بَث مُباشر

النرجسية؛ تعني حب النفس والأنانية، تعني الغرور، التعالي، والشعور بالأهمية.

والأهم محاولة الكسب ولو على حساب الآخرين، فلا يوجد من هو مثلي أو يضاهي فكري.

أنا الأجدر بالفوز، أنا الأجدر بأن تصوّب كاميرات الصحفيين نحوه، أنا من ينبغي أن يكون العنوان الأول بالصُحُفْ.

«تبا!»، صحتُ بغضب بعد قرأتي لأحدث أخبار المشاهير كما أفعل دائمًا.

أعني ماذا فعلوا ليستحقوا كل هذا الثناء؟ ما الذي ينقصني لأصبح أول نتائج البحث في مواقع التواصل؟ بالطبع لا ينقصني شيء؛ فأنا أفضل من الجميع على أي حال.

وضعتُ حاسوبي جانبًا وفكرتُ كيف أصبح مشهورًا؟ فأنا أرتدي أخر الصيحات، أقتني أحدث الهواتف، وأركب أفخم أنواع السيارات، أنا حتى التحقتُ بأفضل جامعة بفضل معارف أبي.

ليس هذا وحسب، بل قمتُ بفتح بعض الحسابات على مواقع التواصل وبدأتُ بعرض حياتي المبهرة وشخصي الذي لا يفوقه أحد مظهرًا وحنكة منذ ما يقارب الشهر، وما زلتُ كما أنا.

يبدو أن هذا غير كافٍ، فقط أتسأل هل جميع البشر أصبحوا لا يبصرون بين ليلة وضحاها؛ حتى لا يروا شخصًا عظيمًا مثلي؟

سأجن إن لم أعرف ما هذه الوصفة السحرية التي تجعل أولئك الحمقى مشاهير؟

سحبتُ هاتفي أضعه بجيبي في حين اتجهتُ لأخذ معدات التصوير الخاصة بي من كاميرا، عدسات، وموزّع إضاءة، حتى أدوات تنظيف معداتي لم أنسَها.

تأكدتُ من وضعها جميعها برفق في صندوق سيارتي الخلفي، ثم صعدتُ لأبدأ القيادة باحثًا عن مكان يكون مميزًا ويليق بي.

«لمَ أصبحت جميع الأماكن مستهلكة بهذه السرعة؟»، تذمرتُ، ومع هذا لم أفقد الأمل، واستمررتُ في البحث.

أمضيتُ النهار بطوله في محاولة إيجاد المكان المناسب، ولكنني أخفقتُ. في الواقع، أنا لا أخفق، هذا يدعى حظًا عاثرًا ليس إلا.

قررتُ العودة وإعادة البحث بالغد علّني أجد غايتي، ثم دلفتُ داخل المنزل الخالي كون والداي برحلة عمل، وبمناسبة ذكرهما، أرغب بسؤالهما لمَ يجبرانني على أخذ جلسات علاجية مع ذلك العجوز الهرم؟ هل هذا لحبي الشديد للتميز؟

صدح صوت المنبه ليقطع تسلسل أفكاري، سحبتُ هاتفي لأغلقه؛ فقد حان موعدي مع ذلك الطبيب الممل، من هو حتى يشخصني بالنرجسية؟

إنه يشوّه صورتي أمام والديّ دون فائدة، فجميع أسئلتي الرائعة والعميقة لا يعرف إجابة لها، مثل، كيف أصبح مشهورًا مثلا؟

قررتُ عدم الذهاب، بل تعهدتُ بعدم الذهاب مجددًا أبدًا.

فتحتُ حاسوبي أتصفح بعض المواقع وأرى هل أحرزتُ تقدمًا بعد، أم لازال متابعيني لم يتجاوزوا الألف.

خرجتُ من صفحتي وأكملتُ التجول في أنحاء الإنترنت دون هدف يُذكر.

لفت نظري منشور بعنوان: "الطبيب النفسي الذي عالج الكثير من المشاهير".

جميل.. لنرى من هو هذا. بدأتُ بقراءة المقال واكتشفتُ أن له شهرة واسعة ومعروفٌ على مستوى الكثيرين؛ فالجميع يرغب بزيارته بسبب مشاهيرهم خاصة الصحفيين.

وهنا فكّرتُ، سيكون المكان الأمثل لتصوير الڤيديو القادم، نعم سوف أحجز عنده وأقوم بتصوير مقابلتنا، متأكد أنها ستجذب الكثير من المتابعين، سأحرص على سحب بعض الإجابات منه حولهم.

والآن، كل ما عليّ فعله هو الإعلان في صفحتي وبعض الصفحات أنني سأقوم بفتح بث مباشر مع هذا الطبيب في أقرب فرصة، وسأخبرهم أن يكتبوا لي الأسئلة التي يرغبون بمعرفتها عن مشاهيرهم.

