حُفرة الخطيئة <٣٣>
_ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم. 🖤
جميعنَا نرتكُب الأخطاء..
فحُفرة الخطيئة، باهتة، وعَميقة جدًا، نسقط فيها بجهلٍ وحين تنكسر ضلوعنا، نتوب، حتى سانتِيغو وبرغمِ سنه ووقاره، سقط في الحُفرة الغائرة فخسر إبنه وزوجته ومحبوبته.. خسر والده، وخسر أملاكه وأخوه.. والأدهى من ذلكَ أن شيطانه لمْ يَندم، بل لمْ يرمش لوهلة بينما يُراقب عالمه يصير رمادًا غير مَلموس.
بالنسبةِ لهُ.. كانت فرصته الأخيرة للحياةِ مع إيڤالين، الوحيدة التي لمْ يبتغي خسارتها بعدمَا فقد كُل ما يملك في سبيلها.. لذا أوقد أخر شعلة من الشموعِ الحمراء، ثم جلس على الطاولة النظيفة في مُنتصفِ جناحه المُتفحم، فبرغم ما خلفتهُ النيران من خرابٍ، كانت الطاولة جميلة ودافئة.
عيناه تتسمر على مدخلِ الغُرفة بلوثةِ مُراهق عاشق في موعدهِ الأول لا يرتجي سوى فتح الباب..
وعدها أن يتلاشى منها، إن قابلتهُ..
وعدها أن يكون لقائهما الأخير في حالِ رفضتهُ..
لذا لبت هي نداه، وفتحت بابه فقط لتهرب من حُبهِ ومن عالمه البشع..
تغوص أعينه فيها حين شهد هيئتها.. وكأنمَا يراها للمرة الآولى في هالةِ المراهقة التي سرقته، منذ أن خطت بقدميها الجميلان حدود قصره.. فكم كانت فاتنة في فستانها الأسود الطويل، وعيناها المَرسومة آسرته، وشعرها المرفوع قيده.. وبالفعلِ للمرة الثانية، أستطاعت إيڤالين أن تنزع روحه من بين ضلوعه.
كانت أجمل امرأة رأها في حياتهِ.. بل وأجمل واحدة قد يراها مُستقبلًا.
لمْ يستطع أن يُزيح عنها أهتمام حادقتيه، خوفًا من رحيلها، وكم كانت حجته رائعة، فأبى الأعتراف أن من جمالِ هيئتها الأربعينية، لمْ يستطع أن يرمش عنها حتى بعدما جلست أمامه ويدها مَعقوصة أسفل صدرها، تتبع عيناه العاشقة بآخرى حزينة باهتة:
"سانتيغو.."
همستها، فشعر بالحياةِ تتغلغل دواخله القاتمة، لتكسر قيود عتمته، وكل حرف خرج منها، كان كشرارة من اللهيب أوقدت مشاعره كافة، الجنسية منها والعاطفية، فتمتم مُتأثرًا:
"يا إيڤالين.. لمْ أعرف أن أسمي جميل هكذا."
دندن مع نبرة ثقيلة خافتة، والتأثر واضح في لهجته الساهمة، وعيناه الهائمة، فذمت شفتيها بتبرمٍ، وأشاحت وجهها للجانب الأيسر مُحاولةً كبح دموعها لقول الكلمات الثقيلة من الحقِ:
"وعدتني أن يكُون لقائنا الأخير إن أتيتُ."
"أنتِ جميلة جدًا يا إيڤالين."
"وأنــتَ لا تـــفــهـم.!"
رفعت له عيناها الحزينة أثناء الهدير القاطع الذي تسرب من ثغرها المُرتجف. دموعها كانت كثيرة وداكنة، أستطاعت أن ترويّ أرضه القاحلة، فبالنسبةِ له، كانت أثمن جوهرة سوداء، قد رآها طوال حياته المُرفهة:
"أنا في نهايةِ الخمسينات يا إيڤالين، لا أستطيع أن أكمل الستين دونكِ يا حبيبتي."
لهث من شدةِ الوجع صارًا أسنانه حين إزداد شغف دموعها، تكيّ صدره وتلهب فؤاده، فوصلتها وحشية الألم بسبب تفاقمها في عينيه:
"وأنا لا يمكنني أن ألتقط كفك فتلبي نفسي نداكَ، وفي يداي دم جوانا ودمه يا سانتيغو."
أشتد بكاها وعلا صوتها المَبحوح، مُستطردة:
"لا أستطيع أن أمسك يدك.. وأنا أعرف أنها مُلطخة بدمِ چون ودموع أمه، بعارِ هاريسون، وخذلان آخوك."
"كان هذا في الماضي يا إيڤالين، كيف أصلحه والجحيم!"
غمغم ثمَ طرق الطاولة بعنفٍ فسقطت على جانبها الأيسر وأنطفأ الشمع حينْ لمْ يجد ما يأكله سوى نفسه من النيران، وبرغمِ شدة غضبه وهياجه، أنتفاضة إيڤالين الخائفة ألهبته من العارِ، فعاد مجلسه وحاوط فمه كابحًا ثورته أثناء تمتمتها اللوامة:
"لكنكَ لمْ تندم.. أبدًا.!"
إزداد أرتعاده المَوجوع، بعدما لم يجد مُبرر، لأنها كانت فعلًا صادقة، فنهضت وألتفت عازمة على الرحيل، لكنهُ أمسك يدها بخفوتٍ راجِي:
"لا ترحلي، سأموت يا إيڤالين.. وإن متُ دمي المُلوث سيكون في كفكِ، وهاك روح هائمة تضاف إلى قائمتكِ، أنتِ تُحبيني، وأنا أحبك، لذا دعينا نرحل، نُسافر، لنعيش في سعادةٍ.!"
أنتشلت يدها بقسوة من كفه، ثمَ هدرت أمام وجهه ببكاءِ وألمٍ لا نهاية له:
"كيفَ تجرؤ؟"
شددت قبضتها حتى إنغرزت أظافرها في باطن كفها، تكبح دموعها المُستنكرة لوقاحته:
"كيف تقول هذا يا سانتيغو؟ بعد الدمار والموت؟ والهلاك؟ هل تعلم كيف شعرتُ حين شقَ عنقه من الأذن للأذن؟ ، عيناه كانت في عيني، أنفاسه الآخيرة التي أنقطعت، لفحت وجهي.!، دمه تناثر على بشرتي يا سانتيغو."
شهقت، وتابعت بأصابعِ الأتهام كلها:
"جوانا حين ماتت في المشفى ما الذي فعلتهُ عوضًا عن أرسال أبنك إلى روما؟، لحلبةِ الموت لأنكَ لمْ تستطع قتله، وذكرني بقراركَ المثالي؟ سيموت هُناك دون أن تتلوث يدكَ بدمهِ، قُلتَ لي ليلتها، بأنكَ لن تقتله، سيفعل رجل آخر وحين يفعل.. ستنتقم منهُ."
"إيـڤــالـيـن.."
ترجاها، ثم تابع مُؤكدًا:
"أنا أسوء رجل في الوجود، لكنني أحببتك بصدقٍ، أنتِ حبي الأول والوحيد يا إيڤ."
ضحكت، ثمَ أنهارت على كرسيها تمسح عبراتها:
"هذا يُذكرني حين كنتُ في الرابعة عشر.."
أشتدت قهقهاتها وعيناها تُراقب الحائط، وكأنما تُبصر لمحات مُراهقتها أمامها:
"كنتَ مهووسًا بي في ذلك الوقت، ولمْ أكن أمتلك أي قوام آنثوي."
"أحببتكِ"
أجابها بوجعٍ وحرقة، لكنها تجاهلت قوله وتابعت ضاحكة:
"وقعتُ على أوراقٍ شملت عبوديتي، ربما لمْ تغتصبني، لكنك أنتهكتني، أستغللت صغِر سني ولمْ أعرف أنني.."
أغلقت عيناها بمرارة ترفض الحديث عن تلكَ النُقطة تحديدًا، بدءًا من لحظاتِ إنجرافها جنسيًا معه أثناء مراهقتها، وإستغلاله لها بغيرته المريضة، وصولًا لهوسه المكنون فيها ولنهاية علاقتهما:
"كنتَ مع جوانا، لكنك.. معي يا سانتيغو، ما يقتلني حقاً، أنني خنتُ لأجلك، ولا رجل في الوجودِ، يستحق أن تخون المرأة لهُ.. ولا حتى أنتَ."
"أنا من خان."
"كلا.. خنتُ السيدة التي آوتني وعاملتني بالمعروفِ حين سمحت لنفسي بحبِ زوجها، وخنتُ فاليريو حين.. تركته يا سانتيغو."
"توقفي عن ذكرِ إسمه اللعين."
هدر فاقدًا حواسه ورغب حقًا لحظتها، في أن يموت فقط ليُقابل ذلكَ السافل في الجحيم.
"لما؟ هل ذكري لأسمه لا يزال يغضبك؟ هل ستضربني كما الماضي يا سانتيغو؟"
وقفت مُجددًا ثم أشارت له بسبابتِها:
"قتلتَ أثنان وكنتُ شريكتك، لكن چون، لمْ يكن يستحق."
"هل هذا ما يهمك يا إيڤالين؟ چون فقط؟ ماذا عني أنا..؟"
قاطعته بحدة:
"هو روح الشيطان لكنكَ مسخ، والأسوء أنكَ لا تكترث سوى بأمتلاكي."
وبالفعل هذا ما كان في باطن عينيهِ..
أنانية تامة نحوها..
في أمتلاكها وأحتجازها كي لا تغادره.
"لكن ليس اليوم، ولا غدًا، ولا حتى السنة المُقبلة، لربما ساهمتَ في تعليمي الكتابة والقراءة، التاريخ والفيزياء، لكنكَ نسيت أهم درس علمتني أياه يا سيدي."
كاد يتحدث، فرفعت كفها برفضِ:
"علمتني أن الحُب أرقى من الضربِ، وأنهُ أرقى من مُجرد النشوة الجسدية، علمتني أن الذئب لا يُشترط أن يكشف أنيابه ليكون عدوك، والأهم من هذا كله، ألا أحد في الوجودِ يستحق أن تخون من أجله."
أتهمته، ثم أستدارت ناحية الباب وهذه المرة كانت حقًا سترحل.
"لن ترين وجهي مُجددًا يا إيڤالين"
تصلب كفها حول المقبض وهلة تُراجع قرارها في الرحيلِ.. للمرة الأخيرة.
كانت فُرصتها للأنتقام..
لأجل نفسها..
لأجل فاليريو..
ولأجل الماضي الذي لا يزال يعيش في كيانها كُله.
لذا أنتهزت أنتقامها، وقالت كلمة الوداع:
"هذا فقط ما أرغبه،.. وداعًا يا سانتيغو."
"إيڤالين؟"
دعى أسمها بأنكسارٍ مَهزوم، ونفس مَسفوكة الدم، منزوعة السعادة والرضا.. وتمنى فقط لو تلقي عليه نظرة.. نظرة واحدة فقط ستغير كل شيء..
نظرة لدموع عيناه ولحزن روحه ولبؤس هالته التي أنهارت على مدارِ سنين، لكنها رحلت بمنتهى البشاعة ولمْ تلتفت.
رحلت وتركته في حطام... ووحدة.
الشموع هلكت وأنطفأت بسبب الهواء الذي دخل من الباب، فأخمد لهيب قلبه مُشعلًا نيران من نوع آخر.. مرير وكريه.
