«١٨»
صلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم.
*********
صعدت إلى سطح المدرسة، ليس لانتظار قدوم إليري أو للتحدث إليها، بل كي أفكر بهدوء بعيدًا عن الضوضاء؛فبعد تغيب آش عن المدرسة اليوم تأكدت بأنه جاد في كلامه، وهذا ما زاد الوضع سوءًا.
كنت أتأمل بعض الطلاب الذي يجلسون بالأسفل بشرود. لا أعلم ما علي فعله في هذه المعضلة، هل علي حقًّا الاختيار بينهما؟
شعرت بيد توضع على كتفي ولكنني لم أستدر لرؤية هوية الشخص، فأنا أعلم يقينًا بأنها إلي.
«تبدو حزينًا، أكل شيء بخير؟» قالت ووقفت بجانبي في حين كنت أتجنب النظر إليها.
أومأت كتأكيد بأن كل شيء بخير ولكن يبدو أنها لم تقتنع عندما سألت بجدية: «ما الأمر؟»
حدقت إليها ثوان وتساءلت في نفسي: هل علي تركها وتحطيمها كما فعل الجميع هنا؟ لقد عانت بما فيه الكفاية!
تنهدت بعمق وأجبت بخفوت: «لا شيء» وعدت لأركز بنظري على أي شيء بعيد عنها، ربما لأتجنب تأنيب الضمير!
«أتعلم، أول مرة أتفهم غضبك مني عندما كنت أتجنبك»، دفعتني كلماتها للابتسام فور تذكري بداية تعارفنا المريب!
هذه الفتاة حقًّا غريبة بشكل يروق لي.
«ما كل هذا العبوس يا رجل؟ إذا لم تخبرني ما بك سأقوم بدفعك من هنا، وأنا أعني هذا!» نطقت بجدية مازحة وهي تسحب يدي لتجبرني على الجلوس معها.
بقينا في دائرة من الصمت عدة دقائق، لا أعرف ما علي قوله صدقًا.
«سوف أذهب؛ يبدو بأنك تفضل البقاء وحيدًا» تمتمت بخفوت عندما طال صمتي واتجهت نحو المخرج، ولكن في هذه اللحظة اكتشفت بأن آخر شيء قد أرغب به هو البقاء وحيدًا!
اندفعت بسؤالي الغامض: «إذا خيرتك بين شيئين تحبينهما، ماذا ستفعلين؟» فتوقفت واستدارت إلي عاقدة حاجبيها.
«لقد تخليت عن الكثير في حياتي، فبالتأكيد لن يكون التخلي عن المزيد أمرًا صعبًا» أجابت بجدية وعادت لتجلس بجانبي، رأيتها تتنهد وأخبرتني بخفوت: «طالما تود الاحتفاظ بالشيئين فليس عليك الاختيار لوك».
حسنًا، هي لا تعي ما أعنيه ولكن كلامها منطقي وأثر في، كم رغبت في إخبارها بالحقيقة، لربما تساعدني؟ وهنا قررت سؤالها مجددًا: «وماذا إذا خيرتك بين شخصين؟».
رفعت بصرها نحوي وزفرت بضيق وقالت: «لا أعلم! أنا لا أملك أحدًا في حياتي سواك» أنهت جملتها وأمسكت يدي ثم استطردت: «لذلك لا شك بأنني سأختارك». ثبت بصري نحوها وفي هذه اللحظة فقط تأكدت بأنني لن أفرط بها مهما كان الثمن!
«هل أنتِ متفرغة الليلة؟» سألت فأومأت بالمقابل، تنهدت وأضفت: «إذًا الساعة السابعة سآتي لاصطحابك، أود أن أخبرك بشيء» قلت وتركت يدها ثم وقفت وبدأت بالسير نحو الباب.
لم ألتفت لرؤية ملامحها ولكنني تأكدت بأنها موافقة عندما سمعتها تقول بخفوت: «أراك مساءً».
