Chapter 24.✔

أخذتُ أُحرِّك قدماي بتوتُّر، وسحبتُ خصلات شعري للخلف كي أتنفّس بشكلٍ أفضَل، شعرتُ بأنّ أضواء المعمَل تُفقِدني بصري، ورائحة المكان الغريبة وهدوءه وبرودة هواءه يُصيبوني بالإعياء..

جائت المُمرّضة لتُشير بيدها قائلة "آنِسة جوميز يُمكنكِ الدخول، نتيجة الفحص مَع الطبيب بالداخل!"

"شُكراً لكِ!" إبتسمتُ بإمتنان بينما أترُك مقعدي عائِدة لمكتب الطَبيب، دلفتُ مع والداي لأراه يُمسِك بورقةٍ ما -تبدو انّها نتيجة الفحص- ورفع عينيه ليُقابِلا خاصتاي فيترُك الورقة بهدوءٍ مُربِك ويُشير إلينا بالجلوس.

"هل هُناك خطبٌ ما؟" عقدتُ أصابع يداي ببعضها البَعض ووضعتها علي حقيبتي فَوق حِجري، بينما أُطالِع الورقة المُستَكينة علي المكتَب.. مُستكينةٌ هي وهائِجةٌ أنا!

"للأسف، كما توقعت!" إنتشَلني مِن أفكاري مُتنهِّداً، فقطبتُ حاجباي بعدمِ فِهم.

"لم يكُن دواءً.. ولسوء الحظ واظبطتِ علي أخذِه لفترةٍ طويلة، نتائجُ الفحصِ تقول أنّكِ تتعاطين الممنوعات."

"الممنوعات؟!" هذا ما خرج من بَين شفتاي بدهشة، نظرتُ لأبي واقِعة في شباك حيرَتي التي بدأت تلتهِم تلافيف عقلي، ودون شعور غرق جفناي في الدموع التي أخذت تتأرجَح رافِضة النزول.. لتحرقني لفترةٍ أطوَل.

"هذا مُستحيل يا رَفيقي، سيلينا لن تفعل هذا أبداً.." حاوَل والدي أن يتمالك أعصابه، لكن التوتُّر كان بادٍ عليه.

"رُبما بغير إرادتها! بالتأكيد هي لم تكُن تعرف أن العُلبة كان بداخلها المُخدّرات!" حدّثهُ الطبيب بتأثُّرٍ بينما يعبث بقلمه، هَمّ والدي بالوقوف ليوميء قائلاً "شُكراً لك كول."

"سيلينا؟" نظر لي ليُذكِّرني بأننا راحِلون، نظرتُ إليهما لوهلة.. ثُم أعدتُ بصري للطبيب قائلة "معذرةً سيدي، ولكن كيف سأتعالَج؟"

"عليكِ الذهاب إلي مصحّة لعلاج الإدمان يا إبنتي."

هُنا سقطت الدِمعة التي حاربت كثيراً لإبقائها خَلف أسوار مُقلتاي، نهضت لأُكفكِف دموعي وأخطو خطواتي للخارج، كان الخبر صادِماً لجميعنا.. فلم يتفوّه أحدنا بحرفٍ واحد أثناء عودتنا للمنزل.

مصحّة؟ 

لقد إنتهي أمرِي.

>>>>>>>>>>>>

التِلفاز مُشتعِل ورغم صوته العالي إلّا أن لا أحد يسمعه، جميعنا جالسين علي الأريكة التي تُقابِلُه في حين أنّ كُل منّا شارِدٌ في أفكارِه التي تضاربَت لتصنع زحاماً شَديداً وفوضةً عارِمة داخل عقولنا، وسؤالٌ واحِد يدورُ في ذهني ليستفزّ جهلي بالإجابة.. كيف حدث هذا كله دون أن أشعُر حتّي؟

نظّفت والدتي حلقها لتتشجّع وتُبادِر الحَديث كاسرةً حاجِز الصمت "مَن أعطاكِ هذا الدواء؟"

"طبيبٌ ما بمشفي ما في نيويورك، كلاوديا قادَت السيارة نحوه لِذا لا أعرف إسمه أو أسم المشفي أو طريقها حتّي.." أجبتُ شاردةً في كفّي، لتتنهّد هي بضيق، قبل أن تطرح سؤالها الثاني "هل شعرتِ بتلك الأعراض قبل تناولكِ للدواء اللعين؟"

أطلتُ الصمت.. قبل أن أُتمتم "أجل، فعلت." فهذا كان السبب الأساسي لذهابي لذاك الطبيب المَجهول في الأصل.

