1 | وردةٌ تبيعُ الورود.

صباحٌ جميل على صوت العصافير ورائحةِ القهوة والمخبوزات ، وشيءٌ من التراتيل التي نعشقها ، واستحضارٌ لما سيكون في اليوم من أعمال ، واستجماع لكل معاني التفاؤل ، والنشاط ، والعمل ، والاجتهاد !

إحتست الفتاة قهوتها لتُقبِّل والدتها بحُبٍ وتخرج من المنزل بعد أن إرتدت إحدي ملابسها البسيطة ، ألقَت نظرة علي الزهور التي تزرعها وتسقيها لتبتسم ، كانت والدتها تتبعُها لتقف مُستندةً علي باب المنزل وإبنتها فرحت فرحاً لا يوصف عندما رأت دراجتها الزهرية في الحديقة ، أسرعَت إليها وأمسكَت بها وحينما نَوَت أخذِها تذكرت كلمات أبيها حين قال لها 'إحذري اللعب بالدراجة' فإبتسمَت ونظرت لوالدتها مُنتظرةٌ منها تفسيراً لِما حدث

نظرت والدتها لها وقالت: "علي مهلِك .. سأشفي غليلكِ وأجيبكِ عن جميع أسئلتكِ ، والدُكِ صلّح لكِ الدراجة كإعتذارٍ منهُ عن عصبيتهُ عليكِ الزائده عن اللزوم البارِحة"

عُقِد لسانها وأبقَت فمها مفتوحاً حتي إبتسمت والدتها بحنيّة قائلة: "لا تتأخري عزيزتي ، وإنتبهي علي نفسكِ" وتَبِعَت هذا بدخولها للمنزل حين أومأت إبنتِها -بيلا.

خرجَت بيلا مُبكراً من حديقة المنزل راكبةً دراجتها ، وقفَت في أوّل الشارِع وأرسلت ناظريها علي الجانبين ، مغازات عصرية وبعض الأكشاك وصفوفٍ من السيارات المركونة ، تركت دراجتها أمام متجرِها الخاص ودخلتهُ بحماس

فتاة فقيرة لا تملكُ شيئاً سوي الزهور التي تزرعُها بحُب لكي تبيعها وتحصلُ منها علي المال وتساعد والديها ، يتوافدُ عليها الناسُ بكثرة لجمالِ زهورها وسحرها ، لا تمَل أبداً من العمل في ذلك المتجر لأنها تحصُل علي بعض التسلية فيه حيثُ ترسم البسمة علي وجوه الآخرين وتبقَي مُحاطة بالأزهار طوال الوقت ورائحتها الجذابة تُداعب أنفها الرقيق

دخل شابٌ جسمهُ ممشوق ونحيف في غير هزال ، كان وسيم الوجه ، طويل القامة ، مُتثاقل المشية ، ما إن تنظُر إلي وجهه فتشعُر بالوقار يلفّهُ ، وعينيه صافيتين ذات حدقتين خضراوتين تلمعان بخفه آثر ضوء الشمس الخافت المُنبعث من الجُدران الزُجاجية لدي المتجر

" عُذراً ، أين من يعملون هُنا ؟ " نظف حلقهُ قبل أن يتحدث لتنظُر لهُ بيلا عاقدةً حاجبيها بإستفهام

" مرحباً ، كيف يُمكنني مُساعدتُك ؟ " تجاهلت وقاحتهُ لترُد بلُطف مُستندةً بيديها علي الطاولة الزُجاجية التي تحمل باقات صغيرة من الأزهار

" هل تعملين هُنا ؟ " بدا مصدوماً فأومأت في المُقابل  لتسألهُ: " ما الذي يستدعي الدهشة ؟ "

" لا شئ ، فقط لأن ملابسكِ جيدة وأنيقة وتبدين جميلة فظننتُ أنكِ جئتي لتبتاعي الزهور " قال بينما يحشُر يديه في جيوبه ويتفحصُها من أعلاها لأسفلها

" وهل يجبُ أن أرتدي ملابس مُهترئة وأبدو بشعة كي أُصبح بائعة زهور ؟ " رفعت لهُ إحدي حاجبيها ليبتسِم بتوتر حيثُ أنهُ لم يجد ما يقولهُ

" علي أي حال ما هو أفضلُ نوعٍ للزهور لديكِ ؟ " ألقي نظره علي المتجر بأكملهُ وهو واقفٌ مكانهُ ثم ثبّت ناظريه عليها مُجدداً

" جميعهُم الأفضل ! يُمكنني أن أُعِد لك تشكيلة من ورود مُخلتفة الأنواع إذا أردت " أجابت بذكاء ليومئ مُحدقاً بعينيها

صاحَت علي لوي الذي يعملُ معها ليُحضر لها باقة من الأنواع والألوان التي إختارتها للتو ، ساعدت لوي في فعل هذا حتي أعطت الباقة لهاري قائلة: " حبيبتُك ستقعُ لك أكثر حين تُعطيها تلك الباقة صدقني "

قهقه ووضع يدهُ في جيب بنطاله وأخرج محفظتهُ ولكن بحركةٍ سريعة وضعت يدها علي خاصتهُ فتفاجأ من تلك الحركة الجريئة

