مِقبضٌ شائك <٣>
_بسم اللّٰه الرحمن الرحيم.
الفصل الثالث: مِقبضٌ شائك.
{سيدة ديفيد.}
توحشني الشوق لدفىء بَسمتها ساعة الغروب ولرائحة فطورها عند البزوخ.. تلوعت لملمسها الحميمِ أسفل الأغطية، لضئالتها نقيضي تمامًا، فتلهفتُ لأنفاسها ولروحي فيها، فوجدتُ نفسي خالية، وحيدة، وكيفَ لا أتلاشى من الشعورِ؟ وهي أنتزعت مني كل الوجود ثم رحلت، فسيڤار لمْ تأخذ ذاتي فقط كمَا حذرنِي الجميع.. امرأتي أخذت أيضًا حياتي ولذتي، شعوري وكياني، فتركتني في وحشية مريرة وفقدان.. وكانت هي آول خطواتي المُتسرعة وأول خـُططي الفاشلة.
____________
_______
"مرحبًا بكِ.. يا سيڤار إبرام سَمير."
أن يُرحب بي على دخولِي فترة جديدة من حياتي ستزيدني وجعًا لم يثر تساؤلي أبًدا لكن لمَا كُل خطوة أخذها هروبًا منه ومنِي، أجد هويتِي تطاردني، فتسلسلني مشاعري لأسفل قاعٍ في أعماقِ أعين چون هاريسون وروحه الفاسدة، أنا لمْ أتذكرهُ الآن ببغتةٍ؛ لأنني لمْ أنساه قط.. ربما تناسيت كيف كان يعتديّ عليّ ضربًا وجنسًا، وتناسيت حبه لتعذيبي، لمُشاهدتي ضعيفة ذليلة أسفله، وكيف كان يُحب نعتي بإسمي أثناء تعنيفي فأقترن وجعي بكلِ حرفٍ مني.. فالسين لسخف حياتي والياء لشعوري الدائم باليُتمِ، حتى الفاءُ والألفُ والراءُ.. بدلالة فناء أحلامي الرَكيكة، وسي-چي الذي وعدني بعدمِ تركِي كما وعدوني جميعًا، يُراقبني الآن بخذلانٍ ولوم كما فعلوا أيضًا.
بهتت عيناها وتلاشى البريق عنها فشعرت بفراغٍ غير مُستلذ يغزو روحها في حربٍ خاسرة وفاترة، ففهمت للمرة الآولى، اللاشعور واللاإنتماء واللاوطن.. مما جعلها تدرك حقيقة فقدانها لنفسها في ثقبٍ أشد بشاعة وسوءًا من كلِ ثغرات الحياة التي خاضتها سابقًا.
"لا ألومكِ على إخفاء هويتكِ عني لأنني فعلت المُثل، ولا ألومكِ أبدًا على الماضي لكن.."
الأستثناء الأهم فِي حياة سي-چي كان كرامته وحبه للتظاهر بالصمودِ فقط حفاظًا على رجولته كما نشب في بلادهِ، لذا بكائه أمامها كان من سابع المُستحيلات بل والمُعجزات، لكنهُ وقتها.. بكى بسببها ولها، قبل أن يبكي لروحه المَجروحة في حبها.
"كيفَ تكونين مَملوكة لرجل فتخونيه مع آخر؟ لتنامين معهُ وتحملين منهُ، فتجهضي طفلكَ!"
ختم كلماته مُلقيًا الملف أرضًا وحروفه إنتزعتها من حالة تبلدهَا فتركتها في واقع أشد لهيبًا وحرارة، وحينها أدركت بأن ماضيها بات مُشوهًا مِثلهَا ولا تهتم بإعادة صياغته بالحقيقة، لمْ تكن غبية كيلا تدرك وقتها بأنها ألتحمت بلقبٍ تحز عنقها لتتخلص منه، ففي النهاية مهما هربت وأنكرت ستظل سيڤار إبرام سَمير.. عاهرة چون هاريسون.
