!طرد بلا انذار


استيقظت سوريل على مهل ورمشت عينيها في نعاس باتجاه نور الفجر الرمادي المتسلل عبر نافذه صغيره. اين هي؟ ذعرت لكونها لم تتعرف فورا الى الغرفة واستوت جالسه تحدق في ارجائها . عاد بصرها بطبيعة الحال الى السرير النقال الاخر الموضوع في ناحية الموقد الاخرى. كان يستلقي عليه شخص يبدو غارقا في النوم لايبدو منه الا رأسه المكلل بالشعر السلكي الاسود، اما سائر جسمه فمغطى بحرام هندي زاهي الالوان كالحرام الذي يغطيها.
مشهد شعره الاسود اعاد الى ذهنها ذكرى الليلة الفائتة بشكل متسارع فتحسست قفا رأسها ولم تجد هناك اي نتوء. ادارت رأسها فلم تحس اي صداع، كذالك لم تشعر بشيء من الارهاق الذي سلبها كل قواها عصر امس . لقد تحسنت كثيرا واصبحت قادرة تماما على مواجهة الخطر المتمثل في الرجل النائم على السرير الاخر. عبرت الغرفة على رؤوس اصابعها وسارت الى النافذة لتستطلع حالة الطقس.
لقد توقف الثلج ، وفي ضوء الشمس بدت المنحدرات الجبلية ملتمعه، بعضها اصفر وبعضها زهري في سماء باهتة الرزقه. وبحثت في الخزانه فوجدت مرطبانا من القهوة ووعاء اخر ملأته بماء من الابريق ووضعت الوعاء على الموقد، ثم طوت الحرام الذي تغطت به وجلست على حافة السرير تنتظر غليان الماء. ركزت مرفقيها على ركبتها وغمرت ذقنها بيديها وراحت تحدق الى الرجل النائم على السرير المقابل. كان قد استدار واستلقى على ظهره فسقط الضوء على جانب وجهه المندب، وهنا تدافعت الاسئلة الى ذهنها، كيف اصيب بالجرح؟لماذا؟ متى؟ اين؟ انحنت الى الامام لترى الندبة اكثر، ثم انزلقت عن السرير ودبدبت على ركبتيها حتى انحنت عليه وكأنها اذا تمعنت في وجهه تستطيع التوصل الى الاجوبة المطلوبة. ما اكثف اهدابه وما اشد سوادهما! كم هو مغر فمه المائل وكأنه يبتسم لفكرة ساخرة راودت فكره. لابد انه كان وسيما جدا قبل اصابته بهذا التشوه، كلا، مايزال وسيما بشكل قاس، عنيد وكامل الرجولة . ومضت عيناه من خلال اهدابه السوداء. كان قد استيقظ واخذ يراقبها. بدأت تتحرك بعيدا عنه لكنه كان اسرع منها اذ ارتفعت ذراعه اليسرى كما البرق ولفت عنقها بثقل مما اضطرها الى حناء راسها حتى اقترب وجهها من وجهه الى حد استطاعت معه ان تحس بشعر ذقنه القاسي يخز بشرتها الناعمة، ثم عانقها بسرعة. همس قائلا:
-صباح الخير، سنيوريتا. اردت ان افعل ذلك ليلة امس لكنك كنت مرهقه ، والان سأعيد الكرة.
فهتفت سوريل وهي تزيح راسها بعنف وتحاول الافلات من قبضته:
-كلا. اطلق سراحي.
-ليس الان.
شدد ضغطه عليها فحاولت التملص منه بدفع صدره بكفيها وفشلت.
وهنا انتابها ذعر شديد احسته يقبض على قلبها ويفرز منها عرقًاً بارداً ثم يقلصها. دفعته عنها ثانية واستطاعت هذه المرة ان تتحر منه .هتفت بانفاس لاهثه وهي تحشر حافة بلوزتها تحت خصر بنطلونها:
-لماذا فعلت ذلك ؟
-لأني اردت ان افعل دائماً ماتريد؟
-معظم الوقت ، وعندما تتاح لي الفرصة .
جلس نصف جلسة واضعاً احد مرفقيه على الوسادة ومسنداً رأسه على يده ، فاعتراها نصف خوف من امكانية اعتقاله لها مجدداً . فابتعدت عنه زاحفة على ركبتيها . التقى حاجباه في عبسة حائرة وسأل :
-ما بك ؟
-الا تقدر ان تحزر ؟ لقد استغليت موقفي . هذا سبب ضيقي .
-استغليتك ؟ لكنك دعوتني بنفسك الى عناقك .
فشهقت قائلة والحنق يضيق انفاسها :
-لم افعل !
-بل اعتقد انك فعلت . فعندما فتحت عيني ورأيتك تنحنين علي ، قلت لنفسي ، هاهي السنيوريتا تشعر بتحسن كبير هذا الصباح وترغب في شكري على انقاذي لها من العاصفة الثلجية .
-لم اشأ عناقك .
ارتجفت داخلياً وتمنت لو انها بقيت على سريرها مغطاة بالحرام . فمرأى صدره العاري وعضلات كتفيه البارزة من تحت قميصه القطني الابيض جعلها تشعر بشكل ما بشدة سحره .
لمس ندبة خده باصابعه وسأل :
-أبسبب هذه ؟ لدي المزيد منها في أماكن اخرى ليست معروضة الآن للنظر انما يمكنك رؤيتها اذا شئت ...
-لا ، لا .
قالت ذلك بحدة ، اذ خشيت من جهة ان يظنها تقرف من ندبته ، ومن جهة ثانية ان يقدم على نزع قميصه ليريها الندوب الأخرى ، فأضافت بسرعة :
-انا لم افكر فيها بتاتاً .
-اذن لم تنفرين مني ؟ ولماذا تمثلين هذا الدور ..؟
توقف وفرك مفكراً ثم قفش بسبابته وابهامه وتابع ساخراً:
-دور العذراء الثائرة ؟
فاحتجت بزعل :
-انه ليس تمثيلاً.
ثم قضمت شفتها السفلى وقلصت قبضتيها على جنبيها لتضبط فورة الغضب التي اجتاحتها لمرأى السخرية في عينيه ، واردفت تفح كالأفعى:
-لا اريد ان يعانقني ... رجل على شاكلتك .
