متاهات
عندما نصبح داخل دائره من الحقد , قد يكون الثمن احيانا أرواحنا ,
و قد يكون اغلي عندما تتعلق روحك بروح اخرى و بالنهايه تُختطف من بين يديك و انت عاجزا ,
نحب بل نعشق , و لكن هل هناك ضمانا ان نفوز بل و نحتفظ بهذا العشق ابدا ؟
نتسائل كثيرا ,
ما الحل عندما تتلاحم روحين لتصبح روح واحده بجسدين فيأتي احدهم و يقول وداعا , طواعيه كان او قسرا !
ما الحل عندما يتسلل الفراق ليسرق منك قلبا طالما عشت به و له !
ما الحل عندما تنزلق يدى من تهوى من بين يديك لينزعك من علياء سمائه لتسقط جثه هامده في قاع الهاويه !
ما الحل عندما يشق الموت طريقه بين قلبين ليعلن نهايه احداهما و يبقي الاخر حيا قتيلا !
انتفض جسده و اتسعت عيناه بألم صادم , يده تضغط يدها بين راحتيه , و عيناه تعلقت بوجهها الذى حدق به بذهول ,
كان يشعر انه يفقدها و لكنه لم يكن يدرى انها من ستفقده , تمردت قدماه علي جسده ليترنح قبل ان يصطدم جسده بالارضيه التي كان يرقص فوقها منذ دقائق ,
بُدلت الموسيقى صراخا , ارتجفت القلوب خوفا , سُرقت الفرحه و عم الحزن , و هى تسقط بجواره بفزع و صدمه تمكنت من عقد لسانها دون كلمه ,
اجتمع الجميع حوله فى لحظات عجز و عدم تصديق , تصرخ نهال ب اسمه و مازن يحاول التحدث معه و لكنه استكان برأسه فى حضنها ,
و ماذا ان كان الحلم لم يكتمل , يكفى انه عاش عمره يتمناها و مات و هو معها .
حاول عاصم و مازن النهوض به لاخذه للمشفى و لكنه رفض , منعهم و اصر على البقاء بين ذراعيها , يشعر انها دقائقه الاخيره و لا يرغب ان تضمه سياره او مشفى يكفيه هى .
تساقطت دموعها تباعا و هى تردد اسمه فابتسم و هو يغلفها بعينه كما كان يفعل دائما و تمتم بنفس هارب حاول التقاطه عنوه : انا وفيت بوعدى يا حنين , لاخر نفس فيا جنبك .
ضاق نفسه و تقاربت جفونه و لكنه يحاول الصمود لترويه فضيه عينها التى اختفت خلف دموعها و هى تضمه لجسدها تشهق بألم يمزق قلبها : فارس .. انا عاوزه اعيش بالله عليك متموتنيش دلوقتى .. فارس فتح عنيك رد عليا .
بدأت صورتها تهتز امامه , فأغلق عينه عده مرات و هى يشعر بألم حارق في صدره فاقدا احساسه بباقي جسده ثم همس بنبره يطالبها بها لتكمل : انت نصى التانى ,
و لكن انفاسه لم تساعده ليكمل , عاد برأسه للخلف بحده و هو يلتقط انفاسه بصعوبه فحاول عاصم و مازن ابعاده عن حنين و النهوض به و لكنه تمسك بطرحه فستانها و يده تضم يدها بكل ما يملك من قوه الان ليدرك مازن انها النهايه و لن يستطيع انقاذه مهما فعل .
امسك فارس كفها واضعا اياه علي صدره موضع قلبه و موضع اصابته و اخرج صوته بصعوبه يحاول الابتسام : متزعليش , اكيد هنتقابل تانى ... في الجنه .
نظرت ليده المحتضنه يدها و هي تشعر بنبضات قلبه الضعيفه ثم عادت تنظر لعينه و تتسائل كأنها تعاتبه : حلمنا يا فارس , محمد و عائشه .
تساقطت دموعه هو الاخر ضاغطا كفها على قلبه و همس برضا : انتِ هتحققيه .
ضاعت انفاسه بثقل يلف رأسه و غامت عينه في ضبابات و الصوره امامه تختفي فهتف بصوت مبحوح يمزح و هو يزدرد ريقه قسرا : قولي.. قوليلى واحده بحبك .
نظرت لعيناه التي تجاهد لتظل مفتوحه و انفاسه التى تختفى تدريجيا و تذكرت قوله لها , فنظرت اليه بصدمه قليلا و قد توقفت عينها عن ذرف الدموع , تصيح بحده و كأنها تتمني ان تكون حقيقه : انت بتعمل كده علشان اقولها ! بتعمل كده علشان اصرخ بيها قدام الكل ,
ابتسم بوهن قبل ان يستسلم تماما مغلقا عينه لتنظر اليه بفزع تبعته بصرختها : بحبك يا فارس و الله العظيم بحبك , بص لي يا فارس , افتح عينك و بص ليا , بحبك و الله , بح...
توقفت و عينها تتسع بذهول , مع توقف نبض قلبه اسفل يدها , نظرت لصدره بصدمه و دموعها تتساقط تباعا ثم رفعت عينها لوجهه بصدمه اكبر و هي تحرك جسده بيدها الموضوعه اسفل يده هامسه بتقطع : ف ..فا ... فارس ,
وضعت يدها الاخري علي وجنته لتلاحظ ثبات انفاسه لتميل عليه قليلا تدقق النظر في وجهه و هي تتسائل بتعجب : فارس .. انت مابتردش عليا ليه !
انطلقت صرخه نهال المنهاره ب اسمه لتُعطي الجميع الرد و هي تضم فارس لصدرها بقوه لتسقط يده من فوق يد حنين التي نظرت له في حضن والدته و هي لا تستوعب ما يصير حولها , رجفه شفاه , نبضات قلب ثائره , اهتزاز بدن , دموع لا تتوقف , و عدم استيعاب .
اقترب عاصم منها و قد غلبه القهر ليهدم كل قوه به , و لمس كتفها يساعدها على النهوض فنظرت اليه و هي تُشير علي فارس و تقول باستغراب : عاصم , فارس ! هو .. هو مش بيرد عليا ليه ؟
ضمها عاصم لصدره بقوه و خانته عيناه لتفضح انكسار روحه لكنها حاولت التملص منه و مازالت لا تستوعب مردده باستمرار : عاصم رد عليا .. فارس مش بيرد ليه ؟!! هو زعلان علشان مش قولتله بحبك ؟ هقولها يا عاصم و الله بس خليه يرد عليا , خليه يرد عليا .