أنا سعيد جدًّا وأعتقد بأن مشاعري بدأت تتضح بالنسبة لي، فاليوم سوف أصارح هذه القصيرة بمشاعري نحوها.
اِنتهى الدوام فخرجت بسرعة وأعلم جيدًا أين ستكون وجهتي: منزل والدة آش. كل ما تبقى هو إقناعه بالعودة إلى المنزل وينتهي الأمر، كما ترون قررت الاحتفاظ بكليهما.
نزلت من سيارة الأجرة ووقفت محاولًا ترتيب الكلمات في عقلي ومن ثم طرقت الباب بهدوء.
كما توقعت، فتح آش الباب واستقبلني بملامح منزعجة وهو يقول: «ماذا قررت؟ أنا أو إليري؟» ما هذه السرعة؟ نحن حتى لم نلق التحية!
«أنت» كذبت لأتمكن من جعله يعود معي إلى المنزل وهناك سأخبره بالحقيقة، لأنني أعلم جيدًا كم هو عنيد ولن يستمع إلي ونحن نقف هنا.
رأيت اِبتسامته بينما هتف ببرود: «كنت متأكدًا» ثم صافحني واستطرد بسرعة: «هيا لنعد إلى المنزل، فزوج والدتي بدأ يستفزني بالفعل» قهقهت إثر كلماته واتجهنا معًا نحو السيارة، بينما في الحقيقة أشعر بثقل وتوتر كبير بسبب كذبتي.
سأل آش عندما لاحظ توتري خلال قيادته: «ما الأمر؟».
زفرت بضيق ونطقت بهدوء: «لا تكن أنانيًا آش».
نظر إلي بعبوس وقال موضحًا: «آسف لأنني وضعتك في هذا الموقف ولكن صدقني هذا لمصلحتك».
سحقًا لا يبدو بأنه سيبدل رأيه بسهولة.
هتفت بحنق: «أنا أعي مصلحتي جيدًا، لست طفلا لترشدني»، بروده حقًّا أغضبني، كنت أتوقع بأنه سيلين في آخر الأمر ولكنه مصر أكثر من اللازم على موقفه الأناني من وجهة نظري.
«حسنًا، لا تمثل دور المظلوم، أرجوك» قال بملل عندما صف السيارة أمام المنزل.
«أنا حقًّا مظلوم!» أردفت رافعًا يديّ باستسلام حين رأيته ينزل ويخطو إلى المنزل بهدوء. لمَ الجميع يحب تجاهلي؟
نزلت أنا الآخر ودلفت إلى المنزل وأغلقت الباب خلفي، اِلتفتت له واصطنعت نظرة بريئة وقلت بخفوت: «آش، أنا كنت سأخبرك بذلك ولكن لم تكن لتقبل العودة» ابتلعت ريقي بتوتر بينما أراقب ملامحه المركزة علي ببرود، كنت سأكمل حديثي لولا قوله «أعلم لوك، لست بهذه الحماقة، أعلم بأنك لم تتركها».
حسنا هذا مؤشر جيد يدل على قبوله المكوث معي وقبول إلي في حياتي، ولهذا كان يتصرف ببرود.
«حسنًا فكرت بالأمر يوم أمس ووجدت أنني مغفل لأضعك بين خيارين» تنهد ثم أكمل:«الحب أم الصداقة، جنون!» ظهرت ابتسامته بعد أن قال هذا وهو يحرك رأسه كأنه لا يصدق ما يقول.
«أنت أخي لوك، وأنا أثق بخياراتك مهما كانت خطأ بالنسبة لي، لذلك لا تمثل دور البريء أكثر من هذا وهيا لنحضر الطعام، أرجوك» أنهى جملته ولم أستطع تمالك نفسي فانهلت بالضحك.
«أنت الأفضل!» صحت بسعادة وقفزت فوقه.
«تبًّا! كسرت ظهري» تمتم ثم تشارك كلانا نوبة الضحك المزرية. في الحالتين كنت سأختار الصداقة، صداقتي بآش وإليري.