لكن لما سيكترث وهو خسر كل شيء؟
حتى المرأة التي ضحى بأهلهِ لأجلها، رحلت ولم تناظره، حتى لوهلة.
ولا لثانية واحدة..
وحينها فقط علم..
ألا أحد من بين كُل الخليقة، يستحق أن تخون وتقتل، أو تهجر أبنك لأجله.
لا أحد كان يستحق..
وهذه حقًا النهاية.
توَالت الشهور وكثرت، ومحى الزمان ألامها بل وبددها تمامًا، فترك أنثى سَعيدة رغم ندوب الروح الحَابرة، ولمْ تُكافىء فقط بتغير چون معها للأفضل.. بل وتأكدت أنها لمْ تعرف يومًا حزينًا واحدًا في حياتها بعدمَا أيقنت من شكوكها، وباتت كلمات الطبيبة نغمات عالية تُطرب قلبها وكل ذرة في كيانها الآنثوي، كلمَا سمعتها أثناء خلوتِها.
حاوطت وجهها فجأة بسبب ثُقل مشاعرها، وأجشعت في البكاءِ عكس قلبها السعيد، شكرًا وتضرعًا للّٰه من عظمة كرمه، ليهبها أفضل مما تمنت في النهايةِ.
"أنا حامل.!"
أبتسمت ثمَ مسدت بطنها البارز بخفوتٍ فَرِح، وألتمعت عيناها بعبراتٍ سَعيدة غير مُصدقة، ولحظتها سمعت الباب يُفتح، فألتفتت ببراءة لچون رغم إحتداد ملامحه الغاضبة جراء خروجها دون أذنه، وبدى أن عقابها لن يكون هينًا بعد كل تلكَ الشهور الروتينية من السعادةِ والسرور.
"عدتَ باكرًا.!"
أندهشت ببسمة خافتة، فأعلن بجمودٍ مُهيمن:
"أينَ كُنتِ؟"
حاولت منع قهقهاتها عن التسرب، ثم حللت الموقف بتمايُل ماكر:
"إذًا دعني أرى.. كريس كان يُراقبني كالعادة، وحين رأني أعود للقصر حدثكَ، فأتيت على الفور لتسأل عن مكان تواجدي؟"
"كلا."
نفى، ثمَ دنى نحوها، ودندن بفحيحٍ مُؤذي من الغيرة أعتادتهُ بينمَا يُحاوط خصرها:
"جئتُ لأكسر أقدامكِ، ولأعلقكِ على مدخل القصر يا زوجتي الحبيبة."
أبتسمت واومأت تُجاريه، ثمَ حاوطت عنقه بدلالٍ فجمدت عيناه مُتفحصًا وجهها بشكٍ غير معهود.. بينمَا هي بدت مُترددة حيال أخباره بأمرِ حملها.
"أنا.."
"أنتِ...؟"
سألها مُترقبًا بعدما طال صمتها وشرودها رغم لمعة عيناها السعيدة، وحينها فقط رفع يده مُتحسسًا وجنتها بإكتراث قلِق:
"كنتِ تبكين؟"
تسائل بين نفسه وقرارتها وبرغم ذلكَ سمعت عنايته تنتشر في ثناياها، لتهدد بقايا أحزان ذكراها:
"آسفة، لن أكررها.. فقط.. كنتُ أشعر بالمللِ."
لدقائق طويلة ظل يراقب وجهها مُتفحصًا إياه؛ لأنه لمْ يصدقها بعدما أستطاع الولوج لروحها وتأكد من عدمِ صراحتها، لكنهُ في النهاية دفعها عنه برقةٍ غير راغبٍ في إيذائها، فرمشت مُتحيرة بينما تراه يبتعد، لكنهُ حين ناظرها مُجددًا فاقدًا صبره وتبلده، ضحكت هازة رأسها بيأسٍ بينمَا يُحلل أزرار قميصه ببسمة سافلة فهمتها:
"لا.. أنا چون هاريسون يا سيڤار.. لا أغفر الأخطاء وتبًا كم أحب معاقبتكِ بطريقتنا الجديدة."
توردت وجنتاها بحياءٍ أستحبه، ثم رفعت سبابتها برقة أنثوية بعيدة عن الأمر:
"أنتَ شرير، لا يمكنك أن تفعل هذا"
"أمـنـعـيـنـي!"
سخر بحقارة رجولية رافعًا جانب ثغره نسبيًا، فأخفضت رأسها وأعتصرت عيناها من الخجلِ بسبب نظراته التي إزدادت سفالة ومجونًا حول منحنياتها، فأتجه صوبها بأبتسامة من الأذنِ للآذن:
"والآن دعيني أبحث، أين أكتسبتِ وزنكِ الزائد في الفترة الماضية؟"
"مُنحرف.!"
ضحك بسعادة بالغة وحاوطها بتملكٍ لنفسِها، يمنعها عن الفرارِ والمناص، فضحكت في أحضانهِ وحاولت الخلاص.. فوجدت نفسها تغوص في أضلعهِ أكثر بكلِ عشقٍ لملكة فاخرة.. تمامًا كما خُلقت حواء من ضلعِ آدم.
سلمتهُ نفسها بروحٍ صافية، وكأنها لمْ ترى يوم حزين في حياتها، تقبلتهُ أخيرًا في دواخلها، وبات أمامها سبب أقوى من الكرهِ، لتستمر معه.. أحبت يده الغليظة وتركتها تمر في كل شبرٍ من مفاتنها المُتجردة، وأستلذت بأنفاسه التي لفحت رقبتها العارية، وكانت شكورة لثغره، الذي ألتقط حبات دموعها بكل شهوة يضمها.. يكاد يهشمها، وتمنت لو لا ينقضي الوقت بينمَا تحصد معه تلكَ الشرارات الباهظة..
لكن عكس ما نتبغيه، ينقضي الوقت الحلو سريعًا دائمًا، وهذه المرة السعادة لمْ تتفانا، فأخذ منها ما يُريد من رغباتٍ، ثمَ دللها وعابثها، ومشط شعرها مُحاوطًا كيانها البريء.. راغبًا في سرقة مهجتها بدلالهِ وليونته.
عيناه كانت شاردة في المشطِ الخشبي بينما يمر في خصلاتها يُعدلها، ثمَ تتبعت فستانها الوردي الفاتح الذي أمتاز بإمتلاكهِ نصف أكمام بجانبِ فتحة صدر مُستطيلة شهية، فتناثر شعرها البني يلهبه لوثة، وراقبتهُ عيناها الآسرتان تسحبانه أعمق حتى تحير وتسائل عن مدى إنغماسه فيها كالمحارب المُقيد بسلاسل محبتها.
كانت سيڤار جوهرته الجميلة في صندوقهِ المُغلق، كل مَا فيها له، غير قابل لا للمشاهدة ولا اللمسِ من سواه. كانت أثمن كنوزه المَطموسة في علبتهِ الحالكة، وكان مُستعدًا ليظل مُوصِدًا عليها للأبد.. علم أنها لا تستحق هذا منه.. لا تستحق أن تعيش وحيدة كيلا ترى سواه. شرقيته.. لمْ تستأهل مُطلقًا.. أن تحيا مَكبوتة، زوجة غير مُعترف بها.. عاهرة مُميزة أمام الجميع بأطفالٍ غير شرعيين مَعدومين الأحقية.. وهو لن يعترف بها أبدًا، فإما أن تكون ذليلة خلف قناع كذاب من الدلالِ في عبوته.. أو تغادر عالمه كله.. وهو لن يستطيع ترك فراشته تطير.
وكعادته السخية مُؤخرًا، أخرج من جيبهِ علبة مخملية بها عقد من الذهب الأبيض النقي.. في مُنتصفة ماسة نفيسة أتخذت هيئة فراشة صغيرة ورقيقة، فألتمعت عيناها بذهولٍ ويده تُلبسها أياه حول عنقها، بمنتهى الدلال والتفاني، وأرتسم على ثغرها أبتسامة نقية بعدما برقت فراشتها بسبب إنعكاسِ الضوءِ، بجلاءٍ ووضوح. 'أنظر يا صغيري.. والدكَ حقًا يُدللني، ويُحبني كثيرًا.'
وقفت أمتثالًا لهُ حين سحبها لأحضانه يشتم عنقها بنهمٍ، ويده تتحسس بطنها الذي أنتفخ مُؤخرًا بسبب شهيتها الشنيعة، وذراعيها، بالإضافة إلى مفاتنها التي أكتسبت بضع كيلوجرامات:
"سمنتِ حقًا، وبرغمِ ذلكَ لا تزالين هشة."
همس ببسمة عابثة، عاشقة، فترددت نبرتها بين الغضب والذهول:
"هل ستبدء بالشكوى الآن حيال جسدي؟ في النهاية الأمر لا يتعلق بالمُجتمعِ الشرقي في حينِ مبدأ الذكور واحد.. وهو البحثُ عن الجسدِ المثالي.!"
أرتفع حاجبه الأيسر جراء تبدل مزاجها مئة وثمانون درجة في لحظةٍ عابرة، ثمَ غمغم مُعقبًا:
"لسانك أكتسب الكثير من الأمتار يا زوجتي الحبيبة، لا تُجبريني على خِتانه لاحقًا."
أرتعش جسدها خوفًا من تشبيههِ الدميم، وبهتت عيناها لوهلة بعدما تأكدت من صدقِ نواياه، فأنحدرت عن مجرى الحديث:
"هل تذكر مشروعنا الصغير؟"
زالت وحشية أبصاره، وضوء روحها الدافىء أنار لوجدانه طريق الخلاص من العَتمةِ ولو للحظات:
"هل تُريده صبيّ أم فتاة؟"
أبتسم بمكرٍ عارضًا فكره الرجوليّ البحت دون حروف، ففهمت على الفور وعَقبت ناقدة:
"لمْ أتوقع أنكَ لا تحب الفتيات أعني.. ظننتكَ ستدللها.!"
"حين تبلغ أبنتي سأكون مُجبر على تزويجها، وتبًا سأقتل كل لعين قد تُفكر في مواعدتهِ.. ربمَا أقوم بإجبارها على الرهبنة لتبتعد عن كُل تلكَ السُخف ولتكرس حياتها في عبادة الرب."
اومأ فجأة بإبتسامة واسعة فوجدت نفسها تندهش، أعني.. تكاد تجزم أن آخر مرة زار فيها الكنسية كانت يوم ولادته، ولوهلة ظنته يتخذ المزاح في حديثهِ وملسنه، لكنهُ تابع مؤكدًا:
"أجل.. هذا ما سأفعله تمامًا.!"
عبس وجهها، وأرتدت بضع أنشات تمنع عنه دفىء جسدها، ثمَ ألتفتت بإنتقادٍ مُعاتب:
"لا.! الحـُبُ يُنير رحلتنا والزواج المُقدس سنة رئيسية من سُننِ الحياة، فلا يمكنكَ أن تمنع أبنتنا عن الزواج وإتمام فرحتها فقط لمُجرد هاجس يا چون.. لمْ أتوقع حقًا منكَ هذا التفكير."
عبس وجهه في المُقابل وتوحشت أبصاره، ثمَ تمتم بتملكٍ مَرضيّ، مؤكدًا حروفه الحادة بتراص أسنانه:
"ستكون أبنتكِ، ربما من صلبي، لكنها أبنتكِ، وكُل ما فيكِ لي يا سيڤار، المصير بيدي أنا.. فأنا من أُقرر أرتباطها من عدمهِ."
