اختى !!


و حيث انه دائما تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن اضطر فارس للسفر لعده ايام بسبب العمل و لم يستطيع التأجيل للاسف مما سبب الاحباط و الحزن لسلمى فاحتجزت نفسها بغرفتها بعيدا عن شغب الفتيات بالخارج ..

جلست شذى مع حنين و جنه بالحديقه يتهامسون عن كيفيه اخراج سلمى من حاله الحزن التى لا تليق بها مطلقا ..

تفكير و تفكير , تخطيط ثم فكره و قرار عندما هتفت جنه : خروجه .. سلمى بتحب الخروج .

مطت شذى شفتيها بسخط متمتمه بضيق : و انا هخرج ازاى يا جنه و ابيه عاصم لسه زعلان منى و مش بيتكلم معايا اصلا !

نظرت جنه لحنين التى شردت بعيدا عنهم قليلا و هتفت بها لتنتبه لهم قائله : حنين تقنعه .

نظرت اليها حنين بسذاجه ثم ضحكت باستهزاء هاتفه بنفى : انسى .. انا مش هتكلم مع عاصم عن خروج ابدا ..

تدلى كتفى شذى باحباط و هى تعقد ذراعيها امام صدرها هاتفه و هى تودع الفكره : و انا كده كده مش هعرف اكمله .. هنعمل ايه بقى !

صمتت جنه و نظرت ارضا تفكر بينما تبادلت شذى و حنين النظرات و قد خطر لكلاهما نفس الفكره تقريبا عندما تبادلا الابتسامات ينظروا لجنه حتى رفعت رأسها لتُفاجأ بنظراتهم التى تعجبتها قليلا ثم سرعان ما خمنت ما يريدون فهتفت بسخريه : نعم .. لا انسى خالص انا مليش دعوه و مش هتكلم مع البنى ادم ده ابدا ..

رسمت شذى اكثر وجوهها براءه و رمشت بعينها بطفوليه لتهتمس برجاء : بليييز يا جنه علشان خاطر سلمى .

رفضت جنه مجددا و هى تهمس كأنها تحدث نفسها : هو اصلا هيسمع ليا بتاع ايه ؟ و بصفتى مين ؟ لا مليش دعوه انا مش ناقصه خناق و زعيق النهارده كمان .

ابتسمت حنين بهدوء هامسه لها تحاول اقناعها : علشان خاطرى يا جنه و ان شاء الله مش هيزعق ..

و قبل ان تجيبها جنه ارتفع رنين الهاتف بجيب عبائتها فانتفضت تدفعه عنها بخضه فضحكت كلا من حنين و شذى عليها ثم هدأت و امسكته واجابت فوصلها صوت زهره تطمئن عليها فابتسمت جنه و هى تتحدث معها بسعاده حتى هتفت زهره و اخذت تدعو لها كثيرا و هى تقول بشكر و امتنان : ربنا يبارك فى عمرك يا بنتى انا كويسه خالص و الممرضه بتهتم بيا كتر خيرك تعبتِ علشانى ..

عقدت جنه حاجبيها متسائله بدهشه : ممرضه !

فأجابتها زهره و كانت مفاجئه و هى تحكى لها عن تلك الممرضه التى ذهبت لمنزلها فى اليوم التالى ليوم وجود جنه عندها و قالت ان جنه من ارسلتها ..

فأمسكت جنه لسانها قسرا حتى لا تخبرها انها لم ترسل أحدا حتى لا تُقلقها فألقت اليها بكثير من السلام و اغلقت الخط معها ..

هاتفت ليلى اثناء وجودها بعملها و استفسرت عن الامر ربما تكون ليلى من فعلت و لكنها نفت ذلك و اخبرتها ان تسأل عاصم لربما يعرف عن الامر ..

ترددت قليلا و فكرت فى تجاهل الامر و لكن كيف تفعل و ربما يعود هذا الامر على زهره بالضرر او الاذى .. نهضت لتدلف لتبحث عنه و تسأله و لكن قبل ان تفعل حانت منها التفاته لشرفه غرفته لتجده واقفا بها ينظر اليهم و يبدو انه يقف من مده فارتبكت قليلا ثم نهضت ووقفت اسفل الشرفه رافعه رأسها اليه فنظر لها بتعجب فظهر الحرج بوضوح على ملامحها و هو تقول بتوتر و كم تبغض ان تفعل هذا : عاوزاك في كلمتين لو سمحت ..

رفع احدى حاجبيه مستنكرا مع ليه شفاه ساخره و تركها و دلف .. فعقدت جنه حاجبيها متعجبه ثم نظرت لحنين خلفها متسائله بحيره و ضيق : افهم انا ايه كده ! هينزل و لا لأ يعنى !

كتمت حنين ضحكه و هى تضغط شفتيها بقوه محركه كتفيها لاعلى علامه جهلها عما يقصده برد فعله هذا ..

فجلست بجوارها تذم فيه و حنين تضحك على غضبها بانطلاقه .. و بعد القليل من الوقت نهضت لتدلف للداخل مع حنين و شذى و لكن اوقفتها ام على لتحدثها فتحركت الفتيات للاعلى بينما هى وقفت تستمع لما تقوله ام على التى هتفت لها برجاء : ممكن تعملي قهوه لكابتن عاصم بدالى !

فرغت جنه فاها متمتمه بتساؤل و هى تشير لصدرها بيدها : انا !!

تذكرت ام على عندما طلب منها عاصم قهوته و سألها هو عن تلك المره التى اعدت فيها القهوه باختلاف عن سابقها و لم تكررها مره اخرى فأخبرته ان جنه من اعدتها ذلك اليوم فطلب منها بخبث جعلها تعدها له بدلا منها و واقفت هى بترحاب فهى ترغب بالخروج للتسوق مبكرا و ها هى تخبر جنه و لكن كيف ..

استدعت وجه الارهاق و تمتمت : معلش يا بنتى اعمليها بدالى على ما اخرج اجيب شويه طلبات ضرورى للغدا ..

كزت جنه علي اسنانها بغيظ و كرهها له يزداد فهى طلبت منه التحدث معها و لكنه لم يجيبها حتى و هى ستعد له قهوته بل و تأخذها له بنفسها ... و كم كانت ترغب بطلب الامر من حنين و لكن هى مهما اعتادت عليهم تظل مجرد عامله لديهم .. حسنا ليس واجبها و لكنها ستفعله فقط لاجل تلك السيده العجوز ..

وقفت بالمطبخ تعدها و هى تضرب قدمها بالارض بحنق هامسه بغل و ضيق : يعني اطلب منه اكلمه ميردش عليا حتي , و دلوقتى انا اللي اعمله قهوه ! اعمل فيه ايه بس و الله حلال فيه احطله بدل السكر ملح او شطه حتى ..

_ دا انتِ شايله منى قوى بقى !

انتفضت جنه شاهقه و هى تستدير لتتفاجئ به يقف امام الباب عاقدا ذراعيه امام صدره وعلي وجهه ابتسامه جانبيه و فى عينيه نظره عابثه فزمت شفتيها ضيقا فمجرد النظر لوجهه يصيبها بالغضب و الضيق و للاسف الخوف ..

تجاهل عاصم نظراتها التى اخفتها سريعا و هى تلتفت للموقد فقال متسائلا : كنتِ عاوزه ايه منى ؟

اغلقت الموقد و رفعت القهوه لتضعها بالفنجان الصغير و اتجهت اليه اعطته اياه و قالت و هى تتحاشى النظر اليه : كنت بس عاوزه اسأل حضرتك بعت ممرضه لداده زهره ؟

اخذ الفنجان من يدها و هو يجيبها بمراوغه متلذذا باحمرار وجنتها ارتباكا : الدكتور اللي بعت مش انا .

زفرت جنه بضيق اشد و هى تكره تحاورها معه و لكنها يجب ان تطمئن على زهره مهما كلفها الامر : بس يعنى حضرتك اللي طلبت منه !

رفع عاصم فنجان القهوه لفمه مرتشفا القليل منها ثم اجابها و مازال يراوغ : ست كبيره و كان لازم حد ياخد باله منها .

و هنا اطمأنت رغم غضبها منه و لكن يجب عليها شكره راغمه : جزاك الله عنها كل خير ..

فابتسم لها مرتشفا من فنجانه مره اخرى هامسا بشغب و هو يحاوطها بحصونه السوداء لتنظر هى ارضا منتظره منه ان يقف جانبا لتستطيع المرور او يرحل مشكورا و لكنه تمتم بدلا من هذا : حلوه قوى ..

عقدت حاجبيها خوفا و ارتباكا من نبرته الهادئه ببحه صوته الرجوليه و لكنها رفعت عينها اليه بضيق واضح فأردف بخبث : القهوه اقصد ..

تجاوزت الامر رغم ان وجنتها لم تفعل و عبرت عن خجلها و هتفت بحده : ممكن تعدينى لو سمحت !