ما تبقّي لي مِن عقلٍ بدأ يتآكَل، فَجوَة حيرَتي تتسِع لتبتلع جميع أسئلتي وأفكاري.. وتعتصِر مُخّي حَد التَعَب.

نهض أبي مِن بيننا، فلم أُعِر الأمر إهتماماً.. أبي مُستاء مُنذُ أن صدمنا الطَبيب بنتائج الفحص، ولم يتحدّث إليّ مُنذُ حين، رُبما.. يشُكُ بأنني تعاطيت المُخدّرات عن قصد؟ لا أستبعِد ذلك الإحتمال.. فلا أحد منهما يعرفني جيداً، لهُما الحقّ في إتّهامي بأيّ حال.

"إنظُري بهم!" رفعتُ عيناي لِأرَي أبي الذي أمَرَني بنبرةٍ صارِمة، وألقي عليّ عِدّة صُحُف لترتطم بوجهي بغضبٍ قاسٍ.

"شوهِدت سيلينا جوميز مُنذُ أيّام تذهب لمشفي للأمراض النفسيّة!
إبنة رجُل الأعمال الشهير جوميز تتعاطي المخدّرات بجرعات عالية.
سيلينا تتستّر علي عامِلة نظافة هارِبة مِن مشفي للمرضي النفسيين بمنزلها.
تُري هل إنتهت علاقة سيلينا بجون بعد أن يسمع الأخبار التي تُثير الجلبة؟ أم أنّهما لم يكونا في علاقة؟"

أربعة أسطُر، بداخل أربعة صُحُف، يحملون إسم سيلينا.. هل أصبحت حديث الصُحُف فجأة أم أنّ إسم سيلينا يروقهم؟

رفعتُ عيناي إلي أبي في خجلٍ شديد.. ثُم تلعثمت "أبي قبل أن تغضَب فقط إمنَحني-.." فقاطعني مُتهكِّماً "قبل أن أغضَب؟"

تنهّدت قائلة "لقد ذهبتُ إلي مشفي نفسيّة لأُسانِد كلاوديا وحسب لأنّهم يعاملونها بطريقةٍ سيئة، وجون لقد قابلته في حفلٍ خيري والحديث بيننا لم يتجاوَز التعارُف، أما بشأن المُخدّرات.. فلتوّي علمت بالأمر، كيف لهم أن يعرفوا؟"

نظرتهُ الغاضِبة وعيناه اللتان تتوارَي خلفهما النيران لم يخمدا للحظة، ظلّ يُطالعني بالطريقةِ نفسها.. فإزدردتُ ريقي حين شعرت بأنّ وجودي أمامه غير مرغوبٍ به -حالياً علي الأقل.-

حملتُ حقيبة يدي لأنهض وأرمي بالصُحُف أرضاً لتتناثَر أوراقُها، وخرجت مِن المنزل برمّته متوجِّهة نحو سيارتي.

أطفأتُ مُحرِّك السيارة مُتوقِّفة أمام المشفي التي تتواجد بها كلاوديا!

نظرتُ في شاشة هاتفي الذي إهتزّ لأجد الكثير من الرسائل الصادِرة من نايل، لم أُكلِّف نفسي بالنظر فيهم لألقي بالهاتف علي المقعد الخلفيّ للسيارة حين تذكّرت كلام آشلي..

أحتاجُ للعُزلة لأطول فترةٍ مُمكِنة لأستعيد نَفسي التي بدأتُ أخسرها تدريجيّاً، وفي الوقت ذاته أحتاجُ كُل الدعم المُمكِن ومُساندة الجميع لي..

دلفتُ للمستشفي، الغرض الرَئيسي من مَجيئي هو سؤالها عن الطبيب صاحب تلك العُلبة التي تحتوي علي المخدرات بداخلها، رُبما تتذكر إسمه.. وبالتأكيد تتذكّر مكان المشفي.