شدد عاصم من ضمه لها و هو يغلق عينه و لاول مره بحياته يشعر بالعجز بهذا الضعف , و بمجرد ان فرق جفنيه وقعت عينه على تلك الجنه التى صارت خرابا بملامحها الممزقه و هى ترى موت امامها من جديد , فراق مزق اوصال قلبها مره اخرى , ترى خساره نتيجه حب و انهيار نتيجه حزن , لتعيدها الدماء التى لونت ابيض فستان حنين لتلك الدماء التى لونت ابيض حياتها بموت والدها , فتحجرت عينها على فارس ارضا بصمت تكسوه الدموع منهمره يخفى اندثار قلبها و وجع شظايا الفراق به .
تساقطت دموع محمد و هو يجلس بجوار قدم طفله يردد بحسره اب هُدم : انا لله و انا اليه راجعون , بينما انحنى مازن علي ركبتيه يلقى برأسه علي قدم فارس لتتعالى شهقاته كطفل صغير فجلست حياه بجواره تضع يدها علي ظهره تحاول تهدأته و لكن آنى لها ان تفعل و هى فاقده لاى اتزان تماما .
طغى على صوت الجميع صوت صرخه عاليه صدرت عن محمد الذى ضغط صدره موضع قلبه بقوه من فرط ألمه قبل ان يسقط فاقدا للوعى , اقترب منه اكرم و تحرك عاصم يساعده و بمجرد ان ترك حنين سقطت ارضا على ركبتيها لتلحق بها سلمى و ليلى و لكنها ابعدتهم مقتربه من فارس و هى تبتسم , هو بالتأكيد يمزح , وضعت رأسه بحضنها مجددا تمتمت بتلك الكلمات التى ترددها له دائما بنفس منكسره و صوت شُرخ و هى تتحرك به للامام و الخلف : انت نصي التانى , انت حته منى , انت كنزى الغالى , انت ابنى .
نظرت لوجهه متوقعه ان يضحك كالعادته , يسخر منها ثم يبتسم ضاما اياها و لكنها لم ترى سوى شحوب وجهه , صدره الساكن تماما , الدماء التى اغرقت قميصه و فستانها , عينه المغلقه و انفاسه المنقطعه , نظرت لنهال التي انهارت بين يدى اخيها , ثم نظرت للجميع لتري كل العيون تتطالعها بحزن و شفقه و الدموع هى من تتحدث , عادت ببصرها اليه , و هنا ادركت الواقع دفعه واحده لتنطلق صرختها ب اسمه و هي تدفع جسده بقوه قهرها ثم تلاشت الانفاس و الرؤيه و معها سقطت فاقده الوعي بجواره .
" قدر "
كلمه بسيطه من ثلاثه احرف ,
كلمه تحمل حياتنا بين طياتها , تحمل احيانا من الوجع ما يفوق كل احتمالاتنا , كلمه و برغم بساطتها تقلب الوسط و احيانا تضع النهايه لكل احلامنا .
الحياه تعاندنا احيانا لتخبرنا اننا لا نعيش برغباتنا و لكن الواقع من حولنا يفرض علينا ما يشاء باسم " القدر " .
و لكن هل كل من عاندته الحياه يستجيب لها , يفر هاربا منها أم يفوق عناده عنادها و يحصل بالنهايه على ما يريد !!
*****************
هذه هى الحياه .. شئت أم أبيت , لن تتعافى دون ان تتألم , لن تتعلم دون ان تخطئ , لن تنجح دون ان تفشل و لن تحب دون ان تفقد .
" اقتباس "
و ان كان هناك من يظن ان الحياه ستتوقف وقتما يقع لتساعده على النهوض فهنيئا له بأبد السقوط .
مازن لم يسقط و لم ينتظر ان يُجبر فقط تقبل انه تبعثر مع رحيل شقيقه , فقد عفويته و مرحه , فقد سنده و فقد امانه و الذى مهما منحته الحياه دونه دون .
خرج بغضب من غرفته يصرخ بذلك الموظف الذى تأخر باحضار ما طلبه من ملفات , لينظر للاخر بحده ينهره و بعنف القى اوامره و دلف مغلقا الباب خلفه .
دلفت هبه للمكتب تُلقى الصباح لتجد الجميع فى حاله من التأهب لتتسائل بفضول لتخبرها تلك التى حلت محلها ك سكرتيره لاكرم " هناء " , بما يفعله مازن و الذى لم يعد جديدا عليه منذ وفاه شقيقه اى منذ ما يقارب العام ,
تجاوزت الامر بنظره شفقه لباب غرفته ثم اتجهت لغرفتها - تلك التى خصصها اكرم لاجلها لا كسكرتيره و لكن كمصممه بعد ان عادت لعملها منذ عده اشهر و قبلتها هى بكل سرور و ان كان متأخرا - .
توقفت عند غرفه مها تطرق الباب بخفه ثم طلت برأسها تهتف بضحكه واسعه و هى ترى محمود يجالسها تاركا غرفته كالمعتاد منه مؤخرا : صباح اللعب و الفرفشه .
ابتسمت مها و كذلك محمود الذى استدار ناظرا اليها بغيظ مرددا : صباح الرخامه .
و بعد مزاحهم المعتاد كلما قطعت حديثه مع مها , تسائلت عن اخبار العائله , مما اعاد لمها نظرتها الحزينه مجددا , قد يبدو العام وقتا طويلا و لكن فى بيتهم كان اشبه بيومين , ربما لانه الا الان لم يستطع احد تجاوز تلك الصدمه و خاصه حنين .
في ذلك الوقت دلف اكرم ناظرا اليهم بجديه ثم تسائل : مجتمعين هنا ليه كده ؟؟
ثم ثبت نظره على محمود قائلا بحده فقد فاض به الكيل : ياريت يا استاذ محمود لما تبقى موجود فى مكتبك تعرفنى علشان محتاجك فى الشغل اذا مكنش دا هيعطلك .
اخفض بصره فهو مدرك انه مخطىء فليست المره الاولى التى يتقاعس فيها عن انهاء المطلوب منه , و عندما لاحظ اكرم ذلك هتف بغضب : انك تبص فى الارض مش هيفيدنى بحاجه , اتفضل على مكتبك و الشغل اللى طلبته منك بأى شكل يتسلم النهارده .
نظر لمها متجاوزا الامر بابتسامه و ان كان فى قمه احراجه امامها و خرج , ليعيد اكرم بصره بينها و هبه مصرحا : عرفتوا اننا رايحين الموقع النهارده ؟
اومأت مها و كذلك هبه التى تحركت للخارج فور اجابته استدار ناظرا لمها قليلا قبل ان تختفى جميع نظراته الحاده و الجاده ليحل محلها نظره هدوء و احتواء جعلها تستغربه و هو يتسائل بلطف : اخباركم ايه يا بشمهندسه ؟
اشارت بهدوء و مازلت تتعجب تغيره " الحمد لله "
تنحنح قليلا ثم اردف متسائلا مجددا : و حنين وضعها ايه دلوقت !