ابتعد عاصم عن الباب و هو يدرك ان تلك الفتاه لا تفعل شيئا سوا انها تفقده عقله , تجاوزته جنه و لكنها توقفت و هى تفكر قليلا ثم بأقصى ما تملك من قوه التفتت اليه مجددا هامسه : ممكن اقول حاجه ؟

نظر اليها عاصم بترقب مانحا اياها اماءه بسيطه من رأسه فأخذت نفسا عميقا تنظر ارضا و هى تقول بحرج : اعتقد شذى اتعلمت كويس من غلطتها ممكن كفايه عقاب لحد كده .. هى زعلانه جدا انك متضايق منها و انا مش حابه اكون السبب فى خلاف زى دا بينكم ,

ثم رفعت عينها اليه و لدهشته اختفت نظرات كرهها و نفورها منه لتحل محلها نظره رجاء فأخذ نفسها عميقا قائلا بصوته الخشن و نبره محايده : شذى غلطت فى حقك و كان لازم تتعاقب و اشد من كده كمان .

فأسرعت جنه بتوضيح موقفها و هتفت بدفاع : انا مش زعلانه منها صدقنى .. هى مهما كان لسه طفله و لازم هتغلط علشان تتعلم من اخطائها و دورنا اننا نوجهها للصح خصوصا انها بتحبك جدا و تجاهلك ليها صعب عليها .

تعلقت عيناه بها و هى يستمع لحوارها المنمق الهادئ و لاول مره يتحدثا معا بعقل و هدوء هكذا و كم راقه هذا , ارتبكت عندما لاحظت نظراته بل و صمته ايضا فأعطته ظهرها تشتمه داخلها " مغرور " و همت بالرحيل و لكنها توقفت مره اخرى متذكره رغبتهم بالخروج فزفرت بغضب مكتوم و عادت للخلف مجددا لتواجهه لتجده يبتسم و هى يرفع احدى حاجبيه متسائلا عما تريد هذه المره فهمست بخفوت خجل : انا اسفه بس ممكن اطلب طلب ؟

استند على الحائط خلفه باستمتاع منتظر طلبها فارتبكت بشده مع نظرته و ابتسامته الذى حاول اخفاءها : البنات حابين يخرجوا بس خايفين يقولوا ليك لانك معاقب شذى و كده .. ممكن تخرجهم ؟

اتسعت عينه هى من تطلب منه ان يفعل شيئا لشقيقاته ! عجبا !

اقترب منها خطوه ينظر اليها بدهشه مستمتعه متسائلا بنبره زلزلت جسدها خوفا و أشعرها بهدوء كلماته انها تمادت و تدخلت فيما لا يعنيها : و انتِ بقى مش خايفه و جايه تطلبى منى اخرج اخواتى !

كأنه يخبرها ببساطه انها لا تساوى اى شئ هنا و انها بالفعل تمادت فازداد ارتباكها و عادت خطوتين للخلف معتذره بما تبقى لها من احترام بعد كلمته : انا اسفه مش قصدى طبعا .. انا بس حاولت اعمل حاجه تفرحهم .. انا اسفه .

و تحركت من امامه مسرعه , فعقد حاجبيه ضيقا ربما هو تعجب و بشده انها هى ما تطالبه بشئ هكذا ! ,
و ربما تسائل داخله من تكون هى لتسأله ان يفعل شيئا لشقيقاته !
و ربما اراد ان يوضح لها انها لا تمثل الكثير بهذا المنزل رغم شعوره هو شخصيا بالعكس !
و لكن نظرتها الحرجه و ملامحها المتجهمه ضايقته بل و بشده ... ليُدرك انه من حقها ان تطالبه بأى شئ بل و من حقها عليه ان ينفذه , بصفتها من ؟ لا فارق .

مر القليل من الوقت حتى اقترب موعد الغداء و جلست الفتيات معا بانتظار الطعام عدا سلمى انتظرت بالاعلى .. شهقت شذى بخضه عندما شعرت فجأه بأحدهم يحملها و لكنها فور ان رأته تشبثت بعنقه بفرحه و هو يقول بابتسامه هادئه : هتفضلى مخصمانى كده كتير !!

برمت شفتيها و عينها تعتذر له عما فعلته و لكنها هتفت بمرح : انت اللي مخاصمني علي فكره .

قبلها عاصم على وجنتها هامسا بجوار اذنها : طيب انا جاي اصالحك اعمل ايه بقى ؟

تعلقت بعنقه تعانقه بقوه و عبرت عن اعتذارها بهمس خافت : انا اسفه يا ابيه صدقنى مش هتكرر تانى و مش هغلط تانى ابدا .

بادلها الحضن بأخر احتواها بحنانه التى تراه جنه الان لاول مره منذ ان جاءت لهذا المنزل مما دفع بابتسامه حانيه لشفتيها و رغما عنها تخيلت اكرم و هو يحاوطها كما يفعل عاصم مع شذى الان ..

لمعت عينها بدموعها و لكنها افاقت من تخليها على ضحكات شذى بعدما قبلت عاصم على وجنته بقوه حتى دفعها عنه و نظر لحنين ثم رمق جنه بنظره خاطفه قائلا بحذر : ايه رأيكم نتغدى برا النهارده !

و كما توقع صرخت شذى بصخب موافقه و نهضت حنين بشغف موافقه و اخبرته انها ستصعد لسلمى تخبرها على الفور و قبل ان تفعل ابتسمت جنه و هى تتحرك باتجاه المطبخ و لكنها تجمدت مكانها و صوته يصلها قائلا بجديه : انتِ رايحه فين ؟

استدارت جنه له بتعجب ثم اشارت على المطبخ بقلق من نظرته المتفحصه و تمتمت : هدخل .

ثم اعطته ظهرها لترحل مجددا و قبل ان تفعل وصلها صوته مره اخرى و لكن بنبره قويه آمره : انتِ هتطلعى تلبسى علشان تيجى معانا ..

عقدت ما بين حاجبيها بدهشه قائله باستنكار : اجى معاكوا فين ؟ لا معلش مش هينفع .

فأخر ما قد ترغب به فى حياتها ان تذهب مع هذا الكائن مكان ما .. ابدا لن تفعل .

و عناد بعناد رفع رأسه ينظر اليها بجديه موافقا اياها : و انا قولت هتيجى يا اما مفيش خروج .

و هنا كان اقناعها دور شذى و حنين و التى اجبرتها بالنهايه على الذهاب معهم لترمقه قبل ان تصعد بنظره نافره اشعلت اوداج غضبه و لكنها احييت روح العناد بداخله ..

و دون ان يفكر كثيرا عن سبب ما فعل صعد ليستعد هو الاخر .

سبب موافقته لطلبها , سبب رغبته فى فرحتها , كان يتعجب اهتمام شقيقاته و حبهم لها و عدم وجود رسميه بينهم كما كان مع من سبقها و لكنه الان يفهم ما ألقته تلك الحمقاء بقلوبهم و ألقت اقوى منه بعقله هو .. فتبا لها .

اخذ حماما وارتدى ملابسه و عندما هبط للاسفل ابتسم بسخريه فمن فرط حماسهم استعدوا قبل ان ينتهى هو حتى .. و بمجرد ان رأته سلمى اطلقت صفيرا باعجاب واضح : ايوه بقى .. ايه يا سياده النقيب انت ناوى تجيب عروسه النهارده و لا ايه ؟

لتلاحقها شذى بغيظ و هى تقترب منه قليلا تنظر اليه بتهديد : لو اتعاكست النهارده انا هتخانق على فكره ..

بينما حنين ظهرت غيرتها عليه بوضوح عندما اقتربت منه و قبل ان تقترب حتى وصلها شذى عطره الذى يمنحه جاذبيه خاصه فهمست و هى تعقد حاجبيها بضيق حقيقى : عاصم انا مش قولت لك قبل كده بلاش البرفيوم ده .

استند على سياج الدرج ينتظر انتهائهم من الاسطوانه المعتاد عليها و لكن الان و لسببا ما التفت لينظر لجنه التى رمقته بنظره بطرف عينها ثم تجاهلته فمهما ارتدى سيظل ذلك الغرور المعتوه الذى مزق رساله والدتها و هشم برواز صورتهم ..

داخل السياره ارتفعت ضحكات شذى و سلمى و مزاحهم السخيف كما يعتقد عاصم و يعتاد ايضا بينما من حين لاخر ينظر لجنه بالمرآه ليستمتع قليلا بغمازتها الصغيره التى تظهر فور ان تتسع شفتيها بابتسامه واسعه ..

حتى هتفت شذى و هى تنظر لعاصم و قالت بفرحه و حماس : انا حلمت حلم جميل قوى امبارح .

همهمت حنين و قالت بحنان ساخر : خير اللهم اجعله خير حلمتِ بايه ؟

حدقت بعاصم قليلا ثم انفجرت ضاحكه و هى تقول من بين ضحكاتها : حلمت ان ابيه عاصم بيتجوز ..

صمت خيم على السياره قليلا ثم انفجرت الفتيات ضحكا بينما ابتسم عاصم على رد فعلهم فهم محقون فشخص مثله كيف له ان يتزوج !

و عبرت سلمى عن ذلك بوضوح عندما هتفت و هى تربت على كتفه : طيب و دى حاجه حلوه ! دا الله يكون في عونها اللي هتتجوزه .

دفع عاصم يدها عنه فازدادت ضحكاتها فهى بحق لا تتخيل ان يتزوج اخيها , يلتزم بامرأه و بيت , بل و يحبها و يدللها , و ينجنب اطفال بل و يربيهم ايضا فهو لا يطيق نفسه فكيف يطيق نفوس اخرى !

