Chapter 22.✔
"مرحباً، هل آنِسة كلاوديا هُنا؟"
إنها.. أماندا!
"أماندا؟ ما الذي أتي بكِ إلي هُنا؟ ألم تُسافِري؟ ما شأنكِ بكلاوديا؟" أمطرتها بالأسئلة لِأُحاوِل إزالة الغموض مِن ذلك الموقف الغير مُتوقََّع.
إستفزّتني حين إبتسمت بسُخرية إستفزازيّة، وتحدّثت بوقاحة "أنتِ ثرثارة يا سيلينا، لا أملِكُ الكثير مِن الوقت، أجيبي.. هل كلاوديا هُنا؟"
جفلت تماماً، مُستحيل أن تكون هذه أماندا.. هذا ليس من شيمها، أنا أري مخلوقة غريبة أمامي..
"لِمَ تُريدينها أنتِ أصلاً؟" أرسلت إليها النظرات الحادة، وكتّفتُ يداي أسفل صدري، مسحتها مِن أعلاها لأسفلها.. ولاحظت أن ملابسها قد إزدادت أناقة..
"لستُ أنا مَن يُريدها.." إبتسمت لي ثُم نظرَت بجانبها لتصيح "هيا رِفاق، إنها هُنا.."
لم أتمكّن مِن سؤالها عمّا يحدُث حيثُ تَم دفعي مِن قِبَل مُمَرِّضَين دخلا منزلي صعوداً إلي الطابق العلوي حيثُ توجد الغُرَف، دخل بعدهُم طبيبٌ ملامحه مُقطَّبَة وتحدّث بصوتٍ مليءٍ بالغيظ "سيلينا، أنتِ تُعرِّضين نفسكِ للخطر!"
تابعت حركات المُمرِّضين بعيناي بذهول، ثم إلتفتّ إلي الطبيب وصِحت "بأيّ حق تقتحم منزلي؟"
أُقسِمُ إن سمعت شيئاً ينكسِر بأنني سأقتلهم وأدفنهم بمطرحهم.
"أنتِ تتستّرين علي فتاة هارِبة مِن المشفي، أتُدركين خطورة ذلك؟ حمداً لله أنّ أماندا أتت إلينا وأخبرتنا بعنوانكما." أخبرني بغضب، فرميتُ نظراتٍ حارِقة إلي أماندا.. أدركت الآن سبب مجيئها.
"كم دفعوا لكِ يا حقيرة؟" جذبتها مِن ذراعها وهمست، فتملّصت مِن يدي وإبتسمت قائلة "الكثير عزيزتي، الكثير!" ثم غادرت.
تجاهلت تلك الحقيرة، وإتّجهت إلي الطبيب أترجّاه "مِن فضلك، يُمكنني الإعتناء بها.. فقط إتركوها هُنا."
حرّك رأسه سلباً بقساوة، عاد المُمرّضان ومعهما كلاوديا تُحاوِل التملُّص من قبضتهما مُتأوِّهة وتصرُخ بهمجيّة.
لم أتحمّل نظراتها الضعيفة التي لامسَت قلبي، فسُرعان ما صرخت بهم بكل ما أوتيت مِن قوّة بينما أدفعهم بعيداً "ماذا بكما؟ إتركوها وشأنها."
شعرتُ بِمَن يُمسِك بذراعي بعُنف، وهمس بصوتٍ إخترق مسامعي كالرَعد "لم أكُن لأفعل ذلك آنِسة سيلينا، لكنّ عليكِ تحمُّل نتائج أفعالكِ الطائِشة."
آخر ما رأيت كان منديلاً مُعطّراً يوضَع علي أنفي، وضغط بيده عليه ليجعلني لا أستطيع إلتقاط أنفاسي حتي شممته رغماً عنّي، وسُرعان ما شعرتُ بوزني يرتطم بالأرض.. وأخذت أسمع الكثير من خطوات الأقدام حولي.. وإختفي الصوت سريعاً.
>>>>>>>>>>>
رفعتُ جسدي عن مستوي السرير قليلاً، مرّرت يداي في شعري بخمول، ثم جفلت عِدّة مرّات حين لاحظت نايل الجالِس علي مقعدٍ صغير بجانب سريري ويترقّب إستيقاظي!
"نايل؟" أخذتني الدهشة، نظر إليّ مُبتسِماً.. وأشار بيده إلي جانِبي، فنظرتُ بجانبي لأجد صينيّة صغيرة موضوعٌ عليها كأس مِن عصير الليمون، وتلمع قطع الثلج بداخله بطريقةٍ مُغرية.
"أعددتهُ لأجلِك، لعلّ معدتكِ تتوقّف عن إيلامكِ.." إبتسامتهُ الدافِئة دفعتني للإبتسام، وشعرتُ بقلبي يذوب رويداً رويداً فَور أن لمس يدي برقّة.