-واي نوع من الرجال انا ؟
-من خلال الحكم على ماقمت به قبل قليل فأنت من نوع أعرفه جيداً . انك تعتقد ان المرأة لا تصلح الاّ لشيء واحد ، وكنت تأمل ان تتوج لقاءنا العرضي هذا به . اليس كذلك ؟
-اقر ان الفكرة راودتني لكنني افهم من غضبك الناري علي انك لا تشاركينني رغبتي .
-اجل ، لا اشاركك اياها . اوه ، ماذا تظنني في الواقع ؟
فجرفها بنظرة متمهلة وباعجاب مغرور ألهب الدم في وجنتيها واوقد شرارات غضب في عمق عينيها ، وقال بالاسبانية :
-اظنك امرأة رائعة ومثيرة .
ايقاع اللغة الجميل جعل هذه العبارة البسيطة تبدو كأغنية حب . وتابع متشدقاً بانكليزية مقتضبة :
-من دواعي الأسف الشديد ان عروقك تحوي ثلجاً بدل الدم . فمن خلال حكمي على لون بشرتك توقعت ان تكوني اكثر دفئاً وحرارة عاطفية .
ابتسم بشيء من المرارة واردف بلهجة استسلامية :
-اني ، كما ترين ، فعلت بنفسي ما حذرتك من فعله ، لقد حكمت عليك من خلال شكلك .
تنهد ثم سألها والمرارة تنتشر على صفحة وجهه :
-اي نوع من الرجال يروق لك ؟ وأين هو ؟ لماذا لا يأتي ليحميك مني ومن الوقوع في مخالب رجل على شاكلتي ؟


-لا ... لا احتاج الى اي رجل كي يحميني فانا قادرة على حماية نفسي .
نهضت واقفة واستدارت كالعمياء الى الموقد وهي تضيف :
-سأصنع القهوة .
-حسناً.
لم يضف الى ذلك ، وسمعت صرير سريره حين قفز عنه الى الارض ثم وقع قدميه وهو يعبر الغرفة الى الحمام .
ارتجفت يداها بشدة والى حد تناثر معه مسحوق البن على الطاولة وطقطقت الملعقة على جوانب الفناجين الفارغين . لماذا ترتجف هكذا ؟ الأن رجلا غريباً قد اخترق خطوط دفاعها ؟ ام لأنه احتضنها بطريقة لم تعهدها منذ أيام مارتن ...؟
تذكرت لمسة اصابع الرجل الغريب اللطيفة المغرية وترنحت حيث تقف فأغمضت عينيها بقوة . كلا ، مارتن لم يحضنها ولم يعانقها ابداً بهذه الطريقة ، ولو انه فعل لما كانت الآن في جانب آخر من العالم والى حيث هربت لتنسى حقيقة ان مارتن لم يحبها ولن يحبها ابداً .
-حسبتك قلت انك ستصنعين قهوة ؟
تكلم الرجل مؤنباً فاستفاقت من حلمها النهاري ثم رفعت الوعاء وسكبت القهوة .
-اود العودة الى الفندق في أسرع وقت ممكن .
كان في كامل ثيابه ، يرتدي بزة التزلج ويبدو رجلاً خفيف الحركة متين البنية ، يسير برشاقة مختالة غريبة كما لو انه معتاد على العمل المسرحي .
تناول الفنجان منها وقال بجفاف وهو يراقبها كما الصقر بعينيه اللامعتين القاسيتين :
-ان تجعلك في مغادرة المكان يسيء الى كرامتي قليلاً . لا خوف عليك مني، كما تعلمين ، فأنا لن المسك ثانية الاّ اذا رغبت في ذلك .
-ليس هذا سبب ...
بترت عبارتها ثم همست وهي تخفي وجهها بيديها :
-اوه ، ارجوك . الا يمكننا ان ننسى الذي حصل ؟
-وأي جزء منه تريدين ان تنسي ؟ الطريقة التي تجاوبت بها ام طريقة انذعارك وانسحابك ؟
-اريد نسيان الحادثة برمتها .
-لا اظنني استطيع ذلك أو أرغب فيه .
-لكن ...لكن .
ثم تابعت بازدراء :
-اوه ، لا احسبك ستقول ان الأمر عنى لك شيئاً.
عاد يرمقها بشفقة ثم اكمل شرب قهوته ووضع الفنجان على الطاولة .
سألها فجأة :
-من فعل بك ذلك ؟
-فعل ماذا ؟
-جرح مشاعرك . أغلب الظن ان رجلاً ما قد اعطبك عاطفياً.
اذعرها تخمينه الصائب فحاولت اخفاء رعبها بالرد عليه بعنف :
-اسمع يا سنيور "فلان الفلاني" ، لا يجب ان تفترض وجود علة في امرأة معينة لمجرد انك لم تحصل على مبتغاك منها لأول مرة في حياتك . انت مخطئ في افتراضك ، فأنا لا اشكو اية علة ، وكل مافي الأمر انني لا احب ان يعبث بي اي رجل تلقيه الصدف في طريقي .
لم يقل شيئاً ، انما استمر يحدق اليها حتى عجزت سوريل عن احتمال تلك النظرة الثابتة التي كانت خليطاً من الشفقة والارتياب ، فاشاحت عنه بصرخة ضيق قصيرة وراحت تنظر من النافذة الى تلال الثلج الملساء والمتوهجة تحت اشعة الشمس .
ثم استدارت فجأة وواجهته قائلة :
-اريد الذهاب لأنني قلقة على السنيور انهل اذ لابد انه منشغل الباب علي. حاول ان تفهم ذلك ... ارجوك ثق ... ان ذهابي لا علاقة له بتاتاً بما حصل .
-ربما انا اتفهم الوضع اكثر مما تظنين . فمن الجائز ان يقرر مخدومك بأنك رفيقة غير صالحة لابنتيه عندما يعلم بانك قضيت الليل بمفردك مع رجل غريب في كوخ .
وهنا مال فمه بانحناءة ساخرة فقالت سوريل باصرار مخلص :
-لقد عاملني بعطف ورعاية ولذا لا اريد ان اسبب له قلقاً زائداً لا لزوم له .
