༺الفصل الرابع༻
(الغضب) هو العامل الرئيسي الذي دفعني لارتكاب جميع الأخطاء، حاولت كبحه، السّيطرة عليه، لكنّه أقوى منّي بكثير.
أنا لست شخصًا يغضب من أجل لاشيء، ولكن كلّ شيءٍ يغضبني.
أخبرني أخي يومًا أنّني متشائمٌ وذو طبع حادّ، ما لم يكن يعلمه آنذاك، أنه بتلك الكلمات وطريقة نقده المزدرية لي جعلني أتشبّت بكلّ الصّفات التي يراها الآخرون سيّئةً، أنا أرغب في أن ألاحظ من قبل من أحب، ولا شيء يجعلهم يلاحظون وجودي سوى أفعالي السيّئة، ولهذا السّبب أرحّب بجميع الصفات الذميمة طالما أنّها تجعلني مرئيًّا أمامهم، ربّما أكون على خطأ، لكن هذا لا يهمني طالما أنّني أحببت الوقوع فيه.»
يوميات جايكوب مالوي ١٧/٨/٢٠١٨.
أمضيت اللّيل بطوله في محاولة استعادة الموقع مجددًا، بحيث أمنعها من العبث بطلبات القرصنة المرسَلة لي، إنّها تفسد كلّ ما حاولت بناءه.
نظرت إلى السّاعة بعينين مرهقتين؛ فقد كانت تشير إلى السابعة صباحًا، ومع هذا أنا سعيد لأنّني استطعت حماية «كراكر» أخيرًا.
أعلم أنّه سيُغلق بعد فترةٍ بسبب تخريبها له، مع ذلك سأقوم بقرصنة حسابها واستعادة بياناتي منها، ثم سأغلقه وأفتح واحدًا آخر بنفس الاسم، فقط لو أضع يديّ على بياناتها، أقسم أنّني سأدمّرها، فمن هي لتتحدّاني في الشّيء الوحيد الذي أبرع به؟
أرخيت نفسي على الكرسي شاردًا في المصيبة التي وقعت بها، أفكر مناقدًا نفسي؛ فلا فائدة من تأمينه بعد الآن؛ هي بالفعل تملك كلّ بياناتي ومعلومات الموقع، بل لا أصدّق أنّها تمكّنت من الوصول إلى حساب «كراكر» الذي أجمع منه الأموال التي أجنيها بتعبي، يجب أن أقوم بتأمينه هو الآخر.
فتحته وبدأت في كتابة بعض الأكواد والرّموز وإعادة بناء تطبيقات الحماية، لكن ما لفت انتباهي هو عملية تحويل مبلغٍ وإعادته إلى أصحابه، بالتّأكيد تمزح معي! من سمح لها بإعادة الأموال لأولئك الحمقى؟
قمت بتأمينه أخيرًا وشعرت بالدّماء تغلي في عروقي، فكيف لهذه اللصّة فعل هذا؟
نظرت إلى الوقت وقد كان يشير إلى التاسعة صباحًا.
مزاجي لا يسمح لي بالذّهاب إلى الجامعة بسبب ما حدث؛ لذلك أكملت العمل على حاسوبي في محاولة لاختراق حسابها متجاهلًا دراستي.
نعم، لست محطّ ثقةٍ، أنا كراكر يا عزيزتي ومن الخطأ الوثوق بي وتوقّع أنّني قد أسمح لك بإملاء أوامركِ عليّ دون أي ردّ فعل يُذكر. حاولت مرتين ولم أستطع إيجاد ثغراتٍ في نظام أمنها ممّا أزعجني كثيرًا، أنا لست بكامل تركيزي حتّى بسبب عدم نومي أمس.
قاطعني دخول والدتي إلى غرفتي قائلةً: «ألن تذهب إلى الجامعة؟»
نفيت برأسي فزفرت هي بفقدان أملٍ معقبةً: « لولا أنّني مشغولةٌ بالمصيبة التي حلّت بأخيك لكنت تفرّغت لك.» أنهت كلماتها ثم غادرت في حين أومأت برأسي متمتمًا: « بالطّبع ديريك الأهّم دائمًا.»
عندما ترك أبي المنزل هو من تحمّل المسؤولية وساعد والدتي في كلّ الأمور، لن أنكر أنّه يهتم لأمري ويريد مصلحتي، لكن ليس بعد الآن؛ فهو من بثّ فكرة كوني الفاشل لوالدتي وسيندم على ذلك، جميعهم سيندمون.