لاحظتُ شاباً لطيفاً خلف مكتب الإستعلامات، فتوجّهت نحوهُ مُستفسِرة "مرحباً، إعذرني لم أجِد كلاوديا بغرفتها.. هل أخذوها إلي غُرفةٍ أُخري؟"

رفع عينيه ليتأمّلني لدقائق.. وكأنّهُ يتفحّص مواصفاتي ليُطابِقها، ثم وجدَت نبرتهُ البارِدة طريقها إلي اذني "آسِف سيدتي ولكن لم تأتِ إلينا مَريضة تُدعَي كلاوديا..!"

"ماذا تعني بهذا الهراء؟" قطّبت حاجباي بتهكُّم رافعةً صوتي جراء دهشتي، لاحظتُ نظرات الجميع تثقُبني..

"أعني ما قُلت، آسِف.. لا يمكنني مساعدتكِ."

ثبّت نظرهُ علي حاسوبه مُجدداً، فهاجَات الدِماء في عروقي وضربت المَكتَب بيدي فجأة لينظُر إليّ بِذُعرٍ إستوطَن عينيه..

"أخبِرني بمكانها وسأُعطيك ما تُريد.." هسهست، فعدّل نظارتهُ علي جِسر أنفه ليزدرِد ريقهُ ويُعيد نظره للحاسوب مُتمتماً "آسِفٌ سيّدتي."

بحركةٍ سريعة سحبتُ ياقة قميصه لأُقرٍّبهُ إليّ فعادَ لنوبة فزعهُ، وهمست بينما أكزّ علي أسناني بغضب "أيُّها الحقير أنا أعلم بأنّها هُنا فلا تستمرّ بالكذب عليّ، سأدفع لك أكثر مما يعطوك، فقط أخبِرني!" أرسلت لهُ بعض النظرات الحادة لتشتدّ قبضتي علي قميصهُ هامِسة "أو لا تفعل، كما تُريد.. لكنّك لن تُحِب إحداث الجلبة والفضائح في مكان عملك أليس كذلك؟"

تركتُ قميصه ليستنشِق الهواء الذي منعتهُ الصدمة من الوصول إلي رئتَيه، نظر إلي ياقة قميصُه ليتنهّد ثُم ينظُر لي هامِساً "إنها في الطابِق السابِع، غُرفة رقم ٦٢"

إبتسامةٌ واسِعة قد إحتلّت شفتاي تَنُمُّ بالنَصر، أخرجت المال مِن حقيبتي وتركته علي مكتبه غير مُكترِثة لثمنه.. وتوجّهت فوراً نحو السلالم حين لاحظت أن المِصعَد يتجمّع حوله الكثيرون، وأنا لستُ صَبورة بما يَكفي.

أين أنتِ يا غُرفة ٦٢؟ تابعتُ أرقام الغُرَف بعيناي بينما قدماي تقودَني لنهاية الطابِق، حتي كانَت الغُرفة الأخيرة بالرقم الذي أبحث عنه!

فتحتها مُسرِعة لأري كلاوديا مُمدَّدَة علي فراشها ومُمرّضةٌ ما تحقِنُ لها شيئاً، وبزغت عينا كلاوديا فور أن وقعتا عليّ.

"سيلينا؟" همسةٌ ضَعيفة صدرَت مِن بَين شفتيها، لأنظُر إلي المُمرّضة وتحتدّ نبرَتي "إلامَ تنظُرين؟ إترُكينا مِن فضلك."

"آنِسَتي، الزيارات ممنوعة!" 

تنهيدةٌ خفيفه خرجَت مِن بَين شفتاي بينما أنظُر إليها بترجٍّ، توسّلتها قائلة "مِن فضلك، سأرحل بسُرعة صدّقيني."

أخذَت تُفكِّر، لتَلين ملامحها قائلة "سريعاً أرجوكِ، إن أتَي الطبيب ورآكي هُنا سوف-.." قاطعتها سريعاً "لا تقلقي." وأومأت لها لِأُطمئنها، فإنصرفَت وأغلقَت الباب.

جلستُ علي المقعد المُجاوِر لفراشها، وتناولتُ يدها بهدوء فوجدتها تقبِضُ علي يدي بينما تهمِس "شُكراً لعودتك."