ثم انتابها ضيق مفاجئ اذ اقرت بان الرجل قد يكون مصيباً . فمن الجائز ان يعترض رامون انهل على قضائها الليل خارج البيت ... اردفت :
-ارجو ان يتفهم تبريري عندما اشرح له كيف ان العاصفة الثلجية ارغمتني على البقاء هنا .
-سوف تخبرينه الحقيقة اذن ؟
-بالطبع ، على الاقل ماهو ضروري .
-اتمنى لك التوفيق . حسناً ، لنستعد للذهاب . الطقس جيد هذا الصباح ومن المفروض ان يكون التزلج سهلاً . دعينا نستمتع به معاً . هل توافقين ؟
وحالما خرجا من الكوخ لسع الهواء البارد وجنتيها وبدا انه يمزق منخريها وسقف حلقها كلما تنفسته .
كان الثلج الناعم يحدث صريراً تحت زحافتيها حين ارتقت المنحدر الكائن خلف الملجأ وهي تدوس على الزحافتين المتوازيتين جانبياً وصعوداً وتغرز العمودين في الطبقات البيضاء الكثيفة . توقفت مراراً لتلقط انفاسها ولتنظر حولها الى جمال الجبال المتوهج البارد ، وفي كل مرة ، كان الرجل المدعو دومنيغو والذي يعلو مكانها على المنحدر ، يتوقف ايضاً وينتظرها ، فيبدو كظل اسود على منحنى ابيض ، فيما نظارتاه الكبيرتان تخفيان عينيه وشعره الاسود يرفعه النسيم الخفيف . وجدته ينتظرها على قمة المنحدر حين وصلتها لاهثة نافخة ، وقال :
-هنا تقاطع دربانا يوم امس .
ثم اشار الى منحدر بعيد يقع الى يمينها وتابع :
-كان يجب ان تسلكيه بدل ان تتبعيني ، انظري ، ان برج المصعد الكهربائي الاعلى يظهر قسم منه على متن المنحدر ، ولولا تساقط الثلج لاستطعت ان تريه وتتزلجي في اتجاهه .
رمقها بنظرة جانبية واردف متعمداً :
-ولما كنا التقينا ابداً.
هل يلمح الى ان لقاءهما احدث في نفسه اثراً ؟ كان كلاهما قد ازاح نظارتيه الى فوق ، وعندما التقت عيونهما وتشابكت احست للحظة بتجاوب فرح عنيف مع الدعوة المتوهجة في حدقتيه . بيد انها اشاحت عنه فوراًوهي ترفع ذقنها وتقلص شفتيها .
اعادت نظارتيها الى عينيها ثم قبضت على عمودي التزلج استعداداً للانظلاق وقالت بجمود :
-احسبني سأستطيع ايجاد طريقي من هنا . لا تكلف نفسك عناء مرافقتي.
انطلقت فوراً فلحق بها وماهي الا لحظات حتى ادركها ، فاضطرت الى الاقرار الضمني بسرورها لوجوده معها ومشاركته اياها بهجة الانزلاق على ناحية الجبل في ذلك الصباح المشمس الصافي . وهذا لا يعني انها استطاعت التزلج بدون ان تسقط بضع مرات ، لكن لدى سقوطها كان يعود لمساعدتها ، وللضحك معها وليس عليها ، ولينفض الثلج عن ثيابها ويزودها بالارشادات اللازمة لتفادي السقوط . واخيراً بلغا قمة المنحدر.

كانت هناك مجموعة متزلجين قرب البرج الأعلى تتحلق حول رجل يرتدي سترة تزلج حمراء ، تمثل اللباس الموحد لأدلاء الجبال ، وجميعهم خبراء في التزلج ، ويستخدمهم مركز التزلج في البحث عن المفقودين والضائعين . توقف دومينغو وحدق الى المجموعة ومالبثت سوريل ان لحقت به وتوقفت قربه . أزاح نظارتيه اليها قائلاً بجفاف :
-الآن ، سأدعك تذهبين بمفردك .
ادركت لحظتها كم هي مدينة له ، ربما بحياتها نفسها ، فقالت باندفاع :
-اشكرك على ... مجيئك معي وعلى انقاذي مساء امس .
-لا موجب للشكر ، كان ذلك مدعاة لسروري يا سنيوريتا .
أشاح بصره عن مجموعة المتزلجين وأعاد نظارتيه الى مكانهما وشرع يقول :
-اتمنى فقط ...
توقف ناظراً الى الناس ثانية ثم استدار اليها وقال بسرعة :
-سوريل ، اصغي الي . اذا واجهت مصاعب مع مخدومك فهل لك ان تعلميني بذلك ؟
-وكيف افعل وانا اجهل اسمك الثاني ومكان اقامتك ؟
-قد تعرفين ذلك قريباً وبأسرع مما تظنين .
التوى فمه بوجوم وهو ينظر من فوق رأسها الى الناس المتجمهرين ، وفي تلك اللحظة شق الفضاء صوت انثوي عال وحاد راح يهتف :
-سوريل ! سوريل!
انه صوت غابرييلا يزعق مبتهجاً ولا يمكن ان يكون صوت انسان آخر.
تلفتت سوريل حولها فرأت الجسم البرتقالي ينسلخ عن جمهور المتزلجين ويتهادى نحوها عبر الثلج . وهتفت الفتاة حالما وصلتها :
-اوه ، سوريل . لقد قلقنا جداً عليك ! اين كنت ؟ ومن الشخص الذي جاء معك ؟
نظرت سوريل ثانية الى ماحولها . لقد ذهب دومنيغو وكان يشق طريقه بسرعة على المنحدر في اتجاه الفندق . حدقت خلفه تتأمل رشاقته التزلجية ، وعجبت لشعور الخيبة الذي طعنها بحدة لكونه تركها من دون ان يودعها .
وفي اللحظة التالية حاولت خنق هذا الشعور . لماذا تهتم للأمر ؟ يجب ان تكون مسرورة لانه تركها واتاح لها ان تشرح الوضع بدون وجوده الذي قد يصعب التفسير. استدارت الى غابرييلا وسرعان ماوجدت نفسها محاطة بجمهور المتزلجين ، وجميعهم يمطرونها باسئلة منفعلة بالاسبانية :
-ماذا حصل ؟ اين كنت طيلة الليل ؟
اما وجه رامون انهل الضيق الشاحب فكان جامداً وصارماً.
