ببساطه رحل

" No gain without pain "

اوراق هنا و هناك , هنا توقيع و هنا صفقات و هنا محاسبات قانونيه , يفتح هذا و يغلق ذاك , عقله رغم تشتته يعى و جسده رغم ارهاقه يتحمل ..

فنجاحه هنا ليس نجاح لشخصه فقط و لكن نجاح لثقتها به , نجاح لنفسه بمرآه عينها ... !

مكسب لتحدى تلك التى اخبرته انه " عنوان الفشل " و اثبات لنفسه قبل الاخرى انه " يستطيع النجاح " ..

دق الباب ليُخرجه من تركيزه المطلق بالاوراق امامه سامحا للطارق - الذى يعرفه جيدا - بالدخول ..
دلفت مغلقه الباب خلفها و تركت ما بيدها على الطاوله و ابتسمت على مظهره المبعثر قليلا ..

جاكيت بذلته على ظهر المقعد , ربطه عنقه منحله ليتساقط طرفاها على جانبى عنقه , ازرار قميصه العلويه متباعده ليظهر من خلفها بشره صدره , شعره المشعث قليلا يخبرها جيدا انه من وقت لاخر يعبث به ...

اتسعت ابتسامتها و هى تقترب منه لتدور حول المكتب واضعه يدها على كتفيه تمسده برفق هامسه : وقت الاستراحه يا معتز باشا ...

ابعد عيناه عن الملف بيده اخيرا ليرفع رأسه للخلف سامحا ليدها ان تسحب من جسده عناء اليوم كله مغلقا عينه متمتما بيقين : دائما فى ميعادك ..!

زادت من ضغطها على كتفيه و همست بعتاب كأنها تعاقبه : و انت دائما ناسى ميعاد الدواء ..!

ابتسم رافعا يديه ممسكا بكفيها ليسحبها بسرعه لتسقط فوقه مستنده بصدرها على ظهره و ذراعيها حول عنقه و قبل كلتا يديها هامسا بصدق مس قلبها : علشان عارف ان انا مش ههتم بنفسى قد ما انتِ هتهتمى بيها , و عارف و مأكد انى لو نسيت انتِ مش هتنسى .

جذبت نفسها من بين يديه و اتجهت للطاوله امام المكتب و جلست على الاريكه امامها فنهض هو فاردا يديه منحيا بظهره قليلا للخلف ثم تقدم منها جالسا بجوارها متسائلا باهتمام : لسه مخلصه شغل دلوقت ؟؟

بدأت بفتح حافظه الطعام امامه و هى تجيبه : لأ خلصت و روحت البيت جهزت الاكل و جيت .

نظر لجانب وجهها و شرد قليلا , بماذا يصف هذه المرأه ! سؤال يسأله لنفسه كثيرا و لكن لا يجد الاجابه ...!؟

يقولون النساء ضعفاء و لكن ما يراه بها من قوه يجعله يكذبهم ,
يقولون ناقصات عقل و دين و لكن ما يراه بها من كمال يجعله يقول ان كن هن الناقصات فكيف هم الرجال !!
يقولون تتغلب عاطفتها على عقلها دائما و لكن ما يراه من اتزان عقلى لدى امرأته تجعله ينبهر بها دونا عن جنس النساء .

امرأه واحده منحته كل ما تمناه , كل ما بحث عنه , كل ما افتقده فى حياته يوما ...
هى له الأم و الأخت , هى له العون و الصديق , هى كانت و مازالت و ستكون زوجته و امرأته و لن يسمح هو بغير ذلك ..

تمر الايام ليجد كل يوم يلومه , كل ساعه تعاتبه , كل دقيقه تحاسبه و كل فعل منها يجعله يندم , يندم على ما صدر منه , يندم على جرح عميق اصابها به و لكن ها هى مازالت معه , تهتم به , تساعده , تخاف عليه و تاتى اليه كل يوم بمكتبه هذا لتُشرف بنفسها على طعامه و دوائه و كل هذا يجعل ندمه يتضاعف و ذنبه يتعاظم ..

فاهتمامها اسوء من اهمالها , صمتها اقسى من صراخها و عقلها اطيب من قلبها , قالها هو يوما .... هى امرأه بكل النساء ..

تلك هى امرأته ... تلك التى تفكر بقلبها و تشعر بعقلها , تلك هى الهبه الذى بأفعاله يبعدها بدلا من الحفاظ عليها , تلك التى بصمته يخسرها بدلا من التمسك بها ...

اتى هو بأخرى ليثبت لنفسه انه قادر على فراقها , ليجرح هو بدلا من ان يُجرح , ليتخلص من عقده الخوف التى تسيطر عليه و تتملكه خاصه مع وضعها لكبريائها بينهم ...
و لكن ما النتيجه ؟؟ و ماذا جنى ؟!!

لا شئ سوى جذبها لنفسها من حياته بالبطئ , قتلها له بإهتمامها الذى يثق تمام الثقه انها سيأتى يوما و تحرمه منه و هذا ما لن يتحمله ابدا ...
تعلقه بها اكثر من قبل و لم يتلاشى خوفه بل ازداد , فرغم وجودها , قربها , و اهتمامها هو خائف ..
فما بال ابتعادها , جفائها و غيابها يكون ؟!!
و لا يعرف لما و لكنه يشعر ان العد التنازلى قد بدأ .

افاق من شروده و دوامه افكاره العاصفه التى تُزلزل قلبه عندما وضعت يدها على ركبتيه : كل يالا علشان ميعاد الدوا ..

ابتسم بوهن يحمل من ضعفه و خوفه الكثير ثم نظر للطعام لحظات وعاد للخلف دافعا بالملعقه اليها , نظرت اليه بتعجب فاتسعت ابتسامته تاركا قلبه يستمتع بعثه معها فرفع يده مشيرا اليها ثم للملعقه ثم للطعام ثم الى شفتيه و انهى اشاراته بعقد ذراعيه امام صدره و بعينه نظرات تتراقص عبثا ...

ظلت تحدق بوجهه قليلا تحاول استيعاب ما يشير اليه رغم ادراكها لمعناه جيدا و لكنها ربما تحاول استيعابه هو , ذلك الرجل الذى يوما بعد يوم يصير رجلا يصعب عليها فهمه , لم يمنحها الفرصه لتشرد اكثر ففرقع اصابعه امام عينها المحدقه به و هتف بحرقه طفوليه : انا جعااان ..

عقدت حاجبيها و همست بسخط : طب ما تاكل !

امسك الملعقه و وضعها بيدها و قربها من الطعام آمرا بمشاكسه : أكلينى يا فله ..

حاولت جذب يدها لتعانده و لكنه تشبث بها متمتما بشرود حزين لامس قلبها المكلول ليُزيده قهرا و أسى : اعتبريها فرصه و يمكن متتعوضش ..

رفعت عينها بسرعه اليه لتهدر امواجها لا بغضب و لا بتساؤل بقدر ما كان استياء و خوف .. اجل لمح بعينها الخوف , و من افضل منه يفهمه و الخوف يسكن جنبات صدره و لم يُخفى عليها .. هو نفسه الخوف الذى يتجسد فى عينها و لأول مره لا يُخفى عليه ..!

رفعت بيدها الاخرى يده عن يدها فاعتقد انها ستبتعد و لكنها ملئت الملعقه بالطعام لترفعها اامام فمه و هى تهمس و رغما عنها خرج صوتها مهزوزا مشبعا بوجع قلبها : معاك حق فى فرص لازم نستغلها يمكن منلاقيش غيرها ..!

اذا احساسه صادق , خوفه محقق , ابتعادها قريب و قرارها منتهى ,
يا لا سوء حظك يا معتز , يا لا سوء حظك ..!

بدات بإطعامه و كلاهما ترتكز عينه على الاخر .. يتشبع بها ممكن , ينحتها بعقله ربما و لكن ان يكتفى منها مستحيل .

امسك يدها الممتده امام فمه ثم ادارها ليدخلها لفمها و قال بدراميه : و طالما الفرصه لينا , اوعدك دائما نتشاركها و مش هسمح فى يوم اعيش الفرصه لوحدى و لا اسيبك ابدا لوحدك .

نظرت اليه قليلا ثم ابتسمت و قالت بخبث ساخر و هى ترفض ان تعيش دراميته : ايه الكلام الغريب ده , مكنش غداء عادى يعنى .؟؟!

حركت يدها لتترك الملعقه لكنه تمسك بها و همس و هو مصر على ان يطمئن قلبه او ربما يؤرق قلبها : بتحبينى يا هبه ؟؟

ارتجفت عينها و اهتزت شفتاها ليُعلن قلبها عن ألمه دفعه واحده فينتفض بين اضلع صدرها , فعاد همسه من جديد و هو يقترب منها بجسده و عينه تحاصر امواجها باستماته : ردى عليا يا هبه ... لسه بتحبينى ؟؟

لسه ؟
أ يسأل مازالت تحبه ام لا !!
هو من يسأل عن حبها !!
لمتى سيظل كفيف عنها ؟! لمتى سيغلق عيناه عن إدراكه لحبها ؟!

امرأه مثلها .. تبقى معه , تظل بجواره , تمنحه اكثر مما يستحق , فإن لم يدفعها حبها فماذا يدفعها اذا ؟؟
سيظل جاهلا بها , كان و مازال و سيظل جاهلا بها .

شعرت برأسه على كتفها و بيده المحاوطه لخصرها بقوه و همسه الضعيف : عارف اجابتك و عارف ان اللى جواكِ ليا اكتر من حب , بس غصب عنى بحاول اطمن نفسى , بحاول اطمن قلبى , بحاول علشان اعرف اعيش يا هبه .!..

اغلقت عينها و هى تشعر بجسدها يخونها لتهتف , لتصرخ , لتعبر عن مكنونات قلبها التى اخفتها طويلا , اخفتها بنفسها و لكن داخلها لم يعد يتحمل ..!

كل خلاياها تصرخ بها لتتمرد ,
لتمنح لقلبها السكينه اما بالابتعاد التام او الاقتراب التام ,
فلقد وصل بها حالها حد التعب بل تجاوز الارهاق لتصبح فى امس الحاجه للراحه ،
فقط راحه لها و لطفلها ...
تسأله الراحه لقلبها و جسدها الذى انهكهما فى محياه , اتعبهما فى وجوده اكثر من غيابه , ارهقهما بضعفه و استسلامه ,
تسأله الان لمره واحده ان يمنحهم الراحه , لمره واحده فقط ..

ظلت على صمتها و لكنها ابتعدت عنه فجأه و هى تشعر بألم شديد يمزق احشائها كادت تصرخ من شدته و لكنها تذكرت ان اب طفلها لا يعرف عنه فتماسكت و نهضت تحاول كتم وجعها : انا همشى بقى .. اقعد انت كمل شغلك .

همت بالتحرك و هى تقاوم ألمها و قلبها هلع بشده على جنينها و لكنه نهض و امسك يدها : استنى انا همشى معاكِ , كفايه شغل النهارده ..

نظرت اليه و هى تشعر انها فى مأذق فهى لا تريده ان يعرف و لكنها لن تتحمل الصمود كثيرا , اتجه لمقعد مكتبه حاملا جاكيت بذلته و امسك يدها متحركا للخارج و هى بالكاد تسير بجواره , صعدت معه للسياره و ألمها يشتد و لكنها كالعاده تحاول التماسك ,

نظر اليها يرغب بالتعليق على صمتها ليجد وجهها شاحبا بشده , انفاسها متسارعه و العرق يتصبب غزيرا من جبهتها فأوقف السياره على جانب الطريق و استدار لها بجزع : مالك يا هبه ؟؟

حاولت اخراج صوتها و لكن بمجرد ان فتحت فمها خرجت آه متألمه و لاشعوريا رفعت يدها تضغط بطنها بقوه و وجهها يزداد شحوبه , انتفض هو قلقا و اقترب منها محاولا تهدئتها و لكنها صرخت مجددا و ألمها يزداد و تساقطت دموعها من فرط خوفها ، شده توجعها و قلقها على طفل لن تتحمل خسارته ...!!!