و هنا عضت شذى على شفتيها بعبث و هو تنظر له بمرح و متوقعه ضربه قاسيه بعد ما ستقوله الان : انا شوفت مين العروسه كمان .

ترقب الجميع اجابتها على سؤال سلمى : ايه ده بجد مين ؟

فحمحمت شذى قليلا ثم اخفت وجهها بيدها متجنبه اى ضربات مفاجئه و هتفت بصوت عالى : جنه .

شعرت جنه بدلو ماء بارد يُسكب عليها و تجمدت الابتسامه على وجهها و هى تنظر بذهول لشذى و للوضع التى وضعتها به و خاصه عندما اهتزت السياره من ضحكات سلمى و حنين و الاسوء عندما اتسعت ابتسامه عاصم ناظراً اليها فى المرآه يحاصرها بنظراته و هو يتسائل بخبث : و ايه اللى حصل يا شذى ؟

رفعت سلمى حاجبيها بدهشه فشقيقها مُأكد قد وقع لا نقاش فى هذا , بينما تبادلت معها حنين النظرات الماكره و هم ينظرون اليه غير مدركين ما حل بجنه فى هذا اللحظه تحديدا و خاصه و شذى تردف برومانسيه غير مدركه كليا لتأثير ما تقول على جنه بل و عاصم ايضا : كنتوا بترقصوا سوا و انت كل شويه توشوشها و هي تضحك و بعدين بوستها .

ثم انهت كلامها الذى سحب الدم من وجه جنه بقسوه لا تدركها هى عندما تسائلت بفضول : انتوا ممكن تتجوزوا فعلا يا ابيه ؟

انتفضت جنه و همت بالصراخ حاولت و حاولت و لكن صوتها لم يخرج , هى ابدا ابدا لن تتزوجه و ان كان اخر الرجال على وجه الارض , كيف تسمح بتحكم اخر فى حياتها و الاهم شخصا مثله بقسوته و تعنته بل و غروره !

كيف تسمح بأن تعيش اسيره داخل قضبان سجن جديد يرسمه اخر لها !

كيف تسمح للخوف بأن يظل حولهاا , معها و داخلها دائما ؟

هى تكرهه و بشده و لا ترغب بأى نوعا من العلاقات معه حتى و ان كانت لا معنى لها ؟

فماذا ان كانت زواج !

اغلقت عينها و شعور بالاشمئزاز يحتاجها بقوه بينما هو يراقبها من المرآه ليصدمه رد فعلها و كيف ان غضبها و نفورها منه لم يختفى رغم خجلها الواضح , خوف , قلق , غضب , ارتباك , نفور و اشمئزاز رأى هو كل هذا على ملامحها فزفر بقوه متجاهلا الامر .

الامر الذى كان على وشك التفكير فيه او ربما فعل .

ان يتخيلها بجواره , بين ذراعيه , يستيقظ على ابريقها العسلى , ينام على قبلاتها الدافئه , يحضنها , يرى خصلاتها , تفوز اصابعه بملمس بشرتها و يرتاح من تعبه بين ذراعيها او ربما يضع رأسه على فخذها لتعبث بخصلاته بحنان ينتظره منها و منها فقط !

و فى المقابل يرى هو اشمئزاز و نفور منها ....... اللعنه .

**************

فى مدخل احد المولات الكبيره توقف ناظرا اليهم متسائلا و قد قرر ان يمنحهم رخصه التحكم فى اليوم : تحبوا تعملوا ايه الاول ؟

و كان الاتفاق على دخول السينما و بعد جدال بينهم استقر الجميع على فيلما كوميديا و قد كان ,

اندمجت جنه معهم و نست او تناست ما حدث و ما شعرت به قبل قليل و انتهى الفيلم و حان وقت المحطه التاليه و قد ترك لهم حريه الاختيار ايضا فاتفق الجميع على شعورهم القارص بالجوع و قد كان و دقائق و جلسوا ينتظرون ما سيحضره عاصم لهم من مطعم المول ..

وقف ينظر اليهم من بعيد يضحكون و يتجادلون سويا باندماج و أُلفه فابتسم و هو يراقبهم حتى جذبه صوتا حوله فاستدار ينظر ليجد شابين يضحكون و يتهامسون و اصابعهم تشير لطاوله شقيقاته فاحتدت عينه و هو يتابعهم و يتابع حوارهم ..

- شايف البنبونايه اللى هناك دى !
• دول 3 مش واحده يا عم .
- لا اللى لابسه بنى دى زى القمر

و ادرك عاصم ان الحوار عن جنه فأغلق عينه يتماسك فهو بمكان عام و لكن لم يتوقف الشابان عند هذا الحد بل استمر جدالهم ..

• تصدق صح يخرب بيت جمال عنيها بس ممكن تكون عدسات
- و اذا لو هى كلها على بعضها صاروووخ .
• لا فى دى معاك حق
- اوف بقى ياريتنى مكان ايديها ..

استدار عاصم بحده ليجد جنه تضع يدها على فمها تمنع ضحكتها فجن جنونه و هو يخمن ببساطه ما يشغل تفكيرهم فرفع يده يحك جانب فمه بغضب اعمى و لكنه تحرك باتجاههم و ابتسامه سوداء ترتسم على شفتيه , استند على الطاوله امامهم منحيا بجذعه ليهمس بنبره رجوليه ادركها الشابان على الفور : حلوين .. صح ؟

ابتسم الشابان ليغمزه احدهم قائلا بوقاحه : عجبوك انت كمان !

اتسعت ابتسامه عاصم و هو يمنح لنفسه حق قتلهم ببساطه : مش هتكلموهم طيب ؟ مش يمكن لوحدهم !

حك الفتى عنقه بتفكير ثم هتف بموافقه : معاك حق قوم يا بنى ناكل عيش .

ليضحك الاخر ناهضا معه مردفا : قصدك ناكل ملبن , شيكولاته , بسكوووووته .

ضرب كفه بكف رفيقه و تحركا باتجاه الطاوله التى يتجمع الفتيات حولها بينما حرك عاصم رأسه يمينا و يسارا حتى صدر صوت طقطقه عنقه و تحرك باتجاه الكاشير هاتفا و هو يتجه للطاوله هو الاخر : الغى الطلبيه .

وصل الشباب للطاوله و قبل ان تستدير الفتيات لندائهم كان عاصم يلكمه بغضب ليسقط ارضا و يباغط الثانى قبل ان يبتعد ليسقط بجواره و لم يكتفى بل انخفض يفرغ شحنه غضبه كلها بهم و هو يتذكر حديثهم , نبراتهم بل و ايحاءاتهم الوقحه ..

حتى صرخ به شيخ مسن : مينفعش كده يا ابني بلاش تستقوى علي خلق الله حرام عليك !

اعتدل عاصم ناظرا اليه بغضب اسود و هدر قائلا : بيعاكسوا اخواتي و اتجرأوا و كلموهم و اتعدوا على حرمه اهل بيتى , يبقي اعمل فيهم ايه ؟

احتدت عين الرجل و هو يضم ابنته الواقفه لكتفه كأنه يحميها و صاح بغضب : تموتهم .

اتسعت ابتسامه عاصم الغاضبه و هتف بحنق و هو ينظر للبقايا الواضحه من وجه الشابان : و دا اللى انا بعمله .

جاء أمن المكان فأخرج عاصم بطاقته الشخصيه فتراجعوا قليلا و تحرك هو باتجاه الفتيات هاتفا موجها حديثه لرجال الامن : اطلبوا لهم الاسعاف ..

ثم نظر للفتيات هادرا و هو يشير باصبعه للطريق امامه : اتفضلوا قدامى .

ساد الصمت بالسياره و كاد عاصم يُزيد من سرعته فربما يستطيع الحد من غضبه الذى يزداد كلما تذكر كلمات الشابان و لكن همسة جنه بأن يبطئ اجبرته على السير بسرعه معتدله , عاتبته حنين بخفوت : حرام عليك يا عاصم مكنش المفروض تأذيهم كده .

شدد قبضته على عجله القياده و هو يهتف بسخريه و انفاسه تتسارع بشكل اخبرها بوضوح عن غضبه : حرام ! و اما يقعدوا يعكسوكوا مش حرام , لما يفضلوا باصين عليكم مش حرام , لما يقولوا كلام قذر عنكم مش حرام , و ضربي لهم هو اللي حرام ؟

صمتت حنين مدركه ان هذا ليس بوقت عتاب او حديث فعاصم فى اكثر اوقاته غضبا و لكن جنه لم تفهم هذا بل همست بخفوت : الرسول عليه الصلاه والسلام قال " ليس الشديد بالصرعه انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " .. كان ممكن تتكلم معاهم بهدوء م...

قاطعها بعنف و خرجت نبرته ساخره و لكن ما جمد الدماء بعروقها جرأته التى وصلت لحد الوقاحه : تصدقى عندك حق , يعني اللي كان بيشعر فيكِ كان المفروض اقوله بهدوء عيب يا حبيبى ميصحش , و اللي كان عايز يبوسك اقوله بالراحه غلط يا بابا مينفعش , علي الاساس انهم يعنى مايعرفوش ؟

و لم يدرك ما قال حتى هتفت سلمى بضيق و هى تشعر به يُحرج جنه بل و يمس كرامتها و احترامها : عاصم دا مش اسلوب مينفعش كده .