وبدأت تشرح له :
-لقد سقطت ولم ترني .
لكن الناس بدأوا ايضاً يتكلمون دفعة واحدة فاستحال عليها ان تتابع كلامها . اطلق رامون هتاف انزعاج ، وقال بالانكليزية رافعاً صوته ليطغي على هرج الناس الانفعالي :
-لا يمكننا التحدث هنا . سأطلب من الدليل ان يوقف عمليات البحث . ثم ننزل الى الفندق . اعتقد انك سترحبين بتناول الافطار .
اومأت برأسها ، وفي خلال ثلث ساعة كانت تجلس في مقهى الفندق الدافئ تشرح لرامون ولابنتيه كيف انها تاهت في العاصفة الثلجية فيما النادل يقدم لها الطعام . وسألها رامون :
-متى ادركت انك سلكت الاتجاه الغلط ؟
-عندما رأيت صف الاشجار والضوء المنبعث من الناقذة . كان الثلج ينذف بغزارة وسرني ان اجد ملجأ يحميني .
فاستوضحها بحدة وارتياب :
-اين كان الملجأ ؟
-الى الجنوب من هنا وعلى بعد عشرة كليومترات تقريباً.
فقالت غابرييلا بحماسة وهي تحاول المساعدة :
-اعرف . انه الملجأ الذي قضينا فيه ليلة مع ... اوه ، لورا ، لماذا ركلت قدمي ؟
وعاد رامون يسأل سوريل :
-اكان معك شخص آخر هناك ؟
-اجل ، رجل احتمى ايضاً من العاصفة . لم يكن لي خيار الاّ ان ابقى هناك فما كان بوسعي ابداً ايجاد طريقي الى الفندق تحت انهمار الثلج . آمل ان تتفهم وضعي .
كانت تتكلم باسرحام واحست بوخزة اضطراب لما رأت الشك يغزو عينيه مجدداً .
وقالت غابرييلا بصوت كالصفير :
-الرجل الذي كان معك عندما رأيتك ؟
-اجل ، جاء معي هذا الصباح ليدلني الى طريق الفندق .
فاستوضحها رامون :
-اين هو الآن ؟ لماذا لم يبق معك الى حين وجدتنا ؟
-لا ... لا أدري . لقد تركني حين نادتني غابرييلا .
تلفتت حولها ولديها نصف امل بأ\ن ترى الوجه المنّدب تحت ريش الشعر الاسود الفاحم بين وجوه الناس لجالسين في المقهى . ثم انتبهت الى ان غابرييلا ولورا كانتا تتهامسان في جدال عنيف . ووبخهما رامون بحدة :
-الا تكفان ابداً عن الشجار ؟
فأجابته لورا :
-تقول غابرييلا انها تعرفت على الرجل الذي جاء مع سوريل . لا أدري كيف استطاعت ذلك لأنه كان يلبس نظارتيه .
فردت غابرييلا بحنق :
-بل عرفته من خلال بزته التزلجية .
استفسرها رامون :
-ومن هو بحسب اعتقادك ؟
-خوان رينالدا .
والقت نظرة متحدية على وجه اختها الذي بدا تعيساً على حين غرة .
وهتف رامون :
-رينالدا ؟ مصارع الثيران ؟
اومأت غابرييلا بالايجاب . فقالت سوريل بلطف :
-اظنك مخطئة يا غابرييلا فقد اخبرني ان اسمه دومنيغو .
فأكدت الفتاة بعناد :
-انه "الشجاع " انا متأكدة انه هو الذي كان معك .
سألها ابوها بحدة :
-وكيف توصلت الى معرفة " الشجاع " الى درجة مكنتك من تمييزه من مسافة بعيدة ؟ فتبعاً لمعلوماتي ، لا اذكر انك حضرت اية مصارعة الاّ اذا كنت حضرت واحدة من دون علمي . هل فعلت ؟ وأنت يا لورا ؟
التفتت البنتان يضيق الى بعضهما البعض . ثم قالت لورا بتردد بطيء :
-اجل ، فعلنا ذلك مرة واحدة ، في شهر كانون الاول (ديسمبر) من السنة الماضية ، وخلال مهرجان اقيم في كوبايا .
-اكانت امكما معكما ؟
-نعم ، سنيور .
بدا الخوف على لورا فتابع رامون استجوابه قائلا :

-ورأيتن رينالدا هناك ؟
-اجل .
فقال رامون مفكراً :
-كان ذلك قبل المصارعة في مانيسالاس حيث اصابه الثور بجرح بالغ
ثم رمق لورا بنظرة حادة اخرى وتابع يسألها :
-من دعاكما وامكما الى حضور المصارعة ؟
-الخالة ايزابيلا ، فأخ زوجها هو دييغو كورتيس متعهد مباريات المهرجانات .
لم تقدر غابرييلا ان تصمت طويلاً ، فاندفعت تقول :
-كانت الحفلة مثيرة جداً ، ولدى انتهاء المصارعة تقدم " الشجاع " وانحنى امام المقصورة التي كنا نجلس فيها مع السنيور كورتيس ، وبعد ذلك عرفنا اليه .
فسألها رامون :
-وهل كان يرتدي بزة التزلج آنذاك ؟
طربت غابرييلا لسخرية ابيها فقهقهت بعصبية وقالت :
-بالطبع لا . كان يرتدي لباس مصارع الثيران ! سترة رائعة مطرزة بأكملها بالستراس الاحمر والاسود . بدا وقتها وسيماً جداً ، وما يزال وسيماً لولا الندبة الطويلة على جانب وجهه الأيمن حيث نهشه الثور .
كادت سوريل ان تختنق بطعامها .. فعاد رامون يحدجها بارتياب وحدة . ثم استدار الى غابرييلا وقال بنفاد صبر ظاهر :
-لكن حصولك على الامتياز السخيف لرؤية رينالدا يصارع في الحلبة حاملاً الوشاح الاحمر لا يفسر معرفتك لنوع بزة التزلج التي يرتديها .
-عرفت ذلك لاني رأيته هذا الصباح عن قرب وفي هذا المقهى بالذات .