"هل أنتِ بخير يا حُلوتي؟"
"أنا بخير لأنّك هُنا.." إبتسمت بخفّة، ثُم أدركت الأمر فبزغت عيناي بصدمة بينما أسأله بفزع "أنت هُنا بالفعل..؟ كيف جِئت إليّ؟ كيف دخلت؟"
قهقه قائلاً "لقد مررتُ مِن أمام منزلكِ في الصباح قاصِداً أن آتي إليكِ، ووجدت ثلاثة رجال يُغادِرون المنزل فسألتهُم عنكِ وأشاروا لي عليكِ بينما كُنتِ مُلقاة علي الأرض، وحينها إختفوا مِن أمامي، هكذا دخلت."
"أتمنّي ألا تكوني قد إنزعجتِ مِن إقتحامي لمنزلكِ بتلك الطريقة." أخبرني مذهولاً، فقهقهت ثُم أخبرته "لولاك لكُنت مُلقاة علي الأرض حتّي وقتنا هذا."
"لا أُحِب أن أذكُر أفضالي كثيراً.." إدّعي الغرور ومرّر أصابعه في خصلات شعره لأخرّ ضاحِكة، نهض وأمسَك بكأس عصير الليمون ليُقرٍّبه نحو فمي قائلاً "هيا تذوّقي إبداعي.."
"إنهُ عصير ليمون ليس إلّا!" دحرجت عيناي ثُم فتحت فمي ليسكُب لي القليل، إبتلعته لأُغلِق عيناي مُستمتِعة بدغدغة الثلج لحلقي أثناء رِحلتها الطويلة في الوصول إلي أمعائي.
"إقتحِم منزلي كُل يوم وأعِدّ لي ذلك العصير.." أخبرته مُمازِحة، فضحك وأخذ يُسقيني المَزيد.
"حسناً ناي، لديّ يدان.. أتراهُما؟" رفعتهما أمامه ليقهقه، ثُم أبعدهما عنه وقرَّب الكأس مِن فمي مُجدداً وقال "دَعيني أُسقي صغيرتي المُدلَّلَة."
"أتشعُرين بحالٍ أفضل؟" سألني بعد أن أنهيت الكأس، تجمّدت شفتاي لشدّة برودة العصير.. وهمست "ليس تماماً، أنا أتعذّب يوميّاً."
"سيلين.. ماذا بكِ؟" إقترب منّي ليجلس بمواجهتي، وحثّني علي الحديث بنبرته القلقة ونظراته التي تُبعِث الراحَة إلي قلبي.
"سأخبِرُك، لكنّ ألن تخاف منّي؟" سألته فنفي برأسه.
"لن تُخبرني بأنني مجنونة؟" عُدت أسأله، فعاد ينفي برأسه، ثُم دفع كتفي بخفّة قائلاً "لقد تشوّقت يا فتاة."
"أنا أُهلوِس." أخبرته مُتنهِّدة، فعقد حاجبيه بتعجُّب.
"مُنذُ الإسبوع الماضي وأنا أسمع أصواتاً بعد منتصف الليل أجهل مصدرها، وأشمّ روائح لا أصل لها، وأري بعض الأشخاص ويُمكنني لمسهم والتحدُّث معهم لكنّهم غير موجودين بالفعل.. أنا أُهلوِس!"
نظر لي بذهول، وقاطع إتصالنا البصري رنين هاتفه، نظر لي مُستأذِناً فأومأت لهُ بخفّة.. نهض ليُجيب بعد أن خرج مِن الغُرفة.
أيُعقل أن يرتعب منّي ويتهرّب منّي بعدها خوفاً علي نفسه؟
فليفعل ما يشاء، لا أكترث..
نهضت ودلفت إلي المطبخ حيثُ أخذت قنينة ماء من الثلّاجة وبدأت أشربها.
إلتفتُّ لِأخرُج مِن المطبَخ لكنّي وجدتُ كلاوديا تُمسِك بمقبض الباب وتوجِّه لي نظرةً ماكِرة.. فتوقّفت المياة في حلقي وأبَت النزول، لأشعُر بالإختناق وأخذت أسعَل بقوّة حتي إحترقت عيناي.. وتلوَّن وجهي باللون الأحمَر.
"تخلّيتِ عنّي!" أُشاهِدها تتحرّك حولي بطريقةٍ بطيئة ودراميّة بينما تهمس بتلك الأشياء التي لم أسمع بعضها، أخذت حُبَيبات العرق تتساقط من علي جبيني.. وتجمّدت بمكاني بينما إرتعشَت أطرافي، لا أُدرِك ما تفعله، كل ما أُدرِكه هو أنني لم أصرُخ في حياتي كما فعلت الآن.
"أنتِ تخلّيتِ عني!" إقتربت مِنّي وبدأت بتوجيه السِكّين إلي صَدري، لم أنتظِر أكثر.. فركضتُ خارج المطبخ وحينها إرتطمتُ بنايل -الذي عاد لتوّه مِن الخارج- وبدأت بالبُكاء دافنةً رأسي في صدره بينما تتعالَي شهقاتي، ويعلو صَدري ويهبط بخوفٍ يتملّكني.