شهقت ورفعت سبابتها من فرطِ الدهشة، لتستنكر:
"المصير بيد الرب، والنصيب مَذكور في كتاب كل منا بالحياةِ والرزق والبنون والموت.!.. لا يمكنكَ أن تصل لتلكَ المرحلة من التملكِ والنرجسية."
"لا أحد يستحق تلكَ الرفاهية البحتة من العطاءِ يا سيڤار، لأهبهُ مَن مِن صلبي وفيكِ."
بهتت فرحة عيناها وعارضته بإمتعاضٍ رافض:
"العطاءُ من اللّٰه، خالقي وخالقكَ، ربما أنا من المُجتمع الشرقي وأنتَ من الغربي يا چون، لكننا لا نزال نندرج أسفل المسيحية.. فلا يمكنكَ أن تنسب عطاء اللّٰه الكريم لكَ.!"
"أنا وريثُ هاريسون، الحاكم الشرعي للعائلات الراقية، وممول بلادكِ الشرقية الطاهرة.."
غامت عيناه بسادية مُتملكة، فعبس وجهها من شدةِ الغضب أثناء حروفه التالية:
"لا أحد يستحق، قطعة من روحي.."
أسودت أبصاره وهيمنت فجأة، وإزدادت خطورة الرغبة بالأذية في عينيه، فإنكمشت خوفًا وحواسها تدرك جسامة الوضع والوسط المحيط به وبها:
"ولا حتى أنتِ."
علت نبرته وصدت في الجناحِ بمنتهى السادية والشيطانية، وأرتدت هالته المُظلمة تخنقها، وعاود البرد يداعب فؤادها، حتى عيناه.. تراجعت للوحشية التي عهدتها قديمًا قبيل كل نوبة أنهالت على جسدها لتكسر عظامها، فأرتعشت ثمَ والته ظهرها تعتصر جفونها بإرتجافٍ خائف، علها تتهرب من النقاشِ، فحاوطها من الخلفِ مُتحسسًا خصرها:
"لكنني منحتكِ إياها."
نبرته هذه المرة كانت لينة ومُغازلة عن لحظاتٍ، فتنهدت بتناقضٍ تام بين الراحة والتوجس، مُستندة على صدرهِ بظهرها:
"أنتَ نرجسي حقًا.. يا إلهي، أتسائل كم جانب تمتلك وتُخبأ لتصدمني كل مرة؟، وكأنكَ شاحنة فتاكة.!"
هزت رأسها للجانبين 'آسفة صغيري، أتمنى أن تكون صبي، فالعالم سافل جدًا في الخارجِ.'
"حسنًا مهما يكُن، وإن كان مشروعنا لذكر لطيف؟"
"تبدين مُتحمسة أكثر من المُعتادِ.. هل هناك ما يجب أن أعرفهُ يا سيڤار؟"
تبًا.. ذكائه بدأ يزعجها حقًا.
"لا.. الطبيبة قالت.. أن رحمي لا يزال نظيفًا."
اومأ دون تعقيب، ثم دفن أنفه في عنقها فإستكانت بين ذراعيه تجنبًا لإغضابه، أو لإثارة وحشيته مُجددًا وهذه المرة لن ينجدها خوفها، فلم ترى نهم أبصاره فيها، ولم تشعر بلوثة أستنشاقه لعطورها ولعبق جسدها، وكأنما هي ماسة غالية سرية، يحب تفصحها من حينٍ لآخر في الخفاءِ. ظلت ساكنة تنتظر أبتعاده عنها، حتى قرر الرحيل أخيرًا بعد لحظاتٍ طالت.
"سأعود للعمل، لا تُغادري يا صغيرة لأكافئكِ في المساءِ."
أبتسم بنفسِ السفالة الماجنة، فهزت رأسها ضاحكة بإمتثالٍ لأوامره.. وهنا وطبع قُبلة توديعية مُشتاقة على عنقها يلثمه، ثمَ أنسحب مُغادرًا فإنهارت على أقرب كرسي بإبتسامة لاهثة، تتحسس أنتفاخها الصغير.
"لمْ أكن في حياتي الشخص المثالي.. لكنني سأكون الآن من أجلكَ يا صغيري.. سأعيشُ لكَ، لن أتعامل مع نفسي وكأنني مُضطربة نفسيًا، سأطلع چون على الماضي وسأعود لعلاجي.. سأعلمكَ حُب الإيمان، حب الرب وأهمية طاعتهُ، سأدعمكَ دائمًا في الحقِ وبالصواب.. ستكون أهم رجل في التاريخ.. أو أجمل فتاة متزنة نفسيًا.. لن أسمح لأحد بأن يهينك، أعلم أن الرب سينمحك أفضل عطاء.. فهو معطاء وكريم.. أكثر مما تظُن."
أبتسمت، ثم نهضت وأتجهت صوب غرفة الملابس. أرادت أن تتجهز للذهاب إلى الكنيسة وهذه المرة لن تخرج قبيل مُهاتفة زوجها.
في البداية لمْ تكن تمتلك سوى عنق واحد، لحياة مريرة لمْ تكترث لها، لكنها الآن تمتلك أثنتان، لذا ستحرص ألا يبتر زوجها العزيز رقبتها لأجل سلامة طفلها فهو.. يصير مجنون معدوم العقلية حين يتعلق الأمر بغيرته وحُبه البشع، وهوسه الغير مقبول بها.
رفعت الهاتف بإبتسامة مُشرقة، وبدأت رحلة البحث عن رقمهِ، في العادةِ كان يتجاهل أي مُهاتفات أثناء وقت العمل، لذا حين علا هاتفه برنينٍ في القاعة، صمتَ الجميع بإرتياب ومرر البعض يده على جيوبهِ يتأكد من جوالهِ المُغلق تفاديًا لغضب وريث هاريسون..
وبعدما تأكد الجميع أن المهاتفة تنتمي للوريث نفسه، أنتظروا إستئنافه للأجتماع وتجاهل المحادثة، لكن ما حدث، أنه رفع السماعة على أذنه وكأنهم أقل شئنًا من المُهاتف، وصمتَ مُراقبًا الفراغ بعتمة غير مُكترثة:
"هل يمكنني الخروج لـ.."
"لا."
رفض ببساطة، ثم أنزل الهاتف مُغلـقًا إياه بلا أكتراث، فصرت أسنانها بغضبٍ وجعدت حاجباها بتحدٍ فطريّ.. لولا خوفها على طفلها لخرجت.. وتبًا لكل شيء.. لكنها كانت مُتأكدة، چون لمْ يرد إفساد سعادته في أحضانها، فتجاهل خروجها وحاول نسيان ثورانه بين ثناياها، لكن في المرة القادمة..
مررت يدها على فستانها بتوجسٍ، وحال الغضب إلى الخوفِ والطاعة.. تعلم أنه لا يزال لعين، ولا يزال يملك كل وجه طبقه عمليًا على بدنها، فحين يتلمسها بكل رقة أسفل الأغطية، ترى موتها ونهايتها تفيض من عينيهِ، وتشهد رغبته في نهشها وإيذائها، جوعه التام في رؤيتها تنزف له وأسفله، وهبها الثقة، لكنه لمْ ولن ينسى فعلتها الشنيعة، وخيانتها التي غفرها..
الخروج دون إذنه كان غير مَقبول، ذاتًا الخروج كله مَرفوض.!
تنهدت ببؤسٍ وراحت القيود التي فرضها عليها بداخلِ سجن هوسه تخنقها، فغادرت الجناح:
"حسنًا يا صغيري، دعني أُعرفك على الشجرة التي أحبها.. ثمَ سنتجسس أنا وأنتَ لننبش أسرار والدكَ لاحقًا."
أبتسمت بعدها كالبلهاء وهي تتبع حاستها التي تمنعها عن إخبار أحد، حتى لصوفيا والتر نفسها رمز الأمانة، لمْ ترد أن تبوح بسرها الصغير.
لذا أخفضت يدها من فوق بطنها، وأغلقت فمها تمامًا كفتاة مُطيعة. هي لازالت لا تثق في أحد، وأفضل حل بالنسبةِ لها كان الصمت لأن الحوائط لها آذان.. وإن أخبرت چون.. سيقرر هو من يجب أن يعلم ومن لا!
أبتسمت أكثر على ذكائِها، ثم خرجت للحديقة تتنفس بسعادة داخل قفصها الكبير. كان الجو مُشرق، مثل روحها تمامًا، نسمات الهواء لمْ تعُد تُداعب حواسها فقط، على النقيضِ تمامًا وصلت لأعمق وأدق نقطة في ثناياها المَكسورة بالهجرانِ.
جلست في بُقعة من الأرضِ شبة رطبة، والقطرات الضيئلة التي تخللت ثيابها لبشرتها الدافئة أجبرتها على الأرتعاشِ بنشوة سَعيدة كطائر حر فَرِح، وأشعة الشمس داعبت شعرها، فأكسبتهُ مزيج سار للأعين ومُبهج من الألوانِ. بشرتها البيضاء، عكست الأشعة وكأنما هي القمر، كحال ثوبها تمامًا.. حتى عيناها الواسعة، أكتسبت درجة فاتحة أكثر.
لمْ تكن تُدفىء نسيج بشرتها فقط.. بل وكل ذرة في كيانها، حتى كُل جرح سببه الماضي لها.. لمْ تعد تكترث لهُ.
الصمت التام، مع تناغم الرياح والهدوء، أجبرها على التمدد والأسترخاء..
تمامًا... هذا ما كانت ترغبه..
الهدوء النفسيّ ولا سواه.
ترتفع يدها، وللناظرين بدت وكأنما تُحاول أن تلمس السماء بأناملها لعلها تقبض إحدى النجوم، لكنها كانت تحسب كم يومًا بقيَ على ولادتها؟، وبالفعل لمْ تكن أيام هينة.. فوجدت الأيام شهور.. فشعرت بالبهجةِ والحزن بسبب وجوبها بالإنتظارِ.
ذاتًا لمْ يبقى الكثير لتُنهي شهرها الثالث.!
عادت تبتسم مُجددًا، حجبت عقلها عن الواقعِ وعن المَحظور، نست نفسها وأهلها، ولمْ تعد تذكر سوى حقيقة واحدة 'سأهبكَ حياتي يا طفلي، لو لزم الأمر.'
وبينمَا كانت شاردة، سمعت همسٍ خافت، لصوت تعرفه تمامًا:
"هل ماتت؟"
ضحكت ورفعت رأسها لستيڤ، كان يقف بعيدًا ويُراقبها خِلسة، عكس هدف توماس المكنون في تنظيف زناده، فتنهدت تتثائب، ثم نهضت ببسمة خافتة وهادئة لمْ يعتادها أحد، حتى صوتها حين خرج كان لطيفًا دافئًا:
"صباحُ الخير.!"
جعد توماس حاجبيه بشكٍ وألقى عليها نظرة جانبية مُفكرة، ثمَ أعاد المسدس في حزامهِ بينمَا تعابثه السيدة بمكرٍ:
"تبدو وسيمًا بالشعرِ الطويل.. لم أكن أعلم أن شعركَ ناعم.. ظننتكَ أصلع بالفطرة."