فرت دمعة من إحدى عينيها ببطىءٍ تحكي كسرة نفسها، وثغرها إنكمش من شدة مرارة اللعاب في فمها، حتى إدراكها بالواقع تلاشى بمنتهى الرويد، على مهلٍ دون تسرع، فوق حواف سكين بارد، مؤلم، بتأنٍ وعـُسر، فتسابقت دموعها، وتسربت منها عدة شهقات مُتفرقة بعدما غزتها ذكرى موت طفلها وإنتزاعه من رحمها بنفسِ البشاعة في الماضي، وكُله بسبب غبائها وإنعدام إتزانها النفسي بل والعقلي أيضًا.
"لمْ أقتل طفلي، هم مَن قتلوه يا سي-چي."
مع كلِمتهَا وإحياء ذكراها القاسية، إزدادت إنتحابًا وبكاءًا، ثم إنهارت نادبة، فأتجه صوبها مُحاوطًا إياها بإعتذارٍ لمْ يمسس ثغره، ووجد ذاته تصدقها دون الحاجة لدلائل، فدفن روحه في رقبتها، تشتمها وتهيم بها أكثر، مُتجاهلًا ماضيها وتاريخ حياتها.. ففي النهاية إيمانه بصديقته ومحبوبته.. أكثر من تأييده لحبر زائف، بل وأصابه التأنيب لأنه صدق ما قيل عنها، حيثُ في هذا العالم المادي، العدل مُجرد حروف، والبقاء دومًا لذويّ السـُلطة.
"أنتَ خذلتنِي يا سي-چي.. مِثلهُ تمامًا.. بل مثلهم جميعًا."
"لا يا ڤي، أبدًا.. واللّٰه إني آسف.. ليتني بطق قبل مَا-قول زي هيك."
أنارت بوجهها بسمة بعدما صرح أخيرًا بإنتماءه لموطن شريف وعفيف مُناقضًا تمامًا لأخلاقهِ، وبرغمِ ذلكَ كان مُتفاخرًا بكنيتهِ مهما وصل سوء شخصه فأدركت 'نحنُ بأفعالنا الدميمة والقبيحة لا نعكس أخلاق ديننا أو بلادنا، إنما نعكس إنعدام أخلاقنا وتخلُفنا.'
أجاب بسمتها بأخرى خافتة، دون زيفٍ ولا تصنع، وحينها لاحظت أن سي-چي فعل معهَا الكثير، وساعدها أكثر، وأنقذها وسندها ودعمها عدة مرات بلا مقابل، ربما سوء ظنه فيها كان كَبيرة في حقها وقد طعنها به، لكن مروءته معها غفرت بل ومَحت خذلانها منه مُبددة إياه.
"آسف لقولِي مثل هذه الكلمات، أعدك بأن أنتظر تبريرك دون حكم من أوراقٍ كاذبة."
أختتم جملته اللطيفة بقبلة حانية طبعها على جبهتها يساندها ليمنحها الطاقة للمواصلة، للمُعافرة بغض النظر عن الهدف فقط لتحيا معه وبجانبه، وحينها فقط تمتم للمرة الآولى بمَا جمد حواسها وأصابها بالذهولِ:
"أحبكِ."
صمتَ مُنتفضًا وكأنمَا حروفه التلقائية لامست بقعة حساسة من مشاعره كانت صادقة، بل وأرسلت سنابل من الشرارات اللذيذة على طول جلده، فأدركت ذلته بإجابتها اللطيفة الغير مُتكلفة:
"وأنا أيضًا أحبكَ.. شكرًا على مُساندتكَ لِي."
نهضت بعدمَا مسحت عبراتها، لتقف قوية صامدة كما عهدها دومًا، ثمَ سارت بضع خطي تاركة إياه هائمًا في نشوة إعترافها حتى وإن كان عفويًا بعيدًا عن العاطفة التي إبتغاها.. فظل شاردًا باسمًا حتى ألتفتت فجأة ببسمة جمدت حواسه، تسأله بآنوثة سلبته وعيه:
"لكن.. ما هو إسمكَ؟"
"أنا سراج.. يا سيڤار."
أتسعت إبتسامتها المُجامِلة حتى ظهرت نغزتها اليُمنى مُدندنة بأنوثة زادته ولعًا بها:
"سراج؟.. ياله من إسمٍ جميل."