زفر بقوه فهو بالفعل تعدى حدود الاحترام فى التحدث معها , ضرب بقبضته على عجله القياده و صمت ما بقى من الطريق و هو يسب من دفعه لمثل هذا الغضب و الذى دفعه ايضا ليغضبها بل و يُبكيها .

لمعت عين جنه بالدموع و هى تضغط على شفتيها مانعه غصه حاوطت قلبها , من سخريته , ادانته , وقاحته و قله ادبه معها .

حتى وصلت للمنزل و بمجرد ان ترجلت من السياره اسرعت للداخل و لكنه بحركه سريعه لحق بها لن يعتذر و لكن على الاقل ليطيب خاطرها و لكن بمجرد ان رأته امامها مجددا تساقطت دموعها رغما عنها و هى تهتف بوجهه بحزن و غضب و كره شديد له : انا قولت لك ابعد عنى , ليه مصمم كل مره تجرحنى اكثر , انا بكرهك , ابعد عنى و ارتاح و ريحنى .

ثم تركته و ركضت مسرعه للاعلى و عندما دلفت حنين و سلمى التى كانت تحمل شذى بعدما غطت فى نوم عميق لم يجدوا احد منهم فاتجهت كلا منهما لغرفتها بصمت .

اما هو فكاد يكسر باب غرفتها و يدخل ليكسر رأسها من شده غضبه و لكنه اكتفى بضرب يده بالحائط حتى ما عاد قادر على تحمل ضربه اخرى فجلس على فراشه ينظر ليده بغضب و هو يُدرك حقيقه جديده و هى انه بجوار تلك الفتاه يفقد ما يملك من عقل , اتزان و هدوء ..

**************

لست النساء ماذا نقول
احبك جدا
احبك جدا و اعرف أنى أعيش بمنفى و أنتِ بمنفى
و بينى و بينك
ريحٌ
و غيمٌ
و برقٌ
و رعدٌ
و ثلجٌ
و نار
و أعرف ان الوصول لعينيكِ وهمٌ
و أعرف ان الوصول اليكِ انتحارٌ
و يسعدنى
أن أُمزق نفسى لأجلك أيتها الغاليه
و لو خيرونى
لكررت حبك للمره الثانيه .

" نزار قبانى "

خطوات تفصله عن منزل حلم العمر .

ها هو يتجه ليتحدث مع والدها , ليعبر , ليشرح كيف يحب و كيف يرغب و ماذا على استعداد ان يفعل لاجل ان تكون امرأته و فى بيته و تحمل اسمه .

يعلم ان الرفض احتمالا اكبر من الموافقه , يعلم ان الطريق للخساره اقصر بكثير من طريق المكسب و لكنه سيفعل كل ما يستطيع ليفوز مهما كلفه الامر .

توقف امام الباب الرئيسى للمنزل يتحكم فى انفعاله الداخلى , قلقه , توتره و الاسوء تفكيره و ظنونه التى تكاد تفتك به .

تمالك ما بقى من اعصابه و قرر اتخاذ الخطوه و ليرى النتيجه ايا كانت .

دقائق قليله و ها هو يجلس امام عز يتحدث بهدوء و رزانه رغم ما يموج فى صدره من انفعالات .

تحدث باعتياديه , حوار خاص بالعمل , حوار قصير عن العائله جاهد فارس فيه الا يتحدث عن اكرم احتراما لرغبته , مزاح و بالنهايه تصريح بالمفاجئه هاتفا بقوه و ثقه : بصراحه يا عمى انا جاى اطلب ايد الدكتوره حنين .

تأكد عاصم من شكوكه و لكنه لم يعاتب و لم يتحدث مدركا ان فارس اخفى عنه رغبه منه ان يكون اول الحديث امام والده و احترم هو ذلك منه بل و ازداد يقينا ان فارس رجلا يطمئن على شقيقته معه .

تنهد عز متقبلا الصدمه بجداره رغم معرفته السابقه للامر و لكن ان تكون حنين هى من فى وجه المدفع اثار قلقه كثيرا و عبر عنه قائلا بجديه نقلت التوتر لقلب فارس ايضا : انت عارف ايه عواقب طلبك ده ؟ عارف ايه ممكن يحصل و ايه ممكن يواجهك انت و هى !

ضم فارس قبضته متجاهلا احساس الخوف الذى اصابه عليها و اعتدل ناظرا لعز باصرار واضح و عزيمه قويه و اخذ يقطع عليه وعدا بل ألف وعد بأن يحميها .

يلقى امامه كل حبه دفعه واحده دون خجل او اخفاء , يخبره انه لن يتنازل عنها لخوف من ماضٍ مات و لابد ان ينتهى .

يمنحه اقرار و عهد بأن تكون له اكثر مما تكون روحه , ان يحفظها فى نفسه و فى قلبه ما كُتب له من عمر .

و امام ثقته , اصراره , ارادته و قوه كلماته شعر عز بالاطمئنان على ابنته و لو قليلا .

محمد منحه وعد بالحفاظ على ابنته حتى و ان لم يفعل ابنه , و فارس يمنحه و عد اكبر بالحفاظ على من ملكت قلبه و تمناها ملكه لبيته .

فماذا يتمنى الاب اكثر من السعاده , الراحه و الحب لابنته و خاصه حنين و التى تستحق اكثر مما يكنه لها فارس حتى .

و هنا نظر عز لعاصم الذى وضع يده على كتفه قائلا بثقه هو الاخر : انا واثق فى فارس يا بابا و عارف انه هيقدر يحميها و يحافظ عليها ثم ان الزمن اتغير و لازم جدى يعرف اننا مستحيل ندفن نفسنا دلوقت زى ما عمل هو مع ولاده زمان .

نظر عز امامه بهدوء يُفكر .. فمثل هذا القرار لن يمر بسلام و لكن حان الوقت للتحرر و تمتم بقرار قاطع و هو يتذكر حديثه مع محمد الذى اخبره عن موقف فارس و اصراره : انا موافق مبدأيا يا فارس بس طبعا قرار حنين اهم و رفضى او قبولى هيعتمد بالنهايه على قرارها هى .

ابتسم فارس بصوره وضحت مدى فرحه قلبه و ما هذا الذى يسعده اكثر من انه وفى بوعده الذى قطعه لها منذ كانا اطفالا لا يفقهون الكثير .

و رحل على اتفاق بالاجابه على طلبه فى خلال ايام و كم سينتظر هو ذلك .

**************

منع عز عاصم من اخبار احد بطلب فارس قبل ان يفكر فى الامر قليلا و قد كان و بعد يوما كاملا قضاه ليلا نهارا يفكر , أكد لنفسه انه يتخذ القرار الصحيح , ابنته تستحق ذلك و فارس شابا اكثر من رائع و يتمناه اى اب لابنته و فارس يتمنى ابنته و هو وافق .

اجتمعت العائله مساءا كالعاده دائما , جلس عز بجوار حنين محتضنا اياها لصدره مقبلا جبهتها ثم تمهيد , حوار مبهم عن العائله , حبه لهم , خوفه عليهم و اهتمامه بما هو الافضل لهم دائما ثم تمتم بالاخير و هو ينظر لليلى التى تعجبت حواره و نبرته التى حملت من الشجن الكثير و نادرا ما يتحدث هو به : فارس كان جاى يطلب القرب منى .

صدمه , قلق و خوف كبير اندفع لقلبها رغما عنها فهتفت بعدم تصديق : هو اتجنن ؟

اختفت الابتسامه تدريجيا عن وجه سلمى التى كادت تطير من شده فرحها عندما استمعت لرد ليلى و التى اخبرها ان ربما مشاكل العائلتين التى لا تعرف عنها شئ تخرب حلمها كله , بينما اغلقت حنين عينها بعدما رأت من فرحه سلمى نهايه حلم الصغر و الذى اكتنف روحها حتى هذا اليوم ..

اعتراف فارس لها بحبه ثم مبادلتها اياه باعترافها ثم قبلته , سخافته , ارتباكه و فرحته و التى جسدت منها لوحه حياتها و التى اعتقدت انها ستكتمل بزواجها منه , هى ليست غافله عن نظراته , عن شجنه كلما رأها , ضحكه عينيه , لهفه كلماته و اطمئنانه عليها , و يوم صرحت سلمى عن حبها , شغفها و تعلقها به كاد قلبها يموت بل بالفعل مات و ها هى اليوم تدفنه للابد , ستتخلى عنه و عن نفسها و قلبها و كل ما بها لأجل شقيقتها , ستترك خلفها قلبا يتألم و نفسا جازفت لتفوز بها و هى من ستبتعد , و حتى ان كان حلم شقيقتها مستحيل فهى لن تتحمل ان تكون هى سبب المستحيل ابدا .

وضع عاصم يده على يد ليلى يناظرها بتفحص و هو يحاول امتصاص قلقها فهو يثق تمام الثقه بفارس و الاهم انه يثق بنفسه فلن يسمح لاحد بإذاء شقيقته ما دام على قيد الحياه : ليه يا امى , فارس انسان ممتاز , انتِ عارفاه كويس , يعتبر متربين سوا , عارفين اهله و حياته و كل حاجه عنه , ليه هنحكم عليه بسبب تقاليد انا واثق انك مش مؤمنه بيها اصلا .