أبتسم ستيڤ وراح يُمسد صلعة رفيقه التي باتت غزيرة الآن:
"أخبرتكِ.! أكاد أجزم أن شهرته التي حصدها حين كان مُغني روك، كانت بسبب شعره."
اومأت بالإيجاب، فدندن توماس بسخطٍ تام:
"ستيڤ.. ألا تُلاحظ أنكَ تنحدر؟ يومًا بعد يوم؟ هل مُجالسة أختكَ الصغيرة صَعبة لهذا الحد على نفسكَ الرجولية؟"
جمدت ملامح ستيڤ وهلة، فجعدت سيڤار حاجباها مُتحيرة، تلكَ النظرة المُعتمة لا تنتمي للفتى المازح الذي عهدتهُ.. كانت تظنه لطيف.. وأبلة.. لكن طبقًا لما ظهر أمامها منذ لحظات، فالوغد لا يختلف عن باقِ المسوخ كثيرًا:
"لا، بل مُعاشرة أختكَ جعلتني أخرفن حقًا يا توماس، فتاتكَ الصغيرة تمتلك ما أصاب روحي بالجنون."
ألتفت توماس لهُ ببطىءٍ مُظلم، فتراجعت سيڤار بخوفٍ وحذر على طفلها جراء أي مُشاحنات..
ناظرا بعضهما برغبة في القتلِ والسحق، البتر والخراب المُطلق، فرحلت عن الساحة تمامًا، وتركت النيران تأكل أصحابها بعيدًا عنها.
لهذه الدرجة باتت ذكية وحريصة.. لكن أثناء سيرها جهة غُرفتها، شعرت بأعينٍ تتبعها بمرضٍ خافت، فألتفتت بإبتسامة ماتت حينما لاحظت صاحبها..
كانت تعلم أن ديفيد أكبر ثاني مُختل في القصرِ بعد زوجها، وتعلم أيضًا أنه يُراقبها خِلسة دائمًا، لكن ولا مرة نظراته كانت جريئة كالآن.. أو شاردة على أكثر تقدير.
ألتفتت بعدما بهت وجهها وكادت تلوذ بالفرار، لولا ندائه القاطع:
"سيڤار؟"
راقبتهُ بتساؤل شاحب، فأتسعت إبتسامته المُريبة، ثمَ أستطرد موضحًا:
"مساء اليوم.. هُناك حفل برعاية آل هاريسون، لتهريب دفعة مشبوهة لا بئس بها."
"وإذًا؟"
تسائلت ثمَ تراجعت مُرتابة حين دنى صوبها بضعِ خطوات مُنظمة، يحاصرها معنويًا:
"بطبيعة الحال، سونيا ستُرافق چون.. صوفيا مع إيثان، وأندرو مع وغدتهِ الجديدة، بينمَا سانتيغو مع إيڤالين وأنتِ.."
لعق ثغره، فقاطعته بنبرة هادئة لا تعكس قلقها:
"وأنا سأكون هُنا، آسفة يا عم ديفيد، لا أستطيع مُجاراة حديثكَ."
رفع حاجبه الأيسر مُتعجبًا، فالشرقية التي يعرفها، لمْ تكن لتفوت فرصة ضئيلة لإجبار چون على تهشيم عظامها، وبالفعلِ فرت هاربة من أمامه صوب جناح الوريث. لمْ تكن تعرف ماهية الحفل، لكن ما تعرفه، أنها لا يجب أن تُغادر الغرفة قبيل عودته لأي ظرف كان.
____________
_______
تحسست الفراش ثمَ فتحت عيناها بتكاسلٍ، ولا سيما رَسِم إبتسامة كبيرة على ثغرها، لمْ تكن تدرك متى خلدت إلى النومِ وكيف، لكن سعادتها بصغيرها، جعلت كل ما تفقدهُ لا معنى له ولا ألحان.
تمطعت بجسدها، ثم جلست على الفراش فرأته واقفًا عند المرأة وعيناه مُكترثة لها، رغم رذاذ العطر الذي تساقط على قميصهِ بمنتهى البطىءِ، بسبب أنامله الغليظة..
وضع زجاجة العطر جانبًا، ثم سار نحوها بأبتسامة جراء وجهها المُشرق وتسائل بينمَا يتحسس جبهتها:
"كيفَ تشعرين؟"
أبتسمت بصدقٍ مُحبب لقلبه العاشق، ثم دندنت بما طمأن مخاوفه المُبطنة:
"أنا بخيرٍ."
أنحنى مُقبلًا جبهتها ليستشعر حرارتها، فسحبتهُ ناحيتها تُحاول أغراءه لعله لا يذهب إلى الحفل مع اللعينة، وبالفعلِ نجحت خُطتها حين تنهد بلوثةٍ وضم جسدها لهُ يمنع نفسه عن مُغادرتها، وبرغمِ هدوء خلوتهما، قاطعت سكينته بنبرة حزينة نسبيًا:
"سمعتُ أن هناكَ حفلًا ثنائي اليوم، وسونيا ستكون في صُحبتكَ كزوجة.."
لمْ يُجيبها وتجاهل كلماتها، فتابعت بنبرة مُتذمرة:
"ولكن في الحقيقةِ أنا هي زوجتكَ.! من المُفترض أن أذهب معكَ."
رفع رأسه عن عنقها، ثم ناظر عيناها بهيمنة راغبة ممزوجة بنبرة حادة:
"ولما تُريد زوجتي حضور الحفل ؟"
"ولما يُريد زوجي أن يحضره من دوني ؟"
أبتسم جراء وقع الكلمة عليه، وعاد قلبه يضطرب في دقاتٍ لمْ تنتمي للغضب أو لمُجرد الرغبة المُهيمنة، ولو تعرف ما هية مشاعره نحوها لعطفت على المسخ المجنون، ولما تركت قلبه في هذا الوجع، والفتور..
برغم سعادته معها، كل ضحكة غادرت صدره، كانت تُمزق فؤاده، تُحرق مبادئه مما سبب هياج تام في حُفرتهِ السوداء المليئة بالطقوس الشيطانية لتمجيد الخراب الذي أعتاده.. وداخله، في أعمق نقطة مَدسوسة في مشاعرهِ، كان قلقًا عليها من نفسهِ، ففي نهاية المطاف، سيُعلن أسوء جانب لا ينتمي للأدمية فيه، عن إحتجاجه بها.. لتركها تهدد عالمه، حياته ومشاعره، ساديته وحبه للإيذاء، وتلذذه المُطلق في رؤية الألم مُرتسم على خاضعاته..
وجائت مُنطفئة، وكأنها شمعة ذابلة، فأنارت ظلامه بالوجع، وبرغمِ ذلك، تشبث فيها كما لو كانت الحياةُ.
"ما الذي ستفعليه بغيابي ؟"
سألها بنبرة دافئة، وفمه يغوص في عنقها يستنبط حروفها من شريان الوريد:
"ربمَا.. قد أعود للنوم"
"أكتسبتِ وزنًا وأصبحتِ كسولة أيضًا.. وكأنكِ قطة في حالة تُخمة، تُرى ما السبب ؟"
عضت شفتها السفلية تمنع ضحكها عن التسرب، ثم تسائلت تُداعبه:
"لا أعرف.. لكن ما الذي ستفعله في الحفلِ بعيدًا عني وسط النساء المُثيرات ؟"
"سأتذكر كل إنش بكِ."
قالها بصدقٍ تام دون أدنى تردد، وما لبث لطيفًا، حتى قبض خصرها بعنفٍ نسبيّ وسحبها أسفله يعتليها بهيمنة، فضحكت رافضة بلطافة أستحبها:
"لا.. تحممتَ وأرتديتَ ملابسكَ وتعطرتَ. سأترككَ هكذا في أشتياقكَ ورغباتك، لتظل تُفكر فيّ حتى عودتكَ لي."
"أنتِ زوجة ميتة."
نبرته القاتلة كانت إجابة حروفها، فضحكت مُومأة:
"وأنتَ زوجٌ مسكين."
رفع رأسه لها بنظرة أرهبتها يحاول إجبراها على الخنوعِ لرغباته وبرغم ذلكَ، دفعته برفقٍ فأمتثل لها رغم قواه البنيانية التي تفوقها، وحينما جلست عند حد خصره، طغى على عينيه نزعة وحشية ناحيتها، فعلمت أنهُ على وشكِ فقدان صوابه برغمِ أنها لمْ تلمسهُ بعد بقواعدِ أفرودَيت..
"والآن.."
وضعت سبابتها على صدره، ثم تحسست تقاسيمه بظراتٍ شابها المكر تستبيح عاطفته:
"لا تتأخر عليّ، سأنتظركَ هُنا، حتى تعود.. وربمَا حينها، ستراني في أبهى حِلة."
أبتسم بإيمائه رغم أنفاسه العالية، فقرأت البدائية البربرية تلتمع في عينيه، وشعرت بيده التي أرتجفت فقط لتُحاوط عنقها وتلقيها أسفل جسده، حيثُ سيتخلص من ذلكَ الألم الذي راح ينهش مشاعره قبيل الجسد.
"وأنا سأعود وحينهَا.."
أرتعشت يده أكثر حين رفعها ومررها على شعرها لاهثًا، فراقبتهُ بتوجسٍ خفيّ، لاحظه وأستشعره:
"تبًا يا صغيرة."
نهج باترًا حروفه، وسحبها أسفله يحاصرها:
"چون.! الحفل!!"
"تــبًـا لـلـحــفـل.!"
زمجر بعلوِ حنجرته زائرًا، فغطت وجهها حين كاد يغتصب حُرمة شفتيها بالأعتداءِ:
"لا.! ، قلتُ بعد الحفلِ.! ثمَ أريد أن أرتدي لكَ ما كنتَ تبتغيه دومًا لربمَا قبيل أن تُحبني، وحينها إن أكتشفتُ أنكَ تُحب القميص الأسود أكثر مني، سأغضب، وسأجر أطفالي حيثُ رسمة أبي في الكوخِ."
أبتسم بشراسة أعتادتها، ثمَ دندن باللغة لمْ تفهمها لا جزئيًا ولا حتى كليًا.
<أنتِ لعينة.. لعينة صغيرة، قذرة، وبذيئة سخيفة.>
تجعد حاجباها في عُقدة مُتحيرة.. هل يشتمها؟
لوهلة رأت رغبته في نسلِ لحمها الحيّ تجشمه وتعذبه، لكنهُ نهض في النهاية وغادر الجناح بل والقصر قبل أن يُقدم على العودةِ لنقطة الصفر.. وهو أبدًا لن يعود لها، حتى وإن أضطر للقتلِ، والسحقِ، والبتر..
فهو من رعى الفراشة حتى تربعت على عرش الجمال والإثارة.. لذا.. تلكَ الفراشة لهُ، ولو أضطر لأقتصاص أجنحتها في نهاية اللائحة.
____________
_______
عاد الشرود ينهش النسيان، لكنهَا شردت وللمرة الآولى في سعادتها، ومُستقبلها الأبيض مع طفلها.. فإن كان صبي.. ستُعلمه معاني الرجولة من الشهامة وإحترام مكانة المرأة، وستحرص أن يكون قوي الشخصية وعتيق الهالة كوالده، في قلبه الإيمان بالربِ وكرمه وسخائه الذي وسع كل شيء.
وإن كانت صبية، لن تجعلها تُعاشر كالغرب وستجبرها على التمسك بعذريتها وشرفها، ستجعلها تُؤمن أن الحب أرقى بكثيرِ من فتحِ الأقدام أو تمزيق الثياب..
