الفصل السادس- حفل الزواج

 

       

الفصل السادس

حفل الزواج

بعد اسبوع بدأت الاستعدادات للاحتفال بزواج خوان وسيرينا في كنيسه صغيرة تابعه للمزرعه واختصر عدد المدعوين الى الحفل بسبب قصر الوقت فكان الحضور مؤلفا من الاقرباء والاصدقاء المقربين.

وقام دون البيرتو بتدبير المعاملات الرسمية الضرورية فقد فوجيء بتقلب اراء خوان من جهة وباصرار سيرينا عليه من الا يبوح لحفيده بحقيقة امر شقيقتها ويندي.
عفواً لايمكن عرض الرابط إلا بعد التسجيل
حينذاك قال صارخا
- ولماذا يا صغيرتي؟ كوني انسانه طيبه وتفهميه وانتشلي هذه الشوكه من خاصرته ... لماذا لاتنقذيه من الشكوك التي تزعج خواطره وتؤلمه؟
فأجابت بجفاف :
- ليست في نيتي ان اكون طيبه معه فأنت رفضت فك ارتباطي وارغمتني على قبول هذا الزواج...لكن هناك شرط اريد منك ان تحترمه وهو الذي يتعلق بويندي فاذا بحت بهذا السر لن يتم الزواج!

بالنسبه الى دون البيرتو كان ماقالته تفصيلا لاسيتحق التوقف عنده رأى نفسه على مقربه من تحقيق اهدافه .. وغير مستعد للتوقف عند امور تافهه بامكانها ان تفسد مخططاته.
اجابها قائلا :
-اتفقنا مادمت مصرة على ذلك..

حك ذقنه مفكرا وسرعان ما انارت الابتسامه وجهه وقال :
-ربما تصلين الى تحقيق اهدافك اذا مازلت تصرين على هذا الشرط انت امرأة ذكيه وأنا لست بغبي بخوان بحاجه الى حجة متينه كي يقبل بالزواج... هل احس بالشفقه نحوك؟ ان انه شعر بانجذاب باطني من دون ان يعي ذلك؟ هذا ما اجهله في كل حال انا مستعد ان ارتكز على حدسك الذي اضرم عواطفه واوقظ عنده المشاعر الوديه .. نعم ياعزيزتي حافظي على هذا السر مهما كلف الامر وبجميع الطرق! 
فآل فالديفيا يتميزون بحب التملك والغيرة وخاصة الرجال بوجود شقيقتك الصغيرة سيظل يتذكر باستمرار انك كنت في الماضي ملكا لرجل اخر
...

وبينما كانت سيرينا ترتدي ثوبها المخرم حالمه متردده ايقنت بانها ستغدو رمزا لتلك المرأه التي سبق لها ان تزوجت من قبل وهي الان على استعداد لخوض هذه المغامره مرة اخرى ورددت في ذهنها وهي تقول : اليس هذا ما كان يقصده دون البيرتو؟

ولحفل الزواج اختارت سيرينا ثوبا ابيض واسعا مبطنا بالحرير اظهرت اكمامه الشفافه بشرتها المخمليه الناعمه ورفعت شعرها الاشقر الطويل جدائل بشكل تاج ذهبي وزينتها بالزهور البيضاء التي خففت من رصانه تسريحتها لكن عينيها الكئيبتين وملامحها المشدوده وشحوب وجهها كانت كلها تعبر عن خوف اليم وحذر عميق فلم تغادر غرفتها منذ الصباح ومن النافذه المفتوحه كانت تسمع اصوات المدعوين الذين قصدوا المزرعه من بعيد معظمهم استقلوا الطائرات .

كان المنزل يعج بالناس والاصوات تطنطن مثل وكر النحل لكن سيرينا تملكها الحذر ولم تغامر بالظهور امام الجمهور لانها تعرف جيدا انها ستكون نقطة اهتمام الحضور كما كانت متمسكه بقول قديم مفاده ان لقاء الخطيب مباشرة قبل حفل الزواج لايجلب الحظ...