ازدرد ريقه بصعوبه و اكمل بحزن : يعنى .. هتحتاج تدخل المستشفى تانى ؟!
وضعت مها يدها علي فمها لتتماسك تجبر مقلتيها على عدم الاستسلام لدموعها التى تهدد بالسقوط و لكنها مع نبرته , سؤاله و تذكرها لما تعيشه حنين و تراه هى بها كل يوم , لم تستطع , استدارت تعطيه ظهرها تحاول تجميع شتات نفسها , منعت محمود من التحدث بهذا الامر نهائيا و لكن كيف تمنع هذا ,
اخذت نفسا عميقا و عادت تنظر اليه لتجده ينتظرها محترما صمتها , كسرتها و صعوبه موقفها فأشارت " لا مش هتدخل تانى , عاصم رافض تماما و عنده حق وجودها فى المستشفى مش هيفيدها , بس هى ان شاء الله هتتحسن "
نظرت ارضا ودرات عينها يمينا و يسارا بقله حيله و رغما عنها وجدت نفسها تحدق به بعدها بتوسل تشير متمتمه بشفتين مرتعشتين و حركه يد عنيفه كأنها تسأله و كم كانت ترجوه الرد بالايجاب " هى اكيد هتبقى كويسه , اكيد هترجع حنين القديمه , مش هتفضل عايشه كأنها خيال كده , هتضحك و تفرح و تعيش تانى "
توقفت يدها و لكن لم تستطع ايقاف دموعها التى انهمرت بلا استئذان , فقرر اكرم الانسحاب لعجزه عن فعل اى شئ فقط قال و يا ليته لم يفعل : باذن الله هتبقى افضل من الاول , شده و هتزول .
التفتت له بحده لتحدق به بعدم استيعاب ادركه هو فخرج تاركا اياها تتابعه بنظراتها الحارقه و هي تتعجب هدوءه .
أيقول مجرد شده و ستزول ؟
هل ما مرت به حنين بهذه البساطه ؟
لقد توفي زوجها , بين يديها , يوم زفافهما .
ذلك اليوم الذى تفرح فيه كل فتاه بفستانها الابيض ليصبح بالنسبه لها اسوء ايامها و ابشع ما تواجه فى كوابيسها , يوم تحول فيه كل جميل بحياتها لسراب , يوم فقدت فيه ليس فقط زوجها و انما روحها و احلامها بالاضافه لصوتها الذى لا يعلم احد ان كانت فقدته قسرا أم لم يعد لديها ما تقوله !
ليأتي هو و بكل بهدوء يقول انها شده و ستزول ؟
أكرم الالفى , لن يكف ابدا عن جعلها تتعجب ردود افعاله .
****************
عاده ما يحتاج القلب لهدنه مما اعتاد عليه ,
فمن اعتاد السكون يوما ما سينفجر منفسا عما سكن عنه كثيرا ,
و من اعتاد الغضب فى مره ما سيفاجئ الجميع بهدوءه فما عاد لديه قدره على الغضب ,
و لكن من اعتاد قلبه الحب , السعاده و الدلال كيف يتحمل الفراق , الحزن و الفقد ؟!
من اعتادت الاستيقاظ على صوته كيف تقضى بقيه عمرها دون سماعه ؟
من اعتادت عبثه بضحكتها كيف تبتسم شفتيها دون مزاحه ؟
من اعتادت وجوده يحاوطها كيف لها ان تعيش بدونه !!
يقولون الوقت كافى لعلاج كل ألم و لكن ما بال الوقت يزيد ألمها !
مرت ايام , اسابيع و اشهر و ها قد قاربت سنه على الانتهاء بدونه و لكنها بدونها ايضا ,
فقدت فارس و فقدها الجميع , ما عادت ابتسامتها تعرف لشفتيها طريق , ما عاد صوتها يُسمع و ما عادت روحها ساكنه بل باتت بقايا امرأه بعثرها قدرها .
امرأه تجلس ليلا نهارا امام باب شرفتها تنظر لمدخل منزلهم عله يدخل , امرأه تنام تعبا و تستيقظ فزعا على صورته , امرأه ما عاد يعنيها من العالم كله سوا تلك الرسمه الذى منحها اياها سابقا , رسمه كانت حياتها التى انتهت برحيله .
الألم لن يُمحى و الذكريات لن تُنسى و لكن ما دام التصديق بالواقع قيد التوقف لن تُعاش الحياه .
و هى مازالت ابعد ما يكون عن التصديق .
تساقطت دموع ليلى التى وقفت تراقب صغيرتها الجالسه ارضا دون حراك , تنعى ابنتها التى فقدتها و هى على قيد الحياه , ربتت جنه على كتفها هامسه بأسى : تانى يا عمتو !
و دون ان تترك عينها صغيرتها اجابت بيأس و قلب حزين : سنه يا جنه ... سنه و انا مسمعتش صوتها , سنه و انا شايفاها قدامى بتموت نفسها بالبطئ ... سنه و حنين مفيش اى تحسن ,
ثم استدارت و عيناها تحكى معاناه قلب الام : اعمل ايه تانى , مستشفى دخلتها , ادويه و اخدت , علاج نفسى و مفيش فايده اعمل ايه .. انا عاوزه بنتى يا جنه , عاوزه بنتى ترجعلى تانى .
اغلقت جنه عينها تحاول تمالك ما يصيب قلبها من غصه مؤلمه على ما وصلت اليه فرحه المنزل , تلك الفتاه البشوشه و الهادئه و التى بوجودها نعم هذا المنزل بالحياه و الان لم تعد موجوده .
احضرت ام على الطعام فأخذته جنه منها و دلفت لحنين ساعدتها لتجلس بجوارها على الفراش و لم تبد اى اعتراض , دون مقاومه جلست , تناولت طعامها و دون اى تعابير على وجهها انتهت و هى لا تعرف ماذا تناولت حتى و نهضت عائده لمكانها بجوار الشرفه تنظر للخارج تضم الصوره لصدرها بصمت .
جاءت سلمى و امجد لزيارتهم فى ذلك اليوم و اجتمعت العائله باسفل عدى عاصم الذى سافر فى عمل منذ عده اسابيع و على وشك الرجوع .