تبسمت بسبب أفكارها، لربما نزع الثياب هو الوصف الأصح لطبيعة العلاقات الخاصة، أعني.. التمزيق لفظ صعب جدًا ولا ينتمي للعلاقات الطبيعية والتي يجب أن تُرسخها في عقل طفليها..
تبًا لمَا حتى تُصعب الأمور؟ سواء كان فتى أو فتاة.. ستحرص ألا يكون طفلها الوحيد، لذا نوع جنسه لن يكون مشكلة عويصة أمام خوفها من رفض چون لهم..
أعني.. هو وافق على حملها ليربطها به قدر الأمكان، وفقط ليجعل روحها هائمة معه غير قادرة على مغادرته، لكن.. هل هذا يعني أنه قبُلَ الإنجاب منها؟
<لا أحد يستحق قطعة من روحي، ولا حتى أنتِ.>
هذا ما قاله في لحظة نرجسية غاضبة.. لكنها بالطبعِ صادقة.. فأرتعش بدنها عدة مرات وعقلها يغوص في التساؤلات.. هل هذا ما يراه؟
ألا أحد يستحق أن يحمل وريثه؟
أنها لا تستحق قطعة من روحهِ؟
نهضت ونفضت الأفكار بعيدًا عن رأسها، لا..! لن تعود لعادتها القديمة ولن تفتح المجال اللعين لحزنها مُجددًا ولو أضطرت لعدم تحليل الكثير ولتجاهل الأكثر.
سارت بخطواتٍ سريعة ناحية جناح ديفيد، ربما إلهاء نفسها عن التفكير كان الحل الأمثل، ففي النهاية هي لا ترفض طفلها حتى وإن كان منه، ولن تظلم أبنها أبدًا بكنية أبيه، وتلكَ أهم حقيقة وجب أن تطمس باقي مخاوفها..
طرقت الباب ثمَ فتحته حين أذن لها بالدخولِ، فوجدته جالسًا على طرف الفراش، يتأمل صورة بين أنامله، وفي شفتيه سيجارة عبقة لكن عيناه.. كانت مَقهورة، ولربما بكى وحده من شدةِ عذاب غيابها.
تزول تلك النظرات الحزينة لتميل إلى السعادة بينمَا يشهدها، فتنهدت بريبة ووقفت محلها بتوتر.
'هو بالفعل يُحب رؤيتي.. لأجل إحياء ذكرى جوانا التي يراها بي.!'
أبتسم ومسد جانبه على الفراش يدعوها للجلوس، فسارت نحوه بلا تردد، تعلم أن عقابها سيسقط على رأسها بقساوة حقًا وبرغم ذلك سمحت لنفسها بفعل ما تريد.
ذِكر أسم ديفيد، وخاصة أنطونيوس.. يثير جنونه حد فقدان السيطرة والقتامة.
"ما الذي تُريده المُدللة؟"
قبضت هاتفها الذي أعاده چون لها، ووضعته بجانبها بعدما جلست بأبتسامة سعيدة، فهي بالفعل باتت مُدللته بعد الأحداث السابقة.
"المدللة تشعر بالملل لذا أخبرني يا عمي العجوز.. ما الذي تفعله ؟"
أتسعت أبتسامته المريرة راغبًا في مشاركتها خلوته، ثمَ أخفض أبصاره المجروحة للصورة لوهلة يشبع نفسه من تأملها ليودعها في تلكَ الثواني القليلة، قبل أن يمد يده لها. بدى وكأنه سيموت إن فارقته للحظة لذا كانت مُكترثة في ألتقاطها بعناءٍ دون تسرع.
لمْ تكن جوانا تشبهها أبدًا، تلكَ المرأة جسدت أيقونة فتاكة من الحسنِ الغير محدود، فأنسدل شعرها البني الجميل على جانبيها بتمويجة طبيعية ناعمة، ووجهها برز بغرة تركتها في غاية الفتنة.
ظنت أن عيناها بُنية لكن ما تراه الآن مُختلف تمامًا عن ظنها، فالمرأة تمتلك مزيج آسر من اللون الذهبي اللامع بنقاوة، وفمها.. شفتيها.. أنفها، كل إنش بها مرسوم بعناية فائقة، غير قابل للوصف، بشرتها نقية تمامًا ونظيفة، لكن وبرغم كل هذا القدر من الحلاوة، لمْ تكن سعيدة ولو بمقدارِ بنسٍ..
لمْ تكن تبتسم.. فكانت تستطيع أن تلحظ بوضوحٍ.. الحزن والكسرة فيها، لتستنبط من روحها الأرهاق.
"هل تلكَ هي والدة چون ؟"
أندهشت وراحت تتسائل، فأومأ دون كلمة وأنتظر أن تعيد له الصورة، لكنها لمْ تستطع أن تبعد عيناها عن تلكَ الفتة الغير مفهومة.!
"أستطيع أن أفهم الآن لما وريث هاريسون يملك هذا القدر كله من الجمال!"
"صدقيني يا سيڤار.. أنتِ لم تري هاريسون بعد."
"بخصوص هاريسون.. سمعتُ أنه أنفصل عن حبهِ الوحيد.! وبرغم ذلك چون مُتملك جدًا."
"هاريسون..؟"
أبتسم بذبولٍ ثمَ سرد:
"هاريسون مُؤسس عائلاتنا.. الوغد كان وحش، ربمَا هو أبي، لكنني لمْ أكن أُحب الأختلاط معه كثيرًا خارج حدود المُعتاد والروتين، وبرغمِ قسوته وهيمنته، وساديته، وأمراضه النفسية البَحتة، زوجته.. كانت بصيص نور حياته، عشقها حد النخاع، حرفيًا، كان يتنفس أنفاسها لكنها لمْ تبادله الشعور."
"لما؟"
تفاجئت، فأجاب:
"كانت أصغر منه بكثير وكانت تخافه، رأت وجوه كثيرة من شخصهِ، لكنها لمْ تكن معها، أعني.. كان يخاف عليها من أحبالهِ الصوتية في لحظةِ غضب، وكان يحتضنها بتروي رغم وحشيته، وكأنه يخاف أن تنكسر بين ذراعيه، وبرغمِ ذلكَ.. كانت تخافه، تُطيعه طاعة عمياء تجنبًا لرؤيتهَا أحد وجوهه عمليًا على جسدها."
أبتسمت سيڤار، وأستندت على مرفقيها تواليه الأهتمام كله:
"لمْ تكن تهبه حقوقه الزوجية من فرطِ خوفها في بعض الأحيان، وهذا كان يثير جنونه وبرغم ذلكَ كان يُقبل جبهتها كُل مرة بشكرٍ لأنها معه، ثم يغادر ولا يعود سوى بعدما ينهك نفسه في العملِ."
رمشت عدة مرات، وباتت تتخيل هالة هاريسون الرجولية، وعلاقته المُحببة مع زوجته:
"لمْ يضربها قط، ولم يغصبها، ولم ينتهك أسمها في لحظة غضب، كان هادىء جدًا معها وصبور، وبرغم ذلك لمْ تحبه.."
"بعدما كبرت العائلات، وتوسعت النفوذ، وزاد العداء، كنتُ قد بلغتُ، وكانت أمي لا تزال تطرق ريعان الشباب، حينها تبدلت حياتنا بسبب أجباره لها على المكوثِ في المنزلِ فجأة.!، فإزداد خوفها منه.. كانت تهاب أن يمل، فبدأت تمتنع عنه تمامًا ولا تمنحه ما يريد سوى عند حافة نهاية أعصابه، وبرغم ذلكَ كان يتعامل معها بمنتهى العشق والأكتراث."
تنهد ديفيد بأنزعاجٍ فجأة:
"بلَغت أختي الصغيرة بعدها وبما أنها أبنته الوحيدة طار عقله بل وتلاشت عقليته، فبات يحبسها بجانب أمي، ومنعها حتى عن الدراسة الجامعية، وزاد تعقيده حيالهن، لكنهُ حين كاد يجبر أخي على التعليم المنزلي مع أختي، كانت تلكَ أول مرة تعلن أمي عن مخالبها أمامه.."
"ضربها..!"
أندهشت سيڤار، فضحك ديفيد مُجيبًا:
"لا، لكن، دعينا نقول.. أني سأمتنع عن ذلكَ الجزء، لكنهُ لم يضربها، ولم يغصبها."
تجعد حاجباها.. أعني.. چون يتبع معها تلكَ الأساليب فقط.. وهي حقًا لا تستنبط طريقة أخرى للتعنيف أكثر من الجسدية والنفسية والجنسية.. وبرغم ذلكَ هاريسون لم يستخدم أي منهم.. بل واحدة أكثر بشاعة كما بدى.
"عادت تُطيعه وتتجاهله، وهو حاول الإنشغال بمراقبة أختي حيثُ كانت مشاكسة شقية، شابهت أمي في الملامح فأسرت أبي دائمًا.. لكن فجأة تبدل حالنا حين وقعت صغيرتنا في حب رجل، لمْ يجب أبدًا أن يمسس قلبها، وبسبب والدتي.. كانت المُتهم الأكبر لذا.."
قاطع حروف ديفيد التي زادت سيڤار توجسًا وفضولًا، رنين هاتفها المستمر، فألتقطه على مضضٍ لتطفأه، لكنها وجدت إشعار وصول صور لها في رسالة نصية بعد الرنين.
كانت مجرد صور، دون توضيح ولا حروف، لكن لسبب ما تمزق قلبها في صدرها، وعاد الحزن يتسرب إلى صميمها.. حتى شعور الغدر والفقدان عاودها فأصابها في مقتلٍ.
"أريد حضور الحفل."
رفع ديفيد حاجبه الأيسر وتمتم مُتعجبًا:
" الآن ؟"
اومأت سيڤار بإصرارٍ غاضب:
"الآن.!"
____________
_______
الغضب بعدمَا أُخمد وبات لهيب حار من السعادة، عاود مُجددًا مُتمثلًا في صورة قوية بينمَا تقتحم الحفل وعيناها الجريئة مرت ببطىءٍ على الحاضرين، باحثة عن طيفهِ.
فستانها الأسود القاتم لفت أنتباه البعض، بسبب تناقضه مع بشرتِها الشاحبة، فباتت فتحته تصل إلى أعلى نهاية فخدها، مما أظهر قدمها كلها وبداية خط وركها، حتى فتحة ظهره كانت جريئة بإنحنائة ماجنة أيضًا.
صدره أتخد شكلًا هندسيًا مال إلى القلبِ، فظهر شق ثدييها والكثير منهما. كانت شديدة الفتنة، والجمال، وأثارت بعض الكارهين.. فرأها الكل... وشهدوا على حسن امرأة زعيمهم.. وفهموا لما حبسها داخل قفصه كل هذا الوقت.
شعرها البُني تناثر بتجاعيده وطوله تجاوز خاصرتها مع تبرجٍ صارخ.. وكل ما جال في خاطرتها، أن تجعله يندم على تلكَ الفعلة الدميمة..