بعد قليل دوت اصوات محركات السيارات المتجمعه تحت الشرفه وتوجه المدعون الى الكنيسه شعرت 
سيرينا بتقلص مؤلم في معدتها فلم تتناول سوى الطعام الخفيف وبعض القهوة برغم تحذيرات الخادمه ومع اخر سيارة تبتعد عن المزرعه احست سيرينا فجأه بضعف فاستندت على ظهر كرسي بجانبها وفجأه سمعت طرقا على الباب فراح قلبها يخفق بسرعه وبعد لحظات قالت متلعثمه
- ادخل 

ظهرت كارمين الخادمه حمراء الوجه كثيرة الحماس وانحنت امامها مثل خادمات القرون الماضية وسلمتها قطعه قماش طويله من الدانتال الكيريمي اللون وقالت
-الطرحة ياسنيوريتا ... سبق وارتدتها من قبل كل العرائس اللواتي ينتمين الى عائلة فالديفيا.
فرجعت سيرينا الى الوراء بشده وقالت
- لا شكرا لن احتاج اليها
فتحت كارمين عينيها السوداوين متعجبة وقالت بغضب
- لكن ياسنيوريتا انه محرم ان تدخلي الكنيسه مكشوفة الرأس ! يجب على العروس ان تصون وجهها وتحميه من نظرات المتطفلين ... الم تري كيف تسرح عندنا النساء شعرهن وكم هن انيقات!

وضعت كارمين الطرحه على رأس سيرينا من دون ان تترك لها مجال الاعتراض ثم سوت اطرافها المطرزه فوق الخدين الشاحبين وصرخت
- رائعه انت هكذا ياسنيوريتا هل اعجبتك؟
قالت الفتاة غصبا عنها
- نعم انها طرحه جميلة لكن الن يفاجأ دون البيتو برؤيتي اعتمر هذه الطرحه الناعمة والثمينه؟
هزت كارمين رأسها بحماس وقالت
- لن يرفض الكونت شيئا لزوجة حفيدة الجميلة!

الزوجة الجميلة! اغتم قلبها وتحسرت  فاضافت الخادمة المتألقة تقول
- الكونت ينتظرك لم يبقى احد هنا غيرنا
سألتها سيرينا بصوت مخنوق :
- ودون خوان اين هو؟
قالت كارمين وهي تكبت ضحكتها :
- في الكنيسه من دون شك لاشك ا نه في انتظارك بفارغ الصبر ...امامك دقائق معدوده لندخل الان .

هبطت سيرينا السلالم ببطء وقدماها ترتجفان وظلت متمسكه بالدرابزين لئلا تقع او تفقد توازنها المنزل كان خاليا كليا والجو مازال يعبق برائحة السكائر وعطور النساء كان دون البيرتو ينتظر بهدوء داخل الصالون وما ان سمع وقع خطوات الفتاه حتى التفت الى الوراء واعلن بلهجة دافئة
- انت حقا رائعه ياعزيزتي وجميع اصدقاء خوان سيحسدونه عليك!

جذبها نحو النافذة امامها تمتد الحديقة المسعه بالشمس الحارة تركها الكونت هناك بضع دقائق وراح يفتش في درج مكتبه فارتعبت سيرينا عندما سمعت صوت دون البيرتو يدخل اذنيها قائلا
- هذه هدية العرس وسأسر لو تفضلت ووضعته خلال حفل الزواج

  فتح العلبه واخرج منها عقدا من اللؤلؤ ودعاها للاقتراب نحو المرآه .قالت بصوت حيادي
- اشكرك انه لشيء رائع لكن بما انك الان على وشك تحقيق امنيتك العزيزة لم تعد بحاجة لتقدم لي الهدايا الثمينه لقد اعطيتني مسكنا لي ولويندي ولا اريد اكثر من هذا

كان في الوقت الحاضر مستعدا لان ينسى كل شيء لكن ماقالته ذكره بالصفقه فقطب حاجبيه وقال :
- ارجوك ان تقبلي هذه الهديه التي ليست سوى شكر وعرفان بالجميل من قبل رجل عجوز سعيد ان يستقبلك داخل عائلته وان يجعلك واحده منها ولهذا ارغب منك ان تنادين البيرتو مادمت ستصبحين بعد لحظات قصيرة زوجة حفيدي ويشرفني اذا اعتبرتني جدك انت وويندي وعلي ان اقول لك من دون مواريه بأن ويندي لفتت انظار ومودة الجميع في اقل من اسبوع .

ابتسامه عابرة مرت على شفتي سيرينا في الحقيقه لقد تهاتفت على ويندي المعجبون الشغوفون الذين احاطوها بالاهتمام التام وهي فهمت بطريقه سريه انها ستبقى في المزرعه بصورة دائمة وكان دون البيرتو يغتنم الفرص ليأخذ الطفلة بين ذراعيه ويكلمها والخادمتان كارميلا وبيللا تلبيان رغباتها وجميع نزواتها بينما كان خوان يرد على مبادراتها باتسامه بطيئة.