بل عاد استقبله الجميع مرحبين بعودته بينما نهضت جنه للمطبخ دون حديث طويل معه , فى الفتره الاخيره زادت نقاشاتهم , خناقات و مهاوشات , عادت لغرفتها , و شيدت بينها و بينه الكثير و الكثير من الحواجز , او ربما الظروف من فعلت و ربما خوفها , ما حدث مع حنين ارعبها , اخبرها ان الحياه لن تقف بصف من يحتاجها ابدا , ان السعاده , الاجتماع و الحب لن يكون مقابلهم السلام و الاطمئنان ابدا , و ان كان هناك من يملك دليلا اقوى مما بيدها فاليقنعها بالعكس .
عادت لنقطه الصفر و اسوء , تتلوى ألما و لكنها تكتوى بنار خوفها و فزعها لا عليها بل عليه هو , تخسر نفسها لا فارق لكن تخسره لن تستطيع ان تظل على قيد الحياه , خسرت والدتها و فقدت والدها و عاشت دون شقيقها و الان و بينما هو املها الوحيد , ملجأها الوحيد , حمايتها , قوتها و حياتها لن تتحمل فكره ان يصيبه سوء .
دلف للمطبخ يبحث عنها متذكرا شجارهم الاخير فى ذلك المساء قبيل سفره , لم يرضى هو بحواجزها , يتفهمهما ربما و لكنه لا يقبل .
لا يقبل ان تكون معه و بعيده عنه مجددا , لا يقبل ان تكون زوجته و اصعب النساء عليه , و ابدا ابدا لن يقبل ان يحبها كل هذا الحب و يدرك ان مقابله موجود و هى تمنعه عنه .
بعجز اعطته ظهرها متمتمه ببرود اجادت اصطناعه رغم نزيف قلبها الصامت : حمدلله على السلامه .
عقد حاجبيه ناظرا لظهرها , عندما بدأت هي تكمل ما كانت تفعله و اردفت بنفس البرود الذى اشعل غضبه : انت قولت هتيجى كمان يومين ... رجعت بدري ليه ؟!
اتسعت عينه ثواني يراقب حركتها بدهشه و لم يستطع الا ان يقول ساخطا : هي دى وحشتنى !
ابتلعت ريقها و اغمضت عينها قليلا ثم اكلمت بنفس البرود الذي يكويها قبله و كأنها ابدا لا تبالى : شوفت حنين ؟
ابتسم بسخريه و قبل ان تغضبه بكلماتها البارده اكثر تحرك للخارج ليتركها تنحنى ارضا تبكى لهفتها لحضنه , لاشتياقها لامانها فوق كتفه و لوجعها مما تسببه له و لها من ألم .
دلف عاصم لغرفته القى بجسده على الفراش , ينظر لسقف غرفته بشرود لو اخبره احد انه سيصيبه يوما لقال مجنون .
و لكن ان لم يشرد هو من يفعل , شقيقته التى اصبحت جسد فقط بلا حياه , بقايا امرأه ببقايا روح و فتات قلب ,
جنته التى باتت جحيم يصيبه بنار تكوى صدره , تنهى صبره و تشعل غضبه , جنته التى يدرك ان ما تفعله ضعف و خوف و لكن ما عاد لديه قوه ,
نصف نفسه الذى فقدها يوم فقد رفيق عمره , ضحكته لفارس و مزاحه , همه الذى لا يملك غيره ليلقيه بجعبته , روحه التى انقسمت و ما باتت قوته تكفى لاصلاحها .
اغلق عينه يمسح وجهه بضعف لم يعرفه ابن الحصرى يوما لحظات ثم اعاد فتحتها فان ضعف هو الان لن يستقيم امرا بعده , وقت الحزن لم يأتى بعد , وقت البكاء لم يحن فقط وقت القوه و الثبات ليُعيد الامور لناصبها الصحيح .
****************
تعج الغرفه بأصوات الاجهزه الموصله بصدره علي الدوام ,
حراره الغرفه البارده و نوافذها المغلقه ,
جسده المسجي علي الفراش و اجفانه المتهالكه ,
اقتربت نهال منه تمرر يدها ببطئ على خصلاته البيضاء و التى ازداد شيبها منذ فقد سنده الاكبر ,
ضمت اصابعه بكفها تطمئن عليه فمنذ نكسته يوم وفاه فارس لم يتحمل قلبه فظل مربوطا بالاجهزه الطبيه , افترق جفناه ببطء يبتسم لها بهدوء فترقرقت عينها بالدموع تسأله بقلق : عامل ايه دلوقتى ؟
صمت لحظات تجمعت بها الدموع فى عينيه هو الاخر و همس بخفوت مكسور : ابنى واحشنى يا ام فارس .
رفعت نظرها للاعلي لتمنع باستماته تساقط دموعها ثم تمتمت بقلب يتمزق ألما : ادعيله يا محمد , هو في مكان احسن دلوقت .
اغمض عينه ثواني ولاحظت هى اضطراب الارقام علي شاشه الجهاز جوارها فتحدثت سريعا محاوله ابعاد تفكيره عما يؤذي قلبه و قلبها : بابا كلمني النهارده .
فتح عينه مجددا و تسائل و ان كان لا يشغله اى امر : خير ؟
اومأت برأسها و هى تتذكر مكالمه والدها : كان عايزنا نسافر الصعيد , نسيب القاهره بمشاكلها و نقضى يومين وسطهم هناك .
ابتسم بشحوب و هو لا يبالى بالامر : حلوه الفكره هتفيدك .
عارضته هاتفه باقرار : انا مش هروح لو مش هتيجي معانا .
نظر للغرفه حوله و اردف : هسافر ازاى كده يا أم فارس ؟
ابتلعت غصه تمكنت من قلبها فهو منذ وفاه فارس لا يناديها سوي بهذا الاسم و اخبرته عن كل ما ستقوم به من تجهيزات لنقله هناك فنالت موافقته و بقى موافقه مازن و بالطبع حياه .
******************
لا يمكن تحقيق النجاح الا اذا احببت ما تقوم به .
" ديل كارنيجى "
و هى لا فقط تحب ما تعمل بل و على استعداد تام لتقديم كل ما تملك من طاقه , جهد و عزيمه لتصل لاقصى النجاح به بل و اكثر .
اليوم تتجه الى موقع الانشاء لتراه , لتطلع على اخر المستجدات , و لذلك هى فى قمه سعادتها .
اتجه مازن و اكرم للتحدث مع العمال و المسئولين بينما انطلقت هبه تعاين و تسجل و اما مها فقط كان تستمتع بالرؤيه , انطلقت من طابق لاخر , و من غرفه لاخرى و من هنا لهناك لاسفل و لاعلى حتى توقفت فى ذلك الطابق الاخير تنظر للاسفل من شرفته تبتسم مستقبله نسمات الهواء و التى رغم حرارتها كانت مستمتعه بها .