سلبتهُ حواسه لثوانٍ ثمَ تركته مُنتشيًا في ذيولِ طيفها بذهولٍ صادق وقد أيقن.. أسمه من بين ثغرها ألذ بكثيرٍ من وجع السقوط في حفرة حبها الفتاكة.. لكن عاطفته الإيجابية ناقضت شعورها تمامًا، فحين غادرت الغرفة للمرحاض، أستندت على الباب تحيط فمها وسمحت لنفسها بالإنهيار باكية لأجل روح طفلها ورحيل زوجها، وكلاهما لن تستطيع تجاوزه مهما تظاهرت بالصمودِ.
لمْ تحتسب مدة بقائهَا في المرحاض ولمْ تكترث، لكنها غادرت بعدما تأكدت من خلوِ الغرفة، ثمَ أتجهت صوب خزانتها بخطى مُتباطئة تجر بقايا رذاذها وما حملته نفسِها.. أنا أستطيع، سأقف أمامه صامدة، سأبتسم في وجههِ بينما أغرز سكيني في أعماقِ عقله اليابس بل وقلبه، سأستعيد نفسي وسأسرق روحه.. ففي النهاية چون هاريسون لا يحب إدراكه بهوسه وشغفه بِي.. وأي شعورٍ مني وإن كان الكره، فيتقبله بولعٍ وإستثارة.
أخرجت فستانًا ناريًا تناسب مع عينيها العسلية وزادها توهجًا، قصير وباللكاد سيستطيع مُحاوطة فخديها، ضيق من عند الصدر.. بارز وفاضح، لا يُناسب سوى شخص مثلها، تلوث، وبات أقذر من أن يطرق أبواب التوبة للرب الجليل.
تحممت ثمَ أرتدته بعدما صففت شعرها القصير، فتجملت وتعطرت، وبالطبعِ لم تنسَى جـُرعة مُخدراتها الجريئة وبضع رشفات من الكحول، ثمَ غادرت غرفتها وصوت كعبها الأبيض يطرق على الأرض جاذبًا أبصار مُعجبيها، واحدًا تلو الآخر، سالبًا حواسهم وإدراكهم، حتى نالت أنتباه دانيال، فأتجه صوبها ثم سحبها من ذراعها يمنعها عن الرحيلِ مُتسائلًا:
"إلى أين؟"
"ديفيد هاريسون طلبني لإحياء حفل سري.. تحت إشراف الزعيم نفسه."
ذكرت نصف الحقيقة بوجهٍ خالي من الدعابة، فأصفر وجه دانيال تاركًا ذراعها ثمَ تمتم بجدية مُؤكدة:
"أريدك مِثالية يا ڤي، أريد أن يأتي الزعيم نفسه مادحًا.. بل طالبًا إياكِ!"
قاطعتهُ بلا إكتراث:
"ظننتُ أني تفاحة مُحرمة."
"في النهاية نحنُ نعمل لإرضاء آل هاريسون، وخاصةً الزعيم."
لوهلة راقبته بمشاعرٍ لمْ يفهمها، فلمْ يستطع قراءة أفكارها بسبب جمود تعابيرها وتصلبها، لكنها بعدما اومأت بالطاعة والرضى، حينها فقط أستطاع التنفس وكأن جبلًا قد أزيح عن صدره فأثلجه، مشيرًا لحارسين البوابة بفتحها، ففتحاها لتغادر هي ببطىءٍ مغريّ وعيناها تغازل هذا وذاكَ بفجورٍ، لكن أقدامها تصنمت على الفور بعدما شعرت بالهواء البارد يداعب جسدها بمنتهى الحرية، ورائحة النسيم النظيف تخللت قصبتها الهوائية، فتركتها مثل طائر حر قبيل لحظاته الأخيرة في الوقوع بالمصيدة، وحينها فقط، أدركت خطورة الخطوة التي ستُقبل عليها وتسائلت.. هل سأتمكن من إحتمالِ لهيب أنامله الغليظة على طول بشرتي؟ وهمسات صوته الرجولي في أذني مُداعبًا مشاعري وحواسي؟ هل سأتمكن من تجاوز الوقوع في حب چون هاريسون؟ وهل سأتجاوز نوباته الغاضبة حية أرزق كما الماضي؟ والأهم من هذا كله.. كيف سأمنع قلبي إن فر إليه تاركًا إياي بلا حياة كما الآن؟
الكثير من الأسئلة قلبت موازين نواياها ومُخططاتها، فتذكرت فجأة حبها له، وتذكرت سيادته وسلطته عليها، تذكرت ما لمْ تنساه وتجاهلته قديمًا فقط لتسير القافلة، وبدت في لحظة على وشك التراجع للداخل مُجددًا.. لتنفر من طيفه وذكراه الطيبة منها والدميمة.