" تلك أول مرة تزور فيها متجرنا المتواضع ، لن تدفع سِنتاً فأولُ مرة مجانية " أخبرتهُ مُبتسمة لتُزيح يدها من علي خاصتهُ وتعود إلي مكانها أمام الطاولة الزُجاجية بينما الآخر تسمّر في مكانه

" هل - هل يُمكنني أن أسألُكِ سؤال ؟ " وقف أمامها لتنظُر لهُ بتعجُب وتردف: " أجل ، يُمكنُك ! "

" لماذا تمتلكين متجراً للزهور هُنا تحديداً في فلوريدا ؟ أعني.. الزهور تُباع في الريف وما شابه لكن ليس هُنا ، وإن كان هُنا فيكون متجراً كبيراً ليس كمتجركِ " تكلم الشاب بتلعثُم مُستمر ، إندهشَت جرّاء كلماتهُ التي لا يستطيع إنتقائها بشكلٍ جيد ! لم تُجيبهُ بسبب وقاحته مما جعلهُ يحُك مؤخرة رأسهُ بحرج

" أنا لم أقصد الإساءة أو الإهانة أنا فقط أسأل ! إعذريني أنا غبي .. أحياناً " قال لتُقهقه علي كلمتهُ الآخيرة

" رُغم أن هذا ليس من شأنك أبداً ، ورُغم إسلوبك الغير مُحبب .. " قالت بينما تُشيرُ عليه بإصبعها وهو يومئ لها مع كُل جُملة مُخبراً إياها بأنها علي حق

" فسأُخبرُك .. " قالت أخيراً ليبتسم

" في جوّ المُدُن لا يشعُر الإنسان بالسّماء إلاّ عند المطر ، ولا بجمال الشّمس أو جمال القمر ، فكلّ ما حولهُ من جمالٍ هو جمال صناعيّ ، فهو قد استغنى بجمال بالزهور الإصطناعية عن الزّهور في منابتها ، وبثريّا الكهرباء عن ثريّا السّماء ، وبالحسن المصنوع عن الحسن الطّبيعيّ ، لهذا فتلك المدينة تفتقرُ الورد الطبيعيّ ذو الرائحة العطرة الساحرة ، وأردتُ المُساعدة ! " قالت لتبتسم ختاماً لحديثها وهو قد أعجبهُ كلامها بشدة فإتسعت إبتسامتهُ تدريجياً

" بالمُناسبة المتجر جميل جداً " قال الشاب بعد كثيرٍ من الصمت

" شكراً لك ! أجل الأزهار تبدو ب-.. " قالت بيلا ليُقاطعها قائلاً: " لم أكُن أتحدث عن الأزهار ، بل عنكِ "

صمتت لتضُم حاجبيها معاً

" علي أي حال شُكراً علي الأزهار المجانية ، وداعاً يا وردةٌ تبيعُ الورود " غمز لها بنهاية حديثهُ وإرتدي نظارتهُ الشمسية وخرج من المتجر تاركاً إياها في حالة ذهول

إبتسمَت بيلا بحياء لتُراقبهُ من الزُجاج وهو يركبُ سيارتهُ ويقودها ببُطئ

" بيل ، هاتفتني عمّتي وأخبرتني أن أمي ليست علي ما يُرام فسأذهب لأشتري لها الدواء وإحتمالٌ كبير ألا أعود للمتجر اليوم في حالة إن كانت حالتها سيئة " هتف لوي ليُفيقها من شرودها جاعلاً إياها تنتفض ، نظرت لهُ بقلق حين أدركت ما كان يقولهُ وإقتربت نحوه

" يا إلهي ! هاتفني حين تصلُ إليها ! لن أنام قبل أن تُهاتفني لوي لا تتركني قلقة " ترجتهُ بيلا بينما تساعده علي إرتداء معطفهُ

" أجل بالتأكيد سأفعل ، أراكِ في الجوار يا وردةٌ تبيعُ الورود " تهكم لوي لترفعُ بيلا حاجبيها وتضع يديها علي جانبيّ خصرها قائلة بمكر: " كنت تسترق السمع إذاً ؟ "

" تقريباً " أجاب لوي وإلتفت لها ليُعانقها بِودٍ ويرحل

زفرت بيلا تلك الخُصلة التي سقطت علي وجهها بملل ، ثم عادت إلي عملها

هكذا هي ! تُعطي الزهور المجانية وهي في أمس الحاجة للنقود ، تتمالكُ أعصابها حين تلحُ عليها رغبتها في تلقين أحدهم درساً ، رُغم كل المشاكل التي تُعرقلها في طريقها تأبَي أن تقع وتبحثُ عن طوق النجاة ألا وهو الأمل ، مُشكلتها فقط حظها الذي لم يُحالفُها أبداً ، فرُغم كل الظروف القاسية التي تعيشُ بها مازالت فتاةً جيدة ذات قلبٍ طيب وروحٍ نقيّة ، تتحلي بالصبر وتثقُ أنها ستتمكن من تحقيق أحلامها يوماً ما ، الشابة ذات الثمانية عشر عاماً وحيدةُ أمها وأبيها .. بيلا مارين .

-

عدد الكلمات: 1057

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top