اعتدل هو و بيد مرتعشه ادار محرك السياره منطلقا بها باتجاه المشفى و يدها بيده يحاول بثها طمأنينه ربما لا يمتلكها هو ...

***************************

انتهت جنه من صلاتها و جلست تقرأ بعض ايات القرآن الذى ما عاد يفارقها الايام الماضيه , منذ ذلك اليوم الذى ذهبت فيه لغرفه زوجها و هى تتلوى ألما و ندما ..

جاءه خطاب مواساه و تمنى الشفاء العاجل من اصدقاءه بالعمل , العمل الذى ابتعد عنه بقرار رسمى مؤقتا حتى يطيب تماما و هذا ليس بالاكيد ,
اصر شقيقها على ان تمنحه اياه هى , رفضت , امتنعت , و ارادت الهرب من ان تمنحه بيدها ما يشعل غضبه و يكوى قلبه مجددا و لكن شقيقها ما زال مستمرا بعقابها رفض ان يمنحه غيرها اياه ,
و يا ليتها لم تفعل فبمجرد ان شعر بوجودها التى لا تدرى كيف يميزها قبل ان تتحدث حتى , صرخ , غضبب , طردها و صاح بوجهها , و عندما اخبرته سبب قدومها , هاج و ماج و قلب الوسط رأسا على عقب , صراخه ما زال يصم اذنها من طنينه الممزق لقلبها , رأت من غضبه الكثير و لكن غضبه لعجزه يختلف , و بفضل شقيقها و عقابه اصبحت السبب فى ايصاله مره اخرى لانهيار عاصف ....!!

لا تدرى الان ما الحل و لا كيف التصرف ؟؟
لم يعد لديها قدره على تحمل قسوته و التى تشعر انه يعانى بسببها اكثر منها ,
فهو مقيد لنفسه بغرفته لا يخرج منها , لا يأكل معهم , لا يتحدث مع احد , فقط مكتفى بنفسه و آلامه بغرفته , فالحاله التى يعيشها الان لا يتحملها شخص عادى فما بال رجلا كعاصم الحصرى .. ؟!!!!

سمعت طرق خافت على باب غرفتها فجففت دموعها و نهضت آذنه للطارق بالدخول و التى توقعت ان تكون مها و التى تقضى اغلب الوقت معها و لكنها تفاجئت ب ........ أكرم .

نظرت اليه لحظات و امتلئت عينها بالدموع سريعا لما رأته فى عيناه من لين , حنان و احتواء ..
تساقطت دموعها متسارعه و هى ترى قسوته تتبدد و جفاؤه يتلاشى و لكنها لم تستطع عدم معاتبته عندما اقترب منها عده خطوات فهمست بحزن منكسر : فى ايه تانى جاى توجعنى بيه , العقاب لسه مخلصش ؟!!

تقدم منها حتى وقت امامها اخيرا و ابتسم بدفئ و اجابها بعدما لانت نبرته و عاد لشقيقها التى كانت فى امس الحاجه اليه : لأ انا النهارده جاى احضنك ..!

شهقت باكيه فاحتواها بين ذراعيه يدفن وجهها بصدره سامحا اخيرا لصغيرته بالشعور بحنانه و دفء حضنه لتتعالى شهقاتها و انتفاضه جسدها و هى تستسلم للامان الذى حرمها منه قصدا ليمنحها اياه الان دفعه واحده ...

شدد من ضمه لها و هو يشعر بارهاق قلبه و روحه ربما مثلها و اكثر , فما فعله لم يكن هينا عليه و تمتم بنبره حملت من اللين بقدر ما حملت فى فعله من قسوه : تعبتينى قوى يا جنه , دماغك الناشفه تعبتنى قوى , كنت بدلك على الطريق بس انا تهت فى وجعك , تعبت معاكِ و منك قوى ...!

ازداد تمسكها بقميصه و دموعها تتقافز قفزا من عينها ليحكم ذراعيه حولها اكثر فحاولت اخراج صوتها : انا ك..

رفع يده على خصلاتها ضاربا رأسها بصدره عده مرات ملتقطا كلمتها مردفا بتنهيده طال انتظاره لها : انتِ مُتعِبه , و فى نفس الوقت تايهه ..

خرجت منها زفره عاليه تعبر عن تكبد روحها , تعبر عن عجزها امام ضعفها , تعبر عن حاجتها اليه ليحيى قلبها و يطمئنها , ابعدها عنه محتضنا وجهها بين كفيه متمتما بحسم : بس دلوقت لازم تداوى , وقت ضعفك خلص .

نظرت اليه بضياع التقطته هو بقلبه قبل عينه فأمسك بيدها و اجلسها على الفراش جالسا امامها ممسكا يدها رافعا شفتيه لجبينها مقبلا اياه يتحدث بحزن صادق و هو يعبر عن اسفه الذى يدرك انها ترغب بمعاتبته و لكن لم يعد لديها حتى الطاقه لهذا : اولا انا اسف ..

نفت برأسها كلمته و دموعها ترفض التوقف و لكنه لم يصمت و اردف بضمير انهكه : اسف على كم الوجع اللى سيبتك تعشيه طول المده اللى فاتت , اسف على بُعدى وقت ما كنتِ محتاجانى , اسف على قسوتى , اسف على كل حاجه و اى حاجه خذلتك فيها ..

نظر اليها بتوسل بادٍ بوضوح بعينيه : هتقدرى تسامحينى يا جنه ؟؟

اومأت برأسها سريعا و القت بنفسها على كتفه تطلب حضنه مجددا , تشعر انها اليوم استردت اخيها , و لاول مره تختبر شعور الفوز بعدما ذاقت الخساره , شعور الامتلاك بعدما تألمت من الفقد , شعور الحياه بعدما استقبلت الموت حيه ....!!

ضمها اليه و ابتسامه راحه تشق طريقها لشفتيه فالحمقاء لا تستطيع الحزن منه حتى , هدأت نوبتها قليلا فأبعدها عنه و رفع يده يزيل دموعها و هذا هو دوره من الان و صاعدا قائلا بنبره حانيه افتقدتها به : عارفه انا عملت كل ده ليه ؟؟

نظرت اليه ببراءه طفوليه يخالطها بعض العتاب فابتسم مداعبا وجنتها و اردف بثقه : لان الجزاء من جنس العمل ... ثم اردف : و عايز اقولك حاجه كمان ...!

اومأت برأسها مستمعه اليه فابتسم و هو يطالعها باحتواء : عاصم اول ما خرج من المستشفى كان رافض يرجع البيت هنا و صمم يروح المزرعه الاول .. انا اللى وصلته و كنت متعمد مقولكيش علشان تحسى بالوجع فى غيابه رغم انه ميساويش الوجع اللى كان بيعيشه فى قربك و كمان هو مكنش يعرف كل اللى انا بعمله معاكِ ،
و بابتسامه جانبيه ساخره اضاف بصوت مبهم لم تفهمه : و لو كان عرف مكنش هيسمحلى اصلا !!.

امتلئت عينها بالدموع اكثر متذكره مدى تألمها ذلك اليوم فأزال دموعها مجددا و اردف يشرح لها نفسه : و حابب اوضح حاجه ....

عادت تتطالعه بترقب عندما اعتدل ممسكا كفها بين يديه : طبعا انتِ عارفه يعنى ايه شغل عاصم بالنسبه له و معنى انه يجيله من اصدقائه جواب يحسسه فعلا بعجزه و فكره انه ببساطه معدش يلزمهم فى حاجه مؤلمه جدا له , طبعا انتِ هتسألينى طيب لما هى حاجه مؤلمه انت ليه اصريت ان انا اللى اقوله ؟؟

عقدت حاجبيها بطفوليه متسائله فابتسم مردفا يمنحها اسباب افعاله التى رأتها منتهى القسوه : انا حاولت اساعده يا جنه , عاصم كان لازم يفرغ غضبه , يخرج الالم اللى جواه , لو اخته او انا او اى حد تانى كان مكانك كان عاصم ببساطه هيتعامل ببرود و هيكتم انفعاله و غضبه و وجعه جواه علشان منحسش بالشفقه تجاهه , لكن انتِ .. عاصم فرغ وجعه فى شكل غضبه منك , كسر , صرخ و انفعل من وجعه بس بان للكل انه بسببك , انتِ المره دى مأذيتهوش انتِ كنتِ السبب فى انه يرتاح و لو شويه .

ضغط كفها لائما و شملها بنظره ذات مغذى بات واضحا لها : و دى كانت اول مره تقفى جنبه فى وجعه , اول مره تساعديه و اول مره متتخليش عنه .

انتفض جسدها من شده بكائها و هى تدرك مغذى افعاله , فهو لم يكن يؤلمها , لم يكن يتخلى عنها بل كان يساعدها .. لا .. هو كان يمنحها حق مساعده نفسها و يدلها على واجبها فى مساعده زوجها ..

اطرقت برأسها ارضا و ملامحها تنبض بالندم و همست بتحشرج و دموعها تغرق وجهها : انا خسرته يا اكرم ... خسرته و خسرت كل حاجه معاه ..

عقد ساعديه امام صدره و نظر اليها بتفحص قبل ان يردف بثقه : مكنتش متوقع ان حرم النقيب عاصم الحصرى تستسلم بالسرعه دى ..؟!

رفعت عينها اليه و صدى لقبها يتردد بقلبها قبل اذنها لتشتعل نبضاتها و تغلق عينها لحظات متذكره سيطره صوته عندما يقول " انتِ حرم النقيب عاصم الحصرى " و رغم بساطه الكلمه الا انها تجعلها تشعر بالامان , فان كانت تشعر بلقبه فقط يحتويها فما بال يكون الاحتواء بين يديه !!

ابتسم هو لرؤيه اشراقه وجهها لمجرد نسبها الى مالك قلبها , تلك الحمقاء العنيده , فأمسك يدها بين راحتيه و نظر بعينه لمحبس زواجها التى اخذته منه عنوه بعد ان حاول اخذه منها : مسألتيش نفسك عاصم قرر تبقى فى البيت ليه ؟ مفكرتيش للحظه انه حتى لما فكر يعاقبك قالك هتفضلى هنا جنبى ؟ ليه مطلقكيش مثلا ؟؟

كان وقع الكلمه عليها قاسى و لكنها صمتت تفكر فى اسئلته و لكن لم يصلها الاجابه فورا و ظهر هذا عندما اجابته بعته جعله يكاد يصفعها : لانه كرهنى !!

رفع نظره للاعلى و تمتم بنفاذ صبر بصوت عالى : الصبر يارب ..
ثم رفع يده ضاربا جبهتها بخفه و هو يهتف بسخريه : نفسى افهم بتفكرى ازاى ؟؟

زمرت شفتيها بعبوس فاتسعت ابتسامته الحانيه و هو يعتدل فى جلسته فالشرح سيأخذ منه الكثير : عاصم بيحبك يا جنه , بيحبك لانك انتِ , لانك جنته زى ما بيقولك دائما , بضعفك و هبلك , و لما اتوجع منك قرر ان حتى عقابك و انتِ جنبه و انتِ قريبه منه يمكن مش شايفك بس كفايه حاسس بوجودك حواليه , اه كل مره بيطردك من اوضته بس كفايه انه سامع صوتك و حاسس بيه ..