التعب والإرهاق مَنثورَين في كُلّ أنحاء وجهها وجسدها الهَزيل، مِمّا جعل قلبي ينكمِش داخل قفصي الصَدري فور أن راودَتني فِكرَة أن أُصبِح مثلها بداخل المصحّة.. لا يسأل عنّي أحد، لا يكترث لي أحد، وأبدو بهذا الضَعف والإعياء.. فقط الفِكرة جعلَت الدموع تقِفُ علي حاجز مُقلتاي تتوسّلني للخروج.

"ماذا فعلوا بكِ؟" سألتها مُتجاهِلة دموعي، فقهقهت بِسُخرية "لا أذكُر الكثير، ممنوعات بجُرعات مُضاعفة هذا كُل ما أذكُر.. والطبيب هدّدني بقتلي إن هربت مجدداً.. أتعرفين؟ لا ألومه، فهو مُرغَم علي فِعل ذلك.. هُناك قويً تتحكّم به."

"مُرغَم؟ كيف ذلك؟" أعطيتَها إنتباهي بشكلٍ أكبَر، فجفّت الدموع في عيناي وإنكفأت للداخِل.

"إنهُ يجني المال مُقابِل تعذيبهُ لي! أخبرتكِ قبلاً يا سيلينا أن ثمّة شخص يُهددني بقتلي ويُطاردني بكلّ مكان ويُرغمني علي فعل أشياء لا أوَد فعلها، في السابِق كان يهددني لأعمل معه.. أما الآن فهو يُريد النَيل مِنّي ليتخلّص مني وحسب." دِمعةٌ صَغيرة تمرّدت لتصنع طريقها مُتوجِّهة لوجنتها، فمسحَتها بعنف وكأنّها سئمَت البُكاء.

ضغطتُ علي يدها بهدوء وكأنّي أُخفِّف عنها، فإرتجفت شفتاها وهُنا إنزلقت عبراتها وفقدت سيطرتها لتخرُج شهقاتها التي تُمزِّق الأكباد.

مسحتُ علي شعرها بينما هي مُنغمِسة في بكائها، ثُم نظرَت بعيناي لألحَظ الحُمرَة التي كَسَت عينيها وأبتسِم بخفّة.

"أنا آسِفة.." هسهسَت بينما تنهارُ عيناها فائِضةً بالمزيد مِن الدموع، فعانقت كفّها بين كفّي قائلة "كلاوديا لقد أجريت فحصاً للدمّ، والنتيجة تقول أنني.."

تنهّدت مُغلقةً عيناي لأهمِس "أتعاطَي الممنوعات." وشعرتُ بوخزاتٍ مؤلِمة في صَدري وكأنّ كُل حرف غادَر شفتاي قد شَرَخ قلبي بطريقةٍ ما.

قابلَت ذلك الخَبَر بتوقُّفها عن البُكاء، ونظرتُ إليها لأجد عينَيها تتهرّبا مِن خاصتيّ.

حرّكتً رأسي مُستطرِدة "أتذكُرين إسم المَشفَي التي قُدتِ إليها حين كُنتُ مُتعبَة؟" وحدّقت بعينيها بحرصٍ شديد، راجيةً الوصول إلي أيّ وميض مِن الأمل..

"لا." بالكادِ همسَت، وأدارت وجهها للناحية الأُخرَي.

"كلاوديا؟" أدرتُ وجهها إليّ بواسطة يدي التي إمتدّت، فترغرغت الدموع بمقلتيها مُجدداً.. لتسحبني نحوها وتَلُفّ ذراعيها حولي باكيةً علي سُترتي "سامِحيني.."

قطّبتُ حاجباي بتعجُّبٍ، وهرعت المُمرّضة نحونا مُقتحِمة الغُرفة بينما تهمِس بتوتُّر يُسيطر علي حركاتها الغير مُتّزِنة "يؤسِفني أن أُقاطعكما يا آنِستي، لكن الطبيب يمُر في الرواق وهو الآن في الغُرفة المُجاوِرة."

أومأتُ إليها، كِدت أن أنهض لكن يد كلاوديا تشبّثت بذراعي هامِسة بترجٍّ "لديّ ما تودّين سماعه، لا ترحلي."

تضاربَت الأفكار داخل رأسي، وشتّتني جُملتها، وقبل أن أُعيد لملمة أفكاري كان صوتُ المُمرِّضة يتعجّلني "هيا آنِستي!"

