(الفصل الثاني)
صلوا على الرسول.
********
أنهيتُ كلماتي والتفَفتُ مكملةً طريقي بسلامٍ، لولا سماعي لجملتِه الوقحة الّتي جعلتني أستديرُ فورًا عازمةً على توبيخِه وإغراقِه بالإهاناتِ الّتي تليق بأمثاله.
نظرتُ له بينما رفع هو حاجبيه بعدمِ تصديقٍ قائلًا بدهشةٍ: «يا إلهي! أنتِ بالفعلِ تستطيعين سماع أفكاري!»
سحقًا، لقد كان ذلك بداخلِ عقله...
حمحمتُ وقلتُ محاولةً جعله يتجاهلُ الأمر:
«انظر يا أنت، أستطيعُ سماعك أو لا هذا الأمرُ عائدٌ إليّ، لذا اتركني وشأني.»
تنهدتُ بعمقٍ وعدتُ أكملُ بصرامة: «صدّقني سيكون هذا أفضلُ لكلينا!».
أنهيتُ حديثي الجاد وتوجّهتُ لأقفَ على مقربةٍ من السّكةِ منتظرةً وصول القطار الّذي سيحملني لوجهتي.
انتظرتُ قليلًا وكنتُ أستمع إلى الضّجة في رأسي بضيقٍ، لذا قرّرتُ أن أركّزُ بسمعي على أيّ أحدٍ هنا بدلًا من الجميعِ في آنٍ واحد.
نظرتُ بتفحّصٍ وكأنّني أختارُ فريستي، فوقعت عيني على رجلٍ يبدو كبيرًا في السّنِ وذو شأنٍ عالٍ، حيثُ كان يمسكُ بحقيبةٍ بنيّةٍ، ويرتدي بذلةً سوداء رسمية.
سيكون طُعمًا رائعًا، فهو يبدو هادئ، وملامحُه مريحة، لذا فكّرتُ أن أركّزَ عليه، لربّما أستطيعُ الحصول على بعض الراحةِ بأفكارِ رجلِ أعمالٍ يملك من الخبرةٍ ما أستطيعُ الاستفادة منه!.
«فور ما أصلُ، يجبُ أن أتّصل بجوردن وأخبرُه بأهميّةِ توقيعِ أوراقِ الصّفقة... يا إلهي، سامحني على اختلاسِ القليلِ من أموال الشركة، ولكن هذا للمصلحة العامّة.»
رفعتُ حاجبيّ باشمئزازٍ وأنا أتابعُه وهو يحاورُ نفسه الآثمة.
«شرائي لسيارةٍ حديثةٍ وتجديديَ لأثاثِ شقّتي لا يعني أنّني سارقٌ، أليس كذلك؟
لكنّني كنتُ بحاجةٍ لهذا لذا لا داعي للقلق، فأنا لم أفعل سوى الصواب، أنا حتّى لم أقلّل من رواتب الموظّفين لهذه الأغراض! لا تحاسب نفسك يا جاكسن، أنتَ فعلت الصواب وانتهى الأمر، نعم بالفعل أنا فعلتُ الصواب ولا يجبُ أن أشعرَ بالذّنب مطلقًا و...»
بدأتُ أشعرُ بالغثيان بسبب التّلوث الّذي سمعتُه، لذا لم أعدُ مهتمّةً بالتّركيز عليه، وعندها عادتِ الضّوضاء تطرقُ رأسي المنهك.
يا إلهي، ما كلُّ هذا؟! ياله من حقيرٍ، كيف؟ كيف يقنعُ نفسه أنّ ما فعله صواب؟ بل كيف يحثّها على عدم الشعور بالذنب؟!.
حقًّا أعجزُ عن التّفوه بكلمة، في الواقعِ لا توجدُ كلمةٌ تصف هذا الرجل، سوى أنّه سارقٌ مخادعٌ!
