6
صارت نور تفكر في احتمال أن يكون شهاب مقتولا، لكنها تعرف أن شخصا مثله سيكون من الغريب أن يكون لديه أعداء، لكن المختلين لا يحتاجون سببا لإيذاء الآخرين. إقشعرت من فكرة أن تنتهي حياته البائسة بشكل بشع، و بالتفكير في الأمر فلا أحد سيستفيد من وفاته. لكن نبهت نفسها لألا تكون واثقة من ذلك، فالأشخاص الكتومين مثل شهاب، قد يدفنون سرا لسنوات، و لا أحد سيشك بذلك أبدا.
الأمر الذي لا جدال فيه هو كونه قد كان يعاني من مشكلة تشغل باله قبل اختفائه، ففي نظرها لا يمكن أن يعاني شخص من الأرق دون سبب، لابد أنه كان يفكر طويلا في أمر ما، مما لا يدع مجالا للنوم أن يدنو منه.
و بين أفكارها المشتتة تذكرت مكانا لابد أن يكون مخبأ أغراض شهاب السرية، الخزانة السرية في الشرفة، خزانة كانت يخفي بها شهاب المزهريات الجديدة التي يقتنيها من رحلاته، و لم يكن يسمح لها بفتح تلك الخزانة، قائلا بأنها مجموعات ثمينة من المزهريات التي صنعت خصيصا من أجله، هي لم تشك في الأمر قبل ذلك، لكنها صارت بحاجة إلى أي خيط قد يقودها إلى سبب اختفائه المفاجئ، و سيكون ذلك أقل ما يمكنها تقديمه له، بعد كل ما ساعدها به.
إتجهت إلى شقة شهاب، لديها نسخة من المفاتيح، و لكنها تعرف أن زوجة أبيه قد تجعل من الحبة قبة إن عرفت بأنها تسللت إلى المنزل دون إذن منها، لكن بالنسبة إلى نور فالأمر كان يستحق عناء المغامرة. كانت الخزانة مغلقة بشيفرة، حاولت أن تفتحها بتاريخ ميلاده، سنة تخرجه، تاريخ ميلاد زوجة والده.. لا شيء أفلح بفتحها، لتجرب تاريخ اختفائه، فتفتح الخزانة !! وقع نظرها على مجموعة أوراق، في زاوية كل ورقة عبارة " أضغاث أحلام "، إنها الرواية التي كانت تبحث عنها، الرواية التي كان يكتبها شهاب قبل اختفائه.
رواية
أضغاث أحلام
الفصل الأول :
وقف أمامها ينظر إليها باستغراب، بدت مختلفة تماما عن الشابة التي وقع في حبها، عن الشابة التي تزوج بها، عن التي تطلق منها، إنها ليست إناس التي يعرفها، شعر بنفسه ينظر إلى لوحة فنية عن البؤس، شاردة الذهن، شاحبة الوجه، شعرها الأشعث يتطاير مع الرياح العاتية، لم تلاحظ وجوده بتاتا، حتى جلس إلى جانبها، على ذلك المقعد الذي شهد بداية قصة حبهما، و اخر لقاء لهما حين مدت له أوراق ملكية منزلهما و كل ما يملكانه، بعد طلاقهما، تنازلت عن كل شيء، و أدارت ظهرها له لتغادر دون النبس ببنت شفة. إلتفتت إليه بعد أن انتبهت لوجوده، لم يفقه شيئا من نظرتها، بدأت تتحدث بهدوء، كأنها تحادث نفسها:
-" كنت حاملا بطفلك.. طفلنا.."
