7

جلس على مقعده بإرهاق بعد أن طلب من السكرتيرة عدم السماح لأحد بالدخول إليه، وضع رأسه بين كفيه، يشعر بصداع شديد، لكن الباب فُتح دون إذن، فوجه نظرته الثاقبة نحو الباب منتظرا معرفة هوية الوقح الذي تخيل بالفعل نفسه و هو يفصل رأسه عن جسده، لتدلف شابة بسروال رمادي و قميص أبيض، شعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها، تأمل كل تفصيل فيها محاولا التأكد بأنه ليس حلم يقظة، و بأن إستبرق بالفعل موجودة أمامه، و دخلت مكتبه دون إذن، إبتسامة جانبية ارتسمت على ثغره لتقول بصوتها الهادئ

-" هل يمكننا الحديث ؟ "

أجاب بتوتر، و بداخله موجة هائلة من السعادة، سعادة لم تسع صدره

-" طبعا تفضلي "

كادت أن تبدأ الحديث لولا أن عرض عليها شرب عصير البرتقال، هو يعلم جيدا أنها تحبه، فرفع سماعة الهاتف و طلب من السكرتيرة إحضار فنجان قهوة و كأس عصير برتقال، لتقول إستبرق

-" بما أنك الوحيد الذي يزعم أنه يعرفني في هذه المدينة، آمل أن تساعدني في قضية تهمني "

سمع طرقا على الباب قاطعها، لتدخل شابة قليلة الحياء، ثيابها القصيرة تظهر تضاريس جسدها، و مساحيق التجميل جعلت منها تبدو كدمية بلاستيكية، ظهر الانزعاج على ملامح عاصم، ليقول محاولا التحكم بغضبه

-" أكره من يدخل مكتبي دون إذن، لذا يستحسن ألا تعيديها ميساء، و إلا تجاهلت ما يربط بيننا من قرابة و لقنتك درسا لا ينتسى "

إبتسامة جانبية ارتسمت على ثغر إستبرق، لقد اقتحمت مكتبه توا و لم ينبس ببنة شفة، بينما استشاط غضبت حين قامت أخرى بذلك

تقدمت ميساء بغنج نحوهما، و كأنها اعتادت على صراخه في وجهها، لتقول إستبرق ببرود

-" تفضلي خارجا يا آنسة، هذه ليست قاعة عرض أزياء، فكما ترين نناقش هنا أمر جديا "

انفعلت تلك الشابة حتى احمر أذنيها، بينما حاول عاصم كبت ضحكته، لتضرب ميساء رجلها بالأرض بحنق ثم تستدير مغادرة حين شعرت بالإهانة و تأكدت أن عاصم في صف إستبرق

اليوم شعر بقلبه يتوهج كما كان يفعل منذ خمس سنوات تماما، نفس التوهج، لذا ابتسم باتساع بينما أردفت إستبرق بنفس البرود

-" أريد منك مساعدتي في البحث عن شاب إيطالي يدعى ماثيو "

قطب حاجبيه باستغراب، و شعر بنيران توقد في صدره، من ماثيو و أي علاقة تربطها به ؟! غادرت بهدوء، تحت نظراته، لتقول مخاطبة نفسها

-" آمل أن يفهم الإشارة، و يدرك أنه لا يجدر به قبول صفقة ذلك الإيطالي "

أما هو فبقدر ما كان سعيدا بمجيئها إلى الشركة و مخاطبته و هي تنظر في عينيه مباشرة، و تواقحها مع ميساء المدللة، إلا أنه كان قلقا مما دفعها للمجيء، فظل يتمتم

-" لقد كانت تتصرف و كأنها لا تعرفني، و إستبرق لا تغير موقفها إلا لسبب مهم، و واثق أن ذلك السبب لا يخصها، لأنها تفضل الموت على أن تطلب مساعدة من أحد، ملاكي و أعرفها، و لو كانت تبحث عنه فعلا ما كانت لتقول اسمه الشخصي فحسب، بالطبع لا يمكن إيجاد شخص من خلال اسمه الشخصي فحسب .. و نحن لا ننادي بالاسم الشخصي فحسب إلا شخصا نعرفه جيدا ... "