"شش إهدأي! ماذا حدث؟" مسح علي شعري برقّة بينما أُحاوِل إلتقاط أنفاسي، لا أعلم كيف أُخبِره بما رأيت، أنا أخسرُ عقلي فعليّاً..
"كلاوديا أرادَت قتلي!" همساتي إختلطت بِبُكائي لأنتحِب، فعاد يسألني بقلق "متي حدث ذلك؟"
"الآن.. عِندما غادرت لِتُجيب علي الهاتف." إرتجفَت نبرتي، وشعرتُ بِه يَميل ويطبع قُبلة علي رأسي قائلاً "سيلين، حُلوَتي.. أنتِ فقط مُرهَقَة، مؤكّد أنّها الآثار الجانبية للدواء قويّ المفعول الذي تتناوليه، ما رأيُكِ في أن تصعدي للأعلي وتحصُلي علي القليل مِن الراحة قبل ذهابنا للحفل؟"
"ليس آثاراً جانبيّة لأيّ شيء، أُقسِمُ أنني رأيتها.. وشعرتُ بحرارة جسدها في المكان!" إبتعدت عنهُ لأنظُر إليه مُحاوِلة قراءة ملامحه، فسيطر الهدوء علي نبرته بينما يُكوِّب وجهي بين يديه قائلاً "لكنها بالمشفي! وأنتِ مَن أخبرني مُنذُ قليل بأنّكِ تُهلوسين في بعض الأحيان.. لا تقلقي سيلينا، كما أخبرتكِ أنتِ فقط مُرهَقَة."
"لا تُرهقي نفسكِ بالتفكير، وإحصُلي علي الراحة لأجلي، حسناً؟" سألني صانِعاً تواصُلاً بصريّاً مُطمئِناً مع عيناي، فأومأت لهُ سريعاً، وأحاط ظهري بذراعه بينما يقودني نحو السلالم لنصعد، دثّرني جيّداً وطبع قُبلةً عميقة علي جَبيني، قد جعلت جسدي يتوقّف عن الإرتعاش بسبب الخَوف.. وإرتعش بسببه هو.
كان نايل مُريحاً للغاية ذلك اليَوم، أخذ يُطمإنني، وشعرتُ بأنّ نايل هو الأبّ الذي إحتجت لأن يغمرني بحنانه وإهتمامه.
<<<<<<<<<<<<
"بجديّة.. أهذا ما تُريد منّي ان أرتديه؟ لا أجِدُ شكلي جميلاً بهذا الفستان.." تذمّرت أمام المِرآة، بينما نايل كان يقِفُ بجواري تماماً ويلتصِقُ كتفه بخاصتي بينما يربُط ربطة عنقه السَوداء الأنيقة.. رائحة عطره كانت تُداعِب أنفي، وطلّته الجذّابة بهذه البدلة الرَسمية قد صنعت خللاً كبيراً وغير مرغوب به في نبضات قلبي.
"ماذا تقولين سيلين؟ لم أسمَع شيئاً.." أخبرني مُمازِحاً، فضربته علي كتفه، ثُم قال مُتحمحِماً بعد أن ضحك "بجديّة.. تبدين خاطِفة للأنفاس بهذا الثَوب!"
أخذتُ أدور حَول نفسي في دوائر بهذا الثَوب الأبيَض قائلة "إنّهُ يُرفرِف بسهولة.. أتري؟ سيكون مُلفِتاً للأنظار كُلّما إلتفتّ في أيّ مكان."
"ليس هو المُلفِت للأنظار، بل ما يوجد أسفله." تمتم فسمعته لأقترِب مِنهُ وتتجمّد ملامحي قائلة "أعِد ما قُلت أيُّها المُنحرِف."
"كُنتُ أقول أنّكِ أنتِ المُلفِتة للأنظار يا حُلوَتي!" أحاط خصري بذراعه ليُقرِّبني إليه، وتتلاصَق أجسادَنا، ثُم طبع قُبلة علي وجنتي جعلتها تشتعِلُ خجلاً.
"إنظُري إلينا.. نبدو كعروسَين في ليلة الزِفاف!" أشار إلي أجسادِنا في المرآة المُقابِلة لنا، فإلتفتّ إليها لأُحدِّق بإنعِكاسنا مُبتسِمة، وإغتنم نايل الفُرصة ليُقبٍّل وِجنتي الأُخري قبل أن يفلتني ويتوجّه نحو محفظته وهاتفه ليأخذهم في جيبه.
تجمّدت بمكاني، وهو قد خرج، أدركت الأمر لألحق به سريعاً بعد أن وضعتُ اللمسة الأخيرة علي شعري المُنسَدِل، آخِذةًَ القليل مِنهُ علي كتفي ليُغطّي فتحة الصدر الصغيرة الخاصة بِثَوبي.
صعدتُ السيارة برفقته، يُراوِدني شعورٌ غريب بأنني سأثمل وأرتكب مُصيبةً ما هُنالك.. لكنني تجاهلته علي أيّ حال.
