12

العودة إلى نور

وقعت الأوراق من يدها و تناثرت، لتتمتم :
" متطفل .. "
مر شريط حياتها أمام عينيها، من اليوم الذي تخلت فيه عن طفلها، إلى اليوم الذي تطلق منها زوجها الثاني، أصيبت بنوبة غضب، و أخذت تحطم المزهريات التي بالخزانة و هي تردد :
" بأي حق تكتب ذلك ؟! "
" أين بقية الفصول أيها المتطفل ؟! "
حطمت كل المزهريات، و جلست على الأرضية الباردة بعد أن خارت قواها، جسدها يرتجف، و تشعر بأن النيران قد اشتعلت في صدرها، غادرت ذلك المنزل عائدة بسرعة لمنزلها، كانت تبدو للمارة فاقدة لصوابها، و هي تبكي بحرقة و تركض.

وصلت لمنزلها و بدأت تصرخ باسم " أنور " و " نادية "
تبحث في أرجاء المنزل لكن لا أثر لهما، و لم يكونا في ذلك المنزل يوما، لقد كانا في مخيلتها فحسب، كانا في أحلامها، و حين اشتد الحزن عليها انقلبت الأدوار بين أضغاث أحلامها و واقعها، فصارت ضحية ضجيج عقلها الأخرس، فلم تعد تعرف ما الحقيقي في ما تعيشه.

جلست في ركن ذلك المنزل الذي أصبح كئيبا و مظلما فجأة، و بكت بحرقة، بكت كل المواقف التي عجزت أن تبكي فيها، بكت سنين حياتها التي احترقت بسبب قراراتها الخاطئة، بكت علاقاتها الزوجية الفاشلة، بكت فقدان ابنها، بكت فقدان وظيفتها التي درست بجد لتصل إليها، و بكت العالم الوهمي الذي انهار في بضع دقائق.

يتساءل الإنسان أحيانا لمَ يعذَّب أشد العذاب بينما الآخرين ينعمون بحياة هنيئة، غير مدرك أن الجميع دون استثناء يعيشون صراعات لا حصر لها، لقد كانت نور تعتقد دوما بأن كل ما يحدث لها هو عقاب على تخليها عن الطفل الذي أنجبته، و لو عاد بها الزمن للخلف ما كانت لتفعل ذلك أبدا، إلا أن الإنسان يمر أحيانا بلحظات يرتكب فيها أمورا يتعجب كل العجب أنه قد قام بها، هي تعلم أن ذلك الطفل قد لن يغفر لها أبدا، و ذلك أكثر ما كان يهد سلامها.
جلست نور على حافة سريرها تنظر إلى شهادة إجازتها في المهن التمريضية، لقد كانت في اكتئاب شديد حين قدمت استقالتها، إذ كانت تفكر بأن ضغوط العمل تزيد من حالتها النفسية سوءا، لكن ما كتبه شهاب جعلها تستعيد أملها بأن تجد ابنها إن كان زوجها السابق قد وجده فعلا، زفرت بألم و هي لا تعرف من أين عليها أو تبدأ ترقيع حياتها، ربما من استعادة وظيفتها، و من ثم البحث عن شهاب و زوجها السابق. كانت أفكارها مشتتة لدرجة أنها بالكاد تذكر ما يحدث في حياتها في الآونة الأخيرة. كانت تحاول كثيرا تخيل ملامح ابنها، صوته، إبتسامته، لكن الأمر بات صعبا منذ أن قرأت ما كتبه شهاب، ليته تركها مع أحلام يقظتها و هلاوسها، ليتها تركها مع الشخصيات التي اختلقتها مخيلتها، ربما عندئذ ما كانت لتشعر بكل هذه الوحدة و الذنب.
جمعت أغراضها القليلة و سافرت إلى المدينة حيث تقع شركة زوجها السابق، أو بالأحرى والد ابنها، تجاهلت الفوبيا التي تعاني منها بالسفر على متن الطائرة، و أغمضت عينيها لا تفكر بشيء إلا بالاجتماع بطفلها، ترشحت للقيام بمقابلة عمل في أقرب مستشفى من تلك الشركة، و لم يكن إيجاد منزل للإيجار في تلك المدينة الكبيرة سهلا، لذا فكرت في الإقامة في فندق ريثما تعثر على شقة للإيجار. لم يكن الوصول إلى والد طفلها ( أمير ) بسيطا، إذ أن النجاح الذي حققه كرجل أعمال في السنوات الأخيرة جعله يبتعد عن الأنظار لكي لا يقع ضحية فضول الصحفيين و نشطاء وسائل الإعلام.
إنتظرت في اليوم الأول طوال النهار أمام شركته، و لم يخرج حتى الساعة التاسعة ليلا، لاحظت فورا بأن ملامحه قد تغيرت كثيرا إذ صار هزيلا شاحب الوجه، للحظة اعتقدت بأنه قد لمحها فأدارت له بطهرها و غادرت بخطوات متسارعة إلى أن وصلت إلى مطعم شعبي في آخر الشارع فدخلته.

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top