توقفت عن الحديث مترددة في التفوه بما تريد قوله، أما هو فلم يستوعب ما قالته، و كأنها تحدثت بلغة غير التي يتحدث بها و يعرفها، كان يحاول إقناع نفسه بأن ما سمعه ليس صحيحا، لتستأنف كلامها
-" بعد معرفتي بعلاقتك مع .. مع تلك .. "
بلعت ريقها و تنفست بعمق لتتابع
-" لم أستطع الاحتفاظ بالطفل .. تخليت عنه.. "
إتسعت عينيه، يرفض تصديق ما قالته، لن تستطيع القيام بما قالته، هي لا يمكنها التخلي عن طفلها، لا يمكن أن تكون بتلك القسوة، لكنها لم تتوقف عن الحديث
-" حين قلت بأنك لم تعد تحبني، بأنك ستتزوج بها، أعمى الانتقام عيناي، و قادني للخطيئة، اعتقدت أن إبعاد ابنك الذي لا تعرف شيئا عن وجوده عنك سيكون أقسى انتقام منك، و نسيت أنه ابني أيضا، مهما كنت سيئا صرت أسوأ منك "
لم تترك له فرصة للتفكير، حيث أخرجت صورة طفل حديث الولادة من حقيبتها و مدتها له، لتقول بقهر و ندم
-" هذا كل ما يمكنني تقديمه لك، كل ما تبقى لي منه، يمكنك الاحتفاظ بها .. ذاتا لست بحاجة إلى النظر لصورته لتذكره، فهو لا يفارقني، و ما الأقوى من صوت الضمير "
إبتسمت بمرارة، أما هو فقد بدأت دموعه بالتساقط على صورة الطفل، عقله لا يصدق كلامها، لكن قلبه يعرف أنها لا تكذب، أما هي فلم تتوقف عن الكلام
-" لقد رأيته في منامي الليلة الماضية، قال بأنه يكرهني، دفعني بعيدا عنه حين أردت احتضانه .. سيعود أليس كذلك ؟ لا يمكن لأحد أن يكره أمه أليس كذلك ؟ .. "
غادر تاركا إياها ما زالت تتحدث، غادر حاملا على ظهره ثقلا أكبر منه، كابوسا لا يمكنه الاستيقاظ منه، لقد هدمت الحياة فوق رأسه و ليس بوسعه الخروج من تلك الأنقاض، عاد إلى منزله كجسد فقد روحه، اتسعت عينا زوجته الحامل ما أن فتحت الباب، لتقول فاغرة فاهها
-" فهد .. ما الذي حدث لك ؟؟ "
نظر إلى بطنها المنتفخ، لتنزل دمعة من عينه، اتخذت مسارا من خده ثم سقطت على الأرضية، أدار وجهه ليدخل إلى غرفته ثم أقفل الباب مانعا دخول زوجته، جلس على الأرضية الباردة في ركن الغرفة، واضعا يديه على أذنيه، لكن صدى صوت إناس ما زال يتردد
" كنت حاملا بطفلك.. طفلنا "
" أعمى الانتقام عيناي "
" لست بحاجة إلى النظر لصورته لتذكره، فهو لا يفارقني "
" لقد رأيته في منامي الليلة الماضية، قال بأنه يكرهني، دفعني بعيدا عنه حين أردت احتضانه .. سيعود أليس كذلك ؟ "
أجهش بالبكاء، لو أنه لم يتهور، لو لم يخنها، ما كانا ليفقدا ذلك الطفل، كانا سيبنيان تلك العائلة التي حلما بها منذ مراهقتهما، هو السبب في كل شيء، هو السبب في دمار حياتهما، هذا ما كان يفكر به، و لم يستطع إيقاف ذلك الصوت النابع من داخله و الذي يعاتبه، عادت إناس إلى منزلها، في حالة يرثى لها، بالكاد تمشي بخطوات متثاقلة، لا تعرف ما دفعها لفتح الدفاتر القديمة، كان زوجها و ابنتيه التوأم جالستين حول مائدة الطعام، لتقول إحدى الطفلتين
-" نعتذر لأننا بدأنا بتناول الطعام قبل مجيئك خالة إناس.. "
أشارت إلى شقيقتها لتردف
-" كانت جنان جائعة "
إبتسمت إناس بتكلف لتقول
-" لا بأس عزيزتي جنى .. بالصحة و العافية، لقد تناولت طعامي بالخارج.. أنا مرهقة نوعا ما، سأذهب لأستلقي "
قطب زوجها حاجبيه بقلق، لتبتسم له و تدخل إلى غرفتها، وليد من ذالك النوع من الرجال الذي يكرس حياته لعمله و عائلته، جدي، صادق، مدمن عمل و وفي. عاش تجربة قاسية بعد وفاة زوجته و تزوج بجارته إناس التي كانت تعتني بابنتيه بعد وفاة زوجته، لم يكن يعرف عنها سوى أنها امرأة وحيدة بعد طلاقها من زوجها الخائن، لم يعرف شيئا عن شخصيتها، عن ما تحبه، ما تكرهه، لا شيء أبدا.
إستلقت على سريرها تنظر إلى الفراغ، لا شيء بوسعه إنقاذها.
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top