المرعب و يتلاشى كل هذا، و نجتمع مجددا .. لكن هذا مستحيل .. "
أصيبت بهستيريا و ظلت تصرخ دون توقف
-" الحياة أخذت مني كل ذرة أمل .. كل شعاع نور .. كل شيء "
لم يستطع إيقافها، فبدأ يبكي لبكائها متذكرا ما قالته ياسمين يوم جنازة نيرمين
-" نحن لا نبكي الموتى بل نبكي حياتنا بعدهم "
عصف به ذلك الشعور المؤلم بالعجز، لينادي الأطباء لحقنها بإبرة مخدر، ازدادت غزارة دموعه و هو يراها تسقط بين ذراعي الممرضة كورقة شجرة في الخريف، و ما أن أخذوها حتى وقف ينظر إلى صديقه من النافذة الزجاجية، مختلف الأجهزة و الأنابيب متصلة بجسده ليهمس
-" أنا هنا فارس .. لن أتخلى عنك "
لقد عرف تماما يوم دخول إستبرق السجن أن كل شيء قد تحطم، و من الصعب أن يعود أي شيء كما كان سابقا، لا نظرات فارس لياسمين، لا حس فكاهة سارة، لا جموح و مغامرات إستبرق و معاذ، و لا ضحكات ياسمين الصاخبة، و لا حتى مزحات مهى السخيفة، لقد تلاشى كل شيء حين قرروا التدخل فيما يفوق قدراتهم، و ما لا يعنيهم .
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top