أفلتُّ ذراعي من قبضة كلاوديا بهدوء، ثُم سحبت حقيبتي لأخطو خطواتٍ سرعة لأنزل للطابق السادِس، حتي يذهب الطَبيب.. فسأعود إليها لأُزيل الغموض مِن حياتي وأُشبِع حيرَتي المُتعطِّشة للإجابات.

إلتقطتُ هاتفي الذي إهتزّ بداخل الحقيبة، ووجدت المَزيد من الرسائل من نايل، ألا يمَل؟

"سيلين، لقد بدأتُ أقلق بالفعل."
"إن لم تُجيبي فسآتي إليكِ."
"كما تشائين."

زفرت الهواء بضجر، ثُم أخذَت أناملي تكتُب الردّ "إعذرني ناي، كُنتُ عند الطَبيب."

إهتزّ مُجدداً قبل أن أغلق المُحادثة.. كان يسألني عن سبب ذهابي للطبيب.

"إنتظر حتي أراك." أرسلت لهُ سريعاً، فشاهَد الرسالة في الحال، وأرفَق لي صورةً لهُ وهو يبتسِم كاشِفاً عن أسنانه المُتلألِئَة والشمس ترتطم في وجهه.. وكتب أسفلها "هل رأيتِني الآن؟ هيّا إخبريني."

"الصورة لَطيفة، والرِسالة سَخيفة.." أرسلت لهُ مع الوجوه الضاحِكة بينما أحتبِس ضحكاتي، ثُم عُدتُ أكتب له "قابِلني عند المقهي المُجاوِر لمنزل جاك، بعد ساعة وثلاثين دقيقة."

أعدتُ الهاتف لمكانه في حقيبتي دون إنتظار الردّ، تفقّدتُ ساعَة يَدي.. وعُدتُ إلي الطابق السابع وإفتحمت غُرفة كلاوديا لأجدها وحدها تماماً.

كانت مُعتدِلة في جلستها، وكأنّها مُتأكِّدة مِن عَودتي..

أغلقت الباب لأجلس علي ذات المقعد، أخذَت هي تعبثُ بكفّيها اللذان يرتعِشان.. وحرّكت عضلات لسانها بعد صمتٍ مُمِل "سيلينا أنا-.."

صوّبتُ نظراتي نحوها، ومِلتُ بجسدي للأمام مُستنِدة بمرفَقَيّ علي رُكبتاي بينما أمنحها كُل ما لديّ مِن إنصاتٍ وتركيز.

صمتت مجدداً.. كُلّما فتحت فمها لتتحدّث كانَت تتراجَع، فأخبرتها بنفاذ صبر بينما أقبِض علي يدي "كلاوديا تحدّثي، أنتِ تُخيفيني."

نظرَت لي لِوَهلة، ثُم عادت تنظُر ليدها قائلة بتردُّدٍ وإرتجاف "أنا كُنتُ أضعُ لكِ الممنوعات في القهوة التي تشربينها يوميّاً."

رأيتُ دِمعةً تقعُ علي يدها التي تعبث بها بتوتُّرٍ ينهش نَفسَها، وتوقّفت عن الحديث لدقائق.

أخذَتني الصدمة بعيداً، حتي لم أعُد أشعُر بجسدي.. وكأنّ روحي تناثرت وتحطّمت لأشلاء.

إستأنفَت بغَرز الأسهُم الحارِقة في قلبي بقولها "الأقراص التي كانت في عُلبة الدواء كانت بحَوذتي مُنذُ أتيت للمنزل، وضعتها لكِ في القهوة بإستمرار، وأحياناً في الطعام، حتي ذهبنا للطبيب -الذي إتّفقت معهُ مُسبقاً- وأعطاكِ الأقراص ذاتها، فتأخُذين الدواء وتشربين القهوة وتتناولين الطعام.. فتُصبِح الجُرعة مُضاعفة وقويّة ليظهر تأثيرها أسرَع.."

سقطَت دموعي الحارِقة ليلتهب وَجهي، وتسمّرت في مكاني مُجبَرَة علي سماع المَزيد، بينما الخذلان ينهشُ روحي وينخر عِظامي ندماً وألماً..

