إعترافـاتٌ خجـولةٌ.
بسم الله الرحمن الرحيم.
تلك القِصّةُ تُناقِش قضيّة إجتماعيّة لا يمكننا الإستخفاف بها، وأظن أنه قد عانت منها الكثيرات فَتَحتَّم عليّ أن أكتب عنها♥
إدعموني رجاءًبـ فوت قبل القراءة!
قِراءة مُمتِعَة♥
.
.
- في مكانٍ ما في الشرق الأوسَط. السابعة مساءً.
"وداعاً حبيبة!"
لوّحتُ لصديقتي مُبتسِمة لِتُبادلني كذلك ويذهبُ كُلّاً مِنّا في طريقِه.. لقد كُنا في إحدي الدروس الخصوصيّة ولتوّنا إنتهينا من الدرس ، لِسوءِ الحظّ منزلها يَبعُدُ عن منزلي بكثير فلا تُتاح لنا فُرصَة السير سويّاً أثناء العَودة ..
جديّاً أنا أكره تلك الدروس الخصوصيّة التي تجعلني أُغادِر منزلي كل دقيقة .. فما فائدة المدرسة بأي حال؟ أعني فليجلِس كُلٌ مِنّا في منزله ويَقصِد الدروس الخصوصيّة ليتعلّم.. فليلغوا المدارس!
أكرَهُ كَون التعليم مُهمَل لهذه الدرجة .. أتمني لو أستطيع السفر في يومٍ ما لِأُحقِّق أحلامي التي تعجزُ سياسة بلادي عن تحقيقها لي ..
زفرتُ الهواء بإنزعاج حين تذكّرت أنهُ لديّ واجِب كثير لأنجزه حين أعود للمنزل ، ولديّ إمتحان غداً .. لما لا يمر هذا الوقت سريعاً وتأتي العُطلة؟
يا إلهي! الجو باردٌ للغاية.. أغلقتُ سحاب معطفي ووضعتُ يداي في جيوبِه لِأُدفِئها بينما أُزيدُ مِن سُرعتي في المَشي ، إن الحقيبة ثقيلة فوق ظهري مما جعل الأمر أسهل للهواء أن يدفعني إلي الوراء ، فأنا أسيرُ عكس التيّار الهوائيّ! تباً، إرتطم التُراب المُتطاير بوجهي ليدخُل البعض منه في عَيني فأغلقتها سريعاً!
جمّعت قواي لِأُتابِع طريقي وفَرَكتُ عيناي اللتان دَمِعَتان قليلاً.. حتي هدأ الهواء قليلاً لأتنفّس بِراحة، كُل ما يُشغِلُ بالي الآن أن أعود للمنزل سريعاً قَبل أن تُمطِر، وقبل أن أحتضِرُ هُنا لِشدّة جوعي! فلقد كُنتُ في ثلاثة دروس متتاليين وأُقسِمُ بأنني أحتاج للنوم بشدّة..
إنعطفتُ لأدخُل في شارعٍ آخر وأُكمِلُ سَيري بينما أرتجف قليلاً لِنسمة البرد المُنتشِرة في الأرجاء..
ما جعلني أتعرقَل في طريقي هو صياحٌ قويّ رجاليّ جاء مِن اللا مكان ليجعلني أنتفِض وأعجز عن رؤية الحجر أمامي، أدركت الأمر ونهضت لأنظّف ملابسي وأُدحرِجُ عيناي بتملمُل ناظرةً لِلقَهوة الصغيرة علي يَميني، لقد نسيت تماماً أن بلدي اليوم تلعبُ مُباراةً هامة لِكُرَة القدم ستجعلها تدخُلُ كأس العالم وأخيراً، لما لا يمكن للرجال كبح حماستهم قليلاً؟ فَهُناك فتاة قد توقّف ضَخّ الدم في جسدها توّاً..! ألا يكفي أن الشارع لا يتواجد به بصيصٌ مِن النور؟
إن الشارع مُظلِمٌ للغاية بحق..كما العادة، ولكنهُ أكثر ظُلمةً مِن ذي قبل، فالجميع قد أغلق متاجره ليجلس علي تلك القَهوة ويشاهد المباراة التافِهة، تباً لهم.. فقد كانت أضواء المحلّات تُساعدني علي الرؤية..