ماذا كان سيفعل العالم دون أفكاري الخلابة؟

فرقعت أصابع يدي، ثم بدأت بنقر أزرار الحاسوب بسرعة، لأنشر هذا الخبر في الكثير من الصفحات.

بعدها اتصلت بمكتبه لحجز موعد معه هذا الأسبوع، أخبرتني السكرتيرة بأنه مشغول هذا الشهر، ولكن عندما ضاعفتُ المبلغ، تبيّن أنه متفرغ بنهاية الأسبوع.

حسنًا، لا أصدق أنني سأضع مصروفي طوال هذه السنة لأجل جلسة واحدة. إن لم أصبح مشهورًا بعدها، أظن أن أبي سيتبرأ مني.

أسدل الليل ستائره، فاتجهت لأخلد للنوم بعد هذا النهار الطويل والمليء بالصدف الجميلة.

توالت الأيام بملل كالعادة، حتى أتى اليوم المنتظر، يوم موعدي مع الطبيب.

تفقدتُ حساباتي، ووجدتُ الكثير من الرسائل التي كان أغلبها يهاجمني ويتهمونني بالكذب بشأن هذا اللقاء والبعض الأخر ترك لي أسئلته الفضولية.

«بدأت رائحة الشهرة تقترب.»، حدثت نفسي بابتسامة منتصرة، ثم نهضت لأجهّز نفسي، يجب أن أبدو أجمل من أي وقت سابق، فقد حزمت أمري وسأقوم ببث الجلسة على قناتي؛ حتى أجعل الجميع يشهد على صدقي، وسيندم كل من نعتني بالكاذب وقام بالتبليغ عن حساباتي.

علقت كاميرا بحجم البازلاء، كنت قد اشتريتها خصيصًا لهذا اليوم بأعلى سترتي، حتى لا يتمكن أحد من رؤيتها.

خرجت مسرعًا كي لا أُضيع أي ثانية من اللقاء، صعدتُ سيارتي المحمّلة بعدة التصوير مند ذلك اليوم، لأبدأ بالقيادة بحماس مفرط.

«3..2..1.. مرحبًا متابعيني، ها أنا سأبث لكم الجلسة كاملة كما وعدتُكم في السابق، وسأحرص على سحب جميع الإجابات منه بخصوص أسئلتكم التي راسلتموني بها، لا تقلقوا أنا بارع في الإقناع ومتأكد أنّه سيجيب أسألتي دون تردد، والآن كل ما عليكم هو نشر رابط البث، مشاهدة ممتعة.»، أنهيتُ كلماتي وعدلت الكاميرا لتقابل الطريق حتى يتمكنوا من مواكبة كل تفصيلة معي.

وصلتُ أخيرًا بعد نصف ساعة، وكنت كئيبًا بعض الشيء كون البث لم يتجاوز المئة مشاهد، أعني هل دفعت تلك الأموال الطائلة لأجل مئة شخص فارغ؟

نزلت بنظرات مغتاظة ودخلت المبنى الذي كان يقف أمامه بعض رجال الأمن، وقد قاموا بتفتيشي يدويًا، ثم سمحوا لي بالعبور بعد التأكد من موعدي من موظفة الاستقبال.

ركبتُ المصعد لأضغط على زر الطابق العاشر، ثم ابتعدتُ أتكئ بجذعي للخلف، أراجع أسئلة المتابعين بعقلي.

فُتحَت أبوابه لأتجه للخارج، تحديدًا نحو مكتب الطبيب، لن أسمح بأن تُهدر أموالي دون فائدة تُذكر، لن أخرج من هنا إلا وأنا مشهور!

«مرحبًا بك.»، قال الطبيب فور وقوفي أمامه بنبرته الرخيمة، وأشار لي بالجلوس على الكرسي جانبه.

استهل الحديث بالتعريف عن نفسه وسؤالي بعض الأسئلة المعتادة، كاسمي، عمري، هل أدرس أم أعمل، ومن هذا القبيل.

«هل سبق وأخذت جلسات نفسية، أم أنّ هذه مرتك الأولى؟»، سأل بهدوء.

«في الواقع، أنا أتابع مع طبيبٍ، وقد شخّص حالتي بالنرجسية؛ فقط لأنني أسعى للنجاح بأي طريقة.»، أجبتُ وشعرتُ بالغضب لمجرد تذكّري لطبيبي.

حسنٌ، لمْ أتِ لهنا لأتعالج، عليّ البدء في الخطة، وإلا سأفقد حفنة المتابعين المتبقين أيضًا.