أتجهت مُباشرةً للغرفة العلوية وأقتحمتها، فوجدت أندرو وسط شابتان يداعبانه بالضحكِ، بينمَا چون، كان على جانبه أكثر من أثنين وقد قبع في منتصف الأريكة الطويلة، لكن نظراته بدت شاردة وفارغة للحد الذي تجاهلته أعني.. الوغد يخونها الآن لما ستكترث بمزاجِ سيادته؟
كانت لتكون صوفيا الشاهد الأكبر على تلكَ المهزلة، لكنها للآسف كانت سكيرة نائمة، لذا تجاهلتها وأتجهت صوب وغدها الذي يناظرها بقتامة كلية حرفيًا وكأنما يظنها مُجرد سراب.
لاحظت أبصاره التي بدأت تميل للعتمة، وأنفاسه التي أهتاجت متفحصًا كل جزء من روحها وجسدها البض.
رفع سبابته مع الوسطى، ثم قبضهم وبسطهم بلا أكتراث، فغادر الجميع ماعدا صوفيا بالطبعِ.. فعاد أندرو لاعنًا حظه العاثر، ثم حملها كي لا ينساها في الملهى لاحقًا..
بينمَا سيڤار، عزمت على الأتجاهِ صوب الوغد بإبتسامتها الغاضبة، لكنهُ أحاط عنقها صافعًا إياها في أقربِ حائط بعدما تأكد من حقيقة وجودها.. سارقًا حياتها وأنفاسها بقبضتهِ العنيفة. لمْ تفهم متى وكيف وقف وسار نحوها بنفسِ السرعة، ولمْ تشغل عقلها في التفكير.
"لا.. حرفان لعينان لا أكثر."
ضغط أكثر على عنقها فشقهت بهلعٍ مُحاوطة كفه:
"لذا لما تتغابين مُجددًا؟"
"قلتَ لـ.. لا.. فقط كي لا أ-تي وأرا-ك في ثوبِ الخائن."
لهث مُزمجرًا بغضب، ومالت عيناه للحمرة القاتمة، وراح جسده يرتعد فقط ليؤذيها بأبشعِ الطرق التي لا تعرفها، فناظر عيناها وكأنما يتمنى سحق روحها وتركها أقل من فتاتٍ، ثم لعن تحت أنفاسه لاكمًا الحائط، وولاها ظهره المُصطك بعدما لمْ يستطع قتلها.
"سافلة غبية.. غـــبــيـة..!"
أنتفضت جراء نبرته العالية، وأغلقت عيناها عن رؤيته في مثلِ هذا الهياج.. برغمِ سكوتها وسكونها كانت تحاول قدر الإمكان ألا ترفع ذراعيها مُحتضنة بطنها لتحمي صغيرها من نوبة ثورانه القريبة.
'هو لن يؤذيني.. لن..'
"تعالي"
قاطعتها نبرته الحادة، فرفعت أبصارها ببطىءٍ مَشدوه. الغرفة كانت في حالة من الفوضى والحِطام لمْ تدركها بفضلِ شرودها وأرتعابها، بينما هو، توسط الأريكة وهناك سيجارة قبعت في ثغره..
لم يكن أمامها سوى القبول فسارت حتى وقفت أمامه تمامًا..
أنتظرت صفعتها وعقابها الشنيع، لكنها لمْ تحصد منه سوى زمجرة غاضبة، أجبرتها على الأرتعاش خوفًا أكثر، وبرغم ذلكَ أستفزته بحروفها التالية:
"تموت من الجنونِ بسبب ملابسي اللافتة وبسبب مرضكَ حيال الحِفاظ على ممتلكاتكَ كما لو كنتُ مسلوبة الإرادة والأحقية.. وفي حينِ رفضتَ قدومي، كنتَ تخونني."
فتحت عيناها، وصرت أسنانها ناظرة له بغشاوةِ الغضب، حتى باتت لا تُميز صمتها أو عدمه:
"كنتَ هُنا، وفي أحضانكَ أكثر من امرأة، تعبث بهن، لتعود لي مُطالبًا بحقوقكَ الزوجية.."
أرتعشت يده حول السيجارة، وأبتسم بظلامٍ تام يومأ، تاركًا إياها تُثرثر كما تبتغي:
"لكن أنظر لي.."
تحسست صدرها المُنتفخ وخصرها المنحوت بإنتصارٍ ماكر أكثر من كونهِ غاضب:
"خلف تلكَ النظرة القاتمة والغاضبة، وحش يريد أن يـ.. آه!"
تآوهت حين نهض ساحبًا إياها من شعرها فجأة ليُقرب جسدها منهُ، وكأنما يُذكرها بضئالتها وبما يستطيع أن يفعل، وهذا سبب ألتصاق أنفه في أنفها، وأستنشاقهما أنفاس بعضهما، عيناه اللعينة الساحقة كانت تنهش خاصتها الضعيفة، فأزداد لعابها غزارة خوفًا منه على طفلها، وقررت أن تصمت مُؤقتًا.
نفث في وجهها دخان السيجارة، فسعلت عدة مرات مُتتالية وبرغم ذلكَ دمدم بمنتهى الغيهبان:
"في تلكَ اللحظة.. زفيري الخافت سبب لكِ الأختناق.. ما بالكِ لو تركتُ نفسي عليكِ يا سيڤار ؟"
أتسعت عيناها وأنخفضت تُحاول أن تُبصر كفه الذي يمرره على خصرها الآن، بخفوتٍ مُهلِع أكثر من كونهِ راغب..
"هه.. چــون.!"
ترجته بخوفٍ مُطلق، لكنهُ تحسس بروز بطنها الصغير ببطىءٍ مُعذِب..
"كنتِ في البداية مُجرد ثرثارة غبية.. لكن الآن.. أنتِ مُتخلفة سمينة."
صر أسنانه ثم دفعها على الأريكة ودار في المكان، ذهابًا وإيابًا، كل لحظة وآخرى يسبها ببشاعة باللغة الرومانية التي أتخذها لملسنه، فأحتضنت بطنها ورفعت قدميها تضُم جسدها لتحمي جنينها من نوبة غضبٍ وشيكة
"لما يا أبنة المعاتية المُتخلفين؟"
سألها بتنقاضٍ من الجنون بينما يسحبها من عنقها مُتحسسًا جسدها بعينيه المُهتاجة:
"أنزعي كل ما ترتديه من تبرجٍ، وأمسحيه، دعيني أرى سافلتي الخاضعة، التي تقبع أسفل تلكَ المُكملات."
آمرها بغلاظة ثم تراجع مُنتظرًا نهوضها، فراقبته بذهولٍ وإنكسار:
"أنا.."
"أنزعي ثيابك اللعينة، أنزعي ذلك الرُخص."
زئر مُهتاجًا بإنتفاضة وكأنما سينقض عليها. فعلمت أنهُ يحارب أبشع وجوهه ورغباته في تلكَ اللحظة، فنهضت وراحت تنتزع ثوبها ببطىءٍ، وعيناها الباكية لم تغادر الأرض الصلبة.. نست جنونه وسط الغضب، ونست كم كان يؤذيها، حقًا في الفترة الماضية أستطاع وهبها نفس جديدة ووجه لمْ تراه فيه من قبل..
لكن الآن..؟
وقفت مُتجردة من كرامتها وإنسانيتها وبرغم ذلكَ لم يرأف بها، وعيناه تمر على جسدها بذهولٍ وأستكشاف.. كأنما يراها للمرة الآولى.. لم يظن يومًا، أنها ستكون أكثر إثارة حين تسمُن، لكنها بالفعل كانت أجمل.. أكثر فتنة وحلاوة.
تناسى غضبه، والمكان والزمان، وبات لا يذكر سوى حقيقة واحدة.
<چون هاريسون.. واقعٌ لزوجته السرية حد الجنون>
سحبت شفتاها السفلية بين أسنانها وأعتصرت عيناها الباكية حين شعرت بأناملهِ تتحسس خصرها العاري بتعذيبٍ، ثم ظهرها، وصولًا لكل جزء منها وكأنما يراها ويستكشفها بالروحِ لا الجسد.
"لا تؤذيني."
قالتها بهمسٍ راجي بعدما شعرت بأنفاسه تلفح وجهها، فغمغم بلوثة عاشقة، مذاكرًا ملامحها بكل نهم، وضوء القمر أنار رحلته، لتسافر يده حول أجزائها الخاصة بتحسساتٍ بعيدة تمامًا عن الوحشية:
"لن أفعل.. أبدًا."
سحبها برفقٍ بين ذراعيه، ليدفعها مُعتليًا إياها فوق الأريكة:
"بيبي.. أفتحي عيناكِ."
أبتسمت مُتناسية غضبها، وفتحت له حادقتاها، فراحت ملامحه السوداوية تتهلل بالتدريج من جمالِ بُنيها، ويده، إزدادت جُرأة حولها.
"آسفة"
همستها بضعفٍ آنثوي راق له، فإزدادت رغبته في تملكها على الأريكة وفي كل زاوية من المكانِ، الحيوانية ترتفع في دمه لمُعاملتها بهمجية بسبب تشوشه وحبه الثقيل لها وبرغم ذلكَ.. وجد أنامله الغليظة تمر عليها ببطىءٍ، وعيناه تتعرض للآسر في كل تُحفة فنية من آثارها.
"أنا لا أخون."
أستطرد، فأندهشت معالمها، بدى وكأنما يُبرر أكثر من كونه يعاتب، وهي لم ترى چون هاريسون يبرر موقفه من قبلٍ:
"أنا أثق بكَ.. لكنني.. شعرتُ بالغيرة."
سكنت عيناه حول خاصتها عدة ثوان وكأن نياطه توقف، وروحه شارفت على الإحتضار بعدما غزته شرارة كهربائية لذيذة لمْ يستطع إبتلاعها.. الغيرة ما هي إلا من دوافع الحـُب، حاول أن يحارب تلكَ الفكرة لكنه لعن نسله كله لاثمًا ثغرها بشدة عاشقة وكأنمَا يسحب روحها بين أسنانه بمنتهى الآسر.
تآوهاتها كانت تجبرة على فقدانِ صوابه ليتحسسها بشهوانية أكثر، بينمَا صوتها الناعم الخائف زاد من آنتشاءه، فلم يؤذيها، ولم يرحمها سوى بعدما أشبع تُخمة حبها في قلبهِ ولو مُؤقتًا..
سيڤار لهُ.. وأنتهى النقاش.
____________
_______
رفعت رأسها مُنتشية، وأعتصرت عيناها بخجلٍ لعلها تتهرب من نظراتهِ المُتيمة، فأبتسم بإتساعٍ لاهث، وجسده لا يزال يعتليها بحبٍ أكثر من كونهِ تملكًا وهوسًا، وحين طالت تأملاته العاشقة لها، وكأنما لا يصدق بأنها لهُ، صغيرته وأميرته، جوهرته وأجمل لذاته، فتحت عيناها الآسرة، ثمَ سحبت شفتها السفلية بين أسنانها لتهمس لهُ:
"أنا حـا.."
تلاشى صوتها وإزدادت حرارتها، الكلمات كانت ثقيلة ومُعقدة لتستطيع البوح بها، لذا فضلت لغة العيون لتتلاقى الأرواح دون حروف، وسحبت كفه تضعه على بطنها ليفهم.
راحت عيناه تغرق في لونٍ أسود لمْ تفهمه، وتلاشت المَحبة عن أبصاره وفرغت من كلِ الشعور، شرد كثيرًا عند بطنها، وكلمَا طال شروده، أهتاجت أنفاسها وماتت تعابير وجهه.