لاحظت تجمع الجميع بالاسفل للمغادره فابتسمت متجهه للداخل لتلحق بهم و لكن ذلك العامل الذى وقف امامها يسد عليها طريق الخروج شتتها قليلا , و للمره الالف يلفها عجزها و تكويها علتها , فلا صوت لديها لتتحدث و لا صراخ اليها سيصل من هذا العلو , حاولت الابتعاد عنه و لكنه كان اشبه بالخارج عن حدود وعيه , ترنح بسيط , و اعين بارزه , و ضحكه سخيفه و غير متزنه عكرت صفو سعادتها بتخيلها مدى سوء الوضع الذى قيدت فيه ,
حاولت الخروج و لكنه لم يسمح لها , عامل فى وقت استراحته لن يسأل احد عنه , منح لعقله الراحه و دفع لجسده بالرغبه , و اتت هى و بكماء ف يا مرحبا بها .
فى الاسفل القى اكرم السلام هاما بالرحيل و لكنه لاحظ عدم وجود مها , فتسائل فأخبرته هبه انها تقدمت لداخل المبنى و لم تعد ,
ابتسم مدركا كم شغفها بالعمل رافعا عينه لاعلى ربما يراها ليجدها فى شرفه الطابق الاخير و يبدو على ملامحها القلق ليجد احدا يجذبها بعنف للداخل , تجمدت الدماء بعروقه و انطلق ركضا للاعلى بينما تعجب مازن ما حدث و هم بالدخول ورائه و لكن وجود هبه التى لفها القلق من اضطراب اكرم المفاجئ ابقاه بجانبها .
حاولت مها التحرك و الابتعاد عنه و لكن قوته زادت ضعفها و خاصه عندما جذب قدمها لتسقط ارضا ليضرب هو بعدها رأسها عده مرات بالارضيه الصلبه لتتلاشى الرؤيه جزيئا و لم يبقى سوى ضباب تشبوه رؤيه ذلك الرجل و انفاسه حتى لفها الظلام مستقبلا اياها بداخله لتجهل ما حدث بعد ذلك .
استند اكرم على حافه الجدار بعد ان وصل للطابق الاخير اخيرا و انفاسه تحاربه هاربه لتتسع عيناه صدمه سرعان ما تحول لغضب و هى يرى محاولات ذلك " القذر " للتمكن من تلك المستكينه امامه , هجم عليه يبعدها عنها , لكمات غاضبه , تفريغ شحنه شعوره بعجزها و كل هذا وسط ضحكات الرجل و تأوهات ساخره كأنه لا يتألم بل يستمتع .
شهقت هبه بصدمه و هى ترى اكرم يتقدم باتجاههم حاملا مها فاقده الوعى متقطعا الانفاس لتساعده بوضعها داخل السياره لتنطلق بهم للمشفى .
استيقظت مها لتجد هبه بجوارها تطمئن عليها متسائله بعاطفه قلقه : مها .. انتِ كويسه ؟
اومأت مها و هى لا تدرى ما حدث بعد تلك الصدمات التى تعانى الان عاقبتها من صداع يحطم رأسها .
فعادت هبه التساؤل ببطء و هى تتعجب كيف صار كل هذا : ايه اللى حصل ؟ ازاى وصلتى للحاله دى ؟
عقدت مها حاجبيها تحاول التذكر فتساقطت دموعها ببطء فاعتقدت هبه انه وجعا فرتبت على كتفها تهدأها مسرعه بقول : خلاص خلاص .. المهم انك بخير .
اشارت مها بقلق " اوعى تكونى قولتِ لحد اللى حصل ! "
ابتسمت هبه باستنكار تجيبها : محدش يعرف ايه اللى حصل اصلا , احنا اتفاجأنا بالباشمهندس أكرم بيجرى يدخل المبنى تانى بعدين لقيناه خارج بيكِ مغمى عليكِ حتى مازن سأله يفهم منه مردش عليه .
ثم تذكرت صائحه : صحيح هخرج اطمنهم عليكِ اكيد قلقانين .
امسكت مها يدها تشير بتوجس " حد من العيله يعرف انى هنا ؟ "
نفت هبه برأسها مبتسمه بتذكر و اجابتها : احنا مفكرناش فى حد كنا خايفين عليكِ بس , معتز و محمود هيقتلونى لو عرفوا .
حركت مها يدها مسرعه بلا قبل ان تشير بتوسل " متعرفيش حد يا هبه , مش عاوزه اى حد خالص يعرف و لا حتى معتز . "
عقدت هبه حاجبيها متسائله و لكن نظره مها الحزينه و القلقه جعلتها توافقها و ان كانت لا تفهم و لكن اسوء ما قد تتخيله لن يصل لسوء حقيقه ما كان على وشك الحدوث .
اطمئنوا عليها و ها هى بالسياره فى طريق العوده للمنزل و لكنها تخشى , ان ايعرف احد خاصه عاصم , تخشى غضبه , تخشى عليه نفسه , و اما محمود فهى لا ترغب بمعرفته ابدا .
اوصلت رغبتها لثلاثتهم مترجيه منهم الا يعرف احد بما صار و بنظره اكثر شمولا خصت اكرم بها ادركها و لكن صعب عليه تنفيذها .
****************
صدق من قال اذا اردت ان تؤلم احدا فألم من يحب .
عندما يعانى من يعنى لك الكثير تعانى مثله و اكثر , عندما يحزن تحزن اضعاف حزنه , و عندما تعجز امام عجزه تنهار كل قوه محتمله بك .
و ها قد انحنى ابن الحصرى ضعفا امام قدم تلك التى لم تعد سوا جسد رغما عنها يتنفس , ربت على ركبتها لم تعبأ , حاول انهاضها من جلستها ارضا لم تعارض , اجلسها على الفراش جالسا بجوارها يضم وجهها الشاحب بكفيه متمتما بأسى : مش ناويه تتكلمى معايا بقى ؟
و عينها تحدق بالشرفه لا تتحرك , انفاسها منتظمه و جسدها ساكن و كأنه ليس بموجود ,
و كمحاوله منه لتأكد انها ما زالت مدركه للواقع حاول سحب تلك الرسمه من بين يديها ليجدها تتشبث بها كما لم تفعل حتى مع حياتها .
مضى عليه بعض الوقت يحاول التحدث , ينتظر الاستجابه , و لو فقط اماءه بسيطه و لكنها لا تحرك ساكنا .