"ظننت ميعادنا في تمام السابعة."
صَدر صوت ديفيد من جانبها فألتفت له بلا مُشاعر تذكر، فبدت له غير مقروءة بل ومَطموسة تمامًا، وحينها فقط، أدرك أن سيڤار الشرقية الطاهرة التي ظلَ يبحث عنها ماتت أيضًا في اللحظة التي أفلت فيها چون يدها وتركها تغرق وحدهَا في حقبة حياتها القديمة فتسائل.. ما الذي حدث بعدما تركها رجال إبن أخيه في أقرب بقعة مَهجورة من منزلها؟ وكيف أنتهى بها المطاف عاهرة في لاس فيغاس مدينة الخطيئة، ثمَ هنا.!
أراد أن يسألها عن الكثير ليبدد حيرته وتساؤلاته، لكنهُ عوضًا عن ذلك، ثنى لها يده فتأبطتها بلا تردد، ثمَ سارت معه صوب السيارة التي فتح لها بابها بكلِ نبل، فصعدتها، ثم أتجه لمقعد السائق مُستقلًا إياه بعدما أغلق خلفها الباب.
"والآن يا سيڤار، ما الذي تريديه؟"
سألها مُديرًا المحرك، فتمتمت بفتورٍ:
"إسمي سي-ڤي، ولقبي La manzana prohibida.. فعلتُ الكثير لأنال تلكَ الشهرة يا ديفيد، وضحيتُ بالكثير في سبيلها، لذا لا أتشرف بإنتساب أسم تلكَ الضعيفة لِي."
أصابه الذهول والحيرة، فسألها بتلقائية مُتسرعة:
"لكن چون ترك لكِ ثروة طائلة، لما أحتجتِ لتلك الشهرة؟"
تجاهلت سؤاله، بل وأنتقدته بحزمٍ بدى ماكرًا للوهلة الآولى، وشديد الخبث في الثانية:
"بتَ تتسائل كثيرًا يا ديفيد.. والآن، لأعود معكَ.. لديّ بضع شروط."
جعد حاجبيه مُتحيرًا ثمَ ألقى عليها نظرة سريعة خلال قيادته لأقرب مطعم فاخر، مما منحها لَمحة مُرضية لفضوله نحوها، فأرضته في المُقابل مُستطردة:
"شرطي الأول أنني لن أعود بهوية سيڤار إبرام، أريد أن أكون.. السيدة ديفيد هاريسون."
أتسعت عيناه وكادت السيارة تنحرف عن مسارها من شدة صدمته، فتمالك المقود صافًا إياها على قارعة الطريق، ثمَ تسائل هادرًا:
"ما الذي يرمي إليهِ حديثكِ بالتحديد؟"
"تزوجنِي."
قالتها بفتورٍ وكأنما تعرض عليه كوبًا من الشاي، وحين لمْ تجد منه سوى الإستنكار والتعجب وكأنها مُجرد مجنونة لا عقل لهَا، تسحبت بمكرٍ شيطانيّ، ثمَ جلست على قدميهِ بإغراءٍ، وعيناها الجريئة أستباحت خاصته.. تستغل التشابه الذي يراه بينها وبين جوانا التي هام في حبها حتى بعد مماتها.. بل وتجرأت في تمسيد صدره تستميله بضراوة:
"هل ترفضني يا ديفيد؟"
أسودت عيناه وغرقت في سوادِ الحزن والرغبة، لكنهُ لم يشتهيها هي، كانت رغبته لروح لم تعد في هذا العالم، شخص مات منذ زمن وبرغمِ ذلك لا يزال يسكن فؤاده ووجدانه، فعلمت أنها قذرة جدًا وملوثة لتستطيع تعذيب شخصًا لا ذنب له في سبيلِ هدفها، وكرهت نفسها لأنها حقًا لمْ تكترث:
"حين أكون زوجتكَ.. سأظل أعمل في ملهى Tatuaje de satanás."