سمع طرقا خفيفا على الباب قاطع أفكاره، لتدلف السكرتيرة و تقول بعملية

-" سيدي هذا ملف مدير الشركة الذي سنقوم بعقد الصفقة معه اليوم "

أخذ الملف منها، لتقع عينيه على اسم ماثيو، ليتمتم

-" حتى و لو ابتعدت عني لمئات السنين و عادت لن تتغير أبدا، و ستظل ملاكي الحارس كما لطالما كانت "

لتقول السكرتيرة بارتباك

-" هل قلت شيئا سيدي "

ليجيبها و ابتسامة واسعة على ثغره

-" ألغي الصفقة، لن نرتبط بهذه الشركة "

استغربت السكرتيرة من ذلك إلا أن ما فاجأها أكثر هو مزاجه اليوم، فهو لم يبتسم من قبل بهذا الاتساع، ليحمل معطفه قاصدا البحث عن ملاكه الحارس، إلا أنه لم يحتج تكليف نفسه عناء البحث كثيرا، فقد كانت جالسة بهدوء على مقعد أمام الشركة، فجلس إلى جانبها ليقول

-" كيف عرفتِ أنه لا يجدر التعامل معه ؟ "

-" شركته على وشك الإفلاس و هذه الصفقة كان ليكون هو وحده المستفيد منها "

-" ما رأيك بالذهاب إلى السينما .. اعتبريها شكرا على مساعدتك "

-" إن كنت موافقا على الذهاب في سيارتي "

نظر إلى سيارتها المركونة في الجهة المقابلة لهما ليبتسم باتساع قائلا

-" لا مانع لدي "

#منظور_عاصم

جلست بالقرب منها بعد أن ابتعنا التذاكر لمشاهدة فيلم هندي، أدركت حينها أن شيئا بداخلها قد انطفأ بالفعل، لو كانت إستبرق القديمة لقلبت قاعة السينما رأسا على عقب بصراخها و صفيرها، و تعاليقها المضحكة على الفيلم، لكنها جالسة بهدوء تشاهد الفيلم و بالكاد ترمش، أردت إخبارها أنني لن أتخلى عنها، و أنها ستكون بخير، لكن لم أستطع النبس ببنة شفة و واصلت النظر إليها و هي تنظر إلى الفيلم و أشك أنها شاردة لا تدري موضوعه حتى

مر الوقت سريعا لتنزل دموع من مقلتيها، ثم تمسحها بعنف، و تأخذ معطفها هامة بالخروج، لأنتبه أخيرا إلى أن نهاية الفيلم كانت حزينة، و أن البطلة فارقت الحياة تاركة البطل يتعذب بمفرده، ضربت جبيني بخفة، ليتني لم أختر ذلك الفيلم، لم أشتري التذاكر، و ظللت جالسا معها على ذلك المقعد أمام الشركة، لكنني أفسد الأمور دوما، لحقت بها لكنها كانت قد رحلت بالفعل

-" اللعنة "

عدت للمنزل حاملا كل الألم و الحزن على كاهلي، بعيدة عني حتى و هي قريبة مني، زفرت بحدة لأدير مقبض الباب، هي بحاجة إلي لكنها تستمر بصدي، عاجز عن فهمها، ألا يمكن أن تكون أقل تعقيدا ؟! ليلة أخرى من الأرق، لم تجدي مسكنات الصداع نفعا، و لا يمكنني فعل شيء حيال كل ما يحدث، و هذا يجعل من ألمي مضاعفا، هي لم تعد إستبرق التي عرفتها، مختلفة تماما، و لا ألومها على تغيرها، لم يكن ما حدث هينا، هي لن تنس كل شيء ببساطة، لا أحد منا استطاع تخطي الأمر، أشفق على فارس، لابد أنه صار جسدا بلا روح، أحبها بصدق، أريد فعلا أن أزوره، لكن أعلم أنه سيتذكرها مجددا و ينهار .

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top