بدأ ينفعل لربما ترحمه من صمتها هذا و لكنها ايضا لم تجفل حتى لصوته العالى , قرر ايلامها , جعلها تصدق واقعها لتعيش بقيه حياتها , قرر المصارحه بالحقيقه بأسلوب قاسٍ ربما على نفسه قبلها فضرب المنضده بجواره بعنف لم يؤثر بها و صاح يصرخ : هتفضلي كده لحد امتى !؟ فارس مات يا حنين , فارس مبقاش موجود و مش هيبقي موجود تانى .
انتظر اثر كلماته عليها , رجفه , بكاء او ربما صراخ و لكن قابله صمت و اعين تحدق بالشرفه فقط .
تحرك بعجز يحوم بالغرفه و هو يغطى وجهه بكفيه مناعا غصه قلبه بغضبه الاعمى و بعنف دفع بيده يضرب حافه الشرفه لربما الالم يمحى شعوره بالعجز و تحرك للخارج و قبل ان يغلق الباب وجدها تنهض ببطء كأنها مغيبه لتجلس ارضا امام الشرفه مجددا دون ان اهتمام بأيا مما يحدث , زفر بيأس و اغلق الباب .
لا يعرف كيف التصرف , و لا يعرف حتى سبب جلوسها هكذا , و لكن صدق الطبيب عندما قال لا يفل الحديد الا الحديد , خشى عليها النتيجه و لكن ما تعيشه الان اسوء من اى نتيجه كانت .
اتجه لغرفته و لكنه وجد تلك الجنه التى صارت جحيما امامه فنظر اليها لحظات ثم تحرك دون كلمه واحده و لكنها لاحظت جرح يده فتحركت خلفه مسرعه متغاضيه عن كل ما تشيده من حواجز , امسكت يده فتوقف فهتفت بجزع : ايدك مجروحه !
ابتسم بسخريه و هو يسحب يده منها متمتما و هذا اخر ما يعنيه الان : لا كتر خيرك انك لاحظتِ .
و تركها متجها لغرفته و اغلق الباب و دون ان تفكر تحركت مسرعه خلفه لتفتح الباب دون استئذان لتجده جالسا على طرف الفراش , رفع رأسه اليه ببطء متسائلا بملل : خير ؟!
اتجهت لاحدى الادراج بالغرفه لتخرج منها صندوق الاسعافات الاوليه ثم تحركت لتجلس بجواره جاذبه يده اليها دون تحدث , فجذب يده منها مجددا و نهض دالفا للمرحاض ليجدها خلفه فحدق بها بتعجب و صاح مستنكرا بسخط : انتِ رايحه فين ؟
و بدون ان تُجيب او تسمح لنفسها بالتراجع امسكت بيده جاذبه اياه معها داخل المرحاض ثم وضعت يده اسفل المياه حتي تزيل قطرات الدماء العالقه بها و تربت على جرحه بهدوء تغسله فاستسلم لها فلا طاقه له لجدال , تمنع او حتى محاوله فهم .
انتهت و خرجت و خرج معها اجلسته على الفراش مجددا و بدأت بتضميد يده و تلك ليست المره الاولى فهو اعتاد ان يؤذى نفسه كلما غضب , عجز او تألم لربما وجعه الملموس يمحى وجع روحه .
و لكن هى .. هى ايضا ألم لا و لن ينتهى من حياته !
و الاسوء انه معها يصبح اخر هو نفسه لا يعرفه ,
تذهب قوته وغضبه بقربها , تذهب قسوته و غلظته امامها , يختفي تحجر قلبه وسط حصار عينها , فلا يسأله احد اين يكون هو عندما تكون هى ؟!!
تركت يده اخيرا و نهضت واقفه تتحدث بهدوء ينافى رغبتها بالبكاء تعنفه و توقفه عن أذيه نفسه : حاول متضغطش قوى على ايدك .
رفع عينه اليها ساخرا : ليه هتوجعنى ؟؟
نظرت لعينه لتتفاجئ بكم الارهاق و الالم الذى غلفها و كيف لا ,
فابن الحصرى يعيش المشاعر مضعفه , غضبه اعمى , حبه لامشروط , قوته لا تنتهى و لذلك فان حزنه مُهلك .
اشاحت بعينها عنه فأمسك يدها ليجعلها تستدير تنظر اليه مجددا فهتف بحديث لا يقوله لسانه بل يبكى به قلبه : فى جروح بتوجعنى اكتر من دا يا جنه , فى جروح تانيه بتنزف لحد ما قربت انتهى , فى جرح تانيه محتاجه تتعالج ...
و صمت ثوانى محدقا بها و تمتم بعدها بمكانتها عنده صريحه : محتاجك تعالجيها .. يا جنتى .
و رغم عينها التى واست عيناه , و يديها التى عانقته مجازا , و دموعه التى بللت ملابسها و هو يلجأ لصدرها لتشاركه دموعها , منعت هى كل هذا و ببطء سحبت يدها من بين كفيه لتتحدث بلامبالاه قتلته : و انا مش دكتور .
و خرجت , خرجت ليغلق هو عينه دون حتى ان يغضب , ليلقى بعدها جسده على الفراش , رفع يده امام عينه ينظر اليها قليلا ثم ابتسم بسخريه يشدد ضمته فيتألم فتزداد ابتسامته ,
هذا هو الحاصل عندما يعشق انانيه ,
هذا هو المقابل عندما يحلم بواقع معها لتكن منها صفعه تخبره ان بحياتها و حياته لا مكان للاحلام , فقط واقع و يليق بابن الحصرى .
اتسعت ابتسامته اكثر , فو الله ما خُلق بعد ما يعز عرش روحه حتى و ان تزلزل كل كيانه بداخله .
فاللعنه على هذا الحب الذى يحنيه و يضعفه .
*****************
نحب , نتعلق , نحارب لنصل لقلب من تعلق القلب به , نسعى بكل الطرق .
فيصبح قلبه الغايه و قلبنا الوسيله , انفاسه حياه و انفاسنا القرينه ,
و لكن ليس كل من عشق تنازل و ليس كل من تعلق خضع .
تحبه , حاربت الجميع من اجله , تجاهلت كل التحذيرات و كل الحقائق التى ادعت عدم رؤيتها لانها فقط لا ترغب بأى امر اخر سواه , و لكن مع قوه عشقها فهى آبيه , و من فرط حنانها فهى قويه , و مع عشق قلبها تهوى كبريائها , و رغم كل تجاهلاتها لامور شتى ابدا لن تتجاهل كرامتها .
استيقظ معتز صباحا ليجد الفراش خاليا منها , اعتدل جالسا يستعيد ما حدث الليله الماضيه مساءا .