عدت بنظري إلى حاسوبي ورأيت إشعارًا برسالةٍ، يبدو أنّ الملاك البنفسجيّ استيقظت، قرأت الرسالة بملامح مُحتدة.
«أخبرتك أن تتوقّف عن محاولة اختراق حسابي، ما المعقّد في الجملة والذي يصعب عليك فهمه؟»
كتبت بغيظٍ: «لن أتوقف.»
أرسلتْ: «لا تغتر بنفسك كثيرًا؛ فإنْ كنتَ ملك الكراكر أنا ملكة الهاكر، أظن أنّ الرّابح واضح بيننا، ألست محقّةً؟»
قرأتُ كلماتها المستفزّة بغضبٍ عارم، لأول مرة أرغب في ضرب فتاةٍ، وعندما لمْ أجِب عادت لتكتب: «أعلم أنّك تبكي، لا تقلق سأشتري لك مناديل لتمسح بهم دموعك.» وأرفقت وجوهًا ضاحكةً في نهاية رسالتها.
حسنًا، إنها حقًّا تعرف جيدًا كيف تستفزّني، لقد أصبح الأمر شخصيًّا الآن.
أرسلتُ في عجلةٍ: «هل أعرفكِ؟ أتدرسين معي في نفس القسم؟»
«مضحك جدًّا، هل أنت ساذج؟ بالطبع لن أجيب عن استفساراتك. والآن دعنا من هذا الهراء، هل أعجبك ما فعلته بأموالك الدّنيئة؟»
كتبت بغضبٍ: «أنتِ ميّتةٌ لا محالة!» إنّها مصرّة على إثارة جنوني، أعلم أنّها تفعل ذلك عمدًا.
تنهّدت بعمقٍ وعدت أكتب بمكرٍ: «هذا لن يحدث مجددًا، لا أظن أنّك ستستطيعين اختراقه مرّةً أخرى كي تكرّري فعلتكِ الرّديئة.» ابتسمت بفخرٍ وانتظرت ردّها.
أردفت متسائلةً باستهزاءٍ في نهاية رسالتها فاستشطت غضبًا أكثر من كوني غاضبًا من الأساس: «حركةٌ متوقّعةٌ من شخصٍ رتيبٍ ومملٍّ مثلك، لقد علمت منذ الوهلة الأولى أنّك ستستردّه، لذا قمت بتخريبه، ثمّ ما الحاجة لاختراقه في حين أنّك ستقوم بالتخلّص منه قريبًا، ألست محقّةً؟»
أعترف أنّها ليست سهلةً كما ظننت، حسنًا أيّتها البنفسجية، سأماطلكِ حتّى أضع يديّ على كل حساباتكِ ثمّ سيكون لنا حديث آخر، أعدكِ.
أرسلتْ: «إذًا لننتقل إلى الحديث عن الصّفقة، انظر، إن قمت بتنفيذ كلّ ما أخبرك به والتّراجع عن أفعالك القذرة سأقوم بمسح بياناتك، ولن أبلّغ عنك أيًّا من الجامعة أو السّلطات.»
كتبت باختصارٍ: «وما هي هذه الأوامر؟»
«أوّلًا، قم بإغلاق صفحة معجبي كراكر على موقع الفيسبوك.»
محال، بالطبع لن أقوم بذلك، فكراكر اشتُهِرت عندما قام أحد المعجبين بعمل صفحةٍ باسمها و بدأ بالتّرويج لها.
«وإن رفضت؟»
أجابت: «سأقوم أنا بإغلاقها ثمّ سأقوم بتسليمك.»
شعرت بالحنق فكتبت: «حسنًا، لمَ لا تقومين أنتِ بإغلاقها وتعطينني مهمّةً بديلةً؟»
«لماذا؟ أتعني لك الكثير؟ جايكو لا يستطيع تنفيذ أوّل مهمّةٍ بسبب مشاعره، مثيرٌ للشفقة! استفق من الأوهام التي تنام داخلها، انظر حولك، أنت تؤذي الكثيرين، والآن بات صعبًا عليك إغلاق الصّفحة التي تروّج لأعمالك التّخريبية؟ كراكر من ستقوم بإغلاق الصّفحة الدّاعمة لها، انتهى النقاش.»
نظرت إلى السّقف أحاول تنظيم أنفاسي والتّفكير بطريقة لردع هذه الفتاة المزعجة، لكن قاطع حبل أفكاري إرفاقها لرسالةٍ أخرى.
«لديك ساعتين لتنهي هذه المهمة أيّها الكراكر العظيم.»
إنّها حقًّا ستُفقدني آخر ذرّةٍ من صوابي.