وكلما تواجد خوان بجوارها لاتعود الطفلة تهتم الابه وتظل ترمقه بعينيها الواسعتين الزرقاوين وكانت ترسل اليه القبلات بالحاح تجعله مضطرا ان يرد عليها بالمثل او ان يهزم لها رأسه هو الذي لم يتعود على وجود اطفال بقربه غير ان سيرينا لاحظته مرة من دون معرفته بينما كان يلاعب ويندي بالطابة وبنهاية اللعب راح يداعبها بلطف وحنان ويلامسها تحت الذقن حتى كادت الطفلة تقهقه من شدة الضحك.

اصر دون خوان على ان تحضر ويندي حفل الزواج فاصطحبتها الخادمه قبل موعد الاحتفال بعشر دقائق وكانت ترتدي فستانا ناعما من الازرق يليق بلون عينيها وشريطه زرقاء تزين خصلات شعرها.
- تعالي ياعزيزتي حان لنا الوقت للذهاب .

فجأه افاقت سيرينا من احلام اليقظه لكن دون البيرتو اضاف قائلا :
-اني في غاية الامتنان لأن اسمح لنفسي ان احل في هذا اليوم مكان والدك الذي فقدته منذ فترة وجيزة 

تلألأت الدموع في عينيها لكنها تمكنت من السيطرة على انفعالها انها تخضع لسحر هذا الرجل العجوز لكن عليها ان تتذكر باستمرار قساوته نحوها كان عليها ان تشعر بالغضب نحوه لكن في هذه اللحظة بالذات لم تكن تشعر لا بالحقد ولا بالمرارة ....

خرجا الى الشرفة ومن هناك توجها نحو السيارة في هذا الوقت اسرعت ويندي نحو سيرينا وعيناها مبللتان فضمتها كارمين اليها في عاطفة كبيرة وقبلتها على الخدين وهمست لها ببعض الكلمات باللغه الاسبانيه فهذا التصرف الامومي من قبل الخادمة جعل سيرينا تضطرب بعمق لكم كانت سيرينا تتمنى ان تكون والدتها حية ترزق وتكون بجانبها في هذا اليوم التاريخي ... فاحتلها انفعال قوي واندفعت الدموع من عينيها وفكر دون البيرتو وهو يراها ان نظراتها الزرقاء الجميله قد تعكرت مثل بحيرة حين تعصف الريح وتبدأ العاصفه.

قدم لها منديلا لكن العاصفة لم تهدأ فاضطر الى ان يذكرها قائلا :
-المدعوون بانتظارنا يا عزيزتي وكذلك خوان والصبر ليس من فضائله
انتصب سيرينا ورفعت ذقنها بشجاعه وقالت بصوت غير مطمئن :
-المعذرة . اني مستعده الان
اعجب دون البيرتو بقوة ارادتها واعترف في داخله ان الفتاه تتمتع بذكاء وجرأة

ظلت كارمين تلوح بذراعها حتى اختفت السيارة عن الانظار ثم صعدت السلالم المؤديه الى الشرفة المزينه باناقة لهذه المناسبة كان عليها ان تبقى في المنزل كي تشرف على تحضير مأدبة الغداء الذي سيقدم للمدعوين

وفي طريقها الى الكنيسه لاحظت سيرينا وجود الشرائط الملونه المصنوعه من الورق معلقة بين الاشجار في المساء كان العشاء فاخرا سيعد للرعاه وعائلاتهم وسيتم هناك تحت هذه الزينه

قال دون البيرتو بغية تشجيع الفتاه
- ستحبين كنيستنا الصغيرة ياعزيزتي فقد بناها اسلافنا ودخلها المؤمنون بفرح كبير وانا اراكما انت وخوان تمارسان هذا التقليد

في لحظة كلمح البصر كادت ان تضحك منه لانه بدأ يعتبر هذا الزواج المفبرك كأنه حقيقي لاشك انه يأمل على المدى الطويل ان تتحق هواجسه واوهامه.

فجأه دوت الاصوات من جميع الجهات وظهر الفرسان من وراء غيمة غبار كثيفة واحاطوا السيارة كانوا يطلقون الصياح الصاخب ويشبهون الدراويش المولولين وفي صفوف مشدوده جاء الرعاة ليؤلفوا الموكب كانوا يرتدون معاطف البانشو الملونه ودروع الساق الجلديه السوداء المعلقة فوق الركبة وينتعلون الاحذية العالية ذات الاكعاب المرتفعه والمزينه بالمهاميز المحيكه باليد وفي ملامح وجوههم النحيلة التي لوحتها الشمس التعبير الامبالي والوقح نفسه وصلوا الى اسفل السلالم التي تؤدي الى الكنيسه وظلوا يطلقون صياحهم الثاقب.