تلئلئت عينها بالدموع و احتلت نبرتها كسرتها و ضعف موقفها و هى تقول و بأفعال زوجها العزيز معها مأخرا باتت تصدق كراهيته : دا كان يا اكرم , عاصم دلوقتى مش قابل حتى يسمع صوتى .. كل اما ادخله قبل ما اتكلم حتى يطردنى بدون تفكير ..!!!

اغلق عينه لحظات و ابتسامته تزداد اتساعا و هو يتسائل بخبث متطرقا لنقطه اخرى : و بيعرف ازاى ان اللى دخل اوضته انتِ قبل ما تتكلمى حتى ؟؟

عقدت حاجبيها تعجبا من تساؤله و همست بشرود و هى لا تدرى : مش عارفه !!

حمقاء ... هذا ما كان يشغل تفكير اكرم الان ... اخته بالتأكيد حمقاء ..
تدرك جيدا ان زوجها يحبها ... تدرك انها بالنسبه اليه انفاس لا يستطيع العيش بدونها ..
و لكنها لا تدرك ان حبه لها لا ينتظر كلمات او وصف .. فقد يحيى بالشعور ..

ضغط انفها باصبعه و هى يصرح : لان روحه متشبعه بيكِ !!...

ابعدت اصبعه عن انفها متزمره و لكن عندما استمعت لكلمته توقفت , لا يدها فقط و لكن انفاسها .. لتعلو فقط دقات قلبها التى ارتوت بكلمته ...

تعلقت عينها بعينه بلهفه و لكن انطفئت لهفتها فور تذكرها ما يدور بينهم طوال الفتره الماضيه فهمست بحزن غلف صوتها : كان .!

و برد فعل سريع بسط كفه امامها قائلا بمشاكسه : تراهنى ؟

نظرت لكفه المبسوطه امامها ثم عادت بنظرها اليها عندما اكمل بحماس : هثبتلك انك لسه ساكنه قلبه و بيحبك .. تراهنى ؟؟

حدقت بعينيه التى تشع بثقه لا تراها بنفسها حتى و بدون تفكير وضعت يدها على يديه و بنبره يغلفها اليأس همست و قلبها يدعو : اتمنى اخسر ..!

ضمها اليه و همس بجوار اذنها بثقته التى استطاع زرع و لو جزء بسيط منها داخل قلبها : هتخسرى ..

نهض و انهضها معه و اتجه لطاولتها المتراص فوقها زجاجات العطر و غيرها من اشيائها للعنايه بجسدها ليمرر عينه عليهم حتى استقرت على معطر الجسد متسائلا بتفكير : متعوده تستخدمى اى واحد فيهم ؟

تعجبت ما يفعله و لكنها بخنوع اجابته : عاده ده تقريبا مش بستخدم غيره ... و اشارت باصبعها على احدى الزجاجات فرفعها هو لانفه مستنشقا اياه و همس بصوت بالكاد يُسمع : زهره البنفسج ... هاديه بس قويه .... ثم نظر اليها غامزا بشغب : زيك بالظبط ..

راقبت ملامحه بتعجب فاق الحد فها هى تكتشف امرا جديدا بشقيقها و لم تخفى تعجبها فصرحت به : انت بتعمل ايه ؟؟

وضع الزجاجه بيده ليمرر عينه على الاختيارات الاخرى رافعا زجاجه استنشقها و همس مجددا : رائحه الياسمين .. ناعمه و حالميه قوى , مش زيك للاسف ..

عقدت حاجبيها بغيظ و لكن تعجبها بما يفعله منعها التعبير عما يختلجها , فتح غطاء الزجاجه و نثر قطرات على عنقها و ملابسها حتى انتشرت رائحتها بالغرفه , و هى تدفع يده مانعه اياه و الرائحه تضايقها , فاغلقها و ابتعد للخلف و تسائل و هو عاقدا يديه امام صدره : عاصم كان بيعرفك من غير ما تتكلمى رغم انه مش شايفك .... صح ؟؟

اومأت برأسها متعجبه فأمسك يدها و هم بالخروج من الغرفه و عندما استدار شعر بأحدهم يبتعد بسرعه عن الباب فعقد حاجبيه استغرابا و لكنه تجاهل الامر متحركا بجنه للخارج متجها لغرفه عاصم وقف امامها و اشار لها بالدخول : اول اثبات !!!

طرق الباب و فتحه دافعا اياها للداخل , استمع عاصم للباب يُفتح فاعتدل فى جلسته على الفراش و حرك رأسه باتجاه الباب متمتما بصوته الخشن : مييين ؟

فتقدمت خطوه اخرى منه دون اجابته فعقد حاجبيه و هو يهتف بنبره اعلى : حنين ؟؟

و هنا عقدت حاجبيها هى تعجبا من عدم معرفته لها رغم قربها فتقدمت اكثر حتى وقفت امام الفراش تماما , انتفضت و نبرته تتعالى بقوه : مين هنا ؟؟

استدارت تنظر لاكرم خلفها وجدته مبتسما بظفور , فأعادت رأسها لعاصم و اجابته بخفوت : انا ..

نهض عن الفراش بحركه سريعه حتى كاد يتعثر و صاح بعصبيه اصابته : فى حد معاكِ ؟

ارتجفت عينها و هى تطالع التشتت الظاهر على وجهه و اقتربت منه لتقف امامه مباشره : لأ لوحدى .

رفع يده بارتعاشه و جسده يتشنج بضيق حتى لامس كتفها فقربها اليه و مال برأسه قليلا حد عنقها و رغم حجاب اسدالها شعرت هى بأنفاسه تكاد تحرقها بينما اغلق عينه مستنشقا عطرها و الذى اختلط برائحتها الشخصيه لاول مره هامسا بضياع : ليه ؟؟

شعرت هى بارتجافه نبرته فأصابها بتشتت هى الاخرى و قبل ان تنطق بكلمه واحده اردف هو بهمس اشعرها بخوف غريب بصوته , همس بكلمات كأنه يكتبها على صفحه قلبها الجديده , كلمات ربما لو خطها على اوراق مجلده ما خرجت بصدق كوقعها على مسامعها : متعمليش كده تانى , متمحيش الحاجه الوحيده الباقيه منك جوايا , ليه مصممه تحرمينى راحتى .... ليه !!

انتفضت بشهقه خافته و دموعها تتراكم بعينها و بحركه عفويه صادمه ابتعدت عنه واضعه يدها على فمها تتطالعه بعينان يرويان عن ألم غزا القلب , اكرم محق .. روحه حقا تتشبع بها ..

عاصم مازال لها , يتذكر ادق تفاصيل ما يخصها , قلبه ما زال لها , هى مازلت تنبض بالحياه داخله , لم يقتلها , لم يمحيها بل و عندما فعلت رفض هو , رفض فعلها الذى يمحيها داخله , كأنها النور الوحيد الذى تبقى بعينيه , يعصم قلبه و لكنه اصر على العصيان .

ادرك هو ما قاله عندما ابتعدت , متفاجئا من شعور الخوف الذى غلف قلبه من عدم معرفته اياها , رائحتها هو ما بقى داخله ليعرفها به , ليميزها و ليشعر بها و ان كان لا يراها ...
و صدقا كل شئ قد يُنسى إلا رائحه امرأه يحبها ..

و اليوم حتى هذا تحرمه منه , الى متى ستظل الجحيم بحياته ! , الى متى ستظل التناقض الذى يؤلم الروح و القلب ؟ , الى متى هذا الارهاق ؟؟

استدار معطيا ظهره لها و هتف بنبره ثلجيه قويه طمس بها كل مشاعره الان : ايه اللى جابك هنا ؟؟

ابتسمت من جفائه , اجل ابتسمت , هو لا يفعل شئ سوى الادعاء , مازال يحبها .. مازال ...!!

حمحم اكرم دالفا اليهم و وقف بجوار جنه مبتسما رافعا احدى حاجبيه بمعنى أرأيتى ؟؟

استدار عاصم مجددا فور سماعه لصوت مذكر اخر بالغرفه و عندما لمح اكرم تشنج ملامح وجهه تحدث قائلا بود : ازيك يا عاصم ؟؟

هدأت ملامحه قليلا ليقول بخفوت : الحمد لله ..

نظر اكرم لجنه و اشار باصبعه برقم اثنان و همس بجوار اذنها : تانى اثبات !!

حمحم مجددا و وجه حديثه لعاصم : عايز جنه فى مشوار ضرورى ... دا بعد اذنك طبعا .؟

عقد عاصم حاجبيه بقوه : يعنى انتِ جايه هنا علشان تقوليلى انك خارجه ؟؟ .. ثم تذكر انها بحجابها فعقد حاجبيه بغضب يهدد بالخروج : و على كده بقى مستعده ؟؟

نظر اكرم اليها بطرف عينه بينما هى لم تحيد بعينها عن عاصم الذى يصارع ليبقى هادئا على عكس براكين اشتياقه لها بين احضانه , توترت و نظرت لنفسها فهى ما زالت باسدالها عن اى استعداد يتحدث ؟

ابتسم اكرم على توترها و اجاب بدلا عنها : اه جاهزه .

اشتعلت حصونه السوداء بغمامات غاضبه و ازدادت وتيره انفاسه و زمجر بغضب : انا مراتى متخرجش متعطره ...

اتسعت ابتسامه اكرم ناظرا لجنه بنفس نظره الظفور بينما هى تحدق بعاصم كالبلهاء أقال امرأتى ؟
نسبها اليه , إعترف بها امرأته ؟؟!!!

لم يتوقف اكرم عند هذا الحد بل اضاف ضاحكا بسماجه : غيره على مراتك ؟ و لا دينك ؟

ارتجفت عينه و تهدل كتفاه بصدمه من سؤال لم يكن بمحله الان ابدا و لكنه بالنسبه لجنه كان فى وقته تماما و لكن عاصم لم يمنحها ما ارادت بل هتف ببرود : عاصم الحصرى مبيغرش على حاجه ماتخصوش .

و كانت هى من تحدثت الان عندما اقتربت منه و وضعت يدها على صدره : و ايه ده اللى ميخصوش , مراته و لا دينه ! ... ايه منهم ميخصش عاصم الحصرى ؟!!

و بكل شغف قلبها عانقت قلبه الذى اعطاها الاجابه بنبضاته التى لم تبخل عليها بصدق شعورها معارضه و معاديه ذلك الذى يحاول الهروب من جحيمها - كما يلقبه - و هو لا يدرى ان الجحيم مستعر داخله و لا مجال للهروب منه ..

رفع يده ملامسا يدها لتشعر هى بارتجافتها التى ربما حاول اخفائها و لكنه لم يستطع و لكن ما استطاع فعله هو استجماع ما بقى لديه من قوه دافعا يدها عنه : مفيش خروج .. و دا اخر كلام و اتفضلى بره بقى .

انسحب اكرم بعد ما رآه مبتسما مغلقا الباب خلفه ليدرك عاصم انه رحل و لم يبقى سواه هو وجنه جحيمه , صمت خيم عليهم قليلا حتى هدر عاصم بها : انا قولت اطلعى ...!

اقتربت خطوه منه حتى شعر بجسدها يلامس جسده و وقفت على اطراف اصابعها هامسه لتلامس انفاسها شفتيه : انت بتقول حاجه و ايدك بتقول حاجه تانيه ... اسمع كلام مين ؟؟؟

ادرك هو انه اخفض يدها عن صدره و لكنه لم يتركها بل تمسك بها , تمسَك بها تمسُك الغريق بالقشه , غريق لا يعرف النجاه سوى بها , غارقا , لا تكف هى عن جذبه و لا يسعى هو للنجاه ..!!...