تعكّر مزاجي بعد سماعي لهذا المختلّ، ففكرتُ بالسير داخلَ المحطّة قليلًا، علّي أجدُ الشّخص الّذي ستريحني أفكارُه.
رأيتُ مراهقًا يجلسُ في أحدِ زوايا المحطّة، يتّكئُ بضعفٍ وبملابسٍ رثّةٍ على الجدار خلفه.
شعرتُ بالشفقةِ عليه، وقرّرتُ إعطاءه القليلَ من المالِ علَّه يشتري به ما يستطيعٌ سدّ جوعه ليومين على الأقل.
تقدّمتُ نحوه ورسمتُ ابتسامةً لطيفة، وقبل أن أناولَه المال الّذي كان بحوزتي، سبقتني يَدُ أحدِهم وناوله المال ناظرًا لي بابتسامةٍ ماكرة.
لقد كان الشّاب الوقح والّذي أعتقدُ بأنّني كشفتُ سرّيَ الصغير أمامَه قبل بضعِ دقائق.
كنتُ متأكّدةً من أنّه لن يتركَني بسهولةٍ، فنحنُ لا نصادفُ شخصًا قادرًا على قراءةِ الأفكار كلّ يوم!
رمقتُه بغيظٍ وكنت أودُّ دفعه لولا أن اخترقَت أذنيّ جملةٌ جعلتني أتراجعُ عن إعطاءِ المال لهذا المتّشرد بهذه الطريقة...
«هل أبدو متشرّدًا لهذا الحد؟ كيف أصبحتُ متسوّلًا بعد أن كنتُ مراهقًا يهتمُّ بدراستِه بين عائلتِه المحبّة؟ حقًّا أنا أستحي من أخذِ الأموال بهذه الطّريقة، هل هكذا أعاقبُ بسبب طردِ زوج والدتي لي من المنزل؟ كلّ هذا بسببه، أودُّ الصراخ بوجه كلّ من يوجد بهذا المكان، وإخبارهم أنّني أمتلكُ المال ولكن زوج والدتي يرفضُ إعطاءه لي! لقد سرقَ كلّ ما جناهُ أبي، تبًّا لهذه الحياة كم هي مقيتة!»
كنت أنظرُ نحوه بإنصاتٍ، كأنّه يتحدّثُ معي، حتّى أنّني نسيتُ أمر الوقح.
تقدّمتُ نحوَه لأجثُوا بجانبِه قائلةً: «مرحبًا، هل أستطيعُ الجلوس بجانبك قليلًا؟» نظر لي بابتسامةٍ حزينةٍ وبعدها قال: «بالتّأكيد، سيسرّني هذا كثيرًا.»
جلستُ بجانبه وبدأتُ بالثّرثرة حول مهنتي كمربيّةِ أطفالٍ، كنتُ أعملُ في مصنعٍ للصمغِ ولكنّني تركتُه بعد أن حلّت بي هذه اللعنة، حيثُ أنّني افتعلتُ الكثير من المشاكل مع الموظّفين واكتسبتُ لقبَ غريبة الأطوار.
لذا لم أجِد سوى تربيةَ الأطفالِ لكونِ أفكارهم ممتعةٌ وتضحكُني، وأيضًا أعلمُ ما يريدونه حقًّا، لهذا لا أواجُه صعوبةً بمجالستِهم، بل أنا أخبرُهم بكوني أقرأُ أفكارهم، وأستمتعُ برؤيةِ الصّدمة وملامح الذّهول ترتسمُ على وجوهِهم البريئة، خاصّةً عندما أثبتُ لهم ذلك!
على كلٍّ، هم لا يستطيعون الإفشاء بسري؛ لأنّ لا أحد سيصدّق هذه الخزعبلات، لا سيّما سماعها من طفلٍ!
ألقيتُ عليه بعد الطرائِف الّتي حدثت معي في أحد المنازل عندما كنتُ أجالس توأمًا عمره خمسة أعوام، حين قامَ أحدُهم بفتحِ الغاز قائلًا أنّه سيجعلُنا نطفو حتّى نصل إلى الفضاء، بينما الآخر يؤيّد معتقداته الجامحة، في حينِ ضحكَ هو وشكرني على لطفي وتحدّثي معه.