رائع.. هل يمكن للأمور أن تزيد سوءاً؟
مِن المؤسِف أن يكون شارعٌ كاملٌ كهذا خالٍ مِن أعمِدة الإنارة! الظلام الحالك يكاد يُصيبني بالعَمَي.
دفنتُ غضبي في أعماقِ نفسي لأُزيد من سرعتي في المشي، فأنا أكرهُ الشوارِع المُظلِمة..
هل أصبح المنزِلُ بعيداً فجأةً؟!
قطعتُ نِصف الشارِع وصِرتُ لا أسمع شيئاً سوي صوت حذائي.. لا أُحِبُ الهُدوء، بالرغم من أنهُ في هذه الحالة يُخيفني كثيراً، ولكن حين يتواجدُ الهدوء في المكان حَولي أبدأُ بِصُنعِ الضَوضاء في رأسي!
تزاحمت الأفكار اللعينة في رأسي لِتجعلني خائِفة، فقد يظهرُ كَلبٌ مِن حيثُ لا أعلم ويُطارِدني..
قد تأتي سيّارةٌ وتدهسني..
قد أُقابِلُ مجموعةً مِن الشبابِ العاطِلين.. حسناً هذا أكثر ما يخيفني حالياً. عليّ التوقُّف عن التفكير بالمصائب لأنني بالفِعل بدأتُ أرتعِش.
شَعرتُ بحركةٍ قريبةٍ مِنّي! إلتفتُّ بينما أبتلِعُ ما بِحلقي فلم أجِد شَيئاً.
إلتقطتُ أنفاسي لأستدير وأُتابِع السير ، لا أعلم من أين أتت لي تلك الطاقة التي جعلتني أركُضُ بأقصي ما لديّ فعليّاً.
توقفتُ بعد أن فقدت الإحساس بقدماي لأتنفّس الصعداء وأُعاوِد السَير بِسُرعةٍ مُعتدِلة ، أتمنّي أن أصِلَ للمَنزِلِ بِسَلام!
ظهر ضوءٌ أماميّ فضيّقتُ عيناي لأستطيع الرؤية وبعد ثوانٍ لاحظتُ أنها مصابيحُ سيّارة .... إنها مُتجِهَة نَحوي بِسُرعةٍ فائِقة ، تنحّيتُ جانِباً سريعاً ظنّاً مِني بأن السيارة سَتسير وأُعاوِدُ أنا المَشي ، فهي تسيرُ بِسُرعةٍ قويّة كما ذَكَرت ، وهذا الذي جعلني أتيقّنُ بأنها لَن تَقِف.
غبية.. فقد وَقفَت!
لم أنتظِر أكثر فنظرت أمامي لأسير بعجلةٍ وكأن شيئاً لَم يَكُن.
فصاح أحدهُم "أتحتاجين إلي توصيلةٍ يا جميلة؟"
لم أُبالي بما قال ، بل ذلك جعلني أُسرِعُ مِن حَرَكَتي مُتجاهلةً ثُقلِ حقيبتي والهواء الشديد وكُلَ ما قَد يُعيقني.
سَمِعتُ صوت السيارة تنعطِف لتسير في طريقي وأصبحت تسير بجواري! صعدتُ علي رصيف الشارع بينما أدعِي ربّي بأن تذهب تلك السيّارة وتتركني وشأني.
رغم عدم نظري للسيارة أو لِلسائِق ، شعرتُ بنظراتٍ ثاقِبةٍ تُسلَّطُ نحوي فشعرتُ بالدماء تَحرِقُ عُروقي جميعاً وإلتهَبَ وَجهي.
تجاوَزَت سُرعتي سُرعَة السيّارة التي توقفت مجدداً لأسمع صوت بابها ينغلِق ، لم يترجّل أحد أليس كذلك؟ أنا لا أقوَي علي الإلتفاف حتّي! أُوَفِّرُ كُلَّ طاقتي في السير السريع.
رحلت السيارة بعيداً ولكني شعرتُ بخطواتِ أقدام خلفي .. تصلّبت شراييني وشعرتُ بالإختناق كما أنها نِهايتي.