فتحت حساب المعجبين وبدأت في تصفّحه بتأن وكأنّني أحاول حفظه، ولكن ما لفت انتباهي آخر منشوراته، وكانت كالتّالي:
«تمكّن أحد مصادرنا الموثوقة من الحصول على معلوماتٍ تأكّد أنّ موقع كراكر قام برفض طلبات أمس جميعها، ثمّ قام بإعادة بعض الأموال لأصحابها، هل هذا يعني أنّها نهايته يا ترى؟ هل سيتمّ إغلاقه؟ أم أنّ أحدهم استطاع هزيمته واختراقه. أعلمونا بآرائكم في التعليقات أعزائي.»
هذا ما كان ينقصني، حسنًا، على الأقلّ أصبح لدي الآن سبب لأغلقه، فبدأت في محاولة اختراقه.
في الحقيقة لم أستغرق الكثير من الوقت فقد سبق واخترقته بالفعل، وقمت بإرفاق بعض إنجازات موقعي المبهر وأيضًا تبرّعت للمسؤولين عنه ببعض الأموال؛ لأنّهم يدعمونني. من أخدع؟ لقد أرسلت لهم تلك الأموال فقط كي أبعد الأنظار عنّي عندما أقوم بتحويل بعض المبالغ إلى حسابي الحقيقي، إنّه تصرّفٌ غرضه التّشتيت وحسب.
أرسلتُ لحساب الملاك البنفسجي بقلبٍ منقبضٍ كونها بالفعل بدأت تتحكم بي: «انتهيت.»
«رائع، أتعلم أنّه خلال انشغالك بإغلاق الصّفحة تفقّدت بعض معلوماتك، وحقًّا لم أصدق أنّك قمت بالسّطو على حساب أخيك.»
«لا شأن لكِ بما أفعله، أنتِ لا تعرفينني.»
«أعرف ما يجب عليّ معرفته.»
«إذًا يؤسفني القول بأنه ليس كافٍ!» كتبتُ بسرعة وقمت بإرسالها بنظرةٍ حادة، استغرقت هي دقائق وأرسلت بالمقابل: «هل أنت راضٍ عن فعلتك؟ لا تجعل الغضب يتحكم بك چايكوب، لقد بحثت في صفحتك ولاحظت بأنك كنت ترفض الطلبات التي تؤذي الآخرين في الماضي، ما الجديد الذي جعلك تبدل رأيك؟ لا أظن أنك بهذا السوء! لذلك مهمتك الثانية ستكون إعادة أموال أخيك التي سرقتها!»
غضبي يتحكم بي، مضحك!
«أتفهم كونكِ ترغبين بإغلاق الموقع، إعادة الأموال المتبقية لأصحابها، وتصحيح مجريات الأمور، حسنًا، سوف أفعل ما تريدين ولكن هذا الطلب مستحيل، إنه أمر يخصني ولن أسمح لكِ بإقحام نفسكِ فيه، ومن ثم أنتِ قلتِها بنفسكِ، ذلك كان بالماضي!»
«ألا ترى بأنني أحاول تعديل حياتك المزرية؟ أليس واضحًا بأنني أحاول مساعدتك؟»
«ماذا الآن، هل أصبحتِ معجبة بي؟» كتبتُ بسخرية.
«لديك خمس ساعات حتى تعيد فيها أموال أخيك، وأتمنى منك مراجعة فعلتك أثناء قيامك بذلك!» أرسَلت منهية الجدال.
تأففتُ بغضبٍ وأغلقتُ حاسوبي، خرجت من غرفتي ثم نزلت إلى الطابق السفلي، تحديدًا نحو المطبخ.
وجدت والدتي تجلس أمام المائدة، وكانت قد أنهت تحضير الطعام، وحين لاحظت وجودي ابتسمت بلطف وأشارت لي بالجلوس قائلة: «كنت بانتظارك، لم أشأ مقاطعتك فقد بدوت مشتتًا، تعالَ وتناول بعض الطعام، لم تأكل أي شيء منذ الأمس!»
تنفست الصعداء وتقدمتُ أسحب الكرسي حتى أجلس برفقتها، باشرت بتناول الطعام في حين كانت هي تتأملني بسكون، ما بالها؟ صحيح بأنني لم أتناول الطعام معها منذ مدة طويلة، ولكن ظننتُ بأن وجودي من عدمه لا يهم طالما ديريك متواجد!
بدأت بالأكل ثم قلت لأكسر الصمت المربك: « لمَ لا تأكلين؟»
«لا أشعر بالجوع.» قالت وأعلم بأنها تكذب، فهي لا تأكل حين تكون حزينة.