Flash Back
جالسا بمكتبه يتابع بعض الاعمال بملل , اتته , ابهجته و عرضت عليه الخروج معها لتناول العشاء و قضاء سهره فلقد مر الكثير من الوقت على انفرادهم بحياتهم الخاصه , موافقه سريعه منه , طريق قصير , ثم جلوسه معها فى مكان هادئ يطل على النيل يتميز بأضواءه الخافته و موسيقاه الكلاسيكيه القديمه , ابتسمت تتمتم متسائله باعجاب : حلو المكان هنا قوى , بس مش شبهك كده ؟
ابتسم و هو يخمن معنى كلماتها و لكنه اراد سماعها صريحه فرفع احدى حاجبيه بابتسامه جانبيه قائلا : مش شبهى ازاى ! مش فاهم ؟!
نظرت حولها معدده مزايا المكان و التى تنافى صخب حياته : موسيقى هاديه , نيل و المكان اصلا تحسه عاطفى كده و اللى انا اعرفه عنك انك بتحب الاماكن الصاخبه , الهيصه و اللى فيها بنات كتير .
و انهت كلماتها بغمزه عابثه و ضحكه هادئه , قهقه على كلماتها ثم اجابها و قد صدق احساسها : انا فعلا بقالى كتير مش باجى المكان هنا بس كنت دايما هنا ايام ثانوى و اول ايام الجامعه ... ايام ما كنت محترم و فى حالى ..... شويه .
ضحكت تستمع اليه و هو يردف : المكان هنا بيفكرنى بنفسى زمان , بيفكرنى بذكريات حلوه انا متأكد ان عمرى ما هنساها ,
ثم صمت قليلا متذكرا انه ايضا اول مكان جمعه ب " سالى " لتبدأ بعدها حياته الصاخبه حقا , لاحظت شروده و قررت الا تسمح له بمثله اليوم , و بالفعل حورات كثيره , ضحك اكثر , مزاح , غضب مصطنع , طفولتها و مشاغباتها القديمه , عبثه و فتره مراهقته المستهتره ,
حتى صرخت و قد لاحظت تأخرهم : يالهوى الساعه 2 يا معتز .
و بلامبالاه اجاب : و ايه المشكله ؟
بدأت تلملم اشيائها و هى تستعد للنهوض تهتف بغيظ : عندنا شغل الصبح يا استاذ , يلا نقوم .
و بالفعل نهضا و لكن على وشك الخروج من المكان تجمد مكانه و هو يستمع لصوت انثوى يردد اسمه بنبره مندهشه ,
_ معتز !!
استدارت هبه تنظر للمنادى لتجدها فتاه جميله بل رائعه الجمال , جسد ممشوق تظهره ملابسها بوضوح , ملامحها الواضحه و التى ابرزتها الوان مكياجها الهادئه , خصلاتها البنيه التى ظهرت من خلف ما يطلقون عليه حجاب , فعقدت حاجبيها تتسائل عن من تكون فعادت ببصرها لمعتز لتتعجب انه مازال تعطيهم ظهره , انفاسه متسارعه و عيناه تنظر يمينا و يسارا بارتباك ,
اما هو تجمد لا يدرى ما حدث له , نبضات قلبه الثائره , صوتها !
تلك التى أنب نفسه مرارا و مرارا على تركه لها ,
تلك التى ظن ان قلبه لن يدق لغيرها مهما كان ,
تلك التى عاش اشهر بين نيران مقارنتها بزوجته ,
تلك اول و اكثر امرأه اثرت بحياته سابقا ,
و الان و بعد ان اعتقد ان حياته على وشك الاستقرار ها قد عادت لتبعثره مجددا ,
اقترب الصوت منه اكثر مردده باسمه مجددا : معتز ,
اغلق عينه لحظه تابعته هبه بتعجب و الغضب بدأ يتسلل لروحها من مدى تأثره بهذه على الرغم من انه لم يراها بعد , استدار بهدوء ليجدها امامه , لم تتغير , فقط ظلت جميله مثلما كانت دائما , عينها الواسعه و التى كان يعشق التحديق بهما , شفتاها المرسومه بأكثر الالوان تأثيرا على رجولته , و ابتسامتها التى تفتنه و كم كان يعشق رؤيتها .
تعلقت عينه بها غافلا عن اتساع عين تلك التى تسمى زوجته , و هى ترى تحديقه , لهفته , و انفاسه المضطربه ,
تحدثت الفتاه مجددا بابتسامه اوسع : معتز ازيك ؟!
نقلت هبه بصرها بينهم بدهشه و غيرتها تكاد تفتك بها و لكن ذهبت غيرتها ادراج الرياح ليحل محلها صدمه عندما نطق معتز بصوت متهدج : ساالى !
و لم ينطق بكلمه اخرى فقط سحب يد هبه و خرج من المكان مسرعا .
Back ..
نهض و هو لا يعرف كيف يواجهها , ماذا يقول فالليله الماضيه بمجرد ان رحلا من المطعم لم تنطق بحرف واحد حتى وصلا للمنزل لتنام دون التحدث معه مانعه اياه من المحاوله حتى ,
خرج ليجدها تقف بالمطبخ تحضر الفطور فكعادته دائما احتضنها من الخلف يقبل جانب عنقها متمتما و كأن شيئا لم يكن : صباح الفل يا فله .
ابتعدت بجسدها عن مرمي يده و قبلاته و اجابته باقتضاب : صباح النور .
اتجه اليها و جذب ما بيدها و وضعه علي الطاوله الرخاميه و جعلها تلتفت له و نظر لعينها التي تاه بين امواجها الهادره غضبا و هى تبعدها عنه ناظره ارضا عاقده ذراعيها امام صدرها تستمتع اليه : اغضبى ... زعقى ... اسألى ... عاتبى ... بس ماتسكتيش كده .