"لِمَ لَم تُخبِرني عن أختك مِن قبل؟" طرحت سؤالي عندما بدأ بالقيادة إلي وجهتنا..
"أنا لم أُخبِركِ شيئاً عن عائلتي مِن الأساس.." أجاب ببساطة فأومأت بتفهُّم، ثُم عدت أسأله "ولِمَ لا تفعل؟ أنا أُخبِرُك بالكثير مِن الأشياء.."
تنهّد قائلاً "يُفضَّل ألّا تعرفي، سيلين."
ببرودٍ أعاد بصره إلي الطريق، وإحتجزتُ لِساني خلف قُضبان شفتاي، خوفاً مِن أن أخوض معهُ شجاراً لا داعي لهُ وأُفسِد إحتفال أخته بعيد مولدها.
غموضه مُستفزّ.. مُقلِق، ومُخيف!
"أياً يكُن، لا تترُكني وحدي في الحفل كي لا أُفسِدها.. أنا لستُ مسرولة عن تصرُّفاتي إن راودتني الهلاوِس مُجدداً، وأنت إحتسبتَني مجنونة.. لِذا تحمّل أيُّها العاقِل." أخبرته بجديّة ونظرتُ مِن النافذة، فسمعتهُ يضحك وشعرتُ بيده علي خاصتي فنظرتُ نحوه، وقال "أجمَل مجنونة في العالم."
ينطبِقُ عليك الكلام ذاته، أنت أجمل غامِض في العالم يا مُبَعثِري.
أنقذني وقوف السيارة أمام قاعة الإحتفالات مِن خجلي الشديد وعُقدَة لساني التي تُلازِمني حين يُلقي بغزله اللا مُتناهي عليّ.
إبتسمت حين فتح لي الباب بعد أن ترجّل، وأسندت يدي علي خاصته المَمدودة لأنزِل، دخلنا سوياً إلي القاعة الفَخمة.. إنها أقرَب إلي قصرٍ ملكيّ لأكُن أكثر دِقّة، إنها ساحِرة..
أعطَي نايل الحارِسان ذوي البناية الضخمة دعواتنا، فأدخلانا حيثُ المشروبات والبالونات المُعلّقة وطقوس الإحتفال جميعها..
شهقت حين راودتني فِكرة أن يكون هذا القصر مِلكاً لنايل، أو لعائلته مثلاً، قد يُفسِّر هذا سبب غروره الجامِح!
حشودٌ مِن الحشود حُشِدَت في الداخل، هل يُعقَل أن تكون أخته مُهِمّة لهذا الحَد؟ في حالة إن كان هذا القصر مِلكه.. فالإجابة هي 'بالتأكيد'.
لم أستطِع كبح الأسئلة لوقتٍ أطوَل.. فتفوّهت بسؤالي "لِمَ لا يبدو الحفل كحفل عيد ميلاد؟ تبدو الحفلة وكأنّها مُناسَبة رسميّة أو ما شابه.."
قهقه بصوتٍ مُنخفِض بينما يقودَني نحو طاولتنا، أكمَل موقِفَهُ النَبيل عندما سحب لي الكُرسي لأجلِس، فأعطيتهُ إبتسامة مُمتَنّة.
"لأنّ الحاضِرون مِن علية القَوم.." أجاب بينما يسكُب الخَمر في كأسه، ورفع الزُجاجة لي وكأنّه يسألني إن رغبت في كأسٍ مثله، فحرّكت رأسي نافية.
لحقتهُ بسؤالٍ آخَر "هل يُمكنني رؤية أختك؟ أين هي؟ متي ستظهر؟"
عضضتُ علي شفّتي السُفلية بحماسٍ شَديد، يا إلهي! لا أستطيع رسمها في مُخيّلتي، إن كانت بهذا القدر مِن الجمال كـ نايل فسأُغرَم بتلك العائلة ذات العيون الزرقاء.
أو رُبما هي أجمل، إن وقفت بجانب نايل أمامي مباشرةً فلن أحتمل وسأحتضر لشدّة جمالهما.
"نعم بالتأكيد، ستصلُ بعد دقائق."
الأجواء الرسميّة المُميتة، والهواء البارِد، والتمتمات المُبهَمة حولي، كُل هذة الأجواء لا تناسبني.. لطالما أحببت الحفلات العاديّة التي لا تحمل هذا القَدر مِن الملل.. هه، ويُسمّونهُ رُقِيّ!
"كَم عُمرها؟" سألته مجدداً، فشرد قليلاً في كأسه قبل أن يُجيب "هي ستتم ال-.. الخامسة عشر."
اللعنة، هل كُلّ هؤلاء الحضور جائوا لأجل فتاة صغيرة تمّت الخامسة عشر مِن عُمرها اليَوم؟
نظرت لهُ بصدمة، فبادلني تلك النظرات الطويلة.. الغير مُنقَطِعَة.