وعندما نزلت سيرينا من السيارة خلعوا قبعاتهم العريضة في تحية ساخرة فهزت الفتاه بخجل راسها ثم دخلت الى الكنيسه متأبطة ذراع البيرتو وراح الارغن يعزف مقطوعه رائعه وفي خطى بطيئة توجها الى حيث كان خوان بانتظارهما كادت سيرينا ان تجهله بثيابه الغريبه لكن ملامح وجهه النبيله كانت تعبر عن رصانه غير اعتيادية.

لعبت سيرينا دورها بغاية الكمال وكأنها في حلم وبالكاد شاهدت الزينه الفاخرة والجمهور الغفير على المقاعد والبنوك. الرجال ينتصبون باعتزاز قرب زوجاتهم اللواتي يرتدين الملابس الانيقة والفاخرة.

كان شبح سيرينا النحيل تغمره اشعه الشمس الملونه التي تتسرب من خلال الزجاج وبهدوء ظاهري لفظت امنياتها بصوت صارم ومن دون انفعال وفي حالة غيبوبة لم ترتجف ولم ترتعش عندما ردد خوان بربطة جأش واتزان الكلمات السريه قائلا :
- اني اقسم لك الاخلاص والحمايه والحب حتى يفرقنا الموت..

اطلقت زفرة عميقة ليس مايقولة سوى كذبة صغيرة لان موتا اخر موت دون البيرتو هو الذي سيجعلهما احرارا من جديد فهي لاتشك بأن دون خوان سيفي بوعده بالحاح وبسرعه.

انغلقت يد خوان الطويله والقاسيه على يد سيرينا وادخل خاتم الزواج في اصبع يدها اليسرى فارتعشت رموش عينيها وتشابكت نظراتهما ولمحت سيرينا في نظرته لمعانا ساخرا فحولت عينيها بسرعه.

اقترب دون البيرتو ليقبلهما ولم تنتبه الا في هذه اللحظه بالذات ان مراسم الزواج اشرفت على نهايتها فاسترخت قليلا وبينما كانت خارجة من الكنيسه متأبطة ذراع زوجها وراحت تبتسم للجمهور.

وما ان اصبحت خارج عتبه الكنيسه حتى ارتفع صراخ التهنئة وسطعت اشعة الشمس البراقة فلم تمنع نفسها من اقفال عينيها على جفنين مرتعشين وبينما كانا يهبطان السلالم راح الجمهور يمطرها بوابل من الورود والزهور المختلفة.

ضحك خوان ودفع بسيرينا نحو السيارة لكن زوجات الرعاة ابدين اصرارا على رؤية العروس من قريب فتجمهرن وراءها واذا بخوان يحملها ويدفعها داخل السيارة احمرت وجنتا سيرينا مما زاد في حماس الجمهور الذي صرخ يقول :
- قبلها سينيور! قبلها!

وبالفعل اطاع خوان فاخرج زوجته من السيارة واوقفها في قسوة افقدتها نفسها ثم امسكها بعنقها وجذبها بنخوة نحوة ودفعها داخل السيارة من جديد ودخل وراءها وتمكن بصعوبه من اغلاق الباب بسبب الجمهور الذي انصب حولهما اقلعت السيارة وافاقت سيرينا من الارتباك والخجل من جراء هذه القبلة وحدقت بعيني خوان السوداوين وصرخت تقول :
- ليس في هذه الصفقه التي عقدناها مايسمح لك ان تتصرف على هذا النحو! ان تعاملني كالفتيات اللواتي تمضي معهن بعض الوقت في الحانات والبارات الوسخه في المدينه ... كيف تجرؤ على ذلك؟
اختفت ابتسامه خوان وقال بجفاف :
- بدأت تذكريني بتلك الزوجات اللواتي لا يكففن عن التذمر ياسنيوريتا ! يضاف الى هذا اننا لم نعقد أي صفقه لقد طلبت مني ان اتزوجك .
واضاف قائلا :
- لقد قلت لك انك ستتزوجيني غير اني اعترف ان لديك بعض الحقوق بصفتك زوجتي اذا كان خروجي الى المدينه برفقه النساء يزعجك فأني مستعد ان اتخلى عن ذلك في كل حال لم يعد هناك أي سبب كي اتمادى في هذا تبدأ الهموم مع الزواج لكن العزوبيه لاتجلب الفرح والان بما اننا متزوجان فمن واجبك ان تخففي عني هذا الحمل .

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top