"أنـــتِ..؟"
واجه صعوبة في إتمامِ جملته بسبب ثُقل حروفها، لذا أومأت لهُ بدموعٍ فَرحة، فأنسحب عن فوقها وكأن جسدها لذعه مراقبًا إياها بنفس السوداوية والقتامة.. وأنفاسه تزداد هياجًا كل لحظة عن الآخرى.
الخوف تسرب إلى قلبها من إحتمالية رفضه لحملها، وحينها تعلم السماء أنها لن تستطيع منعه عن قتلِ طفلها ولو حزت عنقها اللعين، فأخفضت عيناها عن معالمهِ، وجلست تضم جسدها العاري تُحاول أن تستره عن عينيه الغير مَقروؤة:
"أرتدي ثيابك.."
أمرها بعد حزمة من الصمت، فظلت محلها خانعة وعيناها المُرتعبان تتبع جمود الأرض الصلبة، لن تستطيع قتل أبنها.. أبدًا لن تتمكن من فعلِها ولو شكل الطفل عائقًا أمام حياتها، لكن ما طمأن مخاوفهَا، القُبلة التي طبعها على جبهتها وتمسيده الخافت لشعرها:
"أنا أنتظركِ بيبي."
طَال صمتها وجمودها، فكرر تمسيدته وحينها أمتثلت لهُ وخرجت عن حالة التجمد التي أصابتها، وأرتدت ثيابها.. لكن بسبب عريها، أضطر إلى وضع سترته حولها بإحكامٍ مُتوعدًا كل عين ستمس أحقيته الخاصة.
' تلكَ السافلة! '
زمجر حينما أستدارت وشهد بروز إنحنائة مؤخرتها، وتمنى لو يستطيع تهشيم دماغها الغبي لكن إبنه الصغير يحميها الآن، تبًا لتلكَ البذيئة المَحظوظة.
لمْ يبتسم ولم تظهر الفرحة على ملامحه، حتى بعدما صعد السيارة وظل يقودها قرابة النصف ساعة لمْ تنعكس أي من مشاعرهِ على وجههِ.
طال الطريق وتوحشت مخاوفها، فظلت تتبع تحركات السيارة بتوجسٍ حتى صفها أمام إحدى العيادات النسائية، وأشار لها بأن تتبعه دون حرف ودون أن يناظرها.
أرتعش جسدها، وبهتت عيناها حول قدميها بتآني، قبل أن تخرج من السيارة تتبع خطاه بخوفٍ وحيرة رافضة:
"سيد هاريسون.!"
هدرت مساعدة الطبيبة بذهولٍ خائف، ثم أشارت له على الغرفة مباشرةً وأنحنت برأسها:
"تفضل سيدي"
تجاهلها بلا أكتراث، ثم أولج للغرفة مُنتظرًا إتباع زوجته السرية له.. فقبضت سيڤار طرف فستانها بخوفٍ، كان أمامها خيار الهروب لأجل سلامة صغيرها، لكنها مُتأكدة، حين يعثر عليها، وسيعثر عليها دون شك، سـ..
بترت يقينها وأتبعت صوت عقلها، ثمَ دلفت.. فوجدت الطبيبة تناظرها بفزعٍ نسبيّ والقلم يرتعش حول أناملها، بينما هو.. لمْ يُقدم على ما يقال سوى مناظرة الطبيبة بهدوءٍ، فظلت سيڤار واقفة عدة ثوانٍ.. تنتظر أوامره.
"امرأتي.."
أستطرد فجأة، ثمَ باشر في الحديث:
"امرأتي تحمل طفلًا في أحشائها يا ديلينا، وبمَا أن صوفيا تتعامل معكِ دائمًا، لا أريد أن يفقد المكان طابعة في الأمانةِ وحفظ الأسرار."
فهمت الطبيبة تهديده الغير مُبطن، فباشرت في الدفاعِ:
"دون أن تُذكرني يا سيد هاريسون.. أسرار المرضى لا تخرج خارج عقلي.!"
"حتى عقلك يا ديلينا، لا تتركيه يجول حيالها حتى أثناء تواجدها.."
غمغم، فأمسكت سيڤار طرف سترته التي ترتديها وشددت قبضتها حولهَا تستشف الأمان:
"أريد الإطمئنان على الجنين لكن.. أريد التأكد من حالة الأم الجسدية، وهل هناك أضرار؟ نظامها الغذائي سيء و.."
صَر أسنانه وحينها فهمت لمَا لم يبتسم حين عرف بحملها.. هو.. خائفٌ عليها، وقلق حيال فقدانها.!
زال خوفها وأبتسمت رغم عنها تناظره بسعادة بالغة.. هو قَلق عليها، يحبها لتلكَ الدرجة.
"لا أريد أن أفقدها، لا يمكنها أن تموت."
أومأت الطبيبة بتفهمٍ، ثم أشارت للكرسي الطبيّ خلف الستار:
"تفضلي سيدتي.. ريثما تتجهزي للفحص، سأنتظركِ هُنا."
أبتسمت سيڤار بودٍ، ثمَ سارت للفراش الطبيّ وقبضت السلسال حول عنقها بتفكيرٍ، لكن عيناها فجأة تقع على جون، فأمتعض وجهها بسبب عدم فهمها لنظراته أو تعبيراته..
مدت يدها لتسحب الستار، فحال بينها وبينه، وبرغمِ ذلكَ، شعرت أن تلكَ اللحظة كانت بطيئة على كلاهما..
تنهدت مُستلقية على الفراشِ ثم راحت تُجهز نفسها لأستقبال فحصها الخاص، لتتبع حالة الجنين.
____________
_______
إِنْسَلَّ الوقت مُسرعًا، وكحال كُل الأيام السابقة، كان يحملها بين ذراعيه لكن الفارق الوحيد أن عيناه لمْ تكُن تناظر وجهها الشارد، سوى بالسكوتِ.
أنحنى يضعها على الفراشِ برفقٍ، فرفعت عيناها وكادت تُمسك ياقة قميصه كي لا يرحل، لكنهُ جلس عند طرفَ السرير وعيناه لا تزال قاتمة وشاردة فيها..
لمْ تكن تفطن لما لمْ يضحك، ولمَا لم يرتسم السرور على وجههِ.. حتى نظراته العاشقة التي أعتادت أقترانها به مع كل لمسة أو لمحة، لم تستشفها على ملامحه.
"لمْ يُخطأ شعور لِي من قبلٍ، ولمْ تفشل أيً من أحتملاتي ومُخططاتي المَبنية على صوتِ العقل."
توجست أكثر، ثمَ أجابت نبرته الهادئة:
"ومَا هو صوت عقلكَ الآن؟"
"يجب أن يموت ذلكَ الطفل تحديدًا."
شهقت بفزعٍ وأنسحب الدم عن معالمها، وبالطبعِ إصفرار وجهها بدلالة أستنكارها لكلماته لمْ ينل إعجابه، وبرغمِ ذلك ظل هادئًا مُتبلدًا:
"لكن عاطفتي اللعينة تمنعني من شقِ بطنكِ وأنتزاع ذلك الملاك الصغير، من صُلب الشيطان."
لهثت، ثم رفعت يدها تحتضن بطنها وعيناها لا تزال مُتوجسة وشاكة:
"أنا لن أترك طفلي للموت، ولو على حسابِ حياتي يا چون.!"
من النظرةِ التي رمقها بها، أدركت أن إحياء تلكَ الفكرة في عقلهِ لمْ يكن تصَرف سليم، حيث حتى لمْ تتخذ كلمات مُناسبة للدفاع عن حياةِ صغيرها:
"لو حياتكِ تتوقف على موتي يا سيڤار، فسأموت في سبيلكِ.. وبرغم أن تلكَ النطفة من صلبي، لكنني لن أجاهد بكِ لأجل حياتها."
"سيكون كل شيء على ما يرام."
طمأنته، برغم أنها في حاجة مسيسة لمن يُطمئنها، وبرغم ذلكَ، أزدادت قتامة أبصاره، ثمَ غمغم بزمجرة خافتة من قفصهِ الصدري:
"لن يكون.!"
أعتصر عيناه الغاضبة، وحين فتحها كانت هادئة، لكن شديدة القتامة والحلكة، فأراد أن يقول جملة ثقيلة جدًا، لكنهُ لمْ يستطع البوح بأن كل شيء أحبه من قبلٍ ورغبه.. لم يدم سوى أسفل الرمال مطموس.. حتى والدته ، وسيڤار.. كانت أكثر من أحبِ قبلًا، بل والوحيدة التي لامست شغاف قلبه ومشاعره.
"لن تغادري تلك الغرفة اللعينة، بل لن تغادري سوى للمرحاض، ستبقيان هُنا حتى تتم ولادتكِ."
"سأفعل ما يريحك يا چون، لستَ في حاجة لتهديدي.. بيبي، تجاوزنا تلكَ المرحلة منذ زمن.!"
تنهدت حين لم يُجيب لا بالكلماتِ ولا بالنظراتِ، وبرغمِ ذلكَ شعرت بالألم الذي يُلهب حواسه لسبب لم تفهمه، فأعتلت بطنهِ بينما تدفعه برفقٍ، فأستجاب لدفعاتها الضعيفة وعيناه تتبعها بنفسِ القتامة:
"لن أغادر من هُنا، لكنني قد أسمن أكثر، وحينها سيكون هناك أجساد أكثر إثارة مني، لذا قد تخونني، ووقتها سأغضب، هل تريد إغضابي يا زوجي العزيز؟"
قبض خصرها بشهوانية رغم سكون ملامحه، ثمَ غمغم مُتجاهلًا جملتها السابقة:
"ثانيًا، لا أريد أن يعرف أحد بوجود الطفل إلى أن يتم السابعة على الأقلِ، وإن كانت فتاة.."
صمت فجأة، وصر أسنانه لاعنًا تحت أنفاسه:
"ستظل حتى تُكمل العشرون وحينها.."
قرأت الإجابة في أبصارهِ رغم عذابه، حينها سيزوجها لمن لا يستحقها، لكنهُ سيكون فتى طبيعي، بعيد عن عالمهم، وبرغمِ مثالية الحل بالنسبةِ له، لمْ يستطع أن يلفظها.
"أعتقد.. ستكون أبنتي أكثر فتاة محظوظة في الوجود."
عقبت ببسمة مُرتابة، ثم تابعت بيأسٍ تام تثير أستفزازه مُدعية البراءة وإنعدام المقصد:
"سأظل زوجتكَ في السر، لكن أطفالي.. بإسم من ستسجلهم ؟"
في لحظة واحدة أنقلبت الكافة وباتت هي أسفله، ويده تُحيط فكها بعنفٍ غارزًا أنامله وسط عظامها يكاد يهشمها. كانت قد نست كيف تؤلم قبضته، لكن تبًا هو أنعش ذاكرتها بمُنتهى البشاعة.
"ســـيــڤـار.!"
شهقت مُرتعبة، ثمَ أشاحت وجهها حين أنحنى ينهش معالمها بأبصارهِ البربرية، ويده تكاد تكسر عظامها:
"لا تعبثي معي.!
لستُ قابل للعب..
لا الآن.. ولا لاحقًا"
"آسفة.!!"
قالتها بسبب الألم، لكنهُ كان شديد الهياج ليستطع تركها بسهولة، وتبًا كم رغب في أقتصاص لسانها الغبيّ! ،علمت أنهُ سينهش جسدها بأسنانهِ بعد عدة لحظات، وسيضربها حتى تفقد وعيها اللعين أو لربما حتى يخرج دماغها من إحدى أذنيها، وبالفعل أنفاسه الهائجة أكدت فِكرها، لكن فجأة لامست يده بروز بطنها، فأنتفض مُرتدًا وكأنها لذعتهُ بشرارة كهربائية فائقة.