الساعة تشير إلى السادسة مساءً، أنهيت في الوقت المناسب ارتداء ملابسي التي كانت عبارة عن بدلة سوداء أنيقة؛ فهذا سيكون موعدًا وليس مجرد لقاء لذلك فكرت بأن أرتدي إحدى ملابسي الرسمية التي أمقتها بشدة.
أخبرت آش بشأن الموعد ولاحظت انزاعجه ولكنه حاول إخفاءه وابتسم لي بتشجيع، ولم ينس السخرية من أسلوبي العتيق في طلب الخروج معها.
«أول مرة أشعر بأنك تبدو...» قال آش بحماس ومن ثم صمت قليلًا بينما أنا أبتسم بثقة على مظهري المتكامل ولكن اختفت ابتسامتي عندما سمعته يقول: «مضحكًا بكل هذه الرسمية».
عقدت حاجبي بغيظ وأنا أراقبه يضحك ويقفز كالقرد ساخرًا من مظهري، تأففت من أسلوبه المضجر، وقررت أخيرًا تجاهله والخروج بعد أن سحبت مفاتيح السيارة.
«أتمنى لك الحظ مع صديقتك المج… أقصد مع إليري» قال باستسلام عندما رمقته بنظرة حادة ثم استطردت بمزاح: «أظهر بعض الاحترام يا رجل! فأنت ستراها كثيرا هذه الفترة» غمزت في نهاية الجملة ورأيته يبتسم بتكبر وهو يتجه نحو غرفته بتغطرس، فعلًا أحمق.
كنت أقود نحو منزلها والسعادة تغمرني، وأخيرا بدأ اليوم بالضحك لي!
لا أصدق بأنني على بعد خطوات من الاعتراف لإليري بمشاعري نحوها.
لقد حجزت طاولة في أحد المطاعم الفاخرة بهذه المدينة واشتريت باقة زهور لأقدمها لها، لا أنكر توتري من رد فعلها، ربما هي لا تراني سوى صديق. آمل أن تبادلني مشاعري ومهما كانت النتيجة سأحرص على الحفاظ على علاقة الصداقة بيننا.
وقفت أمام باب منزلها بضربات قلب مضطربة بينما أمسك بإحدى يدي باقة زهور، حان الوقت لأتعرف على عائلتها، فأنا سأكون حبيب ابنتهم عما قريب.
ضغطت على الجرس وانتظرت قليلًا ففتحت إلي بهيئتها الجميلة.
لقد خطفت ما تبقى من أنفاسي حتى أنني نسيت كيفية التحدث. سحقًا! أين اختفى كل النبل الذي جهزته؟
«مرحبًا» نظفت حلقي وقلت بثبات فأجابت هي بلطافة: «أهلًا».
نطقت بصدق: «تبدين جميلة، كالعادة» فظهرت ابتسامتها الخلابة بينما استطردت: «شكرًا، أنت أيضًا تبدو وسيمًا».
ليس بقدر جمالك يا فتاة!
ظللنا نحدق ببعضنا دقائق إلى أن قاطعت شرودي بقولها: «أمي، هذا صديقي لوك الذي أخبرتك عنه» تنهدت واسترسلت: «لوك، أعرّفك، هذه أمي». رمشت بسرعة محاولًا استيعاب الأمر، وعندما وجدتها تنتظر مني الرد بجدية، اِبتعدت بخطواتي عن الباب بصدمة بينما لا شعوريًّا سقطت باقة الزهور من يدي. يا إلهي! هذا لا يعقل!
يتبع...
_____________________________________
بارت جديد بمناسبة 1k قارئ بجد شكرا أنا ممتنة ليكم كلكم ❤
أسفة على التأخير + أتمنى يكون البارت نال إستحسانكم .
توقعاتكم ؟؟؟؟
طابت أيامكم 💙
أسفة على الأخطاء الإملائية و اللغوية .
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top