رفع يده الاخرى على غفله محاوطا خصرها متناسيا نفسه و حاله و من هو فقط قربها اليه بقوه و نبرته امتزجت بمرارته : شفقه !!

ضغطت بيدها على كتفه بعنف شعر هو بها كأنها تعاقبه على كلمته عندما اجابته بالمقابل بصدق مس قلبه : انا معرفش يعنى ايه شفقه , لانى لو اعرفها كنت اشفقت على نفسى قبل ما اشفق عليك ..!

اقترب بوجهه منها و يديه الاثنتان ارتفعتا لتبعدها عنه و لكنها خذلته و ضمتها اليه اكثر و هو يتمتم بكلمات كالهذيان : و ايه معنى ده .؟!

تعلقت يدها بعنقه كأنها تتعلق بالحياه و تركت كل ما حولها و اغلقت عينها تداعب أذنه بصوتها : حب , عشق , احتواء , مش محتاجه افكر فى معنى اى حاجه و انا بين ايديك , و انا معاك بحبك و بس ..

شدد من ضمه لها بقوه كأنه يزرعها داخله و رغم خفوت صوته لكنه كان كالرعد الذى زلزل كيانها , كسهم غادر اصاب قلبها فى مقتل و هو يقول بنبره قويه كلمات على لسانها هى : وافقت على الجواز بس لانى كنت حاسه انى مديونه ليكم , ازاى الناس اللي عيشونى في بيتهم ارفض طلب ابنهم , كنت حاسه انى ببيع نفسى مقابل الخدمات اللى قدمتوها ليا !!

اتسعت عينها بذهول و انفاسها تختفى و تراخت يدها على عنقه كما تراخى جسدها لتحاول الفكاك من يده لترى وجهه و لكنه لم يسمح لها و لن يسمح , فالدمعه التى سقطت من عينه الأن لن تراها ما دام حيا ..

فشدد من ضمه لها دافنا وجهه فى عنقها و يُكمل ما قالته سابقا مانحا اياه اليها , فهكذا هم البعض لا ينسون و لا يسمحون لك ان تنسى : جوازى منك هيفضل اكبر غلطه انا عملتها في حياتى لانى بكرهك ,

شهقت مرات متتاليه و دموعها تغرق ملابسه لتصل لجسده ليصاب برعشه حاده لا تضاهى شيئا امام روحه التى تنزف الان و لكنه لم يرحمها او يرحم نفسه بل تحرك بيده على ظهرها ملامسا كل انشا به يبيعها بقيه كلماتها ببطء : لامساتك , كلامك , اسلوبك و تصرفاتك كلها بتتعبني ...!

حاولت التملص من يده لتبتعد , يكفى لم يعد باستطاعتها التحمل ولكنه لم يسمح لها بل رفع وجهه عن عنقها مستندا بذقنه على كتفها و يده تهبط باحترافيه على ظهرها حتى تملك خصرها بقوه جعلتها تتلوى بين يديه عندما القى بكلماته الاخيره التى فى الاصل هى كلماتها بنبره جعلتها تدرك ان طريقها مازال طويلا فهو لم يعد يصدقها : حاولت استسلم او اقنع قلبي بحبك لكن مقدرتش ..

مرغ وجهه فى عنقها ليُزيل دموعه بحجاب اسدالها ثم ابتعد عنها اخيرا و ابتسامته الغاضبه تخفى ملامح وجعه بجداره لا يملكها سواه و تسائل يسخر منها , كلامها و مشاعرها : كل ده كذب و المفروض انك دلوقت صادقه ؟!!

ثم اتسعت ابتسامته و اعطاها ظهره يستهزأ : حب !! ..... و ضحكه ساخره .

ارتفع انينها و لكنها تركته و خرجت مسرعه من الغرفه و تفاجئ هو بصوت الباب يُفتح فاستدار متسائلا : مين دخل ؟؟؟

و عندما لم يسمح صوت حتى انفاسها ادرك انها هى من خرجت فصرخ بعصبيه : هربتِ يا ...

قطع كلماته فماذا يقول !! من هى ؟؟؟
بل السؤال الاكثر اهميه ... من هو !!

من هو من رجل كان لا يرى سوى نفسه ,
من هو من رجل لم تعرف امرأه لقلبه طريق ,
من هو من رجل كان فى عز الضعف شديد ,
من هو !!!؟

لعنه الله على عشق أذاه و لم يجدها حتى تداويه , على اشتياق ألقاه فى حضن جحيمها ,
و لكن لم تذله هى بقدر ما أذله قلبه الذى لا يهوى سواها ,
لم تدفعه اليها بقدر ما دفعه شغف بها عجز ان يمحيه ,
فعلام يلومها و الاولى ان يكون لنفسه لائما ؟؟

ليس خطأها بأنها سجن فهو من اختار ان يكون مسجون ,
ليس خطأها بأنها كسر فهو من فضل ان يُكسر ,
ليس بخطأها امتلاك قلبه فهو من سلم القلب و مالكه لقلبها بخنوع ..!

افاق من عاصفه افكاره التى ادمت قلبه عندما استمع لخطوات تقترب منه ليصله صراخها بصوت عالى يدل بشده على انهيارها الهستيرى : ايوه حب , حبى اللى سكن قلبك , انا جواك بمزاجك او غصب عنك , جنه هتفضل جواك , و هيفضل قلبك ملكها و دا الدليل ...!

قالتها و هى تدفع مجلده لصدره و الذى ادركه فور ان لمسته يده فانتفض جسده غضبا و امسكه منها بقوه صائحا هو الاخر : انتِ ازاى تجرأى تلمسى حاجه متخصكيش ؟؟

ضحكت بسخريه اختلطت بدموعها و هتفت بحده بكلمات اصابت قلبه مباشره : اذا كنت تجرأت و خطفت قلبك , ف انت بتسألنى فى ايه دلوقت ؟؟

اقتربت منه ممسكه طرف منامته جاذبه اياه بقوه فمال بدهشه تملكت من كل اطرافه و همست امام وجهه القريب منها بقوه كانت له اكبر صدمه حقا : انت نفسك تخصنى يبقى كل اللى يخصك ملكى ..

تركته و ضربت كتفه و صدره بكفها و صوتها يزداد اختناقا بدموعها و ثقه بمشاعرها : و بعدين يخصك ازاى و كل صفحاته فيها اسمى , كل كلمه فيه عنى , كل حرف بيوصفنى , يخصك ازاى و انا فيه وصلت لابعد مكان فى قلبك , يخصك ازاى و انت بتعبر فيه عن حبك ليا , يخصك انت ازاى يا عاصم !!؟

بكل كلمه تزداد ضرباتها و هو متجمد تماما , مشاعره اصبحت فى العراء , عرته هى امام نفسه قبل ان يكون امامها , امسكت نقطه ضعفه التى ربما تكون نقطه قوتها ...!!.

رفع المجلد امام عينها ليبدأ بتمزيق صفحاته و لكنها اسرعت تنزعه من يده و لكنه تمسك به جاذبا اياه بقوه ليمر سيفه الحاد على باطن يدها فيجرحها لتصرخ بألم و لكنها لم تتركه بل اخذته منه بسرعه محتضنه اياه لصدرها و صرخت تعنفه تخبره بصراخها انها لن تسمح له مجددا بطى حبها داخل روحه : حاول قد ما تحاول تمحينى من جواك , لكن انا مش هسمحلك تنجح ابدا و دا وعد من حرم عاصم الحصرى و انا جوزى علمنى مستسلمش ابدا .

و قبله قاتله على شفتيه و خرجت ركضا من الغرفه مغلقه الباب خلفها بعنف جعله يعقد حاجبيه تعجبا من قوتها الجديده , من تحديها و من تمسكها المهلك به , !!!

اغلق عينه متذكرا همسها بحبها له , قبلتها و كلماتها , كم كان يرجو سماعها ... و اليوم تقولها له بهذا الهمس الذى يصدقه قلبه او ربما يتمنى تصديقه مثلما تمنى من قبل قربها ..

قلبه يستسلم و لكن عقله جامح و يبدو ان كالعاده عقله ينتصر , فتح عينه هاتفا بقوه و هو يشيح بيده ثم يرفعها ضاغطا على خصلاته : كذابه

***************************

_ انتِ مستهتره يا هبه ...!

هتفت بها الطبيبه المتابعه لحالتها بغضب , متغافله عن دموع هبه القلقه على جنينها , اتجهت بعدها لمقعدها على المكتب و هندمت هبه ثيابها لاحقه بها متسائله بلهفه : البيبى بخير يا ريم ارجوكِ طمنينى !!

نظرت اليها ريم صديقتها من الجامعه و التى تتابع هبه حملها معها و قالت بسخريه : و مابتهتميش بيه ليه لما انتِ خايفه عليه كده , البيبى ضعيف جدا يا هبه , انتِ لسه فى الشهور الاولى و الحمل لسه مش ثابت و واضح انك بتجهدى نفسك نفسيا و جسديا زياده عن اللزوم .. المره دى جات سليمه بس المره الجايه مضمنش , بلاش اهمال , حافظى على نفسك علشان خاطر طفلك لو مش علشانك .

وضعت هبه يدها على بطنها تمسدها بحنان و صوتها يختنق بالدموع : غصب عنى يا ريم و الله .. الوضع حواليا صعب , انا مش قادره اساعد نفسى و غصب عنى مش قادره اساعد طفلى كمان ..

نهضت ريم بعدما شعرت بالحزن لأجلها و جلست امامها ممسكه يدها : و ليه كل ده يا هبه ؟؟ لهفه جوزك عليكِ تقول انه بيحبك جدا و بيخاف عليكِ كمان , محتاجه انتِ ايه من الدنيا غير زوج بيحبك و طفل منه ؟ و ليه كمان رفضتِ انه يدخل معاكِ يطمن على طفله ..!!؟

بكت هبه بقوه و هى تلف يديها حول جسدها كأنها تحتضن نفسها وتمتمت بتحشرج : لأنه ميعرفش انى حامل ... ميعرفش ان جوايا جزء منه .!

عقدت ريم حاجبيها بتعجب : ليه يا هبه ؟؟ ليه تحرميه من الفرحه دى ؟؟

لم تستطع هبه اجابتها بسبب كثره بكائها و اختناق صوتها بكلماتها ... نهضت ريم محتضنه اياها تحاول تهدئتها حتى هدأت تماما .. فمسدت ظهرها و قالت بحزن لاجل صديقه عمرها : خدى بالك من نفسك و اكلك و حاولى بقدر المستطاع تقللى الضغط النفسى و الجسدى .. حملك مش هيبقى سهل يا هبه , انتِ ضغطك دائما واطى , عندك انيميا , غير ان جسمك ضعيف و كل ده محتاج رعايه و اهتمام على الاقل لحد ما الحمل يثبت ..

اومأت هبه برأسها موافقه و استدارت لها ممسكه يدها : معتز هيسألك عنى , قوليله اى حاجه بس متقوليش على الحمل .. ارجوكِ يا ريم ...

حدقت بها ريم مندهشه و لكنها استسلمت لرغبتها و اومأت برأسها عائده لمكتبها و اعطتها الوصفه الطبيه اللازمه بأدويتها .

خرجت هبه و ابتسمت لمعتز بوهن فنهض اليها مسرعا محاوطا وجهها بكفيه : حبيبتى انتِ كويسه ؟؟

و لم يعطيها فرصه للرد بل اتجه مسرعا للداخل : طمنينى عنها يا دكتوره ..!!