"نايل هورآن!" جاء صوتٌ أجش مِن العدم، لأجِد نايل يهمّ بالوقوف لتلبية نداء الرجُل الذي بدا وكأنّه أحد أقاربه الكِبار في السنّ.. سارعت بالتشبُّث بيده هامِسة "قُلت أنّك لن تترُكني!"
إلتفت لي وحدّق بي مُطوِّلاً وكأنّه يَحسِب إختياره جيداً.. وحرّك شفتيه دون صَوت "آسِف." لأفلت يده ويرحل مُختفياً بين الحضور.
"آسِف! آسِف؟ بهذه البساطة؟ أهذا كُل شيء؟ ماذا إن حصل لي شيء ما وهو ليس موجوداً؟" أخذت أُتمتم لنفسي، وتناولت زُجاجة الخمر لأسكُب لنفسي كأساً.
سكبت لنفسي كأساً آخر، وشعرتُ بنظرات الجَميع تتفنَّن في ثقب جسدي، حاولت تجاهُلهم.. لكنّهم لا يملّون مِن التحديق بي، لوهلة نظرتُ إلي ملابِسي بتعجُّب حين راودتني فكرة أن مظهري غير لائق.. لكنّها لا تقلّ جمالاً عن ملابسهم.
هذا الوضع أصبح غير مُريح، ولا يُحتَمَل..
لحظة، لِمَ الحاضرون ليسوا بشباب ومُراهقين.. بل سيّدات وأزواجهن، رجال وسيداتهم، لا أطفال حتي! أين أصدقاء تلك الفتاة؟
أخذتُ أتحرّك علي الكُرسي الخاص بي بتوتُّر، ثُم سكبت لنفسي كأساً ثالِثاً..
والآن.. أين هذا الذي تركني فريسةً لِأعيُن الجالسين هُنا؟
<<<<<<<<<<<<
"مرحباً يا حُلوَتي، إشتقتِ لي ها؟" سحب كُرسيه وجلس أمامي بهدوء.
نظرتُ في ساعة يَدي، ثم رفعت عيناي إليه قائلة بغضب "أتترُك حُلوَتَك لساعة كامِلة بمفردها وتعود لتمزح؟"
"آسِف بحق.. لن أفعل مُجدداً." قام بتقبيل يَدي، فحدّقت بعينيه قائلة "ألم تَمَلّ كَونَك آسِفاً؟"
لم يرُد.. فأردفت "تفعل ما يغضبني ثُم تمحي كل أخطائك بكلمة آسِف! أهذا يُصلِح كُلّ شيء برأيك؟"
زفرت الهواء بضجر، أُريد تبريحهُ ضرباً وبنفس الوَقت أخشَي أن يتأذَي.. هذا الشعور مؤلِم!
"إسمَع! أنا لا أُريد أن أتشاجر معك، أُريد فقط الحصول علي ليلة هادِئة ووقتٍ لطيف برفقتك، الحصول علي ذكري واحِدة جيدة لنا معاً! أهذا صعب لهذه الدرجة؟" إرتشفتُ مِن كأسي -ذي اللا عدد- مُحدِّقةً بعينيه اللتان أخذا حُمرةً خفيفة بسبب الكحول.
"أتعلمين سيلين؟" سألني فحدّقت بِه، لمعت عيناه حين إلتَوَت أطراف شفتيه في إبتسامة جذّابة قائلاً "يَصعُب عليّ التركيز في فلسفتكِ المُتعِبة بينما شفتاكِ تُناديني.."
عضّ علي شفّته السُفلية لاعِقاً إيّاها، أُذيبَت أُذُناي مِن جَديد بكلماته.. وأُذيب قَلبي بإبتسامته الجميلة التي زيّنت وجهه لثوانٍ قبل أن يقترِب منّي، قاضياً علي كُلّ المسافات بيننا..
يدهُ الرَقيقة لامسَت بشرتي لتدفع رأسي نحوهُ، ويسحب شفتاي في قُبلة عَميقة، حملت الكَثير مِن المشاعر المُبطَنَة، وأشعلت لهيب قلبي ليتلوَّي ألماً بين يديه الغليظتَين.
فصل القُبلة ليلمِس أطراف وجهي قائلاً بِلُطفٍ شَديد "لِنرحَل وسأخبركِ بالسبب لاحقاً.." ونمَت إبتسامتهُ، فلم يسعني سوي مُبادلته.
ما الذي يحدُث بيننا يا هورآن؟ هل إستطعت تسمية عِلاقتنا بَعد؟ لأنني ضائِعة داخِل متاهة شخصيّتك الغامِضة، كُلّما إقتربت مِن أحد أبوابها لأكشِف سِرّاً مِن أسرارك.. تصفعه بوجهي وتطرُدني، وبعدها تقتلني عِشقاً بِلُطفك الشديد ورقّة حديثك وجاذبية كلامك الأنيق، كيف لي أن أخرُج مِن تلك المتاهة الغَريبة؟ أم أنني سأحتضر بداخلها؟
أري في عينيك الكثير مِن المشاعر الصادقة، والبراءة التي تُحارِب لأجل إخفائها، وأحياناً أري فيهما القسوة والبرود.