رأيتُ طَيفاً علي الأرض.. وقد كان يَخُصُ ذلك الشخص الذي يطارِدُني فإبتلعتُ ما بِحلقي بينما أُحكِمُ قبضتي علي ذِراعِ حقيبتي فوق كتفي.
"تمهّلي عزيزتي.."
ذلك الصوت الأجش كان كفيلاً بجعلي أفشَلُ في إخفاء خَوفي الذي وَصَلَ لِجميع أطرافِي، تناقصت دقّاتُ قلبي بينما أُكثِرُ مِن ذِكرِ الله تحت أنفاسي، فذلك يُنقذني من الكثير من المصائب.
شعرتُ بشعري يتطاير للوراء بِحُريّة، فحينها علمت أن ربطة شعري إنزلقَت كالعادة. تباً لها فلتبقي بمكانها علي الأرض فأنا لن أنحني أمام هذا الوَغد خلفي لألتقطها!
أصبحت أصواتُ حذائِه قريبةً مني بشكلٍ مُبالغ به...
أسرَعت.. ولكن كان ذلك كُلُ ما أملُك مِن سُرعَة.
رأيت يده تمتَد حين نظرت في خياله علي الأرض ، إمتصّ الخَوفُ قَلبي إمتصاصاً فسلبني قوّتي شيئاً فشيئاً.
"عَلِمتُ أنّكِ ستتعبين قريباً!" سحبني الوَغد مِن ذراعي فإلتففتُ لِأرمي حقيبةُ ظهري في وجهِه ثم ألتفِت لِأركُض سريعاً غير مُلتفِتة خلفي لأي سببٍ كان..
لم أعُد أشعر بشئٍ حَولي ، لا أبالي لبرودةِ الجو ومُحاربتي لتيّار الهواء أثناء ركضي ، لا أُبالِي لتركي لحقيبتي ، ولا أستطيع سماع أصوات قدماي حتّي! لقد فقدتُ الإحساس بكل شئٍ بالفعل وإنفصلتُ عنِ الواقِع.. كما أنني أشعُرُ بصفير أُذُناي ، حتي أنني لا أعلم أمازال يطاردني أم لا.
أجل.. لازال يطاردني فأنا أري خيالهُ يركُض خلفي.
دخلتُ في إحدي الشوارِع لِأُضلِّلُه ، فأنا أحفظُ تلك الشوارع القريبة من منزلي. وبالحديثِ عن منزلي لماذا بحق الله لا أستطيع الوصول إليه؟!!
لم يستسلم فجري خلفي في ذلك الشارع وَلِحُسنِ الحَظّ كان مُنيراً ، ولكنهُ لازال خالٍ مِن البشر.
استولى عليّ خوفٌ شديدٌ ولكنّي لن أُقهَر في يُسرٍ أو سُهولةٍ.
لم أدري ما هي وِجهتي أو أيُّ مَسارٍ أسلُك! فِكُل ما أُفكِّرُ فيه هو الإبتعاد عن هذا الوَقِح.
"توقفي أيتها المُشاغِبة! أعِدُكِ لن تَندمي.." ازداد الصّوت حِدّة وَشِدّة ولكن وَتيرتهُ لَم تَخلُ مِن الخُبث ، فأحسست نهايتي قد اقتربت ، عندئذٍ شعرتُ برجليّ قد انفصلتا عنّي كما لو أنّ قنبلة مزّقتني إلى أجزاءٍ صغيرةٍ مُتناثرةٍ.
بدا عليّ الخوف بوضوح وفجأة ودون شعورغَرقَت أجفاني في الدُّموعِ بينما أهمِسُ "إلهي ساعِدني!"
ركضتُ بِكُل قواي وأنا بالكادِ لا أري أمامي بِسبب تَجمُّع الدُموع الحارِقة في مُقلتاي...
شعرتُ بِشَعري يكاد أن يُقتَلَع مِن رأسي وعُدتُ إلي الوراء مع قوّة سحب هذا الوغد لي! حينها علمت أنهُ قد تملّك منّي.