زحفت للخلفِ تحتمي بعيدًا عن يدهِ، وكفيها حاوطا وجهها ظنًا أنه قد يُقدم على تعنيفها.. لكنه لدقائق طويلة لمْ يتحدث، فأنزلت يديها ببطىءٍ خائف.
فلم تعثر عليه في الغرفة..
ببساطة ترك الباب مَفتوح.. ورحل تاركًا إياها حبيسة أفكارها، فتحسست عنقها المُتجرد بخوفٍ، ثمَ دفنت رأسها بين كفيها تنكمش على ذاتِها.
____________
_______
الشقة كانت مُظلمة وقاتمة.. حالكة بمزيجٍ من الصمتِ والفتور باتت تُحبه..
عادت چيد من عملها في السفارة، ثمَ نزعت حذائها العالي بأنفاسٍ مُهتاجة وخائبة، ظنت أنها ستجد عمل بأسهل ما يُمكن، لكن بدى أن المظهر الخارجي والثوب المغريّ أهم من الإجتهاد والفناء في سبيله..
كانت ترتدي تنورة قصيرة وضيقة كشفت مؤخرتها البارزة لأجل إحياء الشهوات المكبوتة، أسفلها جوارب سوداء مُغرية وقميص من اللون الأبيضِ ختم هيئتها المُثيرة. رفعت أطراف أناملها ودلكت فروة شعرها المُصفف بتموجات قصيرة، ثم فتحت الأضواء تزامنًا مع إلقائها الحذاء فوق الأرض.
"يومٌ آخر سيء، أوليس كذلك يا عزيزتي چيد؟"
أبتسمت بُسخرية لاذعة، ثم أجابته بلا إكتراث، وكأنها إعتادت كونه عفريتًا يظهر من اللا-مكان في حياتها:
"ما الذي تظنه سوى ذلكَ؟، لكن أخبرني يا عزيزي آرثر، ما هو شعورك حيال كوني الرغبة الوحيدة التي لن تمتلكها؟ ألازلت تُحاول إرشاء رئيسي؟"
فتحت أزرار قميصها لتنزع عقدها المدسوس بين شق ثدييها، فتراجع بظهرهِ على الأريكة ليمنح نفسه أكثر زاوية مُناسبة لنهش جسدها، ولتعريتها في مخيلته، ثمَ غرد نافثًا دخانه بهالة شبابية مُختلطة بظلامٍ ثلاثيني:
"سأعلم بهوية الوغد الذي يدعم طفلتي السيئة، وحينها ستبدأ اللُعبة يا چيد."
"حظًا هنيئًا في معرفتهِ، أرسل لهُ سلامِي، وأخبره، أن الليلة الآخيرة كانت جامحة."
أستدارت تكاد تسير صوب غرفتها، لولا أنهُ طحنها بينه وبين الحائط ساحبًا إياها بعنفٍ تهديدي، ثمَ حاوط فكها يناظر عيناها الجريئة بأخرى قاتمة راغبة، بطن بها الغضب.. فصرت أسنانها بتقززٍ بسبب رائحة التبغ القوية التي فاحت منه، وبرغمِ ذلك، أتسعت أبتسامته أكثر:
"لكنني واثق أن ما لديّ، سيكون جامحًا أكثر منه يا چيد، فمشاعري أشد ثُقلًا وواقعية."
رفعت كفها ثمَ هبطت به على وجههِ:
"تهذب معي يا آرثر.. أنا الآن چينيا سَاميير، لمْ أعد چيداء إبرام.. الفتاة السخيفة التي دمرت حياتها."
ظل يناظر الجانب الآخر صارًا أسنانه حتى كادت تتهشم في لثتهِ، ثمَ ألتفت لها ببسمة قاتمة لمْ تفهمها، لكنها ذُهلت حين دفعها على أقرب طاولة وأحتبسها بينه وبينها، بشهوانية جريئة:
"لكنني لا أزال آرثر والتر.."
بتر جملته، وعيناه للمرة الآولى لاحت لتلكَ الدرجة من الجنون بالرغبة بينما يغمغم عند أذنها، لاثمًا بشرتها بأنفاسهِ:
"ولعلمكِ فقط، الإبن الغير شرعي لآل هاريسون، يا عزيزتي، چينيا."
أتسعت عيناها وشهقت بأرتعابٍ مُستنكر لحروفه، فأومأ بتأكيدٍ:
"والآن.. يجب حقًا أن نتحدث حيال صفعتكِ.. ربمَا أمازحكِ لأطاردكِ كالمهاويس المجانين.."
تلاشت أبتسامته، وشخر مُزمجرًا:
"لكن أتخنث كالخنازير، ليس من سماتي يا چين."
أحاط كفها الذي صفعه، فأرتعشت عدة مرات برهبة، لكنهُ عوضًا عن تهشيمه، قبضه بين أنامله، ثم لثمه برغبة جارفة زادتها خوفًا:
"حين يمُوت آخر صوت في عقلي يرتجيني الصبر وعدم الضجر، سأحصل عليكِ يا چيد، ولو أضطررتُ لإيذائكِ، أبشع من الماضِي، وأكثر عُمقًا."
أخفض أنفه من عندِ باطن كفها يشتم بشرة رسغها، تحديدًا عند ندبة قديمة تحمل قصتهمَا سويًا.
"أين أبي والتر، ليرى إبنه يهيم في رائحةِ رُسغ امرأة؟"
خرفن من ثُقل شهوته، فأستجمعت قوتها وسحبت يدها من عند فمه، وكادت تركله بركبتها حيثُما سيندم إلى الأبد، لكنهُ قبض بشرتها العارية، ودفن أصابعه في لحمها لاهثًا وكأنها زادت من ألام رغبته، بل ودفع نفسه بين قدميها أكثر، فألتصق بها وأرتفعت تنورتها أكثر مما ينبغي، وقد أصطك جسده حولها بحميمية رفضتها، فشهقت وأستكانت كي لا يفقد عقليته، وحينها ستندم أشد الندم على أنجرافهِ معها:
"آرثـــر.!"
ترجته حين شعرت بأنفاسهِ تلفح عنقها يكاد يلثمه، فظل هناك عدة لحظات يُحارب شهواته وملذاته بصعوبة، إلى أن تراجع تاركًا إياها موضعهَا، رافعًا يده بإبتسامة شبابية مُغرية..
عيناه تلوح للظلام الراغب والحالك، بينما يناظر كل إنش منها:
"أنتِ لي يا چيد، وكما قلتُ منذ سنواتٍ، سأترككِ تعبثي، لتُحاولي المُقاومة، فتتعثري، وتسقطي أمامي كالخاضعين تمامًا.."
أنحنى مُجددًا أمام أبصارها الخائفة، مُستندًا بكفيهِ على ركبتيه، ثم أستطرد بتلذذٍ تام، يمرر عيناه بوقاحةٍ على ما ظهر أمامه نتيجة أرتفاع تنورتها:
"في النهاية هذا ما يجعلني مُنتشيًا حد الجنون، راغبًا فيكِ.. ولو بالعنفِ.!"
ذُهِلت من تصريحه الواضح، الذي سابق تراجعه للخلف مُغادرًا شقتها فحاوطت جسدها المستور بخوفٍ تام وتوجس مُبرر:
"لنْ تحصل عليّ يا آرثر، أنا چينيا ساميير.. أقوى سفيرة عملت في أشهر قنوات التلفاز والقنوات الإذاعية.. لن.. لن تستطيع إيذائي سوى بعدما تفهم اللغز الذي يدور حولي، وحول الشخص الكامن في دعمِي."
أخفضت رأسها تُناظر أظافرها المَطلية بالأحمرِ، وعادت تغرق في وحدتها بعدما رفض والدها ترك دياره فقط لتظل سيڤار حية فيه..
وبعد مرور تلكَ الأعوام، أكتشفت أن أقرب واحدة لقبضته، هي أقربهن لقلبهِ ووتينه.
"ليتني أعلم ما حل بكِ يا سيڤار.. ليتني فقط أجدكِ ولو جُثة."
أعتصرت عيناها بمرارة، ثم دفنت وجهها بين كفيها وعادت تنتحب.. ماتت أختها، ثمَ أمها، ووالدها يقتل نفسهِ حزنًا وهمًا، حتى صغيرتها ألقت نفسها في التهلكة منذ زمن، مع عدم ذكر أخيها وموتته البشعة.. حرفيًا.. آل إبرام كانوا مستندين على ظهر واحد وحين رحل.. تساقطوا.. واحدًا وراء الآخر..
جففت دموعها وعادت تُناظر باب الشقة المَفتوح.. تخلصت من حياةٍ بشعة لتكون محض إهتمام مسخ مجنون، شاب لعين أختارها فقط ليزيد حياتها تعقيدًا.. لكنها ستظل بخيرٍ فقط إن لمْ يمتلكهَا، ربما يتصرف وكأنه مالكهَا.. لكن ما يجعله يموت من الغضبِ والجنون، ذلك الخصم الذي يدعمهَا، المجهول الذي سيفديها، والتي لا تعرف أسمه حتى.
<فقط سأكون بخيرٍ، لطالمَا لا يستطيع نفش خيوطه حولي.>
بينمَا هو.. لن يكون بخيرٍ سوى حين يحيط كيانها بكلِ ما هو مُمكن، وغير مقبول، لمْ يكن يطمح لمجرد علاقة سرية مع چينيا، ولا حتى بعلاقة سريرة أمام الصحافة والعامة..
ما يريده، أعمق بكثير، أكثر ظلامًا، لا يندرج أسفل نطاق السادية والخضوع، فنظراتها الخانعة لن تكون بلذةِ إمتلاكها كليًا..
الصفير إزداد في أُذنه، والكحول إزدادت مرارته في حلقة بينما يشترف الزجاجة في جُرعات متتالية سريعة.. كان يريد كيانها كله.. وأراد أن يكتشف داعمهَا فقط ليسحقه، وحينها..
ألقى الزجاجة بلا إكتراث، وأبتسامته تزداد إتساعًا.. حينها فقط، ستكون له.. ملكهُ وحده لا غير، كُنيتها ستنهار بإشارة من أصبعهِ.
هو لمْ يكن سوى مزيج قاسي من إبن والتر آل هانري العائلة صاحبة الرقم القياسي في الأختلال، وآل هاريسون وقد غنى أفرادها عن التعريفِ.
"كيف أُطيعك ؟"
سمع صوت مُغري عند اُذنه ينتمي لإمرأة لا يعرفها، فأتسعت أبتسامته مُدندنًا بينمَا يسحبها على قدميهِ:
"هل تُجيدين التمثيل ؟"
ألتفتت تُناظره بحيرة مُتسائلة، فأتسعت أبتسامته أكثر، سيكون هذا لذيذًا، وسيُعجب اللعينة حتمًا، وربما يهبها أسباب لتكرهه حقًا.
يتبع..
***
أي توقعات ؟ 🦋
أنتقاد أو ملاحظات؟ ♥️
الفصل القادم بيكون الآخير لذا..
جاهزين ؟ ♥️
أحبكم جميعًا ودمتم سالمين. 🕊️
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top