لم أُخطِيء أبداً حين أسميتَك 'مُبَعثِري'.
فأنت لا تفعل شيئاً سوي مُبعثَرَتي كُلّما رأيتني، تُبعثِر مشاعري وأحاسيسي ونمط حياتي وكياني ومبادئي.. يا مُبَعثِري.
أخذ يدي دون سابق إنظار وركض، وأنا بدوري ركضت خلفه رغماً عنّي، لِحُسن حظّي أنّ ثوبي يصل إلي رُكبتاي وإلا لتعثّرت فوراً، شعرتُ بضيقٍ في النَفَس لشدّة الزِحام هُنا.. حتي توقّفت مُلتقِطة أنفاسي، ولم أعُد أشعُر بيده علي خاصتي.. حتي أنني لم أجد لهُ أيّ أثر.
أخذت أبحث عنه وأتلفّت في كُل مكان وأصيح بإسمه، والجميع ينظُر لي بطريقةٍ تُثير الشكوك، حين سئمت وفقدت الأمل توجّهت نحو مقعدٍ في وسط الغرفة التي أتواجد بها الآن، أسندتُ رأسي علي ساعِداي فوق الطاولة.. وشعرتُ برغبةٍ قويّة جامِحة تدفعني لإغلاق جفناي والغَوص في النُعاس.
"أهلاً أيّتُها الحسناء، هلّا رقصتِ مَعِي؟"
رفعت عيناي لأري المُتكلِّم، لم أستطع رؤيته جيداً بسبب الأضواء القويّة الوهّاجَة.. أخبرته بنبرتي الثَقيلة أثر النعاس "آسِفة، أشعُر بالتعب."
"ويلٌ للذي أتعبكِ!" نبرتهُ اللعوبة جعلتني أُدحرِج مقلتاي مُتأفِّفة، وكِدت أن أتجاهله وأعود لنَومي لكنّ عيناي إتسعتا حين رأيته يسحب مقعداً ويجلس أمامي..
ألن أتخلّص مِنك أيُّها اللَزِج؟
"سلامتكِ سيلينا.." أخبرني فإزدات عيناي إتّساعاً، ليتحدّث بتعجُّب "إسمكِ سيلينا، أليس كذلك؟"
"نعم، كيف عرفت؟" سألته وأرخيت أعصابي، فردّ سريعاً "ليست أوّل مرة أراكِ بها، لكن تُسعدني مُقابلتكِ علي أيّ حال."
رفعتُ احدي حاجباي مُتعجِّبة "إعذرني.. هل أعرِفُك؟"
"لا، لكنني أعرِفُ والدكِ جيداً.. أنا جون بالمُناسَبَة!" إبتسم بتوسُّع حتي ظهر الثُقبان في وجنتيه، إبتسمت قائلة "إسمك كلاسيكيّ." فقهقه ثُم أردف "أنتِ لَطيفة."
تحمحمت لأترُك هاتفي فوق الطاولة حين فقدت الأمل في عودة نايل، أشعُر وكأنني طفلة أضاعها والدها في سوقٍ مُزدحِم ولن يعود بحثاً عنها.
حاولت إلهاء نفسي بالثرثرة مع جون.. ولكنّي كُنتُ أنظُر إلي الساعة مع مرور كل دقيقة تقريباً، والحديث مع ذلك الشاب لم يُريحني تماماً.
"أتعلم متي ستأتي الفتاة؟"
"أيّ فتاة؟ أتقصدين وصول إبنة الوَزير للحفل؟ آه.. لقد أتت بالفعل." أشار علي فتاة شقراء صارِخة الجمال، فنفيتُ برأسي بينما أُعيد بصري إليه قائلة "بل الفتاة الصَغيرة، فتاة عيد الميلاد!"
"أفهمُكِ، بالطبع هي حفلة خيريّة لكن لا وجود لفتياتٍ صِغار هُنا.." صُعِقت بقوله، وقبل أن أتحدّث قاطعني قائلاً "لكنه عيد مولد إبنة الوَزير.. ولا أحد غيرها." إحتسي الجعة وإبتسم لي.
أيمازحني ذلك الغريب؟ رأسي تدور.. أين أنت يا هورآن يا لعين؟!
"جون، سعدتُ بلقائك.. لكن أظنّ أنّه عليّ العودة إلي المنزل.." أخبرته بينما أقوم مِن مقعدي وأُزيِّف إبتسامة مُوَدِّعةً إيّاه، وعيناه مسحَت جسدي للأسفل ومِنها للأعلي بينما يرتشِف مِن كأسه.
لديه رغبات مُنحرِفة.
نهض وأمسك بمعصمي قائلاً "إنتظري، فكرة عودتكِ الآن ليست جيّدة.. أنتِ جميلة جداً، وسيُضايقك الكثيرون في الخارج.. سآتي معكِ إن لن يُزعجكِ ذلك!"