"ساعدوني رجاءً!" قد أردتُ أن أصرُخ ولكنّي سَمِعتُ صوتي يرتجف رغماً عنّي فتخرُج الكلمات متقطّعة ، لقد أحكم قبضتهُ علي شعري ولفّهُ علي ذراعهُ ليسحبهُ بقوّة قائلاً "كوني واقعية ، لا أحد غيرنا هُنا ، لن يُساعِدُكِ أحدٌ يا صغيرة!" ضَحِكَ بينما يتفحّصني بعينيه لأصرُخ في وجهه "ربّي سيفعل ، أيُها الكافِر!" بصقتُ عليه .. فمسح الرزاز من علي خدِّه بيدِهِ لِتظهر معالم الغضب علي وجهه بينما كُنتُ أُحاوِلَ التخلّص مِن يَدهُ التي تُكبِّلُني.
أمسك كتفاي بقوّة ليدفعني نحو الجِدار بهمجيّة ، فشعرتُ بألمٍ كبيرٍ في ظَهري حتي أنني لم أقوَي علي الصُراخِ والإستغاثة.
سُرعان ما قد قيّدني بإلتصاق جسدهُ بخاصتيّ لتلمس أصابعهُ القَذِرَة وَجهي وتتحسسهُ بِبُطئ "إبتعد عني أيها الحقير!" صرخت بقوّة حتّي شعرتُ بألمٍ في حِبالي الصوتيّة ليبتسِم لي بهدوءٍ بارِد. إقترب بهدفِ وَضعِ شفتيه علي عُنُقي فلم أجعلهُ يصل لغايته حيثُ رفعتُ رُكبتي بقوّة فأصبتهُ بين فخذيه لينحني ويصرُخ .. سمعتهُ يتفوّه بأقذرِ الألفاظ والإهانات والتهديدات.. وأنا دفعته للخلف مُستغلّةً ضَعفِه حالياً فوفّرت لنفسي المساحة الكافية لأركُض بعيداً.
الدُموع الساخِنة أخذت مجراها علي وجنتاي هارِبةً من مُقلتاي لِتصنع خطّاً مُستقيماً قد أحرَقَ وجهي بأكملُه.
إنهُ يُلاحِقُني ، لما لا يعود أدراجه وحسب؟ يا إلهي أشعُرُ بأن قواي مُنهَكَة ولا أستطيع مواصلة ما أفعل..
بعد كثيرٍ مِنَ الرَكض.. قد وصلتُ إلي شارعٍ بِهِ بعض المحلّات المُضيئة ويوجد بِهِ بعض الناس.
جفّت دموعي علي وجنتاي لأتوقّف لِثانية وألتَفِت خلفي فلم أجد أحد! لهثتُ بِشدّة وهَدِأتْ أنفاسي قليلاً.. ثم إلتففتُ لِأجِد أنني إرتطمت بجسده الصلب وصوت ضحكاته البشعة قد ملأ مسامِعي ، يبدو أنهُ يتلذَّذُ بِسماعِ أنفاسي المُضطرِبة ورؤية وجهي الشاحِب
تشجّعي كي يخشاكِ...
لاحظتُ مع وجود الضوء أنهُ رَجُلٌ ثلاثيني! والجحيم ما الذي قد يُريده من فتاةٍ لتوّها بلغت السادسة عشر مِثلي؟
"إترُكني وشأني!" صرختُ بقوّة لأتخطّاه ، فأمسك بذراعي بقوّةٍ لا يُمكنني منافستها وأعادني حَيثُ كُنت بسهولة!
إقترب ليقضِي علي المسافة بين جسدينا وشعرتُ بيده تأخذ جولةً علي ظهري.. قُمتُ بِدعسِ قدمِه لعدّة مرات بِعُنف بينما أصرخ بقوّة ، يا للحسرة! قد سمعني جميع من في الشارع ووقفوا ليشاهدوا ما سيحدُث بعدها.. نظرتُ لإحدي الرجال والذي هو مالِكٌ لإحدي المحلّات هنا وخرج ليشاهد ما يجري.. حاولت أن أرسل لهُ نظرات إستغاثة ولكنهُ تسمّر مُتظاهِراً بأنه لا يعرفني .. لقد إعتدت علي شراء كل ما أحتاج من متجره .. شعرت بِتوقُّف نبضات قلبي لثوانٍ ، توقفتُ عن الصياح.. وتوقف جسدي عن مقاومة الوغد الذي يحاول نزع قميصي، وَصَرخاتي التي حبستها في حَلقي أعلنت عَجزي...!