استدارت ليلى له بقلب أم تخشى الهواء على اطفالها و هتفت بحده و هى تجذب يدها من يده : انتوا متعرفوش حاجه , لا انت و لا هو و لا اى حد منكم , احنا بس اللي نعرف , احنا بس اللى مدركين لحجم المشاكل و القلق اللى هيحصل , لا جدك و لا جده هيقبلوا بحاجه زى دى ابدا و انا لا يمكن اسمح لبنتى تبقى فى النص بينهم .

فتح عاصم فمه ليُجيبها و لكن بادر عز بالحديث و هو يضم جسد حنين اليه اكثر متسائلا : طيب ما عاوزه تعرفى مين عروسته الاول يا ليلى ؟

انكمش جسد حنين و كم كانت تود الاختفاء نهائيا ففتحت عينها ببطء تنظر لسلمى التى تأهبت و هى تخفض وجهها خجلا و كل ملامحها تنبض بالسعاده و الانتظار فأغلقت عينها التى لمعت بدموعها حسره على شقيقتها , فارسها و على قلبها المسكين الذى كُتب عليه الموت قبل ان يعيش حتى .

ربت عز على يدها ففتحت عينها لتنظر اليه لتجده يبتسم غامزا اياها متجاوزا مدى قلقه هو الاخر و لكن هو عاهد نفسه على حمايتها قبل الاخرين و صاح مطلعا الجميع على رغبه فارس بها : فارس طلب ايد حنين يا ليلى .

صمت , صمت , صمت و صدمه

ارتفعت نبضات قلبها صخبا يبكى , و ارتجفت عينها بعدم تصديق و ابتسامتها تتلاشى تدريجيا و هى تنظر لحنين التى تحاشت النظر اليها لتصرخ روحها بالرفض .

شقيقتها !!

فارس احلامها اراد الزواج بشقيقتها !

لا مانع من تحطم احلامها على صخره الواقع بل هى توقعت هذا و لكن ان تكون شقيقتها الواقع ... وضعٌ لا يحتمل .

أنّ قلبها بين ضلوعها و جعا و هددت دموعها بالهروب من مقليتها و هى ترى نظرات حنين الحذره و المعتذره تجاهها .

كانت ترى بعينيه نظرات اساءت تفسيرها و ربما لم تفعل فقط اساءت فهم وجهتها .

اذا ما رأته لم يكن مشاعر حقيقه لها بل كان انعكاس لمشاعرها هى .

ارسلت حنين لها ألف اعتذار بنظراتها , صمتها , خزيها و لمعة عيونها بدموعها .

و لكن سلمى لم تتقبلها و لن تفعل .. لن تستقبل اعتذارها بل سترده اليها اتهاما , لن تحترم صمتها بل ستجلدها بسياطه , لن تُقدر خزيها و لكنها ستمنحها عارا و لن تهتم بدموعها فقط ستحرقها لوما .

نظر عز لحنين واضعا يده اسفل ذقنها ليجعلها تنظر اليه و لاول مره تهرب هى بنظراتها منه اعتقد هو انها خجلى فابتسم متسائلا بتمعن : ايه رأيك يا حنين ؟

كادت ليلى تصرخ به و لكنه اشار لها بالصبر منتظرا اجابه صغيرته و التى جاهدت لتنطق بها رغم رفض قلبها , تجاوزت كل أمانيها و التى كان هو اغلبها ان لم يكن جميعها و تمتمت بحزم رغم نبرتها المرتعشه : انا مش موافقه يا بابا .

تنهدت ليلى بارتياح بينما حدق عاصم بها قليلا ثم قال يحاول الوصول لسبب رفضها : مش موافقه على مبدأ الجواز عامه و لا على فارس بالذات ؟!

تنهدت حنين فهى لا توافق على ان تكون السبب بألم شقيقتها فقط , جاهدت لترفع عينها و لكنها لم تستطع و دموعها تغلبها لتحرق عينها عجزا مهدده بالسقوط و لكن تحاملت و اجابته : الاتنين يا عاصم , مش عاوزه اتجوز دلوقت اولا علشان انا لسه مخلصتش دراستى و ثانيا علشان انا الصغيره مينفش اتجوز قبل سلمى و ثالثا بقى ...

ابتعلت غصه اصابت روحها و هى تردف بنبره ضائعه : ماما معاها حق فى كلامها و علشان كده انا مش موافقه على ... على فارس .

قبضت يدها بعنف تحاول بقدر ما اوتت من قوه التماسك لكى لا تصرخ معبره عما يحرق قلبها و يكاد يُميت روحها , بينما سلمى تنظر اليها بحده و روحها المتمرده تشتعل غضبا ..

صمت عز لحظات فا هى حنين تقطع عليهم اطول و اصعب الطرق و زفر مستشفا قرارها النهائى : دا قرار نهائى و لا محتاجه وقت تفكرى ؟؟

اختنقت نبرتها و ظهر الالم جليا بها او ربما هذا ما شعرت به سلمى و هى تجيب بخفوت : لا يا بابا دا اخر كلام عندى .

و رغما عنها لم تعد تتحمل , فنهضت مستأذنه لتركض مسرعه للاعلى و اتجهت لغرفه جنه و بمجرد ان دلفت ركضت اليها تُلقى بجسدها بين يديها تبكى كما لم تفعل من قبل ..

و لم تحتاج جنه ان تسأل فهى تعرف السبب فحنين سبق ان اخبرتها كل شئ عن حبها بل و حب فارس لها , اخبرتها عن طفولتهم معا , اخبرتها عن وعده بأن يتزوجها و عن وعدها بانتظاره , و بالامس عندما اتى فارس ادركت جنه انه ينفذ وعده و الان و هى بين ذراعيها تبكى ادركت انها اخلفت وعدها ..

فحنين بصدق قلبها و براءته لن تسمح بأن تجرح شقيقتها جرحا كهذا , لن تمنحها الالم و تلذذ هى بحياتها , لن تدعها تخسر قلبها و تربح هى كل ما تتمناه روحها .

ضمتها اليها اكثر تاركه اياها تُفرغ مكنونات قلبها و التى لم تبخل حنين بها بل شاركها فى هذا جسدها الذى ارتجف , صوتها الذى ارتفع بنحيبها و يدها التى اعتصرت جسد جنه حتى كادت تصرخ من ألمها و هتافها بصوت مذبوح : كل حاجه انتهت يا جنه , حبى , انتظارى , حبه و حتى فكره وجوده فى حياتى بقت غلط .. انا خلفت وعدى له , انا نهيت كل حاجه .

فزعت جنه و هى ترى سلمى تقتحم الغرفه دون سابق انذار بعدما سمعت ما قالته حنين كاملا و زاد ذلك غضبها غضبا لتغلق الباب خلفها بعنف جعل حنين تنتفض جالسه و سلمى تهتف : بتعيطى ليه يا حنين ؟

رفعت حنين يدها تُزيل دموعها و هى تستعد لمواجهه من اصعب ما يكون عليها و قبل ان تنطق بادرتها سلمى و هى تعقد ذراعيها امام صدرها و انفعالات روحها تبدو بوضوح على ملامحها : صعبان عليكِ طبعا ترفضي حبيب القلب علشان خاطري .... صح !

عقدت جنه ما بين حاجبيها و هى عاجزه عن التدخل و لكن سلمى الان تنظر للامر من اكثر اوضاعه خطئا .. بينما حملقت بها حنين بصدمه و عينها تخونها لتنهمر دموعها مره اخرى , و هى تحاول ايجاد كلمات لتدافع عن نفسها متمتمه : سلمى انا عملت كده علشانك , انتِ ..

و هنا اندفع ماردها المجنون و خزى حنين يدفعها اكثر للجنون صارخه بسخريه : علشانى !! لا انتِ رفضتِ علشان تبقى الطيبه الاصيله اللى ضحت بسعادتها علشان اختها .

و دون ان تدرى ما تقول او كيف تقوله هاجت و انفرط عِقد ألمها لتتساقط حباته تباعا بألم اشد على حنين : لكن لا يا حنين , تمثيلك ده مش هيفرق , انا جيت لحد عندك و بكل فرحه قولت ليكِ انا بحبه , انا بتمناه و عاوزاه , قولت ليكِ قد ايه فكرت فيه , و انتِ..

اشارت اليها بسبابتها تلومها بأقسى ما قد يوجعها : انتِ وقتها سكتِ , رغم انك كنتِ متأكده انه بيحبك انتِ و عاوزك انتِ , لا فهمتينى و لا حاولتِ تشرحى سكتِ و بس , و جايه دلوقت ترفضى !!

بدأت قسوتها تتلاشى تدريجيا ليظهر و لو قليلا من حزنها و هى توضح شارده : مكنتش متأكده هو بيحبنى و لا لأ , مكنتش اعرف القدر هيجمعنى بيه و لا لأ , كنت متقبله فكره انه ممكن يكون بيحب واحده تانيه او انه ممكن يتجوز غيرى ,

لمعت عينها بالدموع فى مشهد نادرا ما تراه حنين من شقيقتها المتمرده فازداد انتفاض جسدها وجعا عليها و على نفسها و سلمى تردف : كنت مستعده اتقبل الفكره دى , نصيب مش مشكله , هتجاوز الموضوع و هيعدى لكن ..