نظرت ريم لهبه من خلف معتز و التى توسلتها بعينها الا تقول الحقيقه فعادت بعينها متنهده و ابتسمت بتكلف : هبه بخير الحمد لله شويه مشاكل نسائيه بس و ان شاء الله مع العلاج هتبقى كويسه ... بس ياريت حضرتك تهتم بيها لانها مهمله جدا فى نفسها و ياريت نبعدها عن اى ضغط نفسى او جسدى الفتره دى علشان صحتها و صحه ..

قطعت كلماتها ناظره لهبه بينما لم ينتبه معتز لتشتتها من شده توتره فاجابها مسرعا : حاضر انا هاخد بالى منها ... شكرا جدا يا دكتوره ..

استدار بلهفه لهبه و حاوط كتفها بيده يساندها و خرج بها بينما ريم تتابعهم و هى تتعجب كيف لمن يكن لزوجته مثل هذا الحب ان تكون زوجته فى شقاء هكذا ؟؟
****************************

وصلا للمنزل وبمجرد ان اغلق الباب جذبها لحضنه بقوه و يده تتملكها بجزع مرتجف و انفاسه تسارعت و هو يهتف بتوسل : بالله عليك متعمليش فيا كده تانى .. انا كنت هتجنن يا هبه ..

هى بالفعل فقدت عقلها ,
يطلب منها التوقف عن فعل لم تقصده و هو يقتلها بألاف الافعال قصدا !
يطلب منها ادراك ما تمر به و هو يفعل بها الكثير مدركا !

لماذا يدفعها للاستسلام لذراعيه و هى لا ترغب , لماذا يتحكم بعقلها و هى رافضه تحكمه بقلبها , لماذا يجعلها تتخلى عن قوتها لاجل ضعفه , فمتى سيتخلى عن ضعفه لاجل قوتها و متى سيتمسك بقوته لاجل ضعفها !!

ابتعد عنها اخيرا لتُفاجئ بالدموع المتجمعه بعينه و التى تهدد بالسقوط فتناست كل افكارها و احتضنته مجددا و هتفت بسرعه و قلبها يغلبها اسفا : انا اسفه انى سببت لك القلق ده .. انا كويسه و الله شويه ارهاق بس ..

مرغ انفه بعنقها و طبع قبله طويله عليه ثم ابتعد حاملا اياها و اتجه لغرفتهم وضعها على الفراش و بدأ يفك حجابها حتى القاه جانبا و اعتدل مسرعا احضر الوساده و وضعها خلف ظهرها و القى بقائمه اوامره دفعه واحده : اولا مفيش حركه من السرير لحد ما تتحسنى تماما و اى حاجه هتتعمل انا هعملها , ثانيا الاكل هيبقى بمواعيد و لو فكرتِ تقولى فى مره مش جعانه مش هتسلمى من ايدى و هتاكلى غصب , ثالثا انا هاخدلك اجازه من الشغل و مفيش خروج من البيت نهائى و اى طلبات انا كفيل بيها و اظن كلامى واضح يا مدام فله ..!

ابتسمت بسعاده من اهتمامه الذى ربما تختبره الان بعد فتره طويله من جفاء قاسى , فصدق من قال " رُب ضاره نافعه " و لكنها منذ متى تستمع لشئ دون نقاش : اولا انا كويسه و عادى جدا اتحرك من السرير على فكره , ثانيا انا مبعرفش اكل كتير بس ان شاء الله ههتم بالاكل و الدوا , ثالثا مفيش داعى للاجازه انا هنزل الشغل عادى و مش هرهق نفسى فيه .

امسك يدها و قبلها هاتفا بخفوت و لكن بحسم : يمكن اول مره هعملها بس مضطر ... انا كلامى دلوقت مش نقاش و انتِ كزوجه واجب عليكِ تسمعى كلام جوزك طالما مفيهوش معصيه لله ... صح يا فله ؟؟

نظرت اليه بضيق و همهمت على وشك الاعتراض : بس ..

وضع اصبعه على شفتيها مانعا اياها من الاسترسال ثم استبدله بشفتيه بقبلات متتاليه و هو يهمس بصدق مشاعره ليس خجلا من خوفه او ضعفه فهى اغلى من كل شئ حتى نفسه : انا مش مستعد اشوفك زى النهارده تانى و لو كلفنى ده عمرى كله اخدمك ..

لمعت عينها بتأثر خالص بكلماته التى احتوت قلبها و طمأنته بحنان , فابتسم هو ناهضا دون ان يمنحها فرصه الرد و اخرج ملابس بيتيه و بدأ بتبديل ملابسه ثم اخرج منامتها و اتجه اليها يساعدها على تبديل ملابسها ايضا ملاحظا زياده خفيفه فى وزنها فتمتم بخبث يشاغبها : انتِ تخنتِ شويه و لا انا بتهيألى ..!

ازدردت ريقها ببطء تتابع حركه عينه على جسدها خشيه ان يفهم و لكن بطنها لم يظهر بالشكل المُلفت بعد يبدو انها ستأخذ كثيرا حتى يظهر حملها جليا و لكنه لم ينتبه لارتباكها هذا و نهض يبتعد عنها هاتفا : دقائق و جايلك ...!

خرج من الغرفه بينما ظلت هى فى تشتتها المعتاد ... ماذا تفعل ؟؟

هل لإمرأه يعاملها زوجها مثل هذه المعامله ان تكرهه ؟ ,
هل لإمرأه تشعر بحب زوجها لا بكلماته بقدر ما تتشبع به بأفعاله ان ترفض وجوده ؟ ,
هل لإمرأه يعشقها زوجها و يعاملها كما لو كانت جوهره ثمنيه ان تبتعد عنه ؟؟

و لكن على النقيض تماما ..

هل لإمرأه خانها زوجها وتزوج عليها ان تستمر معه ؟ ,
هل لإمرأه ادخل زوجها اخرى بحياتهم لتشاركها فيه ان تعشق وجوده ؟ ,
هل لإمرأه طعنها زوجها بخنجر سام أصاب قلبها ان تظل تحبه ؟؟

و للاسف جمع زوجها الاثنان ... فتاهت بينهم ..!!
فهل لمن عاشت الحب و البغض , الراحه و التعب , الخوف والامان , ان تقرر , ان ترسو على بر ؟؟
حتى اختيارها الان صار صعبا ..

منقسمه نصفين ... نصف يرغبه و لا يريد التخلى عنه و يؤيده قلبها ،
نصف يزهده و يريد الهروب منه و يؤيده عقلها .. ماذا تفعل و من تناصر ؟؟

أتسمع للعقل الذى يحرمها وجوده , حنانه , خوفه و حبه ؟!!
ام تسمع للقلب الذى يحرمها سكينتها , راحتها , كرامتها و كبريائها !!
أتتبع عقلها وتخسره هو , ام تتبع قلبها و تخسر نفسها !!
هى بين شقى الرحى و هو حتى لا يشعر بها ,
ليتها تصل لحل , إما تريح قلبه و إما تخسر قلبها ؟؟
و الاختيار صعب , مؤلم و مهلك لها ...؟!

استكانت على فراشها مغلقه عينها باستسلام فى انتظار عودته .

بينما هو فى الخارج اتجه للمطبخ ليعد عشاء لها عندما استمع لقفل الباب يُفتح فخرج ليرى الدالف ليجدها سالى فعقد حاجبيه تعجبا و اندهاشا ليس فقط من عودتها للمنزل متأخره و لكن لانه نسى وجودها هنا من الاساس ..!

نظرت اليه و اقتربت لتطبع قبله على وجنته و لكنه اوقفها متسائلا بغلظه : كنتِ فين لدلوقت ؟؟ انتِ عارفه الساعه كام ؟؟

نظرت لساعه يدها لتجدها الحاديه عشر ليلا فعدلت من خصلات شعرها و التى خرجت من حجابها - و لنُحسن النيه - سهوا بارتباك و اجابته بتوتر : عادى يا معتز لسه بدرى و بعدين انت عارف انى متعوده على السهر ..

اقترب منها خطوه مردفا بحده فاجأتها : فى بيتى هنا الساعه 9 حتى متأخر , عدم إلتزامك و احترامك لنفسك مش هسمح بيه كتير , حياتك انتِ حره فيها لكن شرفى و سمعتى مش هسمحلك تقربى منهم , مش هفضل طالع نازل الناس بتتهامس على مراتى ... فاهمه ؟؟

ضيقت عينها بضيق و اشاحت بذراعها و هى تشعر انها امام رجل لا يسعى سوى للتحكم بها خلاف ما كان عليه سابقا : انت اتجننت يا معتز انت ازاى تكلمنى بالاسلوب ده ؟؟؟

قبض بيده على ذراعها حتى كادت اصابعه تخترق لحمها و هتف بحده : دلع زمان الماسخ ده انتهى , صوتك ميعلاش و انتِ بتكلمينى ابدا و ان صدفت و حصلت تانى هتشوفى منى تصرف مش هيعجبك يا سالى , لا انتِ بقيتِ مراهقه و لا انا معتز الصايع بتاع الجامعه , انتِ زوجه و مطلقه قبل كده مره و انا راجل صاحب بيت و مسئول ... فاهمه يا مدام ؟؟؟

حاولت تجنب غضبه فاقتربت منه اكثر و وضعت يدها على صدره باغواء هامسه تستجدى عطفه او ربما رجولته التى دائما ما تحكمت به سابقا : انا اسفه يا حبيبى مش هتتكرر تانى و تأخير مش هتأخر و كل اللى انت عاوزه هعمله .

زفر ببطء و ابتعد عنها خطوه للخلف : اتمنى يا هبه ..

اشتعلت عينها بغضب و تمتمت بصوت هادر و هى تدفع كتفه فبدل ان تثير رجولته اشعل هو انوثتها جارحا اياها و ان كان لا يقصد : سالى يا معتز , اسمى سالى .. ؛!!!

و تركته و تحركت للداخل مسرعه حتى لا تنفجر فى وجهه بينما هو اشاح بيده و زفر دالفا للمطبخ مجددا أعد الطعام و اخذه لهبه بغرفتها , دلف و اغلق الباب ليجدها نائمه بهدوء , وضع الطعام على الطاوله و اقترب منها جالسا على طرف الفراش بجوارها و مال عليها مقبلا جبينها مستندا عليه و انفاسه المضطربه تمتزج بانفاسها المنتظمه ليهمس بشجن : من غير ما تعاقبينى بتعاقب , حاسس بذنب كبير قوى يا فلتى ...

اغلق عينه و حاوط جسدها بيديه الاثنتين و تهدج صوته و خفت همسه : عارف ان بوجع قلبك , عارف انى بجرح كرامتك و عارف انك لسه جنبى رغم انك قويه كفايه تبعدى علشانى انا .. عارف انك بتحاولى تخلينى انسان و راجل .. !

ابتعد عنها لينظر لملامحها الساكنه و تساقطت دموعه لتتشربها وجنتها و هو يترجاها : سامحينى يا هبه ... سامحينى ..

ثم بدمعه هاربه رفع يده مناجيا و قلبه يكاد يموت خوفا من اصابتها بمكروه : يارب متعاقبنيش فيها يارب ..

نظر اليها مجددا يتشبع بملامحها و امطر وجهها بقبلاته و دموعه و همس بتحشرج : ياريت اقدر اهرب بيكِ بعيد عن كل حاجه , ندمت , و الله العظيم ندمت , بس معتز اللى انتِ خلتيه انسان واعى هيعملها , هنهى كل الكوابيس و هنعيش سوا يا هبه , هعيش انا و انتِ حلمنا سوا , مش عاوز غيرك و مش هعيش غير بيكِ و ليكِ , و هنعيش و دا وعد منى ليكِ يا هبه ..