"شُكراً، يُمكنني الإعتناء بنفسي!" زيّفت إبتسامة واسِعة ثُم رميته بنظراتٍ حادة وإلتفتّ لأرحل بعد أن تملّصت من يده، سمعتُ خطواتٍ خلفي.. فأسرعت حتي كدت أركُض، إلهي ما هذا المكان الملعون!
خرجت منه أخيراً، وعبّأت رئتاي بالهواء النقيّ كمن إفتقر إليه طويلاً، وأخذت أبحث في وجوه المارة في الطريق عن وجه مُبعثِري.. ولم أجده.
رأيتُ سيارةً تتوقّف أمامي، وتحدّث إلَيَّ سائِقُها "إصعدي!"
نظرتُ إليه لأجده.. نايل!؟
شهقت لأضع يدي علي فمي وأجلِس في المقعد المجاور له مُهَروِلَة.
"أين كُنت طوال هذا الوقت؟ أتعلم أنّك مُستفز؟ ولعين؟ أيضاً أتعلم أنني أكرهك بشدّة؟ إذهب إلي الجحيم.." إنفجرت به صارِخة لأُطلِق سراح الغضب إلذي تملّكني، نظرتُ في المرآة أمامنا لأجد رُكّاباً في المقعد الخلفيّ يجلسون في حالة صمتٍ تام.. ينظُرون إليّ بدهشة!
مِلتُ بجسدي علي نايل.. هامِسةً في أذنه بينما أكتِم ضحكاتي "هل تعمل سائق بَعد العاشِرة؟"
نظر إليّ بحدّة وزمّ شفتيه بغضب، لم أستطع كتم ضحكاتي أكثر فأطلقت صوتاً غبياً.. كقطّةٍ تحتضِر.
شعرتُ بذبذباتٍ غريبة تنتقِلُ إلي يدي.. فنظرت إلي الهاتف لأجده يُعلن عن رسالة جديدة من آشلي.
فتحتها سريعاً بإهتمام، وكان مُحتواها أنّها ستأتي إليّ صباح غَد لتتحدّث معي في أمرٍ هام.. وتمنّت لي أحلاماً سعيدة.
كُنتُ أكتُب إليها الرَدّ، لكن قاطعني ذلك السَخيف بجانبي بصياحه الذي جعلني أنتفِض "هيا الآن!"
نزلت كما ترجّل هو، نحنُ أمام منزلي!
"أنتَ غريب الأطوار.. بطريقةٍ لا تُطاق!" صحت به مؤنِّبة، ورأيت رجُلاً آخر يركب السيارة التي كانت بحوذة نايل ويقودها ليرحل مع الرُكّاب.
أخشي أنني أُهلوِس الآن!
"شُكراً لكِ، هلّا دخلتِ وتوقّفتِ عن فضحنا رجاءً؟"
رمقتهُ بغيظٍ ودلفت للمنزل بخطواتٍ سريعة، مِن الأفضل له أن يبتعد عنّي قبل أن ألكُمهُ مُجدداً.
"أعلم أنّكِ غاضبة، لأنني تركتكِ وتأخّرت و-.." بَدَا كأنّهُ يُغنّي أُغنية ما، فقاطعتهُ بنبرتي الحادَة "أين أختك تلك التي ظهرت فجأة؟"
"ماذا؟!" بدا مذهولاً مِن تغييري لمجرَي الحديث.
"لا تُمثِّل أنّك مُندهِش، أعرف أنّه كان عيد مولد إبنة الوَزير.. وكان حفلاً خيريّاً، لماذا خدعتني؟" إرتجفَت نبرتي في النهاية، ولم ينبس ببنت شِفّة، أخذت أقترِب مِنهُ أكثر وقُلت "أُريد أن أفهم ما يجري بالضبط، لأنّك لن تخرُج مِ هُنا يا نايل إلا بعد أن أفهم.. لِمَ كذبت عليّ؟"
وقفتُ مُستنِدة بظهري علي باب المنزل لأمنعهُ مِن الخروج بينما يداي إستكانَت علي جانبيّ خصري، تسمّر في مكانه بينما يُفكِّر في شيءٍ لقوله.. أو رُبّما يُفكِّر في كذبة جَديدة وحيلة أُخرَي.
ها قَد أتَي مَن يُنقِذهُ مِنّي.. حيثُ دَوَي رنين هاتفه في المنزل لينظُر إلي الشاشة ويتحدّث سريعاً "سيلينا هذا ليس وقتاً مُناسِباً، هاتفي يَرِن!"
سُرعان ما صِحت بمرارة "اللعنة عليك وعلي هاتفك نايل!"
أُصِبت بالصُداع وألمني حلقي لإرتفاع صوتي لهذا الحَد، شعرتُ بالدموع تتجمّع في مُقلتاي لتحرقني.. إلتفتّ سريعاً لأمسحهم كي لا يلاحظهم، ثُم نظرت له مجدداً.
"لا تبكِ!"
"أنا لا أبكي، إبتعد عنّي!" صرخت مجدداً لتتساقَط الدموع علي وجنتاي وتخذلني..
