3: صديقتي الثَمينة.
مرّت الأيّام ونحنُ نلتقي في المدرسة ونمضي جميع الأوقات في الثرثرة والضحك والأُلفة تزداد بيننا، حتي تقرّبنا لبعضنا البعض إلي الحَد الذي لا حدّ له. أصبحنا نُدردش واقعيّاً في المدرسة صباحاً، وهاتفيّاً في منازلنا ليلاً.
أخبرتِني بسرّك الثَمين يومها: أنّكِ زوّرتِ إنتخابات أمين الفصل في مدرستكِ القديمة ذات يوم لتفوزي أنتِ، ولم تخبرني أحداً سواي عن هذا السر -وفقاً لكلامكِ- ووجدت أنّهُ أمرٌ لطيف أن يكون هذا السرّ هو الأكبَر بالنسبة إليكِ.
كُنتِ لطيفة يا ماريا، لطيفة كزهرةِ ربيعٍ تتفتّح بهدوء وتزداد نعومةً ورِقّة.. كُنتِ يا ماريا!
ساعدتكِ علي التقرُّب من بقيّة الطُلّاب، إنغمستِ بين أصدقائي حتي صِرتِ فرداً مِنّا، وسجّلنا في النشاط المسرحي سويّاً.. فأصبحنا معاً في كلّ الأوقات.
أينما تذهبُ ماريا أكون أنا برفقتها، وأينما أذهبُ أنا تكون ماريا برفقتي.
لقد إشتهرنا في المدرسة بصداقتنا القويّة. الجميع كان يصرِف النظر عن أذيّتكِ بأي شكلٍ كان.. كانوا يعلمون أنني لن أقِف وأُشاهِد مُكبّلة اليَدَين، فكانوا يخشون خَسارَتي بسبب مضايقتهم لكِ.
عانيتِ مِن التنمُّر في البداية، كجميع الطلبة الجُدُد، وكُنتُ أقِفُ بجواركِ وأُساندكِ.. ومُنذُ الإسبوع الأوّل أخبرت الجميع ألّا يتعرّضوا لكِ!
كانوا يُلقّبوننا بـ (التوأم المُلتَصِق) هل تتذكّرين كم أضحكنا وأسعدنا هذا اللقب؟
تشابهنا في الكثير مِن ميولنا.. كُنتِ تحبين الأغاني نفسها والأماكن نفسها، وكُنتِ تعشقين الطعام نفسه، ولديكِ نفس الإسلوب في التعبير عن مشاعركِ.. لقد تشابهنا كثيراً، علي نقيض خِلافنا المظهريّ، وتغاضيتُ عن بعض الصفات بكِ التي لم تَرُقني.
أصبحتِ تحفظين ردود أفعالي جيداً، تفهمين نظراتي، ولا تَخيب محاولاتكِ أبداً في جعلي في حالٍ أفضَل حين أنغمِسُ في حزني لعدّة أسباب. أصبحتِ تتجنّبين الحديث فيما يُزعجني، وتُدرِكين ما بداخلي دون أن تسألي.. دون أن أُجيبك علي السؤال الذي لم تسأليه! أصبحتِ أقرَب لي مِن كُل مَن حولي!
حتّي في أيام العُطلة سواء كانت العطلة الصيفيّة أو نهاية الإسبوع، كنّا نتحدث ليلاً نهاراً علي مواقع التواصُل الإجتماعي، ناهيك عن رصد أخبار جميع الطلاب! ناهيك عن الضحك الذي رافقنا ما دُمنا نتحدّث! أدمَن كِلانا وجود الآخَر في حياته.
لكنّكِ تعالجتِ من الإدمان سريعاً...
مرّ عامٌ وآخَر..
ولم تهتزّ صداقتنا مهما عصفت بها الرياح، مهما زلزلتنا الظروف والمشاكل، مهما إختلفت آرائنا حول الأمور.. بقت صداقتنا علي نفس القوّة بل وإزددنا تقرُّباً!
أدركتُ حينها يا ماريا أنّكِ صديقتي الثَمينة، التي لا يمكنني التفريط فيها مهما حدث.. التي سأحافظ عليها لأطول فترةٍ مُمكِنة! وسأحارب لأجل إبقاء علاقتنا علي قيد الحياة.
لم أدرِ أنّكِ لم تُشاركيني نفس الرأي، لطالما كُنتِ مُتسرّعة ومُتهوّرة وتميلين للتغيير المُستمرّ.. تملّين مِن الأشياء قبل أن تنتهي مِنها، تُجيدين البدايات لكنّكِ لا تجيدين إنهائها.
كتبتِ أحد القصص القصيرة، وتذمّر القُرّاء لعدم نشركِ لنهايتها بَعد.. فقُمتِ بإلغاء نشرها بعد أن أدركتِ أن ذهنكِ لم يتفطّن لنهاية مُناسِبة للأحداث.
لعبتِ رياضة السباحة، وبعد أشهُر أدركتِ أنّكِ لا تجدين نفسكِ فيها.
كان يُغريكِ نشاط الموسيقي، فسجّلتِ إسمك به وعزفتِ البيانو، وبعد أسابيع قليلة عُدتِ إلي نشاط المسرح مجدداً.
لطالما كُنتِ مُتقلّبة المزاج، لا تتمسّكين برأيك، تتحمّسين للأشياء ولا تنهيها بطريقةٍ صحيحة، لطالما كُنتِ.. غريبة!
لكن هل تدركين أنّكِ عاملتِني بنفس الطريقة؟
كتبتِ العديد مِن الفصول في حياتي، ثُم تركتِ النهاية مفتوحة..
لعبتِ بمشاعري وقلبي، ورحلتِ..
كانت تُغريكِ طيبَتي ورغبتي في الإقتراب منكِ وتمسُّكي بكِ، أحببتِ البقاء..
لكنّني تعلّمت الدرس!
وتعالجت من الإدمان مثلكِ.
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top