فرددتُ عليه بصدقٍ: «لا مشكلة، فأنا أجدُ الحديث معك ممتعٌ جدًّا!»
وأكملتُ أستأذن منه: «هل لي بقطعةٍ صغيرةٍ من رغيف الخبز الّذي تملكه؟».
«بالتّأكيد! اعتبريه لك» أجابَ بودٍّ بينما سحبتُ رغيفَ الخبز الّذي من الواضحِ أنّه اشتراه منذ مدّةٍ طويلةٍ نظرًا لكونه غير قابلٍ للاستهالك الآدمي، ومن ثمّ استقمتُ وأخرجتُ من حقيبتي بعض المال من أجل أن أناولَه إيّاه.
صحيحٌ أنّه رفضَ في البداية، لكنّني أصرَرتُ على أنّ هذا المبلغ مقابلَ قطعة الخبز الّتي أخذتُها منه، حيث اضطر للموافقةِ دون أن يشعرَ كلانا بالحرج.
«سررتُ بمعرفتك رين!» قلتُ مودّعةً، بينما هو لوّح لي في المقابلِ وابتسم ابتسامةً صغيرة.
لن أنكرَ شعوريَ بالشّفقة تجاهه عندما عرّفني بنفسه وأخبرني القليلَ عن زوج والدته قبل قليل، ومع هذا أراعي كونه صغيرٌ وأنّه لن يُقبل في أيّ عملّ، خاصّةً بمدينةٍ كبيرةٍ كهذه دون شهادةٍ تُذكر.
اتّجهتُ نحو القطار وصعدت على متنه، وشعرتُ بشخصٍ يلاحقني، التفَفتُ محدّقةٍ بغضبٍ، وكما توقّعتُ كان الوقح مجدّدًا.
«إن كنتَ تتبعني سأبلّغ هذا الشّرطي عنك!» قلتُ بحدّةٍ بينما رفع هو كلتا يديه متظاهرًا بالاستسلام قائلًا بتهكّمٍ: «ليس ذنبي أنّنا نسلُك الوجهة نفسها!» لاحظتُ ابتسامته الباردة في نهايةِ الجملة، فزفرتُ بضجرٍ وبدأتُ بالتّحرك في القطارِ بحيثُ أبتعدُ عنه قدر الإمكان.
وها هي الضّوضاء تعودُ مجدّدًا لتقتحم عقلي دون استئذان.
بدأتُ أجولُ بعينيّ باحثةً عن هدفٍ أصبُّ عليه تركيزي بدل تزاحمِ الأفكار الّذي بدأَ يسبب لي صداعًا حادًّا، فوقعت عيناي على طفلٍ يبتسمُ نحو والدته، ففكّرتُ أنّه الشّخص الأنسبُ من بين الجميع هنا، لذا قمتُ بدوري بوضع جُلّ تركيزي عليه.
«بمجردٍ وصولنا لمنزل جدّي سأسبقُ ابن عمي كريس وأركبُ الأرجوحة، وسأحاولُ عدم الوقوع هذه المرة، وسأحرصُ على منعِه من دفعي أرضًا كما فعلتُ به سابقًا عندما ضحكَ عليّ ووصفني بالطفل، يا ترى ماذا طبخت جدّتي على الغداء؟ بالتّأكيد المعكرونة الّتي أحبُّها...»
كان يبتسمُ بحماسٍ بينما أفكارُه اللّطيفة دفعتني للقهقهةِ بخفّةٍ، فبدوتُ كالبلهاءِ وسط الجميع هنا.