*************************

_ هتخسر يا مازن متحاولش ...!

هتفت بها حياه و هى تلعب مع مازن بالحديقه الاماميه للمنزل .. و ضحكاتهم تملأ المكان بشغب , كانت حنين ذاهبه للمطبخ لتروى ظمأها و لكن اوقفها الضحكات العاليه فخرجت لتراهم , فاستندت على الباب تراقبهم و صورتها مع فارس تتجسد امامها فوجدت نفسها تبتسم لتتسع ابتسامتها لضحكات مع ضحكاتهم ..

اقتربت حياه منه تُمسك يده ترفعها عن رقعه الشطرنج امامها و هى تصرخ بطفوليه : متحركش بتوعى يا مازن ...!

و لكنه عبث بقطعها لتصرخ و هى تضع يدها على جبينها : بتغش ... انت كده بتغش .

اطلق صفيرا متجاهلا صراخها الغاضب ثم رفع الرقعه لاعلى لتتساقط القطع ارضا : فيل و حصان و ملك الغااابه هو انا قاعد فى حديقه حيوان , دى لعبه دى !! انا ناقص لعبكه مش كفايه شغل الشركه ..؟!!

وضعت يدها على وجنتها و عبست بيأس : ضيعت مجهودى كله يا مازن ... الله يسامحك .. كنت هكسبك على فكره .

ضحك بعشوائيه و بصوت عالى : هاهاهاها ... تكسبى مين يا شاطره عيب عليكِ .!...

نهضت واقفه لتدخل مغتاظه و لكنه امسك بطرف عبائتها و هو يضحك و يجذبها : خلاص اقعدى اقعدى .

نظرت اليه بطرف عينها ثم جلست فهمس بعبث : سيبنى اكسب و انا اسيبك تلعبى .. واحده قصاد واحده .

وضعت يدها بخصرها و ضيقت عينها تشاغب : بترشينى يا بشمهندس ..!!؟

رفع يديه خلف عنقه غامزا و ضحكه ماكره تتراقص علي شفتيه : حصل .

ضحكت عاليا و هو كذلك ثم اشارت له على هاتفه بجديه : ممكن تليفونك ؟؟

نظر اليها رافعا احدى حاجبيه و اقترب بوجهه منها متسائلا بشغب : هتفتشى ورايا و لا ايه ؟؟

اسرعت بالرد عليه حتى تدافع عن موقفها فلا يفهمها خطأ : لا طبعا انا بثق فيك جدا .. انا كنت هشغل حاجه نسمعها ..

ارتبك هو من كلمتها و لكنه حاول تدارك الامر حتى لا يشعرها بتوتره فهتف ضاحكا : بتحبى تسمعى لمين ؟؟

شردت قليلا ثم صفقت هاتفه : عبد الرحمن محمد .. اممممممم ... اصابك عشق .

حاول تجاوز الامر حتى لا يُخجلها و يُخجل نفسه و اخرج هاتفه و عبث به قليلا و لحظات و صدعت النغمات الهادئه ليصمت كلاهما , و استلقت هى ارضا تنظر للسماء و لمعان النجوم بها فنظر اليها لحظات و لراحتها هذه ثم تبعها مستلقيا هو الاخر , فنظرت اليه مبتسمه تفكر !!

ماذا تفعل باحساسها - اللامسمى - تجاهه , ليس حب بقدر ما هو امتنان ..!..

تعلقت هى به , بوجوده , بحضنه حتى ضحكاته , أرست سفينتها على مرسى ليس لها , اجل تدرك انها لن تحتل ابدا بقلبه مكانه حب و هى حقا لا ترغب بهذا , لن تكون سوى اخت , ابنه و ربما صديقه , لم ينظر اليها ابدا كزوجته , فقد مر على زواجهم قرابه العامين و اكثر و لكن قلبها لم يتعلق بقلبه حبا ..!

الرجل امامها لم ينظر لها كامرأه , لم يرى بها جسد و لم يرى بها متعه و لم و لن تسعى هى لذلك ..

هو رجل بوسامته الرجوليه , ملامحه الشرقيه , عيناه الثاقبه التى يتلألأ بها عبثه , قوه حنانه و احتوائه , تتمناه اى امرأه و محظوظه هى من يتمناها هو .. و لكن ليست هى .

اما هو فكان يتابع نجوم السماء و عقله مشتت تماما , يضحك هو الان و لكن داخله ضائع ...

الجميله بجواره تشغل عقله لا ينفى هذا و لكنها لا تشغل قلبه , ما عاد يفكر بهبه و ربما ظروفه هى ما لا تمنحه رفاهيه التفكير بالحب , فلقد تعلق به حياه اثنتان ، واحده منحها قوتها لتعود تدرك حياتها من جديد .. و الاخرى يبدو انها هى من ستسحب قوته لتسحبه معها فى دوامه فقد و حزن ربما لن يدرك لا حياتها و لا حياته بعدها .!

فقدانه لفارس كان صعب عليه , خساره السند و الرفيق , البقاء وحيدا ..
كل هذا منحه قناع حديدى من القوه ربما ان تصدع يظهر خلفه الاف البراكين من الضعف , سلبته الظروف ضحكته و روحه المرحه و ربما ان منحه القدر فرصه اخرى سيُظهر طوفان ضحكاته ليغرق كل من حوله به .. و هذا ما سيفعل ..

يتألم هو .. لا فارق , و لكنه لن يهدأ حتى يساعد الجميع لتعدى آلامهم ..
يصيبه الوجع .. لا مشكله , و لكنه سيسعى بشتى الطرق ليمحى لمن حوله اوجاعهم ..
و سيبدأ بأرمله اخيه , سيجلب حقها , سيطهر اسمها امام الجميع مجددا , سيجعل الجميع يعتذر و لها وقتها حريه الرفض او القبول ...

سيحلها من ربطه عنقها - زواجهم - و يخرج هو من دوامه الاعاصير الذى تجتاحه بسببها ..
طالما اخبره اخيه انها ضعيفه و لكن هو لن يسمح بتمادى ضعفها , سيمحيه ...حتما سيمحيه ..!

افاق من شروده على صوت والدته : مازن ...
نظر للخلف متعجبا فوالدته لم تكن تحدثه او تحدث حنين طوال الايام الماضيه بل لم تكن تظهر بالمنزل اثناء وجودهم , نهض اليها مسرعا واقفا امامها باحترامه المعهود : نعم يا ماما ..

نظرت اليه بحده و اشارت له ليسير امامها بجديه شبه حاده : تعالى عاوزاك فى كلمتين ...!

عقد حاجبيه تعجبا و لكنه باستسلام سار معها حتى غرفه الاستقبال و لكنه تفاجئ عندما رأى حنين جالسه بالداخل , جلست نهال و احدهما على يمينها و الاخر على يسارها فنقلت بصرها بينهم عده مرات و بدأت : انا بقالى فتره مراقبه وضعكم و اللى واضح انه مش وضع زوج و زوجه طبيعين و دا خلانى افكر كتير فى اللى حصل فى النجع ...؟!

صمتت لحظات عدما رأت حنين تغمض عينها و تفرك يدها بتوتر و تضغط بقوه على دبله فارس فأردفت بثبات : انا عاوزه اسمع منكم اللى حصل معاكم بالظبط ..!!؟

امتدت يدها لتمسك بيد حنين بحنان و تحدثت و هى ترمقها بنظره ام : احكى يا حنين ايه اللى حصل معاكِ , احكى و اوعدك انى اسمعك للاخر و هصدق كل كلمه تقوليها ..

ظلت حنين مغلقه لعينها متذكره ما صار ذلك اليوم و بخفوت بدأت تسرد ما صار , و نهال تسمعها بتمعن و مازن بلهفه حتى انتهت و دموعها تغرق وجنتها ..

وقف مازن بحده و هو يتذكر الفتاه التى حدثته فاقترب من حنين و تسائل بحماس غاضب : البنت دى كانت فى سن قد ايه كده , و كان شكلها ايه , اقصد يعنى لابسه ايه ؟؟

نظرت اليه بتشتت و هى تحاول التذكر حتى اكتملت الصوره و اجابته بشرود كأنها تراها امامها : كانت صغيره يعنى ممكن 16 او 17 سنه , كانت لابسه عبايه فلاحى و رابطه شعرها بعمامه فيها كور حمرا كده , ...

خبط على الطاوله امامه و صرخ بغضب : هى نفسها ... هى ..

نظرت نهال اليه و كذلك حنين وتسائلت الاولى : هى مين ؟؟ انت ايه اللى حصل معاك ؟؟

و بانفعال تام و هو يتحرك بالغرفه ذهابا و ايابا سرد تفاصيل مشاجره الاطفال و تلك الفتاه و انهى حواره : الموضوع مقصود اكيد , دا غير ان الباب كان مقفول من بره ..

نظرت حنين اليه بضياع و هى تتمتم بتذكر : هى فعلا اصرت انى اقلع حجابى .... ثم نهضت واقفه و هى تنظر للارض بتيه متألم : بس ليه ؟؟ انا أذتها فى ايه ؟؟ ليه عملت معايا كده ؟؟

اقترب مازن منها متابعا نبرتها الحزينه مرددا بتوعد : مش هسكت غير لما اعرف سبب الموضوع و مين البنت دى ...!!!؟

نهضت نهال و اقتربت منهم و نظرت لحنين ثم احتضنتها بخجل و هى تردد تعاتب نفسها على قله ثقتها بزوجه فارس اول مهجه للقلب و محطمه : سامحينى يا بنتى محدش فينا سمعكم و كلنا اتهمنا بدون دليل ..

اتجه مازن اليها و ابعد والدته عن حنين واقفا بينهم : لما حقها يرجع قدام الكل يا ماما وقتها يجى وقت الاعتذار .

امسك بيد حنين متحركا خارج الغرفه و وقف بها امام باب غرفتها و ترك يدها ليرحل و لكنها امسكت بيده مجددا فتعجب و استدار لها فصمتت قليلا ثم قالت بخجل : ممكن اطلب منك طلب ؟؟

************************

الرياح حولهم تعبث بملابسها , صوت حفيف الاشجار و تساقط اوراقها , الظلام الدامس المحيط بهم , لا اضاءه حولهم سوى كشاف هاتفه الذى بالكاد يُريها الطريق امامها , تتوقف فجأه على بعد خطوات ممن أتت لأجله , اسمه منحوت على الصخره امامها , هنا - معه - حيث تركت روحها ... !

امتلئت عينها بالدموع و اقتربت بخطوات مضطربه حتى وقفت امامه مباشره لتسقط ارضا و دموعها تهرب من مقلتيها لتناديه بصوت مذبوح : فارس ..!!!!

اغلق مازن عينه لحظات مقاوما رغبته فى مشاركتها الدموع على من اختفى خلف التراب لكنه ظل داخلهم و جلس خلفها و هو يناجى اخيه بقلبه ..

رفعت هى يدها لتمررها على قبره امامها لتخرج نبرتها مرتعشه بعاطفتها المشتاقه : وحشتنى قوى يا فارس , وحشتنى قوى ..

شهقت بحده و مالت لتُلقى برأسها عليه كأنها تحتضنه و صرخت : يارب ..

ظلت تبكى دون توقف و كأنها ادخرت تلك الدموع لتفرغها على " قبره " و الذى ربما لا تراه الان سوى " صدره " ..

و دون ان ترفع رأسها دندنت بصوت مختنق كأنها تهدهد طفل صغير : انت نصى التانى .. انت حته منى ... انت كنزى الغالى ... انت ابنى ..