اليس كذلك يا لورا ؟ لقد رأيناه هنا مراراً حين كنا نأتي مع ماما ، واضطررنا في احدى المرات الى الاحتماء واياه مع اناس آخرين في الملجأ ذاته حيث قضت سوريل الليلة الفائتة .
فنظر رامون الى سوريل بقسوة وعيناه تلتمعان في وجهه الصارم وقال:
-اذن حلّ اللغز يتطلب ان نسأل سوريل اذا كانت هناك ندبة على خد الرجل الذي شاركها اللجوء الى الكوخ .
فسألتها غابرييلا وبدون ان تعي مبلغ احداثها للمشاكل :
-سوريل ، هل رأيت على وجهه ندبة تمتد من هنا الى هنا ؟
ورسمت باصبعها منعطفاً بدأته من تحت اذنها اليمنة وحتى زاوية فمها ، وتابعت :
-وهل كان طويلاً ، اسود الشعر وذا عينين رماديتين فاتحتين ؟ وهل ابتسم هكذا ؟
اكتفت سوريل بايماءة ايجابية لعجزها عن النطق فصفقت غابرييلا بانتصار وقالت متبجحة :
-الم اقل لك ه ذا يا لورا ؟ كنت على حق ! على حق!
فسألت لورا والقلق الشديد يبدو عليها جلياً:
-اذن لماذا اخبر سوريل ان اسمه دومينغو ؟
فقال رامون مستوضحاً سوريل :
-هذا سؤال وجيه . لماذا فعل ذلك يا آنسة برستون ؟
ارعبتها حدة صوته البارد ورسميته المفاجئة ، كما لو انه اكتشف لتوه انها اقترفت خطيئة ما ، وبالتالي انقلب ضدها . اجابته :
-لا ادري السبب ، اعتقد انه لم يشأ ان يدعني اعرف هويته .
ازاح كرسيه الى خلف ونهض واقفاً ثم علق ناظراً اليها بغضب :
-هل تريدينني ان اصدق ان هناك مصارع ثيران يصل الى هذا الحد من التواضع وانعدام الغرور ؟ لا يمكنني والله ان اصدق ذلك ، فالذي اعرفه عن رينالدا انه اكثر المصارعين غروراً ، ولا عجب ، فهو في نظر معجبيه بطل شعبي اصيل ، ولد هنا في كولومبيا ولم يُستورد من اسبانيا او المكسيك . انه كمعظم فصيلة المصارعين ، رجل استعراض وتفاخر حتى رؤوس اصابعه !
رمقها بنظرة عدائية مستعرة واردف :
-هناك سبب آخر يحدوك الى تسميته بهذا الاسم دومينغو ، وأنا عازم على اكتشاف السبب .
ثم استدار الى ابنتيه وقال لهما محتداً :
-اذهبا واجمعا حوائجكما . سوف نعود فوراً الى ميدلين .
فاحتجت لورا بقولها :
-لكن الظهر لم يحن بعد والطقس ممتاز للتزلج .
وهتفت غابرييلا ثائرة وعيناها تطفحان بالدموع :
-لا اريد العودة الى البيت بهذه السرعة .
اما سوريل فبدأت تقول :
-سنيور انهل ، لم يخطر لي ابداً ...
فقال لهن بنزق :
-اصمتن جميعاً ! لن اسمح لأي منكما بالمجيء هنا مرة اخرى ! لا يمكنني السماح لبناتي بالاختلاط مع مصارعي ثيران واناس على شاكلتهم .والآن ، اذهبا واجمعا اغراضكما ...
رحلة الاياب كانت مزعجة بالمقارنة مع رحلة الذهاب الى مركز التزلج، فلورا وغابرييلا جلستا في صمت حرد ، فيما بدا رامون متغطرساً ومنعزلاً خلف مقود السيارة وقد استطاع ان يعبر عن استيائه وغضبه من ابنتيه ومن سوريل من خلال قيادته المجنونة حول المنعطفات ومسابقته لكل السيارات بتزمير عال يصم الآذان .
صمت رفاقها جعل سوريل تنعزل مع افكارها الخاصة وهي تجلس في زواية المقعد الخلفي تراقب اشكال التلال البعيدة القاتمة والمحنية الظهر في لافق الغربي المشمس وقد بدت انها تتحرك وتغير اشكالها الى نماذج جديدة تبعاً لانعطاف الطريق حولها .
مصارع الثيران ! كان يجب ان تحزر مهنته من خلال مشيته الرشيقة المختالة او من خلال الطريقة التي راقبها بها كما لو انه يراقب وينتظر ثوراً يتقدم الى منتصف الحلبة ، أو من خلال الندبة على خده وحيث بدا ان اللحم قد مزقه قرن حيوان هائج ... الآن ، وقد عرفت ، فمن السهل ان تتصوره مرتدياً القبعة السوداء المثلثة . السترة القصيرة البراقة ، السروال اللاصق بالجسم ، الجوربين الزهريين والحذائين الاسودين وهو يغري الثور ويخدعه بهزه من وشاحه الصوفي الاحمر .
ارتعدت قليلا . فهي لم تشاهد مصارعة ثيران واحدة وما رغبت ابداً في مراقبة رجل يواجه ثوراً ثائراً ويشتبك معه في معركة مميتة . لقد اعتبرتها دائماً عملية استعراض قاسية للحيوانات ، ولغاية الآن لم يخطر لها اطلاقاً انها قد تكون قاسية ايضاً على المصارعين انفسهم .
ولكن لماذا حجب عنها اسمه ؟ لماذا كذب عليها ؟ ولم ارتاب رامون انهل الى هذا الحد في اتصالها العابر بمصارع الثيران ؟ ما الذي ينفره منهم ويجعله يرفض ارسال ابنتيه الى اي مكان قد تلتقيان فيه بواحد منهم ؟
وما ان اوقف السيارة خارج المدخل الامامي المزين بالاعمدة حتى ظهرت امرأة على رأس الدرج كانت نحيلة ، صغيرة الحجم ، سوداء الشعر وترتدي فستاناً انيقاً من حرير الجيرسيه لونه ابيض واسود .