كنتُ سأعود بتركيزي عليه لولا جلوسُ الوقح بجانبي قائلًا باندفاع: «انظري، أحتاجُك في خدمةٍ ما، لقد سمعتُك تتحدّثين مع ذلك المتسوّل وأخبرته أنّك تجالسِين الأطفال، بالتّأكيد لا يتجاوزُ راتبك المئة دولار، سوف أُعطيك ألف دولارٍ إن قبلتِ عرضي!»
«وما هو هذا العرض؟» قلت بنبرةٍ متململةٍ أناظرُه باستخفافٍ واضحٍ، حيث لم يبدُ لي أنّه ثريٌّ لدرجةِ إعطاءٍ شخصٍ لا يعرفُه هذا المبلغ لمجرّد خدمة.
«أودُّ منك مرافقتي لتقرأي أفكارَ الفتاة الّتي ستصبحُ خطيبتي بغضونٍ أسبوعٍ قبل أن يُعقدَ القِران!» تنهّدَ مسترسلًا:
«سوف تذهبين معي بصفتِك صديقةَ العائلة، ومن ثمّ تقرأين أفكارها، وتخبرينني بما إن كانت تطمعُ بمالي أم مهتمةٌ بشخصي، ما رأيك؟»
ياله من وقحٍ بالفعل! كيف يشكُّ في مشاعر الفتاة الّتي ستكونُ خطيبتُه بغضون أيّامٍ إن كان حقًّا يحبها؟ ومن ثمّ لمِ يتحدّث بكلّ هذه العجرفة؟
فكّرتُ قليلًا، وقلتُ بخفوتٍ وتهوّرٍ كبيرين: «حسنٌ!»
نعم سأوافق لإرضاءِ فضولي حول من هي الغبيةُ الّتي تودُّ الزواج من هذا الوقح، فربما يمكنني إنقاذها أو ربّما تكون وقحةً مثله!
قلتُ محاولةً استفزازه: «أتعلم؟ لا يبدو أنّك غنيٌّ البتّة، في الحقيقةِ تبدو متسوّلًا في هذهِ الثّياب المقطّعة، وبناءً على هذا لن آخذ منك قرشًا واحدًا، لتعتبر ما سأفعلُه مجرّد صدقة!»
حملقَ بي ونظرَ لنفسه بتفحّصٍ قائلًا بصدمة: «هذه آخرُ صيحات الموضة أيّتها المغفّلة عديمة...» بترَ كلماته عندما نظرتُ له بغضبٍ وعلمتُ أنّه لا يودُّ منّي التّراجع عن مرافقتِه عندما فضّل التزام الصّمت.
«وقح!» همستُ بهدوءٍ، بينما ابتسامةٌ خبيثةٌ ارتسمت على وجهي؛ كونه عاجزٌ عن الرّدِ فشعرت أنّني الأقوى هنا.
«أنتِ هي الوقحة، انظري لنفسكِ ولشعركِ الّذي يبدو كأنّك لم تسرّحيه لأكثرَ من أسبوعٍ.» سمعتُه يصرخُ بداخلِ عقلِه، وللحظةِ تساءلتُ كيف علم بكوني لم أسرّح شعري منذ أسبوع؟ حسنًا أنا أبالغُ، ولكنّني لم أسرّحه اليوم لأنّني كنتُ على عجلةٍ من أمري.
«اصمت وأوقف أفكارك اللّعينة، وإلّا سأتراجعُ عن قراري بمرافقتك!» هدّدتُه بغيظٍ.
«أو ما رأيُك أن تتوقّفي أنتِ عن اقتحام عقلي؟»
تبادلنا النّظراتِ الحارقة قليلًا، ومن ثمّ سألَ هو بحيرةٍ: «كيف اكتسبتِ هذه القوّة الخارقة؟»
نظرتُ له وابتسمتُ ببرودٍ مجيبةً: «ليسَ كأنّني سأجيبُك.»
ومن بعدِ هذا السّؤال التزم كلانا الصّمت، حتّى وصلنا وجهتنا.
يتبع...
________________________
رأيكم إلى الأن؟
طريقة السرد؟
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top