ثم احتدت عينها بعنفوانها المعتاد لترفع يدها مزيله دموعها بقسوه و هى تشير على حنين بشئ من الغضب و الكثير من عدم التصديق : لكن ان التانيه دى تبقى اختى دا اللي مكنتش متوقعاه ابدا .

كانت جنه تنقل بصرها بينهم بحزن و شفقه , بينما ارتفع صوت حنين و هى تكتم فمها بيدها و سلمى تصرخ بوجهها مؤنبه غير عابئه بجرحها و الذى يبدو انه فاق جرح سلمى بكثير : بتعيطى ليه يا حنين ؟ علشان رفضتيه و انتِ عاوزه توافقى ! و لا صعبانه عليكِ فبتحاولى تواسينى ! و لا مش هاين عليكِ هو يزعل و تخسريه ! حقيقى يعنى هو انسان كويس خساره الواحد يخسره .

اعتصر قلب حنين قبضه قويه كادت تفقدها انفاسها ,
كيف تخبر شقيقتها انها بالفعل تحبه و لكنها ترفض كل هذا لاجلها !

كيف تخبرها ان حزنها و دموعها بل و انفعالها هذا يكاد يمزق روحها هى اربا !

كيف تقول لها ان الكون كله لا يساوى لحظه فرحه معها !

هى شقيقتها فكيف تخبرها ان لهذا عظم المعنى عندها !

اجل تحبه , بل تعدى الامر الحب بكثير ليصير شغفا حرق كلاهما انتظارا للوقت المناسب ,

اجل كانت تنتظره و تتلهف ليوما يحمل اصبعها حلقته الذهبيه ,

اجل تبكى روحها و قلبها و فارسا امتنعت عنه بارادتها كما يبدو و اه لو تدرى انه رغم انفها ,

و اجل تحزن كل الحزن على فكره خسارته و عدم القدره على النظر اليه حتى فهو نفذ وعده و لكنها من اخفقت ,

و لكن مع كل هذا هى اختارت شقيقتها , اختارت سعاده سلمى و لو على حساب سعادتها .

و بالرغم من ذلك تمنحها سلمى من الجرح اضعاف ما تحمله , تضع اطنانا من الوجع اكثر مما تشكو روحها بل و تراها مخطئه فقط لانها لم تخبرها ..

اقتربت منها سلمى و هى تمعن النظر فيها و بأسوء اتهام ممكن ان تفعله قالت و قد تمكن الشيطان من افكارها فانحرفت لاقصى ما يؤلم و هى تتذكر ما سمعته قبل ان تدلف للغرفه : كنتِ بتشوفيه فين ؟ كان بيجى ليكِ الجامعه ! اعترف ليكِ بحبه امتى ! و انتِ اعترفتِ برده و لا ايه ؟ من امتى و انتِ بتغفلينا كلنا علشانه ؟

اتسعت عين حنين بصدمه و هى ترى الاتهام بعين سلمى اسوء من كلماتها , بينما هنا لم تستطع جنه التزام الصمت بل اقتربت من سلمي هاتفه بقوه رغبهً منها فى اعاده سلمى لوعيها : ايه اللي بتقوليه دا يا سلمي ؟ انتِ مدركه انتِ بتقولي ايه !

التفتت اليها سلمي بعصبيه لتشيح بيديها فى وجهها صارخه باستحقار شل حركه جنه تماما : انتِ مالك اساسا ؟ اوعى تنسى انك فى الاول و فى الاخر واحده بشتغل عندنا بلاش تعملى فيها ناصحه و خليكِ فى حالك ... فاهمه !

عادت جنه خطوه للخلف و هى تحدق بها ذاهله , حسنا هى مجرد مربيه لشقيقتهم و لكنها اعتبرتهم اخوه لها , تحزن لحزنهم و تفرح دائما معهم و لكن قالها الابن الاكبر سابقا و ها هى ترددها هى الاخرى , لا يجب ان تنسى وضعها هنا .

و هنا تحدثت حنين بدهشه هى الاخرى من رد سلمى بل و مازالت لا تصدق اتهام سلمى لها و هتفت محاوله منها لجعل سلمى تستمع اليهم و هى تضع يدها على كتفها لتلتفت اليها : سلمى انتِ لا..

فوجئت حنين بانتفاضه سلمى و هى تدفع يدها عنها بعنف صارخه بكره غلف صوتها و نبره لاول مره تسمعها حنين منها : انا مش عاوزه اشوفك قدامى خالص و اوعى تقرب منى .. فاهمه ؟؟

صرخت بالاخيره بأعلى ما تملك من صوت ثم صمتت قليلا تنظر لوجه حنين المحدق بها بذهول فأخذت قرارها و وضعته قيد التنفيذ متمتمه : مش انتِ بتحبيه ؟ و عاوزاه و نفسك توافقى على الجواز و انا السبب اللى منعك ،

صمتت لحظات اخرى ثم تحركت باتجاه الباب و لكن قبل ان تخرج نظرت اليها منهيه حديثها : انا هنزل اقول لبابا انك موافقه و يبقى مبروك عليكِ يا عروسه .

فتحت الباب و خرجت بينما شهقت حنين و هى تتبعها تنادى اسمها و لكن سلمى لم تلتفت لها حتى و عندما وصلت لنهايه الدرج و همت بالتحرك لغرفه الاستقبال حيث يجلس والديها و عاصم ، توقفت اثر صرخه حنين العاليه و هى تلتفت مسرعه لتتسع عينها بذهول و هى ترى حنين تتعثر ليختل توازنها و تسقط ليتدحرج جسدها على الدرجات , ثم سكون تام امام قدمها و خط رفيع من الدماء يسيل على جانب وجهها .

لحظات مرت , انتفاض والديها و عاصم , ركض باتجاه شقيقتها , صراخ ليلى باسم حنين و خوف بعين عز و اضطراب اصاب عاصم , دفعها , ابتعادها للخلف خطوات , حُملت حنين ثم سكون تام حولها فقط تقف بعدم استيعاب لما صار خلال دقائق .
اقتربت جنه منها و هى تحاول تمالك اعصابها لكى لا تنظر للدماء و صور من الماضى تتلاعب بتفكيرها و لكن هتاف سلمى المهزوز و اصابعها المرتجفه منعها من الدخول فى حاله من اللاوعى بالحاضر : ح .. حن.. حنين !

حاولت جعل سلمى تتحرك معها , و التى دون انذار عادت للواقع دفعه واحده , لتوبخ نفسها , بكاء , صراخ باعتذار , و ندم , ندم , ندم .

حاولت جنه تهدئتها حتى نجحت اخيرا و تركتها تصلى و تدعو لشقيقتها بينما اتجهت هى لغرفه شذى للاطمئنان انها مازالت نائمه ثم توجهت لغرفه سلمى مره اخرى لتجدها جالسه ارضا تحتضن جسدها بقوه و دموعها تنهمر و الندم يحاوط ملامحها .. اقتربت منها و جلست بجوارها وضعت يدها على كتفها فنظرت اليها سلمى ثم احتضنتها لتسمح اخيرا لتمردها و غضبها بالتصدع لتعبر عن وجع شمل روحها مدركه انه لا حلما يعنى لها اكثر من شقيقتها , تتألم او لا لكنها ابدا لن تتحمل تألم شقيقتها .

شددت جنه من احتضانها متمتمه بخفوت و هى تحاول ألا تتجاوز حدودها : ادعى لها , هى محتاجه دعواتك لها بس دلوقت .

تذكرت جنه عندما كانت تمرض دائما ما كانت زهره تداويها بالصدقه فابتسمت بهدوء مردفه و سلمى ساكنه تماما تستمع اليها : لما كنت اتعب كانت داده زهره تخرج من مرتبها مبلغ صدقه و لما سألتها قالت ليا حبيبك النبى قال " دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقة " و كمان ربنا سبحانه و تعالي بيقول " الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "

ادركت سلمى مغزى حديثها و لكنها استمعت الي بقيه كلامها و كأن الامر يمنحها بعضا من السكينه : و كانت بتحكى ليا عن قصه عن النبي عليه الصلاه و السلام لما كان دبح شاه و اخرج منها لله و بعدين بيسأل السيده عائشه ماذا تبقي يا عائشه , قالت لم يبقي سوي كتفها يا رسول الله فقال بل بقيت كلها الا كتفها .

وافقتها سلمى و نفذت كلتاهما االامر , ثم اتصال سريع بالعائله و اطمئنان على حنين , اعتذار من سلمى و قبول من جنه , و انتظار قاسى لعوده العائله للمنزل .

*****************
متى ستعرف كم اهواك يا رجلا
ابيع من اجله الدنيا و ما فيها
يا من تحديت فى حبى له مدنا
بحالها و سأمضى فى تحديها
لو تطلب البحر فى عينيك اسكبه
او تطلب الشمس فى كفيك ارميها
ان احبك فوق الغيم اكتبها
و للعصافير و الاشجار احكيها
ان احبك فوق الماء انقشها
و للعناقيد و الاقداح اسقيها .

" نزار قبانى "

ينظر للاماام و هى تنظر اليه , حلما جميلا طالما انشغل تفكيرها به , اشتعل قلبها شغفا بانتظاره , دقت نبضاتها باسمه معلنه انه يملكها و ها هو يفعل , سطرت بكل ما فيها حبه على صفحه قلبها البيضاء حتى صار جزءا منها او ربما هى جزءا منه .