رفعت رأسها و دموعها تنساب لتغرق وجهها و تسائلت بعدم استيعاب : مش هترد عليا يا فارس ... ازاى تبعد عنى كده ؟؟ ازاى سيبتنى لوحدى ؟؟ انت عارف انا حصلى ايه و انت مش جنبى , انا عمرى ما كنت محتاجه لك قد دلوقت , محتاجه لحضنك قوى يا فارس ... قوى ..!

ضربت بيدها بقوه على التراب امامها و هى تهتف بانهيار : انا عايزه نفسى يا فارس .. ليه اخدتها معاك ؟؟ مفضلش منى حاجه خلاص , حتى نَفَسى بقى عبء على قلبى , حنين تاهت يا فارس .. حنين ضاعت من غيرك ..

انتفض جسدها بقوه و شهقاتها تتعالى ... فنهض مازن بجزع فانهيارها هذا لا تُحمد عواقبه .. اقترب منها و ناداها عده مرات و لكنها لم تجيبه .. فلامس كتفها لينهضها حتى وقفت معه و نظرت اليه بتيه و عينها تفيض بدموع حسرتها و فقدها و اشتياقها هامسه بلوعه و مازال تصديقها للواقع صعب جدا على قلبها : فارس ..

ثم القت براسها على صدره فى حركه مفاجئه و تمسكت بقميصه بقوه و ارتعاشه جسدها تزداد , اتسعت عينه بصدمه محاولا رفع يده ليحاوطها و لكنه لم يستطع , تجمدت اطرافه كلها و اصابعه تحارب لتبثها حنانه و احتوائه و لكنه لم يفعل ..

لاول مره يشعر بنفسه عاجزا عن منح الاحتواء , لاول مره يشعر بتوتر قلبه الذى انتفض خلف ضلوعه ,
لاول مره يشعر بتيه عن التصرف و ضعف عن العطاء !!

رغم حاجتها الماسه له , رغم انتفاضه جسدها التى ارجفت جسده , رغم بروده اطرافها التى تتشبث به , لم يستطع ضمها !!

ربما لشعوره انه لا يجوز له فعل هذا , ربما لانه لا يريد لجسده الامتزاج بجسدها , و ربما لانه لا يريد لها ان تتخلص من برودتها بدفئ احضانه !!

تراخت يدها عن قميصه و لكن رأسها لم تفعل , تساقطت يديها بجوارها و لكنها لم تبتعد عنه و اضافت هامسه بتشتت و كأنها غير منتبهه للواقع حولها : كان اقرب حد ليا , كان الامان لقلبى و الفرحه فى حياتى , وحشنى قوى , صوته , كلامه , هدوء اعصابه و ..... حبه !!!

رفعت يدها لتمسك بقميصه من كلا الجانبين و ضربت رأسها بصدره مرات متتاليه ليخرج صوتها مكسورا ضعيفا مشتاقا بلوعه : وحشنى حضنه و لمسته ... وحشنى قوى ..

و هنا تساقطت دموعه و هو يشاركها لوعتها ليتنهد بألم و تتحرك يده تلقائيا لتحاوط جسدها بقوه كأنه يسكنها داخله لترتفع صرخاتها و يزداد تساقط دموعه ..

اختفت تماما بين ذراعيه و تاه هو فى وجعهم , شعرت بالامان بين يديه و عجز هو عن الشعور به , و تمتمت مجددا بنفس الهمس التائه : مكنش مجرد زوج او حبيب ... كان بالنسبه لى حياه .. حياه كامله من غيرها انا مش موجوده .. نبض قلبى , جوزى و صاحبى و حبيبى , كان كل حاجه ... كان !!

و انتفض جسدها مجددا ليشدد مازن ضمها اليه و تخرج منه أه خافته , اه عن روحه المعذبه بسبب فقده و بسببها ,
اه عن قلبه الممزق بسبب وجعه و ضعفها ,
و اه عن نفسه التائهه بين عجزه و بينها ...

**********************

كان اكرم منهمكا فى عمله عندما ارتفع رنين هاتفه ليجده جده " مجدى " فأخذ نفس عميق و اجابه : السلام عليكم ..

وصله اولا سعال جده الخافت او المكتوم على حد سواء ثم حمحمه و صوت باهت : كيفك يا ولدى ؟؟

شعر اكرم بالقلق قليلا فتسائل و لم يخفى جزعه : بخير الحمد لله ... حضرتك اخبار صحتك ايه ؟؟

ابتسم الجد على الطرف الاخر : زينه يا ولدى زينه ..
اعتدل اكرم على مقعده و وضع يده الاخرى على وجهه متنهدا بارهاق : خير يا حاج الاوضاع عندك عامله ايه ؟؟

ضحك مجدى ضحكه قصيره و اجابه بفرحه : الحرمه متلوعه يا ولدى , بتجرى اهنه و اهنه , بتدور على الفلوس بجل طاجتها و انى خبرت الحاج مدحت و الحاج عبد الحميد بالحجيجه .. كانوا هيجتلوها بس انى جدرت امنعهم زى ما جولتلى و كل حاجه ماشيه زين كيف ما انت رايد ...

زفر اكرم بقوه و اضاف بتخطيط نوى تنفيذه : ربنا يهدى الحال , انا هبعت لجوزها بره علشان ينزل فى اقرب وقت , كفايه تضيع وقت اكتر من كده ..

اومأ مجدى برأسه على الجانب الاخر و ردد : يارب يا ولدى ... ثم ابتسم بفخر : ربنا يحميك يا ولدى كنت متوكد انك هتبجى راجل و هتجدر ترجع الحجوج لصحابها ..

اغلق اكرم الخط و هو يشعر بنفسه مستنذفا , يشعر بقلبه يتألم من كل ما حوله , المسئوليه كبيره و فاقت كل تحمله , الاحداث متلاحقه و هو اُرهق ..
كل شئ يرهقه , اهله , اخته , عمله و قلبه , كل شئ ..

و كم يتمنى ان يكون بقادر على تخطى الامر , و فى خضم افكاره ارتفع رنين هاتفه مجددا ليجده رقم الطبيب الخاص بعاصم فاجابه مسرعا : طمنى يا دكتور التقارير وصلت ..

بدأ الطبيب يتحدث عن حاله عاصم : اه يا اكرم و حسب الموجود فيها .. فى احتمال يرجع بصره بنسبه 60% .. بس الموضوع هيحتاج وقت لان الاصابه جديده و فى مكان حساس و بالتالى اى عمليه جراحيه دلوقتى ممكن تؤدى لنتيجه أسوء .. ممكن كمان يحتاج اكتر من عمليه ... و للاسف ممكن الامر كله يفشل ..

نهض اكرم بفرحه عن مقعده و هتف بسعاده لم يستطع التحكم بها : بس فيه امل ... فيه امل يرجع يشوف تانى .... صح ؟؟

ابتسم الطبيب مقدرا لهفته و اجابه بصدق : فيه امل .. و بنسبه كبيره كمان ...

تمتم اكرم بخفوت و هو يتخيل سعاده اخته و بالطبع زوجها المعتوه بهذا الخبر : اللهم لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك و لعظيم سلطانك ... اللهم لك الحمد .

***********************

_ ممكن ادخل ؟؟

رفعت مها بصرها للمتحدث و الذى لم يكن سوى محمود و على وجهه جل علامات الارتباك و التوتر ..
فأومأت برأسها فاقترب منها و جلس على المقعد امامها , أغلقت التصاميم و استندت على المكتب تنظر اليه , طال صمته فعقدت حاجبيها تعجبا و اشارت " خير يا محمود ؟؟ "

ظل يحدق بوجهها قليلا ثم هتف بكلمه واحده بصدق خالص : بحبك ..

اتسعت عين مها بذهول ليندفع الخجل لبحر الفيروز بغزاره و تتورد وجنتها الملساء فأخفضت رأسها تعبث بيدها بتوتر ..

قالها , اعترف بها صريحه و لكن قلبها لم يستقبلها .... لم ؟؟
صادق هو و يتجلى صدقه بعينيه و لكن عينها لا تصدق باحساسها .... لم ؟؟

رفعت رأسها تدريجيا اليه لتجد تعبير غريب يشمل ملامح وجهه , تعبير بالندم و الخجل , بالتوتر و الخوف , بالاستسلام و الشفقه ..
اجل هنالك شفقه بعينيه ... يشفق عليها !! و لكن لماذا ؟؟
متى ستختفى تلك النظرات من عينه ربما وقتها يصدقه قلبها , متى سينظر لها بفخر ربما وقتها ترى عينها صدق احساسه , لم يُشعرها دائما انه لسبب ما يمن عليها ؟؟

قطع افكارها عندما صرح بكلمه اخرى زدات تعجبها : انا اسف يا مها ..!

عقدت حاجبيها تطالعه بتساؤل متعجب , ماذا به ؟؟ لم تعجز اليوم عن فهمه و قراءه فكره !!
هه ضحكه ساخره ... منذ متى تفهمه هى ؟؟
تعجز دائما عن فهم نفسها بجواره فكيف ستفهمه هو ؟؟

صدق على كلامها عندما تحدث بهدوء : انا عارف انك مش فاهمه انا عاوز اقول ايه , و عارف انك مستغربه , بس كان لازم اقولك انا اسف قبل ما اقولك السبب ...

خفت صوته قليلا و نظر ارضا يردف بخزى يشمل حديثه : و كان لازم اقولك انى و الله العظيم بحبك , بحبك من اول يوم شوفتك , من اول كلمه بينا سوا , بحب جمالك , و بحبك رغم كل حاجه فيكِ !

شعرت بكلمته تصيبها بألم حاد , كلمه تذكرها بعجزها الذى لا دخل لها به , كلمه تخبرها انه يحبها و كأنه يقوم بمعروف لها , !!

امتلئت عينها بالدموع فما اصعب من ان تتزوجى برجلا يجدك ناقصه , ترتبط حياتك بحياه من يرى انك معيبه , يرى انك مجرد جميله بوجه حسن و لكن لستِ بكامله !!

رفع بصره اليها و نظر لعينها التائهه بمتاهات وجعها الذى سببه ربما دون قصد : بس ..

نطرت اليه منتظره التالى , منتظره الالم اللاحق , منتظره العيب الجديد الذى سيذكرها به ..
و لكنه لم يفعل بل كوى اوجاعها كلها و احرقها حيه لتتلوى هى صدمه و ألما : بس انا منفعش ليكِ يا مها .!...

انفرجت شفتيها بدهشه تملكت من عقلها فشُل تماما عن التفكير و اتسعت عينها بصدمه تحملق به و بدا لها انها لا تراه , توقفت يديها عن التحرك بارتباك لتتجمد على المكتب امامها ..

و لكنه لم يستوعب ما مر بها بل اردف دون اهتمام بوجعها او ربما صدمتها : كل الظروف حوالينا و اللى بيحصل بيمنعنا نكمل سوا ..

ظروف !!
عن اى ظروف يتحدث , مر الكثير على خطبتهم ليأتى الان و يقول ظروف تمنعنا !!
علقها به و تعلق بها ليأتى الان و يقول ما يحدث يمنعنا !!
منحها الطمأنينه ليأتى الان و ينتزعها دون تفكير بها !!

نظر اليها مترددا يتابع خلجات وجهها المتعجبه و المتألمه ثم نظر ليده و اخرج محبسها الذى يعانق اصبعه و وضعه على المكتب بجوار يدها : لحد هنا و انتهينا يا مها..

و دون حتى ان يسمح لها بابداء رأيها , دون ان يعيطها الفرصه للتمرد , الصراخ او حتى التحدث بصوتها اللامسموع ببساطه ................... رحل !!!!