شعرتُ بالزمن يتوقّف مع شعوري بأصابِعهُ البارِدة تتسلّلُ خلف قميصي لتلمس بشرتي الساخنة...
نظرت للرجُل صاحب المحل لتسقط دمعةٌ من عيناي.. كم أنهُ ندل! ثم نظرت لوجوه بقيّة البشر لِأُدرِكُ بأنهُ لن ينفعني أحد!
لن أنكر أن ذلك قد حطّم قلبي..
ولكن لا! لن ينقذني أحد ، ما المشكلة في ذلك؟ فسأكون بطلة نفسي.
تحجّرت الدموع في مقلتاي لأحاربهم فإنكفأوا للداخِل ، قُمتُ بِعضّ يدهُ التي تُثبِّتُني بِقوّه ولم أُفلِتها.. شعرتُ ببعضِ الدماء يتساقطُ في فمي وسمعت صوت صياحه القوي بينما يُحاول إبعادي بواسطة سحبه لشعري ولكنني لم أعُد أشعُر بالألم ، فغضبي قد طَغي علي كُل أحاسيسي ..
أفلتّ يدهُ لأبصُق الدِماء مِن فمي وإنحنيت بحركةٍ سريعةٍ لِأُمسِكُ بحجرةٍ كبيرةٍ وسُرعان ما رفعتها بيدي لأرميها فوق رأسه ولكن أمسك يدي التي أحملها بها وصفعني بقوّة ! ثم بعدها أمسك بوجهي الذي شعرت بأنه قد إنفصل عن رقبتي وحاول تقبيلي رغم حركتي المستمرّة ، ركلته بقدمي بقوّة ولم يُبالي.
رفعتُ يدي التي أُمسِكُ بها الحجرة بعد أن تملّصت من قبضتِه وقُمتُ بإصابة العضّة في يده بها .. صرخ ليهرب منها الدماء مجدداً ورميت الحجر فوق رأسه بِكُل ما أحمله داخلي مِن حقد!
سقط أمامي...
حدّقت بِجُثتهُ الهامِدة الراكِدة.. هل ، هل مات؟
تجمّعت الدموع بِمُقلتاي مجدداً وإلتَوَت شفتاي بِشفقةٍ علي نفسي لأبدأ بالبُكاءِ كطفلةٍ صغيرة ، وتعالت شهقاتي بينما أسيرُ مُبتعدةً عَنهُ بِبُطئ...
نظرت للناس حولي لِأصرُخ بألم "ماذا؟ هل إستمتعتُم بالعرض يا ذوي المروءة والشهامة؟"
"ألم تُفكِّروا بِمُساعدتي بدلاً من أن تقفوا بلا فائدة؟"
"ماذا لو حدث هذا لإبنة أي رجل مِنكُم؟ أستقفون لِتُشاهِدونها تُغتَصَب؟" صرخت فشعرت بنظرات الندم تملأُ عينيهم ، وما الفائدة من الندم؟
"ألا يَملِكُ أحدكُم ذرّةً واحدةً مِن الإنسانيّة؟" مسحتُ دموعي بِكُمِّ قميصي. بصقتُ عليهِم بينما أنظر لهم بعينين يتطاير منهما الشرار. رحلت بعيداً والكل قد أخذ خُطُوَاتٍ للوراء خوفاً مِني حتي تخطيّتهُم وإبتعدت.
لملمتُ ما تبقّي لي من طاقةٍ لأركُض إلي منزلي ..
وصلتُ إلي الطابق الذي تقع فيه شقّتُنا أنا وعائلتي الصغيرة ثم جلست علي إحدي السلالم وأسندتُ رأسي علي رُكبتاي لِأُفكِّر بِعُمق ، وأُحاوِل تهدِئة نفسي!
كُلُ ما أُريدُ مَعرِفَتهُ الآن.. لِماذا؟
لماذا أصبحوا الرجال بدلاً من حامِيَتِنا .. مصدر أذيّتنا؟
مؤلِمٌ جِدّاً أن أُغادِر منزلي كل يوم وأنا لا أعلم هل سأتمكّن من العودة إليه مجدداً أم لا.