هبطت الدرج صوبهم فحياها رامون قائلا بدفء :
-آه ، ايزابيلا ، يسرني ان اراك . هل جئت لتؤنسي مونيكا ؟

ابتسمت له بعينيها البنيتين الغامقتين ، والغائرتين قليلاً تحت حاجبين مقوسين دقيقتين قبل ان ترمق سوريل ، المترجلة من السيارة ، بنظرة فضولية جانبية . اجابت :
-نعم ، لقد خابرتني بالتلفون وقالت انها تشعر بالوحدة في غيابكم وارسلت بيدرو ليأتي بي ؛ لم نتوقع ان تبكروا في العودة الى هذا الحد ، فما السبب .؟
-حدث شيء . تعالي الى الداخل لاطلعك عليه .
احاط كتفها بذراعه وقادها على الدرج الى داخل البيت .
فقالت غابرييلا وهي تنظر خلفها عابسة :
-انا لاافهم ، لماذا بابا غاضب الى هذا الحد ؟
فردت لورا متذمرة وهي تساعد سوريل على انزال الزحافات من على سقف السيارة :
-لأنك لم تكفي عن الحديث عن خوان رينالدا . لما1ذا لا تستطيعين اقفال فمك مرة في العمر ؟
-لم افعل شيئاً سوى التعريف عنه . اي خطأ في ذلك ؟
-اخطأت في كل شيء وكان من الافضل لو بقيت صامتة ، فبابا سيؤنب الخالة ايزابيلا لكونها باعتنا البطاقات لحضور تلك المصارعة ، وماما ستواجه مشاكل لأنها اخذتنا اليها بدون اذنه . اما نحن فسوف نحرم من التزلج في المستقبل .
-لكني لا افهم السبب . اي خطأ هناك في حضور مصارعة ثيران او في التعرف الى مصارع ؟
-انه تصرف خاطئ بالنسبة الى بابا ، فهو يقول ان مصارعة الثيران ماهي الا استعراضات وحشية مشينة ويجب ان تحرم قانونياً.
-لا اعتقد انها كذلك بل اجدها مثيرة ودراماتيكية و...
لكن لورا تابعت بصوت طغى على صوت اختها :
-ويقول بابا ان المصارعين رجال خشنون وبلا مبادئ خلقية وان من كان في مركزنا الاجتماعي فلا يجب ان يختلط بهم .
-يالهذا الهراء ! في رأيي انهم رجال فائقو الشجاعة ، واعتقد ان الثيران شجاعة ايضاً. كذلك اعتقد ان خوان رينالدا هو اشجع الشجعان بالرغم من انه بلا ... كيف عبّرت عن ذلك قبل قليل ؟
-بلا مبادئ خلقية . اوه ، غابرييلا ، لا تقولي انك تجهلين معنى ذلك !
-بل اعرف ماذا يعني لكن لا يهمني ان كان رينالدا من هذا النوع سأروي لماما ما حصل معنا ، تعالي معي يا سوريل فأنا اكيدة ان ماما تحب ان تسمع تفاصيل المغامرة .
-سأفعل حالما أبدل ملابسي . علي ان اعيد اليها بزة التزلج .
اغتسلت سوريل وارتدت فستاناً اخضر من الكتان ذا ياقة مستديرة بسيطة زينتها بايشارب حريري مزركش ودخلت الغرفة الفسيحة المشمسة في الطابق الارضي والتي حُوّلت الى غرفة نوم وجلوس للسيدة المقعدة .
وجدت مونيكا تجلس كعادتها على الكرسي المتحرك الذي اعتادت الطواف به ارجاء البيت ، وبقربها غابرييلا تجلس على كرسي منخفض وتثرثر بلا هوادة . وقالت سوريل لمونيكا :
-اشكرك لكونك اعرتني البزة . لقد ناسبت جسمي تماماً. هل أضعها في الخزانة .؟
فابتسمت لها عبر الغرفة واجابت :
-نعم ، من فضلك .
كانت مونيكا شقراء الشعر تعقصه على قمة رأسها ، ذات وجه مستدير دقيق التكوين وعينين زرقاوين غامقتين . زارت كولومبيا لأول مرة في سن الثامنة عشرة ، وكانت برفقة ابيها الذي رئس آنذاك بعثة تجارية بريطانية ، وقد التقت رامون حين زارت مهرجان النسيج والزهور في ميدلين ، وبعد خطوبة قصيرة تم زواجهما . الآن بلغت الرابعة والثلاثين من عمرها وما تزال تحتفظ بقسط من جمال الشباب مع انها تمر في حالات اكتئاب تهدل فمها وتحفر خطاً عميقاً بين حاجبيها الجذابين .
وقالت تثرثر كغابرييلا الى حد ما :
-هل استمتعت بالتزلج يا سوريل ؟ اليست الجبال رائعة ؟ اوه ، كم كنت شغوفة بالتزلج وكم اتمنى ان امارسه ثانية .
اهتز صوتها قليلا وارتجفت شفتاها لكنها حاولت الابتسام مجدداً واردفت :
-تعالي ، اجلسي هنا وخبريني عن الرحلة . غابرييلا ، اذهبي الآن وغّيري ثياب التزلج .
قفزت الفتاة واقفة وعانقت امها بحرارة ثم غادرت الغرفة تاركة الباب مشقوقاً .
انحنت مونيكا الى الامام قليلاً وقالت وعيناها الزراقاوان تتألقان اهتماماً :
-اخبرتني غابرييلا انك قضيت الليل مع رجل في الملجأ . كانت تقول لحظة دخولك ان لديها فكرة عن هوية الرجل . هل كان خوان رينالدا بالفعل ؟
-من الجائز ان يكون هو لكنه لم يقل لي ذلك .
عادت مونيكا الى خلف وعيناها تبرقان ثم اومأت وكأنها فهمت السبب الذي جعل الرجل يخفي هويته . سألت :
-كيف شكله ؟
وصفته سوريل باختصار فاصغت اليها مونيكا بدقة ثم اومأت ثانية وقالت بصوت لاهث :
-انه خوان . هل ذكرت له شيئاً عن نفسك او عنا نحن ؟
-اجل ، فعلت.