ترك لها ما كان يربطه بها و رحل ,
اخبرها انه لم يعد يريدها و رحل ,
اوضح لها انه ليس من حقها ان تتمنى شيئا و تجده و رحل ,
وضح لها ان ناقصه مثلها لا تستحق حياه كامله و رحل ,
اخبرها ان الحب للكاملات و هى ليست كامله فلا حب لها و رحل ,
ترك خلفه حطام امرأه , كسره قلب , لوعه عقل و كبرياء ممزق و رحل !!

ببساطه رحل !!

و معه رحلت قناعتها , فرحتها , ضحكتها و بقى شئ واحد فقط .. و هو دموعها .

**************************

خرج محمود مسرعا من الشركه بعدما اعطى ورقه ما لهناء - السكرتيره الخاصه بأكرم - , وقف امام الشركه و نظر خلفه يطالعها و عينه تلمع بالدموع , يشعر بالخزى من نفسه و يشعر بالعار من ضعفه و لكنه خائف عليها لهذا ابتعد .. !

خائف ان يجرحها مثلما فعل يوم عرف بما فعل اخيها , خائف ان يقتل فرحتها بقربهم بالابتعاد عنها مثلما فعل اخيها , خائف ان يكون سببا فى تعاستها بدون قصد كما اتعس اخيها اخته , باختصار خائف عليها من نفسه !!

فلم يرى حل سوى الابتعاد , منحها الحريه لتتنفس بعيدا عنه , منحها نفسها الذى ربما يُفقدها اياها , يعلم انه جرحها ... و يعلم انها تتألم الان ..
و لكن وجع يوم و راحه اعوام , افضل بكثير من راحه عام و وجع طوال الحياه ..

منحها قلبها و للاسف قلبه , احبها هو بكل جوارحه و لهذا ابتعد ..!

احب ضحكتها التى لن يسمح لنفسه بتبديدها ,
احب عينها الذى لن يسمح بدفع الدموع اليها ,
احب قلبها الذى احتضن قلبه و لن يمنح لنفسه فرصه بجرحها , لهذا فقط ابتعد ... ربما لاجله و لكن ايضا لأجلها ..
اتخذ القرار عنه و عنها و لم يأبه حتى برأيها .

تحرك ليبتعد عن الشركه و لكنه اصطدم بسيده فى الاربعين من عمرها تحمل طفلا صغيرا على كتفها تبكى بحده فاعتذر بخفوت : انا اسف ..

و هم بالتحرك عندما وقفت امامه و هتفت ببكاء : ممكن تساعدنى يا استاذ ؟؟

نظر اليها بتعجب و اجابها : اكيد اتفضلى ..!!

بكت بحده وترته قليلا ثم هتفت بجزع : تعرف واحده اسمها مها .. هى تقريبا مهندسه ..!..

عقد حاجبيه بقلق و اومأ برأسه : ايوه عارفها مين حضرتك ؟؟

انخفضت و وضعت طفلها على الارض و رفعت يدها متوسله اليه : دلنى عليها ربنا يسترك .. عاوزاها تساعد جوزى و تتنازل عن القضيه .. انا مليش غيره و الله .. ساعدنى الله يكرمك ..

حدق بها بذهول قليلا يحاول استيعاب ما تقول .. زوجها , تنازل , قضيه , و مها !!
عما تتحدث تلك المرأه !! و عن اى قضيه تتحدث !!

تابعت المراه توسلها له فهدأها قليلا قائلا بجهل عما تعنيه : حاضر انا هساعدك بس ممكن تفهمينى ايه اللى حصل ؟؟

ضمت السيده طفلها لصدرها و همست بخجل و عجز : انا عارفه ان جوزى عينه زايغه و يوم ما اتعدى على البشمهندسه كان اصحابه منهم لله مشربينه ممنوعات و مكنش فى وعيه .. انا عارفه انه غلطان و يستاهل بس انا و ابنه ملناش غيره , لو اتسجن هنتبهدل اكتر ما احنا .

زاغت عين محمود هنا و هناك و هو يشعر بالارض تميد به لا يصدق ما سمعته اذنه ..
حاول احدهم الاعتداء على مها و ايضا قامت برفع قضيه ضده !! و هو لا يعرف ؟؟؟
لم تخبره و لم تشاركه مصيبتها ؟؟ لماذا !!
خافت الا يصدقها !! ام لم ترى انه يستطيع الوقوف بجوارها !!

_ خير يا محمود ؟؟

التفت محمود سريعا لصوت اكرم الذى جذبه عنوه من صدمته و ارتجفت عينه و لم يستطع الاجابه , لاحظ اكرم شروده و ارتباكه فاقترب من السيده و سألها عن الامر فقالت ما قالته لمحمود فاخذ اكرم نفسا عميقا مدركا سبب دهشه محمود و قال للسيده بهدوء : تمام انا اللى رفعت الدعوه و انا اللى هتصرف فيها اتفضلى انتِ دلوقت..

حدق محمود بأكرم بذهول ثم رفع يديه يشدد على خصلات شعره متمتما بتسائل مندهش : حضرتك كنت عارف ؟؟ .... ثم اضاف بتشتت : و انا لأ ؟؟

تحرك اكرم اليه مجددا و هم بالتحدث عندما اشار له محمود بيده : مفيش داعى لتبرير حاجه يا بشمهندس كده كده كل حاجه منتهيه .. اه كنت فاكر انها انتهت النهارده بس واضح انى كنت غلطان ... انا كنت بره من زمان ...

و تحرك من امامه مسرعا يتابعه اكرم بضيق و غضب منها و من نفسه و من هذا الذى لم يستمع له و لكنه شرد فى كلمته " كده كده كل حاجه منتهيه " ليتمتم بشرود متعجب : يقصد ايه ؟؟

*****************************

ضحكت بسعاده كبيره و معتز يُجلسها امام المرآه و يمشط شعرها بنفسه فهتفت بضحكه عاليه : نفسى افهم بتعمل ايه ؟؟

حرك الفرشاه يمنيا و يسارا يحمل بها عده خصلاتها ليضعها على الاخرى بعشوائيه و هو يصب جم تركيزه عليها : رغم انه قصير و مش محتاج بس لازم يتسرح ..

قهقت بصوت عالى و امسكت بطرف خصلاتها القصيره التى تصل اسفل اذنها بقليل : تتسرح ازاى دى افهم ؟!!

رفع الفرشاه دفعه واحده فصرخت بتألم لجذبه خصلاتها معه فهمس بتشفى : تستاهلى ... سبينى اعيش اللحظه ... نفسى افهم شعرك قصير ليه كده ؟؟

ضحكت ناظره لانعكاسه بالمرآه لنصيح بغيظ : بحبه كده ..

فمال طابعا قبله على كتفها العارى تبعها بعده قبلات على عنقها بينما اغمضت هى عينها مستسلمه لاكتساحه الحار و الذى اشعل قلبها شغفا به ثم قَبَل اسفل اذنها هامسا باغواء : وانا بحبك بكل حاجه فيكِ .

جلس خلفها على ركبتيه محاوطا خصرها بيده يتحدث معها : اقولك على حاجه ..

همهمت و هى تستند برأسها على ذقنه فطبع قبله اعلى شعرها و حرك يده على بطنها متمتما بشغف : امبارح لما كنا فى العياده .. كان حواليا صور اطفال كتير و ستات كتير حوامل ..

حرك اصبعه بحركه دائريه على بطنها مردفا بحراره : تخيلتك مكانهم ، يبقى جواكِ طفل منى .. طفلنا ..!

ابتعد عنها و أدارها بلهفه و صرح بشوق : نفسى يا فلتى ... نفسى اشوفك ام لابنى او بنتى .. ابن شبهك فى قوتك و جديتك و بنت تاخد منك كل حاجه ..

رفع يديه مداعبا خصلاتها القصيره : شعرك ..!

مرر يده على جبينها الذى يختفى معظمه اسفل غرتها ثم ارتفع قليلا مقبلا عينها اليسرى ثم اليمنى هامسا بحراره اغرقتها : تاخد بحر عنيكِ ..

هبط بشفتيه على انفها بقبلات عشوائيه تبعها بمداعبته بأنفه متحركا على وجنتيها ليطبع عده قبلات متفرقه عليهم : خدودك و خصوصا لما بتتكسفى ..

ابتعد ناظرا اليها ليجد عينها مطبقه و انفاسها اللاهثه تخبره باضطراب قلبها فلامس شفتيها بشفتيه بنبره رجوليه بحته هدمت كل حصون انوثتها : بس متاخدش جمال شفايفك .. لانها مش هتكون ابدا لغيرى ..!!.....

طبع عليها عده قبلات متتاليه ثم تحولت لاجتياح لذيذ فحاوطت هى عنقه لتستسلم لدموعها التى تساقطت تباعا ..
امنيته تحققت , قلب صغيره ينبض بداخلها , يداه داعبته منذ قليل و لكنه لا يرغبه كما يرغبه هو , لا يرغب بوالد يجرح والدته دون تهاون , لا يرغب به ...

ترك شفتيها ليزيل دموعها بشفتيه و يردف : عايزها زيك فى كل حاجه .. كل حاجه ...

وضع يده على بطنها و هو ينظر لموضع يده : انتِ هتحسى بنبضه , بحركته و هتتعبى علشانه ... و فى الاخر تبقى شبه الكرنبه ....!

ضحك باشتياق : و بعدين ينور حياتى نسخه صغيره منك ..

مال عليها طابعا قلبه على بطنها ثم وضع رأسه عليها و هو يضمها له : هفضل احضنه كده و اتكلم معاه .. احكيله عننا و اسمع منه لو اشتكى منك ...

تنهد بقوه و ضحكه متلهفه : هحبه قوى يا فله .. هحبه قوى ..

زاد من ضمها اليه لتشهق بعنف و دموعها تهرب من مقلتيها وجعا عليه ..
و شعورا بالذنب يلفها ...
هو متلهف لطفل موجود بالفعل .. وهى تخفى !!
هو يشتاق لفرحته بصغير داخلها حقا .. وهى ايضا تخفى !!
تسلبه حقه فى سعادته بطفله ..
مهما كان خطأه لا يحق لها سلبه حقه !!
تريده ان يعرف ولكنها خائفه ومتردده ..!!.
خائفه ان يهتم بها لطفلها ..
خائفه ان يمحى الاخرى من حياتهم لطفلها ..
خائفه ان يتعلق بها لطفلها ..
خائفه ان تختفى هى بمجرد وجود طفلها ..
اجل خائفه !!!
ماذا تفعل ؟؟
تخبره وتجعل قلبه يدرك فرحته !!
ام تظل على صمتها !!
لم تعد تعرف أيستحق ام لا ؟؟
فقلبها يؤكد لها انه يستحق !! ولكن عقلها يؤكد لها انه اقل من ان يستحق !!
وهى كعادتها بينهم تائهه !!

رفع رأسه اليها لترى الدموع المتساقطه من عينيه وهو يهمس بتسائل : تعتقدى ربنا ممكن يعاقبنى و يمنعنى الفرحه دى يا فلتى ؟؟؟

شهقت باكيه وهى تضمه اليها و صرخت به : لأ ..

تمسك بها وصوته يختنق : مبقتش شايف انى استحق اى سبب يخلينى افرح ..!

ضربت ظهره بيدها و هى تميل للامام عليه ونهرته باكيه بكل وجع قلبها و بكل عجزها : اسكت بقى .

ليهمس بأخر ما مزقها و جعل ذنبها يقتلها : نفسى فى يوم احضنكم سوا ... انتِ وطفلنا ..!

ويا ليتك تدرك انك بالفعل تفعل !!!!

***********************

انتهى البارت 👻

بحبكم فى الله ❤

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top

Tags: #shimaa