اجعل ترغب بالغضب , بالغضب منه و عليه , بالغضب لان قلبه مازال مشغولا , لان روحه ما زالت ملك لغيرها , تغضب لانه اهانها بشرود بغيرها فى وجودها , اساء اليها بنبضاته التى تبعثرت بغيرها فى وجودها ,
و نعم تحتاج للصراخ به بأقصى ما تملك من صوت , لتخبره عن قسوه احساسها و هى ترى اضطرابه بغيرها , عن مدى ألمها و هى تدرك ان تلك الفتاه هى التى تمتم باسمها فى مرضه سابقا ,
و حتما تتمنى سؤاله , عمن تكون , من تلك التى تخطفه من نفسه و منها , من تلك التى تتملكه حتى و هى بعيده لدرجه انتفاضه قلبه هكذا بقربها ,
و للاسف يميل قلبها لمعاتبته , فكيف يسمح لنفسه بأخذها لاكثر الاماكن ربطته بالماضى , ذلك المكان الذى اخبرها ان به ذكريات لن تُمحى و من الواضح انه وجد به سبب ذكرياته ,
و لكنها تجاهلت كل ما تشعر به و رفعت عينها اليه ببطء تنظر اليه قليلا ثم تمتمت بصرامه نادرا ما تتحدث بها معه : لو عندك حاجه عاوز تقولها اتفضل سمعاك ,
صمت ثوان فرمقته بنظره ساخره ثم تحركت لتخرج و لكنه امسك بيدها حملها واضعا اياه على الطاوله الرخاميه امامه مانعا نزولها بوقوفه امامها تماما و تحدث بصدق ما يشعر به حقا : انتِ عارفه انا كنت ازاى قبل كده , عارفه اني مكنتش ملاك , و عارفه انى غلط كتير , بس ..
رفع كفها يقبله و هو حقا يعنى كل كلمه تخرج منه : بس عارفه كمان انى اتغيرت علشانك , بقيت واحد تانى او يمكن رجعت لمعتز القديم , علشانك انتِ و بس , عارفه كويس انى بحبك و مبقتش اقدر استغنى عنك يا هبه .
و لاول مره منذ زواجهم تشعر به يقولها مستجديا حبها ليعفو عنه , يقولها ربما لانه يعرف انها امامها تخنع و لسماعها يهفو قلبها فتنسى ما حدث و تسامح ,
لاول مره لا تفرح بها كما كانت تفعل بل شعرت بها حجه واهيه يتعلق بها ربما لانها اخبرته من قبل ان حبها له هو نقطه ضعفها ,
ابعدته عنها قليلا و هتفت بحده و صرامه لاول مره يراها بها بل و امواجها الهادره بعينها تخفى حبها عنه و بجداره و كأنه لم يكن ابدا من قبل : حوار انك كنت حاجه و اتغيرت مش شماعه هتعلق عليها كل اخطائك و انا هتقبل و هتعدى يا معتز ,
و بحده اعتدلت واقفه دافعه اياه عده خطوات بعيدا عنها فما عاشته البارحه اهانه لقلبها و انوثتها و ارتباكه لفتاه اخرى امامها تشعر به اهانه لكرامتها , صاحت تعرفه جيدا انها باستطاعتها محو ما تحمله من عشق فى قلبها ان فكر فقط ان يهدر كرامتها , تعرفه جيدا ان مكانته لديها لا تساوى اى شئ امام كبريائها و عزه انوثتها : انا مش هعاتب و لا هتكلم , و لا هسألك ايه جواك , و لا مين دى و لا حاسس ناحيتها بايه , بس افتكر كويس يا معتز انى لو اضطريت اختار بين قلبى و كرامتى ,
صمتت قليلا لتنظر لعينه التى طالعتها بصدمه خشيه من سماع ما على وشك قوله , عينه التى توسلتها الا تقلل من شأنه لديها فمشاعرها ناحيته , حبها , قربها و اهتمامها هو ما يبقيه انسانا , هو ما يبقيه قويا متمسكا بها , هو ما غيره و هو من سيحافظ عليه و لكنها القت بكل توسلاته ارضا و اردفت بقوه : هختار كرامتى و هدوس علي قلبى و مش هيهمنى يا معتز ,
و تركته و خرجت و لا تدرى ما اخلفته فى نفسه من خوف جديد و عند جديد , تحداه الاخرين بأهميته سابقا فابتعد هو ليخبرهم انهم لا شئ , اهملته والدته و تخلى عنه ابيه و فضلت اخته الرحيل و ها هى السند الوحيد الذى اعتقد انه لن يميل قد مال ... و مال هو معه .
********************
غرفه الاجتماعات , الاضاءه الخافته , شاشه العرض و كلا يبدى رأيه و فكرته فى المشروع الجديد , انتهت هبه من سرد فكرتها و التى نالت اعجاب الجميع ليتم التقييم و حان دور مها و التى ارتبكت خشيه الا تستطيع ايصال ما تريد شرحه للجميع , نهضت تحاول , و لكن صعب على بعض الحضور فهمها ربما لان طريقتها المستخدمه خاطئه , اشارات غريبه و اعتمدت هى على لغتها المميزه و التى لا يفهمها الجميع , اعترض هذا و ابتسم اخر و هو يعبر عن عدم استيعابه , و مع الهمهمات الصادره من حولها شعرت بخزى يغلفها , نظرت لمحمود ربما تستمد منه بعض القوه , و جدته ينظر للجميع ثم يعود بنظره اليها شافقا فازداد احراجها و عادت لمكانها جالسه بصمت .
نهض اكرم يحمل التصاميم من امامها و اعطاها لهبه التى يعرف تمام المعرفه انها ملمه بها و طلب منها تولى مهمه ايصالها للحضور , بدأت بسرد الفكره و توضيح لفتاتها المميزه و ارائها المختلفه , لمساتها البسيطه التى تزيد اتقانها , فنالت كثير الاعجاب و نبرات الانبهار تعالت حولها , فعادت ابتسامتها رويدا رويدا و عندما رفعت عينها لتنظر لمحمود و جدت على وجهه ابتسامه و تعبير اشبه ب " معلش " ثم نظره فخر جعلتها تبتسم اكثر ,
انتهى الاجتماع و بدأ الجميع فى التعليق على تصاميمها المميزه و تهنتئها على افكارها , و اقترب مازن متمتما بفخر حقيقى خلف قناع مرحه : ما شاء الله دماغ الماظ .
اتسعت ابتسامتها بنظره شكر , و غمزه من محمود يشيد بها : انا فخور بيها جدا .
و كذلك ابتسم اكرم بهدوء و تحدث بصدق سعادته لوجود مثلها بشركته : فعلا يا باشمهندسه , وجودك معانا فى الشركه قدم لها كتير .
نظرت اليه لتجد فى عينيه ما يأكد صدق كلماته حقا فازدادت سعادتها و هى تعتبرها شهاده تسعد و تفخر بها .
تحركت لتخرج و هبه تحادثها و لم تنتبه لنداء اكرم من خلفها , نظر اليه مازن يسأله : كنت عاوزها فى ايه ؟!
عقد اكرم حاجبيه متعجبا سؤاله و اجابه بارتباك شبه واضح : كنت هطمن على حنين .
نظر اليه قليلا ثم ابتسم ليلقى بسؤاله التالى و الذى لم يتوقعه اكرم ابدا : بتحبها يا أكرم ؟!!
*******************
انتهى البارت
بحبكم فى الله 💖
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top