تنظر لملامحه , هدوءه , شروده و ابتسامته العابثه .

هو معتز قلبها و ان وقف الجميع امامها , هى اختارته و لم تعتاد ابدا سهل الاختيار , هى تحدت به الجميع و لم تعتاد ابدا الفشل , ستحارب حتى و ان كانت ستحاربه نفسه لتفوز , سيحتضن قلبه قلبها و تعانق روحه روحها , لن تتخلى و لن تتنازل حتى و ان كلفها الامر كل ما تملك , فحلمها به يستحق .

يعلم انها تنظر اليه , واعٍ هو بتأملها و يدفعه ذلك للغرور , يبتسم بطاووسيه متفاخره فموج عينيها يحتضنه آلاف المرات بنظراتها , و لكنه هنا يشتعل شوقا .

لا تعنيه نظراتها و لا يهمه مشاعرها فقط هو ارادها و حصل عليها .

و لكن من يريدها كسابق عهده ليست هنا .

من يريدها بين يدى اخر , يلعب بخصلاتها , يستنشق عبق رائحتها , تدرس يداه خريطه جسدها , و تعبر شفتاه عن شغفه بها .

هو تخلى عنها يُدرك ذلك و لكنه لا يتحمل فكره زواجها .

هو هرب من مسئوليته يوم احبها و لكنه لا يستسيغ ان يتولى اخر مسئولياتها .

هو يسير مع زوجته الان و التى تعد تحديا جديدا و يبدو انه فاز به قبل ان يبدأه فهى تكاد تموت به عشقا , و لكنه لا يستطيع لمسها .

تضع هى ما تسميه مبادئ و مجبر هو على تحملها .

يتذكر عندما كان يحتضن بيده يد ملكه قلبه , عندما داعبت اصابعه خصلاتها التى دائما ما كانت تصبغها بلون العسل , و يا ليته أدرك ان عسلها مر المذاق و حياته بدونها و بدون مداعبتها علقم .

يتذكر عندما كانت تميل على كتفه ضاحكه لتطرب اذنه بصوتها الذى يشتاقه الان .

يجلس هو الان و بجواره من اختارها شريكه لحياته بهدوءها و عقلانيتها و نظراتها الحالمه تجاهه فيتأكد انها زوجه مناسبه , من يأتمنها على بيته , ماله , متعته و كفى .

و لكنه يود لو يهرب من نفسه ليركض لمن كان يعيش معها اجمل سنين عمره .

ربما لانها تمنحه ما يحتاجه رجلا مثله من شغف بالحياه , الاموال و الفاتنات مثلها .

و ان كانت الجالسه بجواره بموج عينيها تفتنه فهو لا يستطيع تذوق مدى فتنتها و هذا يغضبه .

زفر بضيق و حاول تجاوز هذا باندماجه مع من تسمى زوجته و رفع يده ليضعها على كتفها ليضمها لصدره ليطفئ بعضا من لهيب صدره بها او بحبيبته السابقه و لكنها فاجأته بحدتها و هى تنتفض مبتعده عنه هاتفه و هى تنظر حولها بخجل و شيئا من الغضب يلمع بعينها : انت بتعمل ايه يا معتز ؟

عقد ما بين حاجبيه من رد فعلها الغريب لا قليلا بل كثيرا و هو يتمتم باستنكار ضايقها قليلا : بحضنك .

ارتجفت عينها بحياء و هى تنظر ارضا فازداد انعقاد حاجبيه متعجبا خجلها البادى بوضوح من حمره وجنتها و هى تخفى عينها عنه .. ثم اضاف بما هو مقتنع به : هو الموضوع فى مشكله ؟ انتِ مراتي و من حقي اعمل كده , و اهو احسن ما احنا قاعدين كل واحد فى ناحيه كده ..

ازدردت ريقها ببطء و هى تحاول تجاوز ما احتاجها من خجل من جرأته التى تراها زائده خاصه على فتاه لم يكن لها اى احتكاك بجنس ادم من قبل سوى نادرا , امتدت يدها تُمسك يده بخفه و رفعت عينها ببطء لتستكين فى اتساع عينيه التى تعشق التيه بهم : صح مراتك و من حقك , بس مينفعش فى الشارع يا معتز .

ثم نظرت حولها باشاره منها لمن حولهم من اشخاص و اردفت بخفوت مس قلبه باحساس غريب ربما يختبره لاول مره : حوالينا ناس و انا مش حابه حد يتكلم علينا ,

ثم اخفضت عينها عنه مره اخرى مبتسمه و هى تكمل : اما حقك تقدر تعملوا زى ما تحب فى بيتك وقتها محدش يقدر يقولك ثلث الثلاثه كام !

انهت حديثها الخجل بضحكه صغيره و هى تتوارى خلف قناع من المرح هاتفه و هى تدفع يده عنها بعدما كانت تحتضنها بكفها : و بعدين يا سيدي انا بتكسف الله .

هل هذا معنى العفه التى طالما تحدثت شقيقته عنه !

هل هذا هو الفارق الذى حاول محمود اخباره به !

الفارق بين هبه و سالى و شتان بينهم حقا .

جرأه يقابلها خجل , صخب يقابله عقلانيه , شهوه يقابلها حب , امرأه متفجره الانوثه يقابلها انثى شديده النقاء .

و هو فى هول مقارنه بينهما و النتيجه لا يعرفها .

بين من اختارها و من اختارته , بين من تعلق بها و من احبته , بين امرأه امام الجميع تتفاخر بأنوثتها الطاغيه و بين امرأه تختص انوثتها فقط له , بين ماضٍ و حاضر يضم بين ثناياه المستقبل , بين ما يريد و ما يريده له القدر .

راقب هروبها منه بخفه و هى تخفى خجلها الذى جعل وجنتيها فى اسوء حاله لها و اعظم حاله له , ارتباك اصابعها التى تضغطها بتوتر و عيناه تتوه فى حركتها , اهتزاز قدمها و الذى سرق انتباهه اليها , و شفتاها التى تعض عليها لتتدافع رغبته تحاوطها .

اخذ نفسا عميقا و هو يُخرج علبه سجائر ليشعل احداها منفسا بها غضبه , توتره و الاسوء رغبته .

احتدت عينها متناسيه ما مرت به من خجل و هى تعقد ما بين حاجبيها متسائله بشئ من التعجب : انت بتشرب سجاير ؟؟

و يبدو انه فهم تعجبها انبهار متذكرا كيف كانت تشاركه سالى سجائره فابتسم ناظرا اليها و ها هو يجد نقطه مشتركه بينهما : بتحبيها ؟

اتسعت عينها بدهشه مردده و جانب شفتيها يرتفع باستنكار : بحبها !!

و هنا فهم استنكارها فتمتم ببساطه و هو يستنشق نفسا عميقا منها موضحا و كأن الامر لا يفرق معه : اه في بنات بيشروبها عادى .

حملقت به قليلا ثم رددت خلفه باستنكار اكبر : عادى !!

ثم احتدت عينها اكثر و هى تهتف به : انت بتتكلم ازاى ؟ انت سامع انت بتقول ايه ؟

اخذ نفسا اخر ثم نظر اليها مخرجا الدخان امام وجهها مجيبا اياها ببساطه اكثر : و ايه المشكله فى كلامى ؟

سعلت هبه و هى تُدير وجهها للجهه الاخرى باشمئزاز و رفعت يدها تحركها امام وجهها رغبه منها فى ابعاد الدخان عن مرمى تنفسها و هتفت بنزق : ممكن تطفيها علشان بتضايقنى .

نظر لملامح الامتعاض على وجهها و على مضض اخذ نفسا طويلا ثم القاها ارضا مطفئا اياها , ثم استدار ليتحدث و لكنها سبقته هاتفه بنبره حملت من الامر بقدر ما حملت من التوسل : ممكن تبطل السجاير دى خالص ؟

رفع احدى حاجبيه مستنكرا و عيناه تسألها عن السبب باستخفاف , فأغلقت عينها لحظه ثم منحته اجابتها بنفسٍ خائفه عليه و روحٍ تتألم لفكره انه يتأذى : لو هتسألنى عن السبب فأنا متأكده انك عارفه يا معتز .. انت بتأذى نفسك و بكده بتأذينى ف علشان خاطرى انا , و علشان خاطر نفسك تبطل .

ثم امسكت يده مره اخرى و هى تتعلق بعينه لتُغرقه بأمواج حبها الهائجه بمقلتيها و همست بخفوت اصاب روحه بأكثر احساس يفتقده : انا خايفه عليك و مقدرش استغنى عنك , علشان خاطرى حافظ على نفسك علشانى .

ما هذا الشعور أهذا ما يسمى الاهتمام ؟

هل ما يموج بصدره من سعاده الان هو معنى شعور الاهتمام , الخوف و القلق و كل هذا فقط لاجله !

هل تُوصيه بنفسه لان ما يؤلمه يؤلمها ؟

كيف لها ان تتألم لاجله و أمه لم تفعل ؟

كيف لها ان توصيه بنفسه و ابيه لم يفعل ؟

كيف لها ان تخاف عليه و حبيبته لم تفعل ؟

كيف لها ان تقرن وجعها بوجعه و هو نفسه لا يفعل و لا يهتم !