فعادت مونيكا تميل الى الامام وسألتها بلهفة :
-وماذا قال ؟ هل علّق بشيء ما ؟ خبريني يا سوريل ، هل بلّغك رسالة لتوصليها الي؟
اسكتتها الدهشة لبضع لحظات . وحين همت بالقول ان خوان رينالدا لم يظهر اهتماماً كبيراً لدى سماعه اسم مونيكا ، احست شعر عنقها يقب محذراً ، فاستدارت تنظر صوب الباب وهي متأكدة من وجود شخص يسترق السمع خلفه مباشرة .
وسألتها مونيكا بالحاح :
-ماذا قال يا سوريل ؟ ما بك ، لم لا تريدين اخباري ؟
-هناك شخص خلف الباب يستمع الى حديثنا .
فنادت مونيكا بشيء من نفاد الصبر :
-غابرييلا ؟ أأنت هناك ؟
-لا ، هذه انا .
انفتح الباب ودخلت ايزابيلا كورتيس الغرفة وتابعت تقول :
-الديكما مانع من دخولي ام انكما تتبادلان الاسرار من جديد ؟
-كلا ، كلا ، انا وسوريل لا نتبادل الاسرار ، اننا نتحدث عن اشياء كثيرة لكوننا من بلد واحد ونتكلم اللغة نفسها . كانت تروي لي كيف اعتقلتها العاصفة الثلجية على الجبل يوم امس وضبعت طريقها الى الفندق.
تقدمت ايزابيلا اكثر وقالت لسوريل باهتمام ظاهر :
-لا ريب انها كانت تجربة مخيفة وكان من الجائز ان تضيعي الى الأبد . اعتذر عن مقاطعتي لحديثكما لكن هناك شيء يجب ان اطلعك عليه يا مونيكا قبل انصرافي . انه امر مهم جداً وله علاقة بما حدث امس على الجبل .
وفكرت سوريل ، ان لايزابيلا اسلوباً هادئاً حميماً في الكلام يجعل الشخص الذي تخاطبه يشعر دائماً بأنها تهتم بمصالحه اشد الاهتمام ولا تتوانى عن فعل اي شيء كفيل بمساعدته ! نهضت واقفة وقالت بتهذيب :

-سأترككما تتحدثان على انفراد واستأذن بالانصراف .
فنادت مونيكا وهي تخرج :
-عودي في وقت لاحق يا سوريل فانا احتاج الى بعض التدليك قبل ان آوي الى فراشي ليلاً . لقد افتقدت رعايتك كثيراً هذين اليومين . لاتنسي ان تأتي.
-لن انسى .
اما ايزابيلا ففتحت لها الباب لتخرج ، وربما لتغلقه بنفسها وتتأكد من انغلاقه قبل ان تبدأ حديثها مع مونيكا ، وغمغمت بألطف ابتسامة وارقها :
-كم انت متفهمة يا سوريل .
خرجت سوريل الى الممر وعبرته الى الحديقة سارت على الدروب المتعرجة المحفوفة بشجيرات ، واخذت تفكر في ايزابيلا . كانت تعلم انها ارملة اوريليو كورتيس الذي اختص في تطوير الرياضة والذي قتل قبل ثلاث سنوات في حادث تحطم طائرة على جبال الأنديز . ومنذ ذلك الحين بدأت ايزابيلا تتردد بكثر على منزل آل انهل حتى اصبحت صديقة مقربة من مونيكا . ولكن في اثناء اقامة سوريل مع العائلة لاحظت ان المرأة تصرف وقتاً في التحدث مع رامون في مكتبه هو مماثل تقريباً للوقت الذي تصرفه مع زوجته . هل من الجائز ان ايزابيلا كانت سبب الشقاق الحاصل بين الزوجين ؟ تنهدت سوريل متضايقة من منحى افكارها المتطرف ، فهذه الامور ليست من شأنها بتاتاً ولا يجب ان تتورط اطلاقاً بمشكلات اية مريضة تعالجها ، بل ان تلزم حدودها المهنية .
الا انها كانت تشعر احياناً بالشفقة على مونيكا وبرغبة في مساعدتها.
ابتسمت بمرارة اذ تذكرت ان هذه الشفقة نفسها هي التي ورطتها مع مارتن... كان يتعالج اذ ذاك في مستشفى بلدتها حيث تدربت وعملت كمدلكة بدنية مختصة . لقد ساعدته هو الآخر على تعلم المشي من جديد وفي غضون ذلك وقعت في حبه او توهمت انها فعلت . لقد اصغت الى مشكلاته الزوجية واملت ان يفي بوعده بأن يحصل على الطلاق ليستطيع الزواج منها . ثم ، في احد الايام ، جاءت زوجته الى المستشفى واخذته معها الى البيت ، وهكذا تحول كل حبها السابق له الى ... قرف .
وهنا هتفت شيئاً عبّر عن ضيق صدرها ثم استدارت على عقبيها وقطعت الدرب بخطوات ثابتة عائدة الى البيت . وفيما هي على منتصف الدرج سمعت رامون يناديها من البهو مستوقفاً ويقول :
-اريد التحدث اليك . تعالي الى غرفة مكتبي من فضلك .
-نعم ، سنيور .
عادت تهبط الدرج وتبعته الى الغرفة المرصوفة بالكتب وحيث يقضي معظم وقته خلال وجوده في البيت وحين اشعل المصباح الكهربائي على طاولة المكتب واضاء وجهه الطويل الضيق ، فكرت في نفسها ، انها غرفة قاتمة صارمة تشبه صاحبها الى حد كبير ... قال لها :
-اجلسي .
بدا منفعلاً جداً بسبب امر ما ، لكنه توقف اخيراً قبالتها وقال بانكليزية دقيقة:
-لقد قررت ا بقاءك هنا قد بات مستحيلاً . اريدك ان تغادري البيت غداً صباحاً.
-ولكن لماذا ؟أي خطأ ارتكبت ؟ اوه ، انك غير راض لأن زوجتك لا تتحسن ظاهرياً لكن ترويض المفاصل المشلولة على الحركة يستغرق وقتاً أطول ...
فقطاعها قائلا ً:
-تقدم زوجتي او عدمه لا علاقة له بفصلك من خدمتي . بالطبع سأدفع لك ثمن تذكرة الاياب الى انكلترا كما سأدفع لك الراتب حتى نهاية هذا الشهر . هذا كل ما لدي من كلام ويمكنك الآن ان تنصرفي .