مازال هاتفه يَرِن بطريقةٍ جنونيّة، وكأنّ المُتَّصِل قد أقسَم علي جعله يتهرّب مِن الحديث معي اليَوم!
بحركةٍ سَريعة سحبت الهاتف من بين يديه، ونظرت لهُ بحدّة قائلة "ألن تقول شيئاً؟"
تابعت ببرود "فسِّر لي ما حدث، أو لا تُريني وجهك ثانيةً.."
"سيلين، أنا آسِف بحق!" إقترب منّي بهدوء.
"أتُدرِك أنّها المرّة العاشرة التي تخبرني بها أنّك آسِف في نَفس اليَوم؟ إن كُنت تُدرِك ذلك بالفعل، فأنت حتماً لم تُدرِك بَعد أن آسِف ليست كلمة سحريّة تُصلِح كُل شيء، ولن تجعلني أتنازَل عن الحصول علي تفسيرٍ منطقيّ مِنك!" حدّثته بحدّة، فرأيت عينَيه ينظُران لي بضعف.. وحرّك شفتيه ليتحدّث، وفي كُل مرّة كان يُطبّقهما غير ناطِقاً بأيّ كلمة تُطفيء النيران التي إشتعلت بداخلي.
"لا يسعني التفوُّه بأيّ كلمة، سوي أنني آسِف يا سيلين!" نبرتهُ إهتزّت لِتُظهِر ضعفه، فكابَر وتحمحم ليحتدّ صوته قائلاً "أرجوكِ.. تقبّلي إعتذاري."
رأيتُ حينها أنّه أضعَف وأرقّ مِمّا ظننت، ويُكابِر ليخفي ضعفه طوال الوقت..
تنهّدت قائلة "أنا لا أُريد أن أسمع أسفَك، أنت-.."
قاطعني هامِساً "أنا أُحِبُكِ!" وسحب شفّته السُفليّة بين أسنانه ليُحدِّق بعيناي طويلاً قبل أن تتمرّد دمعته التي تلألأت في عينيه وسقطت علي وجنته صانعة خطّاً مُستقيماً وساخناً..
قلبي بالكاد حطّم قفصي الصَدري وفارَق جسدي ليُحلِّق بعيداً في السماء، ويعزف علي أوتارِ الحَنين مَعزوفةً تنبض بإسمه..
ماذا قال!؟
"أُحِبُكِ كثيراً سيلين." أخذ خطوةً إضافيّة لِتُقرّبه مِنّي، وخللٌ ما حدث في عقلي جعلني لا أستطيع إيقافه حين إقترب أكثر.. ومع كل خطوة تخطوها قدمه أشعُر بقلبي ينبِضُ بِسُرعةٍ هائِلة!
"أرجوكِ.. إغفِري لي كُل خطيئة!" همس ليُقبِّل جبهتي برقّةٍ وحنان، وأخذت أنظُر إليه بعينَين حائرتَين وغارقتَين في الكثير مِن الأسئلة، وضع شفتَيه علي شفتاي.. فأسكَت الحَرب القائِمة في عقلي، ليُشعِل حرباً حُلواً في قَلبي..
أغلقت عيناي بهدوءٍ تام، مُستمتِعة برائحة عِطره، وبحرارة جسده لإقترابه منّي لهذا الحَد، وبملمس شفتيه الناعمتَين.. مُستمتِعة بالنعيم الذي وُضِعت به الآن!
شعرتُ بإفتِقادي وإحتياجي للأكسوجين، لكنّي أخذت أُبادِلهُ القُبلَة، وفضّلت أن أموت بَين ذراعيه علي أن أعيش بعيداً عنه..
إبتعد عنّي لتندفع الدماء بقوّة في جسدي مُسببةً كهرباء في أطرافي.. نظر مُباشرةً في عيناي، وسُرعان ما سحبني ليُريح رأسي علي صدره ويلفّ ذراعه حولي، ويمسَح علي شعري ليطبَع قُبلة أُخرَي علي رأسي.
"سامِحيني يا حَبيبتي.." همس مُقبِّلاً رأسي، فإرتعشت بقوّة.. وأغلقت عيناي مُستمِعة إلي نبضات قلبه، لأبتسِم.
حَبيبتي..
خرجت تلك الكلمة مِن فمهُ بإيقاعٍ مُمَيَّز.. كما لو أنني لم أسمعها مِن قَبل، أتعجّب كيف تخرُج أبسَط الكلمات من بين شفتيه بتلك الإثارة..
أجهلُ كَيف أخاف من غموضه، وبين ذراعيه أجِدُ أسواراً تحميني مِن كُلّ شَرّ وتدبّ الأمان في روحي.
رفع رأسي إليه، وأرسَل لي نظراتٍ هادِئة، ليسحَب هاتفه من بين يديّ.. وإبتعدت بِدَوري علي الباب، فإبتسم لي قبل أن يخرُج وأغلِق الباب خلفه.
جيد هورآن .. انهيت كل شئ بسلاسه !
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top