مؤلِمٌ جِدّاً أن أسير في الشارع مُطأطأةِ الرأس وقلبي يكاد يكسِرُ ضلوعي خوفاً من نظرات الرجال لي.
مؤلِمٌ جِدّاً ألّا أشعُر بالأمانِ في بلدي. فأين سأشعُر بِه؟
مؤلِمٌ جِداً ألّا يُحاوِل إنقاذي أحد ..
مؤلِمٌ جِداً أن تشعُرين بأن الجميع قَد خُلِقَ لإيذائِك والجميع يُراهِنُ علي ضعفكِ ويتهاونُ بِمشاعركِ ..
الحقيقة أننا نعيشُ في عالمٍ إنعدمت فيه الإنسانية ودُفِنَت فيه الشهامة ..
لِماذا جعلتمونني أكرهُ كَوني فتاة، يا شباب بلدي النُبلاء..؟
مؤلِمٌ جِدّاً أنهم لا يأخذون عقابهم الذين يستحقّونه! يسلبون منا أغلي ما نملُك ثم يهربون من العدالة ، ومؤلِمٌ جدّاً أننا كَمُجتَمَع لازلنا لا نُعطي لعنةً بِشأنِ تلك القضيّة ، كم من فتاةٍ تتعرّضُ لِلمُضايقة يومياً؟ كم من فتاةٍ قد تمكّن أحدهم مِن وضع أصابعه عليها بغيرِ إرادتها؟ ثم نأتي ونضع اللوم عليها! فكيف تسير في شارعٍ مُظلِم؟ كيف تسير في الشارع بعد غروب الشمس؟ كيف تترك منزلها مُتزيّنة؟ كيف ترتدي ملابساً أنيقة ولافِتة؟ كيف لا تأخذ وسيلة مواصلات بدلاً من أن تسير وحدها؟ فحوّاء هي المُخطِئة دائماً وأبداً...
أما آدم؟ فَلَهُ الحقّ بأن يفعل ما يشاء وقتما يشاء وأينما يشاء وكيفما يشاء.
لن نرتقي أبداً مادُمنا نُفكِّرُ بتلك الطريقة المريضة العُنصُريّة التي سَتودي بالعالم كله.
ثم يأتون ويقولون المرأة الآن تأخذ حقّها مثل الرجل تماماً! تباً لهم! ألا يعيشون معنا في نفس الأبعاد؟
قد مررتُ بفترةٍ عصيبة مؤخراً.. كرهتُ فعليّاً كَوني فَتاة. ولكنني سأُثبِتُ أنني لستُ صِفراً علي اليَسار. وسأُحاوِلُ أن أكون النور الأبيض المُضئ في تلك السماء التي أبكاها الظلام..!
ما حدث اليوم سيترُك آثراً مُخلّداً في روحي.. ومن ناحيةٍ أخري قد جعل ثقتي بنفسي تزداد.
وجعل فَخري بنفسي يصلُ إلي أبعد مدي.
مرّت نسمة من الهواء البارِد ليَعصِف بقميصي وإرتجفت بشدّة ، خصّيصاً لِكَوني مُبتلّة آثر المطر الخفيف.
إذاً.. ها أنا أقِفُ أمام باب شقّتي ولا أقوي علي طرقُه! فماذا سأقول لِوالدتي التي يُرافِقُها المَرَض؟ إبنَتُكِ تعرّضت للإعتداء أثناء عودتها للمنزِل؟!
أم سأصمُت..؟
هل أُخبِرُ والدي بألّا يستخِفَّ مُجدداً بإلحاحي عليه بأن يقِلني إلي المنزل بعدما أنتهي مِن دروسي؟
أم سأصمُت..؟
تنهّدت لأحسِم قراري ، لملمتُ شعري المنسدل بيداي لِأُجمِّعه علي جانبٍ واحد كي يبدو بحالٍ أفضل ثم رتبتُ ملابسي بهدوء.
قرعتُ الجرس ووضعت يداي في جيبي أنتظِر ، وأتمني ألا يفتحوا الباب.
فُتِح الباب ليظهر أبي أمامي ويبتسِم .. كان قراري ألا أخبر مخلوق بما حدث لي ، وسأبقيه سِّرِّي الصغير. ولكن ماذا فعلتُ أنا؟ لم أحتمِل إبتسامتهُ الحنونة وحين فتح لي ذراعيه ترقرقت دمعة الحُزن في عيناي لِأرتمي بين ذراعيه وأبكي بقوّة.. سامحة لكل مشاعري المُضطرِبة بالخروج.