إرتجفَت نبرتها التي شارفَت علي البُكاء قائلة "تدهور حالتكِ هو ما يسعون لأجله، سيلينا لقد هدّدوني بقتلي أولاً فإضطررت إلي فعل ذلك، وحين إكتشفت بأنّكِ لا تستحقّين كل هذا السوء رفضت الإستمرار في هذا الأمر الشيطانيّ، حينها أخذوني هنا عندما كُنتِ بالمشفي ليقضوا عليّ شيئاً فَشيئاً خوفاً مِن أن أعترف لكِ بإسم العاطِفة وأُخبركِ بما أُخبركِ به الآن!"

قابلَت عيناي المُلتهِبة والمَخذولة في الآن ذاتِه بنظراتها الضَعيفة المتوسِّلة.. لتقبِض علي يدي قائلة "سامِحيني.." لترتجف شفتاها مُفرِجة عن المَزيد من دموعها المَحبوسة.

حركتُ رأسي عدّة مرّات بالنَفي بينما تسقُط دموعي واحِدة تلو الأخري، أخذت حقيبَتي وسحبت يَدي من قبضتها لأنهض.. فسُرعان ما تشبّثت بمعصمي لتصيح بهستيريّة "سيلينا أرجوكِ! ها أنا أتعذّب الآن ولا أحد يهتمّ لأمري.. أنا حتي لا أملِكُ عائلة، لقد إنتقم مِنّي القدر يا سيلينا والآن أنا في الموقف نفسه وأتذوّق كل جرعة وضعتها لكِ في يومٍ مِن الأيّام.. كُل ما أطمح إليه فقط أن تُسامِحيني، سامِحيني رجاءً.." نظرتُ إليها فقابلتُ الحُمرَة التي إلتهمَت مُقلتَيها، أرخَت قبضتها علي ذراعي تاركةً لي قدراً مِن الحُريّة.. همست "آسِفة." بينما تطلق عيناي اللهب نحوها..

"أنا الآسِفة هُنا لا أنتِ.. آسِفة علي وثوقي بكِ يوماً، طابَت ليلتكِ!" خرجت مِن الغُرفة كما خرجت دموعي من جفوني دون توقُّف، حجبَت الدموع رؤيتي فإرتطمت بالممرّضين والأطبّاء أثناء سيري لخارج المَشفي بخطواتٍ توحي بإنفعالي وضعفي في الوقت ذاته، دلفت لسيارتي لأضرَب المقود عدّة مرّات وأجهَش بالبُكاء المَرير.

جفّت دموعي علي وجهي لتترُك مظهراً حزيناً هَزيلاً علي هيئَتي، قُدتُ نحو المقهي بعد أن أرخيت أطرافي لدقائقٍ طويلة في مُحاولةٍ مِنّي للملمة الأحداث، وإنقاذ دماغي مِن الإنجراف نحو مشارف الجنون.

فور أن ترجّلت ركض نايل نحوي وعانقني بقوّة هامِساً "سيلين، أفتقدكِ." فتشبّت به بقوّة لأبكي علي كتفه.

"نايل.. والداي يكرهونني، كلاوديا خانَتني، أصدِقائي تخلّوا عنّي.." همست باكية فشعرتُ به يقبِض علي جسدي ليرسِل لي الدِفء الذي أفتقده.

"أحتاجك.." نبرتي الخائِرة زلزلت كيانه، فصل العِناق مُكوِّباً وجهي بين يديه لينكمِش قلبه فور أن رأي هيئتي المُغطّاة بالحزن واليأس.. وطبع قُبلةً -مِن أرَقِّ ما يكون- في مُنتصف جبهتي.

"لا تفعل مِثلهُم أرجوك، أنتَ كُلّ ما أملُك!" همست مُجدداً، فلحق دموعي وساهَم بمسحهم قبل أن يتسابقوا في النزول.. ودفع رأسي إلي صدره بخفّه.. ليمسح علي شعري ويُقبّل رأسي عدّة مرّات.

وأسمع صوتهُ الرجولي يهمِس برقّة:

"لن افعل ابداً"

<<<<<<<<<<<<

ايه رأيكوا في الشابتر ؟

كرهتوا كلاوديا ؟

سيلينا صح في ردها علي كلاوديا ؟

توقعتوا ان كلاوديا تطلع ورا كل ده ؟

عايزه توقعاتكوا ! 😌🔥

نايل هيظهر كتير في الشابتر اللي جاي 😍

اكتر حاجه بتحبوها في الرواية ؟

اي انتقاد ؟

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top