فهبت واقفة على قدميها واخذ قلبها يخفق منفعلاً حين اجتاحتها رد فعل غاضب على معاملته المتغطرسة هذه ، وهتفت حانقة :
-ليس هذا كل مالديك من كلام ! فبوسعك ان تعلمني سبب فصلك لي من الخدمة ، ومن حقي ان اعرف!
بدأت عصبيته تثور هو الآخر فتقلص فمه والتمعت عيناه وهو يجيبها :
-لست مضطراً لأن اشرح لك مطلق شيء فأنا سيد هذا البيت وصاحب الكلمة الاخيرة فيه .
تنفس بعمق وسار الى النافذة بخطوات واسعة حيث ازاح الستائر الثقيلة المطرزة ، وتابع قائلا :
-صدقيني يأني اقدم على هذا بأسف كبير لأنك جئت الينا بأفضل التوصيات ، سواء من المستشفى حيث كنت تعملين او من والدة مونيكا التي هي ايضاً صديقة لامك ، كما علمت . لقد بذلت جهوداً كبيرة في مساعدة مونيكا ، وانا ممتن جداً لذلك ، انما لا استطيع المجازفة بتكرار الحادثة .
-تجازف بتكرار اية حادثة ؟
رمقها بنظرة عصبية وعاد يذرع ارض الغرفة ثم توقف فجأة امامها واتهمها قائلا:
اذن انت تتظاهرين بجهلك لكامل العلاقة ! تصرفك هذا لايدهشني لانه ينسجم مع كذبتك بخصوص هوية الرجل الذي قضيت واياه ليلة في الملجأ.
ارتفع مافيها من دم لاتيني قليل الى درجة الغليان واجابت بحرارة :
-لم اكذب . الهذا السبب تريد فصلي ؟ الأعتقادك بأنني كذبت عليك ؟
-نعم . لقد اتضح لي ايضاً انك لست اهلاً للثقة وانك متورطة مع زوجتي في مؤامرة .
وسألت وهي لا تصدق اذنيها :
-اية مؤامرة ؟
ثم ضحكت فجأة واردفت :
-اوه ، ممن سمعت ذلك ؟
-لم اكن بحاجة الى معلومات احد ، فانا ادرك تماماً ان زوجتي تأتمنك على اسرارها . وكان يجب ان اتكهن بحصول الأمر حين طلبت الي ان آتيها بمدلكة من انكلترا ، بشخص اكثر عطفاً وتفهماً ، على حد تعبيرها !
ثم هتف غاضباً :
-يا الهي ! كيف قدرت مونيكا ان تخدعني طوال هذ الوقت !
قالت سوريل ببرود وقد استردت هدوءها:
-ليست لدي اقل فكرة عما تتكلم . لكني لم اكذب عليك بخصوص ذلك الرجل . كنت اجهل هويته ، وهو رفض التعريف عن نفسه ، واصر على ان اسميه دومينغو . ولو ان غابرييلا لم تكشف هويته لما عرف احدنا بشيء.
-ولهذا السبب بالذات لا استطيع المجازفة بان تُرسلي لملاقاته ثانية .
-لكن لا احد ارسلني لملاقاته ، اللقاء حصل عرضاً. لقد اخبرتك انني ضللت الطريق و ...
فقاطعها قائلا بمرارة :
-وهو وجدك على اهون سبيل ، اذ كنت ترتدين بزة مونيكا التزلجية وهكذا رأى فيك شيئاً يرتبط بها .
شهقت سوريل وغطت فمها بيدها اذ تذكرت قول الرجل انه حسبها امرأة كان يعرفها . وتابع رامون قائلا :
-اوه ، كانت خطة متقنة ... لقد رآنا مجتمعين في المقهى فلحق بنا الى قمة الجبل ، وعندما شاهدك تسقطين ، استعان باغراءه وجعلك تقصدين الكوخ . ليس هناك من هو اقدر على الاغراء من رينالدا! انه خبير في الثيران وفي النساء ، وماعليك الاّ ان تسألي اي متتبع لهذا النوع من المصارعة ليؤكد لك هذه الحقيقة !
-ليتني افهم السبب وراء هذه الجلبة ... فزوجتك سألتني اذا كان الرجل قد حملني رسالة اليها ، وها انت ...
فهتف رامون بانتصار :
-اذن كنت مصيباً ... لقد استعملوك فعلاً !
ادركت انها اخطأت في ذكر الرسالة ، فسألته بقلق :
-من استعملني ؟
-زوجتي و رينالدا .
حدقت اليه بخيبة اذ وعت انه قد يكون محقاً . فمن الجائز انها قد استعملت كوسيط بغير ان تدري . سألته :
-ولكن لماذا ؟ ارجوك ان تخبرني السبب . من حقي ان اعرف .
فأجاب بصوت جامد :
-لا استطيع ذلك انها قضية تمس شرفي .
مبدأ الشرف الاسباني الذي مازال بعض الرجال الكولومبيين يحافظ عليه ! انها تعلم عنه ما يكفي لجعلها تدرك ان رامون لن يبوح لها بأي شيء . اشار الى المكتب وقال :
-انه هنا ، وصل مالي باسمك ، والمبلغ يغطي نفقات عودتك الى وطنك وبقية راتبك . خذيه من فضلك . غداً صباحاً سيأخذك بيدرو الى المطار ، ورجاء ان تسقلي اول طائرة الى انكلترا .
التقطت الوصل ولم تجد اية جدوى من رفضه . فحتى لو لم ترجع الى وطنها ستظل في حاجة الى المال . قالت :
-حسناً ، سأذهب لأنه ليس هناك شيء استطيع فعله كي اثبت لك انني لم اتآمر مع زوجتك ولم اقم بدور الوسيط وبينها وبين رينالدا ! اعتقد انك سخيف جداً !
سألها بصوت اجش وقد اتقدت عيناه وجن جنونه :
-اتجرؤين على انتقادي ؟
-اجل ، اجرؤ ، فانا لا ارتعب منك كما هو الحال مع زوجتك وابنتيك ، ولذا اجرؤ على نعتك بالسخافة لانك لا ترى ابعد من انفك الاسباني المتكبر ! لا ترى ان زوجتك تحبك ولا تحب سواك . تصبح على خير يا سنيور .

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top