8: صديقتي الصَدوقة.

كريم.. كريم ذو الأعيُن الخضراء. صديق يوسف المُقرّب.. يوسف لاعِب الكُرة الذي يظنّ الفتيات ككُرة القدم يمكنه الفَتك بقلوبهنّ والعبث بمشاعرهنّ كيفما يُريد، وكريم الذي أبيتُ أن أعرّفكِ عليه كما عرّفتكِ علي بقيّة الطلبة! الذي حذّرتكِ منهُ مراراً وتكراراً يا ماريا، فهو كالنُسخة المُطابِقة للأصل مِن صاحبه..

في الصباح الباكر كُنتُ أوّل مَن إستيقظ في البَيت. أعددت فطوري وقمت بتجهيز ملابسي وحقيبتي لبدء اليوم الدراسي.

إلتقطتُ هاتفي قبل أن أغادر المنزل ووجدتُ رسالةً غير مقروءةً مِنكِ. بعد فترةٍ طويلة قد خلت فيها أيامنا من حديثنا ومزاحنا، وحتّي السلام، بعد كل ما دار بيننا. فترة طويلة قد مرّت كالدهر حتي أنني نسيت أنّ رقم هاتفي لازال بحوزتكِ.

(ماريا): أنا وكريم بقينا نتكلم كتير جداً الفترة دي، وأنا بصراحة معجبة بيه جداً ومتأكده إن هو كمان معجب بيا، كريم ده شخص جدع ودمه خفيف جداً وبيهتم بيا.. إوعي تفتكري إني جايه أحكيلك أو أقولك أخباري لأ، أنا بس حبيت أعرّفك إن وجهة نظرك مش دايماً صح في كل الناس زي ما انتي فاكرة.

معكِ كُل الحق يا ماريا، وجهةُ نظري ليست صحيحة دائماً كما إعتقدت.. فأنتِ مِثالٌ حيّ، ودليلٌ قاطِع.

تحوّلت ملامحي من الدهشة إلي العبوس بعدما قرأت كلماتك، وإستولت عليّ حالة مَريرة مِن الغضب.. وشعرتُ بغيرةٍ طاحِنة تنهشُ قلبي وتأكُل أطرافي.

شعرتُ بالغيرة عليكِ، كانت بداخلي شُعلة الوفاء تتوهّج، وكرهتُ أن يصيبكِ أيّ مكروه... لذا عزمتُ أن أحدّثكِ في المدرسة وأحذّركِ لآخر مرّة من التوغُّل في خبايا كريم أكثر والوقوع في مصيدته. لكنّكِ لم تستحقّي مُحاولتي الأخيرة تِلك. تعلمين السبب، صحيح؟

طالعتُكما في الفصل -أنتِ وكريم- تختلسان النظر من حينٍ لآخر، وتتبادلان الضحكات المَكتومة.. فكان إنزعاجي يزداد.

إنتظرتُ حتي حان موعد الإستراحة، وجدتكِ في الفناء تعبثين بهاتفكِ بينما تسيرين علي رُسُلِك، فإغتنمت فُرصة وجودكِ وحدكِ دون بقيّة الفتيات حولكِ ولحقت بكِ.

"مُمكن تفهّميني إنتي ليه كلّمتي كريم أصلاً وأنا محذّراكي منه مِيت مرّة؟" إندفعتُ بسؤالي لتستديري إليّ في دهشة، ثم إحتدّت ملامحكِ بينما تقولين "هو اللي كلمني على فكرة، وبعدين إنتي ليه مهتمة أوي كده؟"

"ماريا! بعيداً عن الوضع اللي إحنا فيه دلوقتي. أنا دلوقتي بكلّمك عن الزفت كريم اللي حضرتك معجبة بيه! يا بنتي ده هيوديكي ف داهية ما تسمعي الكلام بقا!" صِحتُ بكِ وكان إنفعالي واضحاً، فإنفعلتِ وصحتِ قائلة "وأنا ليه أسمع كلامك؟ إنتي أصلاً متعرفيهوش قدّي!"

"زي ندى بالظبط كده؟ ندى اللي قولتيلي إني معرفهاش قدّك واللي باعِتِِك بعد اول مُشكلة حصلت بينكوا ووقعتك في مشاكل كتير كنتي في غنا عنها؟" أفرجتُ عن مَكنون صدري، فإلتزمتِ الصمت وعقدتِ حاجبيكِ بغضب لتُشيحي بنظركِ عنّي وتتنهّدين في إنزعاج.

"كريم زمانه بيحكي لصحابه كلهم عن الشات اللي بينك وبينه وبيتفشخر بإنك هتدخلي ليستت البنات اللي بيكلمهم، كريم في أول مشكلة هتحصل بينكوا هيحكي أسرارك للولاد كلهم وهيحوّر عليهم كمان عشان يخلّي صورتك زي الزفت قدامهم كلهم وميبقاش ليكي عين تكلمي حد من بعده! كريم مش كويس يا ماريا ده نسخة تانية من يوسف، وانتي متستاهليش واحد من الشلّة المُعاقة دي! فهمتي؟" إحتلّ الهدوء نبرتي في النهاية، فنظرتِ لي طويلاً قبل أن تقولين بإستهزاء "خلصتي يا (جيم)؟ عشان أنا وكريم المفروض نتكلم دلوقتي."

"فعلاً؟" رمقتكِ بغضب، ثم صحت "متبقيش تعيّطي لما الحقير ده يخلّي سيرتك علي كل لسان ويمسك عليكي ذلل تخليه يتحكم فيكي!"

"ما كفاية بقا، أنا كل ده سكتالك بس من هنا ورايح يا (جيم) لو إتكلمتي عن كريم بالطريقة دي تاني أنا مش هسكتلك!" حذّرتِني بإصبعك فسُرعان ما قُلت بحدّة "إبقي خليه ينفعك يا ماريا، زي ندى بالظبط." نظرتِ لي بحقدٍ دَفين.

تلقّيتُ صفعةً قويّةً منكِ، قويّة بحق. حملت كُل الغِلّ والحقد الذي كننتِه لي..

لم ينزِف فمي، بقدرِ ما نزف قلبي.

لم تؤلمني وجنتي، بقدرِ ما ألمتني روحي.

ولم تتجمّع الطلبة حولي، بقدرِ ما تجمّعت الدموع في عيناي.

رحلتِ بينما تدعسين علي الأرض بعنفٍ ينمّ عن غضبك، لكنّي شعرتُ بأنّكِ تدعسين علي قلبي حتي تفتّت لمئات القطع ولم يعُد بوسعي مُعالجته..

إنهمرت دمعةٌ حارِقة علي خدّي، بينما أتحسّر علي كل ما فعلته لأجلك ليكُن هذا الثمن.

أنتِ سبب دموعي، بعدما كُنتِ تمسحينها.

أنتِ مَن يزرع الأحزان والآلام في روحي، بعدما كُنتِ تنتشلينهم.

أنتِ مَن يُدافع عن الجميع أمامي، بعدما كُنتِ تُدافعين عنّي أمام الجميع.

أنتِ شخص أتمنّى لو لم ألتقِ به، بعدما كُنتِ صديقتي الصَدوقة.

عَلِمتُ حينها أنّ هذا الوقتُ سيمُرّ، رُبما كمرورِ عَبّارةٍ مُثقّلةٍ فوقَ روحي الهشّة.. لكنّهُ سيمُر!!

وقد مرّ.

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top