كان سيتحدث لولا مقاطعتي له قائلًا بنبرة مضطربة: «في الواقع، أتيت لهنا بسبب شهرتك، وواثق أنك ستشخّص حالتي بالشكل الأمثل كما تعالج بعض المشاهير، وبخصوص هذا الأمر، سمعتُ أن أحدهم يعاني النرجسية أيضًا. تخيّل، هل هذا صحيح؟»

رمقني بنظرات متوجسة، ثم سأل: «هل أنت صحفي؟»

علمتُ أنني بدوتُ غريب أطوار بسؤالي الغريب لدرجة كبيرة، أحسنتَ!

«لا. لستُ صحفيًا صدقني، لقد قلتُ ما دار بعقلي فقط.»

«حسنٌ، أفضّل ألّا أتحدث عن أي من مرضاي؛ فهذه معلومات خاصة، وآمل منك تفهُّم هذا.»، أومئتُ بغضب شديد.

حقًا؟ معلومات خاصّة؟ من أنت لتقرّر أنها معلومات شخصية؟ أتقصد أنني أهدرتُ أموالي ولن أسمع أي تصريح؟ يا إلهي، أيعني هذا أنني لن أصبح مشهورًا؟

وهنا شعرتُ أنني على الحافة، عدلتُ من جلستي وبدأتُ بقضم أظافري وتحريك قدميّ بتوتر، يجب أن أهدأ، عليّ ذلك.

لاحظتُ نظراته التي تحوّلت للحذر وهو يسأل ما إن كنتُ بخير! تجنبتُ إجابته، وظلّ نظري معلقًا بالأرضية أتساءل ما الشيء الخاطئ الذي فعلته كي أفشل؟

«ك...كيف أصبح مشهورًا؟»، سألتُ بنبرة منخفضة.

«عفوًا؟ هل يمكنك رفع صوتك قليلًا؟»، طلب برزانةٍ، فرفعتُ رأسي نحوه أكرّر السؤال بصراخ حتى أنه تراجع للخلف قليلًا.

وقفتُ أنظر له قائلًا بحنق شديد، ونظرات حاقدة: «سأفعل أيّ شيء لأصبح مشهورًا، أنا هنا لأصبح مشهورًا ولكنك لا تساعد. أنت بالفعل عديم القيمة مثل طبيبي السابق.»

«اهدأ، لا داعي لكل هذا الغضب؛ فلا يوجد أحد يصبح مشهورًا دون إنجازات أو فضائح تُذكر، سوى أولئك الذين قتلوا أشخاصًا ذوي مكانة بالمجتمع، لذا، نصيحتي لك أن تركّز على مواهبك وتهتم بتنميتها وأؤكد أنك ستصنع إنجازًا يتحدث عنه الجميع.»، ختم كلماته بابتسامة مريحة.

إنه على حق. كيف لم أفكر بذلك سابقًا؟ هذا الطبيب بالفعل عبقريّ كما قالوا عنه؛ فقد أتت نصيحته بنتيجةٍ. ه قد مرَّ أسبوع على لقائي به وكاميرات الصحافة لا تتوقّف عن التقاط الصور لي عند خروجي من المحكمة بتهمة قتله.

لم أتوقّف عن الابتسام منذ ذلك البث، فأخيرًا، أصبحتُ مشهورًا.

"النهاية".

*****************
♡ صلوا على الحبيب ♡
القصة 1190 كلمة.
تاريخ النشر 23\6\2022


رأيكم بالقصة؟ أمل بأنها كانت خفيفة عليكم.

رأيكم بالكوفر؟ تصميمي.

رأيكم بالعنوان؟

رأيكم بالبطل 😂؟

النهاية؟ *تبتسم بخبث

قصة قصيرة تعويضا عن الفترة الطويلة التي لم أنشر بها.

أما بعد: لنتحدث قليلا عن مرض النرجسية.

اضطراب الشخصية النرجسية: إحدى الأنواع المتعددة لاضطرابات الشخصية، هي حالة نفسية يتملّك المريض بها شعور مبالَغ فيه بأهميتهم فضلاً عن حاجة عميقة إلى زيادة الاهتمام والإعجاب، واضطراب العلاقات، وانعدام التعاطف مع الآخرين. ولكن خلف هذا القناع من الثقة المبالَغ فيها، تكمن ثقة هشة بالنفس تجعله عرضة لأقل قدر من الانتقاد.

أمل بأنكم أضفتم معلومة بسيطة عن هذا المرض أو تعرفتم عليه قليلا.

والأن، بعد أخدكم للمحة عامة عنه أرغب بالافصاح عن شيء مهم...

""أنا أفضل كاتبة على الواتباد وقصصي لا مثيل لها *ترمي شعرها للخلف بتعجرف 😂""

عرفني بنفسك بطريقة نرجسية؟

أمل أنكم تحصلتم على القليل من المتعة بين سطوري.

كلمة لي؟

♡دمتم قرائي♡

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top