لن أنكر أن حالتي الغريبة تلك قد أفزعته كما جعلت أمي تأتي إلينا وعلامات الإستفهام ظاهرةٌ علي وجهها ، ولكنهُ أحاط جسدي بذراعيه ومسح علي شعري ببطئ ليُهدِّأني .. شعرتُ بأنها أسوارٌ مُحكَمَة تَحميني من أي شرّ .. شعرت بالأمان الذي إفتقدتُه منذ زمن .. وبدأتُ أبكي أكثر.
"تفوَّهي بما حدث يا إبنتي.. أنتِ تَفطِرين قلبي!" تحدثت أمي بنبرةٍ مُرتجِفة جعلتني أُغلِقُ عيناي كي لا أواجِهها ، وحين تعرفين ما حدث يا أمي هل هذا سَيُصلِحُ قلبكِ؟
"أُختي أنتِ بِخير؟" إلتوت شفّة أخي الصغير الذي يبلغُ من العمر أربعة سنوات لِتُعلِن أنهُ علي وشك البُكاء فسارعتُ قائلة "أنا بخير! تماماً، لا تقلق يا قصير!" ثم ركض إليّ وعانق ساقي فمسحتُ علي ظهرِه بِلُطف .. نظرتُ لِأبي وأومأتُ لهُ كي يُفلتني لأحمل أخي. ثم تنحيّتُ جانباً ليُغلق الباب فشعرت بهواء المنزل الدافئ يملأُ صدري مما جعلني أبتسِم بخفّة.
"أتُريدين التحدُّث عنِ الأمر؟" سألني أبي بإهتمام واضعاً إحدي يديه علي كتفي فرأيتُ القلق في عينيه ، ثم نظرتُ لِأُمّي التي صاحت "هي ستتحدّث بِلا شَك لأنني لن أحتمِل رؤيتها هكذا بدون معرفة السبب! وأين حقيبتكِ؟ وماذا حدث لربطة شعركِ؟"
حدّقتُ بالأرضيّة وأخذتُ نَفَساً عميقاً لِأُطلِقَهُ وأنظُر لِأخي قائلة "أيُمكِنُكَ أن تلعب في غُرفتِك؟"
"لا..سأبقي معكِ"
"أقُلت لا لِتَوِّك؟" رفعتُ إحدي حاجباي فعبس ليقُل بتملمُل "حسناً سألعب بالداخل" وقفز من بين يداي ليركض إلي غرفته ويُغلِق الباب ، إنهُ كُتلةٌ مِن اللطافة.
نظرت إليهما وقد كانا صامِتَين ليُعطياني المساحة الكافية لِأتحدّث..
"بشأنِ ربطة شعري فلقد إنزلقت .. وأما حقيبتي فقد إستخدمتها بشئٍ أفضل من حمل الكُتُبِ بداخلها صدِّقانني" نظرتُ إلي أصابعي لأعبث بها مُتهربةً مِنهُما .. ثم رويت لهما ما حدث بِكُل مِصداقيّة بينما أشعر بالدموع تَحرِقُ عيناي للمرّة الخامسة عشر اليوم.
"حمداً لِله! ما يُهِمُّ الآن هو سلامتكِ يا إبنتي" إندفعت أمي نحوي لتعانقني بِحُبٍ فبادلتها سريعاً وقبل أن أمسح دمعتي التي تَشُقُّ طريقها علي خدّي قد سارع أبي بمسحها وقال "نحنُ فخورَين بِما فعلتِه يا عزيزتي.. أي فتاةٍ بمكانكِ قد تستسلِم سريعاً وتفقِدُ إيمانها بنفسها. ولكنكِ لم تفعلِ ، لِذلِك فأنا حتماً فخورٌ بِتَربِيَتي لَكِ وَبِكَوني والِدُكِ" قبَّل رأسي فشعرتُ بالسعادة الكبيرة ، أظنُّ أنها المرة الأولي التي أسمع بها هذا الكَمّ مِن الكلام اللطيف مِن والداي .. وذلك جعل قلبي يطمَإن بعد أن كُنتُ خائِفة من ردّ فعلهما.