«هل أنتِ بخير؟» سألت عندما لاحظت شرودها فنظرت لي بضعَ ثوانٍ، ثم استهلت الحديث قائلة: «أتعلم؟ كل ما تمنيته بهذه الحياة أن أراك أنت وأخاك ناجحين وسعداء، لكن أشعر بأنني أم فاشلة، انظر لحالك، أنت بالكاد تخرج من غرفتك، والآن حتى أخوك تمت سرقة كل ما جناه طوال حياته!» أنهت كلماتها التي تحمل حزنًا دفينًا وشعرتُ بالحروف تتبخر من فمي.
يا إلهي ما الذي فعلته؟
«بالمناسبة، لمَ لم تذهب إلى الجامعة اليوم؟ عزيزي أخبرني إن كنت تواجه أية مشاكل، لا أريدك أن تفشل بما فشلت به، لا تقع بنفس خطئي وتترك دراستك أرجوك!» قالت بنبرة منهكة، تنهدت بعمق وكنت سأجيب ولكنها لم تسمح لي حيث استطردت: « أرجوك كفَّ عن الكذب، أنا أعلم بأنك لا ترغب بالذهاب إليها، أنت لا ترى ملامح وجهك في كل يوم تخرج لحضور محاضراتك!»
«بني أنا حقًا فخورة بكونك حصلت على منحة دراسية بهذه الجامعة، لذلك لا أريدك أن تضيعها، أتفهمني؟» قالت واضعة إحدى يديها فوق كف يدي اليسرى بحنو، تحدق بداخل عينيّ بهدوء.
شعرت بالتيه حيث سحبت يدي ووقفت باعتدال، أناظرها بشيءٍ من الدهشة!
حسنًا، أنا حقّا لم أحظَ بمثل هذا الحديث معها في السابق، ربما لأنني بالفعل أمضي معظم وقتي بغرفتي، تحديدًا بكراكر، أقصد، هل هي حقًا تهتم؟
هل أعمى الغضب بصيرتي بالفعل؟
لأول مرة تخبرني بأنها فخورة بي، ولكن لمَ أشعر بأنني حزين!
ابتلعت ريقي بضيق، فكل ما فعلته طوال حياتي كان لأجل سماع هذه الجملة، ولكن الآن بعد أن سمعتها، لمَ لا أشعر بالسعادة؟
في الحقيقة داخلي يعلم جيدًا أنني لا أستحقها!
«علي الذهاب، وشكرًا على الطعام.» تمتمت بارتباك، فأومأت هي واستقامت بنفس الملامح الحزينة كي تباشر بغسل الصحون.
وددت لو أتمكن من معانقتها والبكاء، ثم إخبارها بكل الأفعال السيئة التي ارتكبتها، ولكنني لم أستطع، وكل ما فعلته هو الخروج بسرعة.
وقفت أمام الدرج أرتب أنفاسي المتسارعة، أتساءل ما كل هذا الزيف الذي بنيته لنفسي!
قاطع أفكاري السوداوية عودة أخي الذي لأول مرة أراه متعبًا وبملامح منطفئة بهذا الشكل.
عدلت من وقفتي واقتربت منه، وفور ملاحظته لي بَدّل ملامحه إلى ابتسامة طفيفة في محاولةٍ لإخفاءِ حزنه.
«أخي الصغير ينزل لاستقبالي بنفسه، هذا حقًا تقدم رائع!» قال وتقدم ليصافحني بينما كنت متجمدًا بمكاني كالخشبة، بملامح غير مقروءة، وقبل أن يلاحظ غرابتي أردفت: «ماذا حدث في حسابك، هل تمكنتم من القبض على الجاني؟».
«لا تقلق، الأمور على ما يرام، أنت فقط اهتم بدراستك!» قال باختصار، ثم عبر من جانبي حتى يدخل حيث تجلس والدتي.
بقيت متصنمًا في نفس البقعة أعيد تدوير كلماته بداخل عقلي، ومرت عليّ جميع اللحظات التي كان دائمًا ما يقف خلفي بها، ثم فكرت كيف حاول إخفاء حزنه حتى لا أشعر بالضيق.
بدأ تنفسي يضطرب وبدأت باستيعاب حجم المصيبة التي قمت بفعلها، وهنا صعدت لغرفتي على الفور لأفتح حاسوبي وأباشِر بالعمل على إعادة أمواله التي سرقتها!
أنا حقًا لا أصدق بأن غضبي استطاع فرض سيادته عليّ بالفعل!
يتبع..
رأيكم؟
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top