ما معنى كل ما تفعله بل و ما لا تفعله حتى , ما معنى ما تقوله و ما لا تقوله ايضا , ما معنى هذا الذى يراه بعينيها .

و دون ان يهتم برفض او قبول , دون ان يهتم برغبته وافق بقنوط على رغبتها و التعجب هو شريك تفكيره : حاضر يا هبه هبطلها .

و كأنها تفهمه و كأنها تقرأه بل و تدرك مدى صعوبه ذلك على نفسه : انا عارفه انه مش سهل تبطلها بس اتمنى على الفرح تكون بطلتها .

اومأ مبتسما و عقله يدور فى صراع مقارنه تقتله , قلبه يبحث عن مكان لها وسط آلاف مثلها هناك , و لكن رغم من مر من النساء بحياته و رغم ابتسامه هذه و نصيحه تلك و شغف الاخرى و ضحكه هذه كانت هى افضل مثالا للبراءه بحياته و اول مثال لها .

****************

تجلس بتوتر امام شاشه الحاسوب الخاص بها ، تنظم امورها استعدادا للهرب , لن تمنح لاحد الفرصه بهدم كل ما جنته يدها , لن تسمح لتلك اليتيمه الحمقاء بالاستيلاء على كل ما سعت لاجله حتى و ان كلفها الامر حياتها او ربما حياه غيرها لا فارق عندها .

ارتفع رنين الهاتف يقطع تركيزها فأجابت بحنق و لكنها ما لبست ان اتسعت حدقتيها و هى تستمتع لصوت السكرتيره الخاصه بها تهتف بقلق : انا اسفه بس فى حد هكر الايميل الشخصى بتاع حضرتك و اخذ نسخ من كل الايميلات اللي عليه .

هاجت , ماجت , صرخت , لعنت و انفعلت و هى تكاد تجن , بدأ السعى اذا ؟

كل ما جنته يوما يتسلل من بين يدها الان .

تلك الملفات تحمل الكثير مما يدينها , صفقات قادمه و صفقات انتهت .

كانت تخشى ما ستؤول اليه الامور و لكن يبدو انها ستواجه اكثر بكثير مما تخشاه .

****************

وجود اشخاص تحبهم يرفع قدرتك على تحمل صعوبات الحياه .

" جان جاك روسو "

مضى اليوم بأسوء ما يكون على الجميع .

عادت العائله للمنزل و استكانت حنين بغرفتها مع تعليمات بالراحه حتى تُشفى قدمها الملتويه تماما و تطيب كدمات جسدها .

اعتقلت سلمى نفسها بغرفتها غير قادره على مواجهه اخرى تحمل فى طياتها الاعتذار و الندم و كم هو امر قاسى على متمرده مثلها و لكنها الان لا تتمرد , لا تتعنت فقط تأسف و تتمنى لو لم تفعل ما فعلت .

طلبت حنين رؤيتها و شجعتها جنه على الذهاب اليها و قد كان .

اعتذرت سلمى , أبدت ندمها بكل ما اوتت من قوه , تنازلت , تأسفت , و عبرت عن خزيها من هذيانها و انفعالها , و بكل رحابه صدر تقبلته حنين بدون مماطله فهى لا تعرف ما معنى الخصام و خاصه مع شقيقتها , منحتها عذرا و صدقته , هدأ قلبها و احتضنت شقيقتها تعتذر هى الاخرى , تشرح عجزها , عدم تعمدها , و تأسف حبها و لكن سرعان ما حدقت بها بذهول و سلمى تقول بهدوء و لكن نبره قويه حملت من الاصرار الكثير : وافقي علي فارس يا حنين .

ابعدتها حنين عن حضنها ناظره لوجهها بدهشه ثم نقلت بصرها لجنه لا تستوعب ما تتطالبها سلمى به فإن كانت تموت به حبا فأختها تتألم و هى لن تتحمل وضعا كهذا و عبرت عن ذلك باعتراض صريح : لا مش هوافق .

عادت سلمى لطبيعتها المتمرده و عنادها اللامحدود و جلست امامها قائله بهدوء قوى : انتِ بتحبيه و هو بيحبك , انتِ عاوزاه و هو عاوزك , يبقى ليه لأ ؟؟

و كعادتها تخفى من مشاعرها اضعاف اضعاف ما تُبديه فرفعت رأسها بعنجهيه تتميز بها و نبرتها احتدت بعنادها و تمتمت بنبره تحمل من الصدق ما جعل جنه و حنين يصدقوه : انتِ عارفه انى مش ضعيفه يا حنين , بالعكس انا بقدر اتحمل اى حاجه تواجهنى , انا هنساه , هنسى تفكيرى فيه و هيبقى جوز اختى , هحترمه و هقدره و هعامله احسن معامله لانه جوزك و بس ,

ثم اردفت و هى تتماسك بقدر ما تستطيع متواريه خلف قناع من القوه و التمرد اجادت صنعهم الان اكثر من اى وقت سابق : انا اكيد هيجى يوم و احب و اتجوز و اعيش حياتى , فا بلاش تخربى حياتك و احلامك علشانى و انا ببساطه قوى طالما حلم ضاع هجرى ورا غيره بسرعه جدا و انتِ عارفه اختك كويس .

ثم امسكت يدها لتجعل ما يسكن قلبها الان حبها لشقيقتها الصغرى فقط و تمتمت بصدق رغم تألمها و لكنها وجدت ألامها لا شئ بجوار فكره أذى لشقيقتها : بلاش تكسرى قلبك و قلبه يا حنين , سواء اتجوزتوا او لأ انا و فارس عمرنا ما هنتجمع فا ليه تدفعى انتِ و هو ثمن حاجه ملكوش ذنب فيها .

ثم تعمدت الدخول من اكتر نقاط حنين ضعفا و مست قلبها بكلماتها : فارس بيحبك و واضح انه اتمناكِ من زمان و مستعد يتحمل المشاكل و الخلافات علشان خاطرك فا بلاش تكسريه يا حنين , صدقينى بلاش تخسريه .

و قبل ان تعترض حنين او تُبدى حتى رأى بما تقوله سلمى , اشتعلت عين سلمى بالتحدى مطفأه اى ألم اكتنفها الان و هى تحاول اصلاح ما افسدته و كأنها بهذا تعوض حنين عما جرحتها به : و علشان انتِ عارفه انى مش هتحايل كتير لانه مش طبعى و لا هحاول اقنعك كتير فأنا هقولك ان لو موافقتيش , اقسم بالله يا حنين ما هتجوز عمرى كله و دا وعد منى ليكِ قدام ربنا و انتِ عارفه انى مش برجع فى كلامى .

و قبل ان تستمع للرد تحركت لتخرج من الغرفه متنفسه الصعداء .

حسنا هو كان اكثر امنياتها اهميه , شكل جزءا من احلامها , رأته شريكا لمستقبلها , نعم احبته و لكن هى ليست بضعيفه ليكسر ظهرها قصه حب فاشله .

ليست هينه ليتحكم بقلبها فارس احلام بقى فى الاحلام فقط .

ليست هشه لتُزعزع نفسها خساره صادفتها فى مشوار حياتها .

مازالت الحياه امامها , ستنساه بل ستنى كل الاحلام التى لم تخلو منه و تبدأ بأحلام اخرى , او ربما تعيش الواقع كما هو .

فبعض الاحلام خلقت لتظل احلام فقط ..

نظرت حنين لجنه لا تدرى ماذا تقول و لكن جنه احترمت ذلك و تمتمت قبل خروجها من الغرفه مباشره : فكرى فى كلامها ...

اعتدلت حنين تُلقى برأسه على وسادتها ..
فارس لم يكن اهم امانيها بل هو كلها , لم يكن جزءا من احلامها بل هو الاحلام ذاتها , لم تراه شريكا لمستقبلها بل رأته المستقبل و من فيه , لم تحبه بل فاق ما تحمله له ذلك و لكن تقف الكلمات عجزا عن شرح ما يعنيه لها لان باختصار هو هى .

و فى المقابل شقيقتها , كيف تتجاوز امر حبها له ؟

كيف تنسى امر رغبتها به زوجا لها ؟

كيف تتقبل فكره ان تكون شقيقتها منجذبه اليه ؟

كيف توافق ؟ و لكن كيف ترفض ؟

اغلقت عينها متنهده ببطء و دموعها تنساب على جانب وجهها رغما عنها و قلبها يمزقها ألما على تفكيرها فى خسارته , عقلها يعاندها و يتجاهل الامر و يطالبها بالابتعاد , و ضميرها يترنح بينهما بين لوعه و لوعه , فكسرها لشقيقتها وجع و بعدها عنه اوجاع , اهمالها لمشاعر شقيقتها ذنب و نحثها بوعدها له ذنوب , وفائها لميثاق الحب ألم و وفائها لمثياق الاخوه ألام .

و مع تذبذب نفسها و ضعف تفكيرها فى قرار القدر تركت الامر بين يدى الله طالبه رحمته قبل ان يغلبها تعب جسدها و روحها لتسقط فى بئر نوم عميق .

****************

انتهى البارت

بحبكم فى الله 💜

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top

Tags: #shimaa