"ولكنني لا أعلم هل مات أم لا!" قُلتُ رافعةً كتفاي بحيرة فإبتسم أبي وقال "إن كان ميتاً أم حيّ سأحرِصُ علي أن يأخُذ عقابه يا صغيرتي ، فلتحصُلي علي بعضِ النوم الآن فأنتِ قد عانيتِ مِن يومٍ شاقٍ"
أومأت لهُ لِأُعانِق كلاهما وأذهب لغرفتي ، إرتميت علي السرير بعد أن بدّلت ملابسي وبدأتُ أُفكِّر.
إخباري لأهلي بما حدث لم يكُن بهذا السوء ، فإن حدث أمرٌ كهذا عليكِ إخبار أهلكِ فإن لم تفعلِ مَن سَتُخبرين إذاً؟ لا أحد يستحِقّ المعرِفة سواهُم.
الجميع لديه إعترافاتٌ حجولةٌ .. إفصحِ عنها لوالديكِ قبل أن يَفُت الآوان.
قد شعرتُ بِوجود أسرتي حولي وقت الشدائد وذلك الشعورُ لا يوصَف.
ربما ما حدث لي كان سيئاً ، سيئاً للغاية. ولكنهُ أراني أنني لستُ ضعيفة كما كنت أظن. أثبت لي أن شخصيّتي لازال بها الكثير لم أكتشِفهُ. وأظهر لي أنهُ لا يمكنني الإعتماد علي أي شخصٍ في أي شئ. عليّ أن أكون لِنَفسي كُلَّ شئ. وعليّ أن أؤمِنَ بِرَبِّي في كُلِ المِحَن بأنهُ سيُخلِّصُني منها في الوقتِ المُناسِب. عليّ أن أثِق في نفسي أكثر. وعليّ أن أسير في الشارع ذات رأسٍ مرفوعٍ بَعد اليَوم ، فأنا لستُ خائفةً مما قد يحدُث ، أعلم أنني مررتُ بِما هو أصعَب! وأنا جاهِزة لمواجهة أي شئ بشخصيَّتي الجديدة ..
أجل فتاة، وفي عالمٍ ملئٍ بالذُكور كُنتُ أنا الرَجُل الوَحِيد!
كوني واثِقة من نفسك ومن قدراتكِ مهما حدث .. لا تجعلين شخصاً أحمقاً يُقلِّلُ مِن شأنكِ لِأي سبب. سيري في الشارع بخطواتٍ واثِقة وظهرٍ مفرودٍ ورأسٍ تَلمِسُ النُجوم. وإن تعرّضتِ يوماً لِتحرُّشٍ لَفظيِّ أو جسديّ لا تشعري بالخجل أو الضعف لمواجهة الفاعل! فهم يظنّون أننا فتيات رقيقات بطبعنا خجولات ، وسنصمُت. أرِهِم العَكس وإفتخري بدفاعكِ عن نفسكِ ، فالله لم يخلقنا لِنكُن ضعيفات!
.
.
- تمَّــت بِــحمد الله -
تاريخ النشر: 20/2/2018
الرسالة: لو إتعرضتِ لموقف زي ده في حياتك لقدّر الله أو موقف أقل منه متقلليش من قدراتك وخليكي واثقة انك هتقدري تاخدي حقك وتقاومي ده ، وإنك أقوي مما تتخيلي. لو حصلتلك اي مصيبة فحياتك عرّفي اهلك لإنهم أكتر ناس هيخافوا عليكِ ويعرفوا يجيبولك حقك ويفيدوكِ بخبرتهم حتي لو انتِ مش قريبة منهم ، واوعي ثقتك في نفسك تتهز في يوم لأي سبب من الأسباب.
رأيكوا في الوان شوت ؟ والفِكرة ؟ والسرد ؟
عجبتكُم ؟
أتمني تكون كتابتي سابت ذِكري حلوة في قلوبكم❤️
إعملوا منشن لأصدقائكوا أو للبنات اللي عايزين الرسالة دي توصلُّهُم❤️
ياريت تعبّروا عن رأيكوا في الكومنتس وشُكراً.❤️
أشوفكوا علي خير.
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top