"ظننتكِ فعلتِ الكثير لتنالي تلكَ الشهرة وضحيتِ بالملايين سبيلها، لذا لما تتنازلين عنها مقابل زواجكِ مني؟"
رأى الإجابة تلتمع في عينيها دون حصن ولا ستار، سيڤار لمْ تكن لتتنازل عن تلكَ السخافة تحت أي ظرف، لكنها بدت تحاول إيجاد أكثر الطرق بشاعة لإستقبال إبن أخيه، علمَ بل وأيقن أن عودتها ستكون خرابًا ليس بعده خراب، وبرغم ذلكَ كان أنانيًا حين تجاهل الحقيقة مُقابل لذته بطيفِ جوانا.. وجوانا فقط.
"فِي هذه الحالة.. سأكون مُخنثًا مُنعدم الرجولة."
"بل مزهرية لا رجاء منها."
أطل ضاحكًا ثمَ أمسك خصرها برغبة مُكثفة يقربها منهُ والموافقة راحت تتراقص في مقلتيهِ خلف ستار الشهوة:
"ستكونِين أرملة قبل الأربع والعشرون ساعة القادمة، وهذَا رهاني."
"لن تموتَ على يدهِ لا الآن ولا لاحقًا، وهذا رهانِي يا ديفيد."
____________
_______
الحرباءُ من الزواحف، خبيثة تتلون بألف لون وتختبأ خلف أي وشاح شفاف فقط لتنقض على فرائسها، والحية أنحدرت من نفس النسل النجس، تتلوى خلف الأغصان باحثة عن فريسة لتبث بها سمها وفي النهاية، لا سبيل سوى الموت.. هكذا كانت سيڤار، حية لعينة بألف لون، حِرباء مُحتالة تمتلك القدرة على التخلي عن كل ملذاتها وممتلكاتها فقط لتشاهد چون يتألم ولو لربع دقيقة، بل لثانية واحدة.
ظل ديفيد يبحث عنها طوال فترة غيابها ليعيدها لإبن أخيه، وفي الثانية التالية وجد نفسه يتزوجها. لمْ يهتم إن قتلته چون ببشاعة ولم يكترث، بل فوجئ بالأنانية تحتضنه لتتشبث بروحهِ للمرة الآولى، بينما هي، وقفت أمامه، مُبتسمة بإنتصارٍ، بسوداوية خالية من الرحمة لمْ يرها قبلًا في عينيها، إنعدام شعور وقساوة مَريرة سحبت روحها لدوامة مُظلمة لا نهاية لها، فعلم أنها إن دخلت في تلكَ الدهمة السوداء من العاطفة، لن ينتشلها سوى ملاك برحمة من الرب.. أو أن يتراجع.. وهو لن يتراجع.
"يمكنكَ تقبيل العروس."
ختم الكاهن كلماته، فسحبها ديفيد من خصرها ببسمة خافتة وعيناه تغوصان حول شفتيها، فتلاعب به عقله ومنحه الرضى مُتصورًا جوانا بين ذراعيه، تناظره وتمنحه ثغرها الجميل، كانت أول أنثى يحتضنها بقبولٍ بعد موتها.. ربمَا حاول معاشرة غيرها، لكنه لمْ يستطع، كان يتراجع دائمًا مشمئزًا من لحمه وعظامه، غير قادرًا على ملامسة غيرها امرأة مهما وصل جمالها، وسيڤار كانت حقًا تشبهها لدرجة مؤلمة.
كادت شفتاه تغوصان في شفتيها لتلتحم بها، وهي لمْ تستعب الموقف بسبب غياب إدراكها وإنعدام أتزانها النفسيّ، فلم تكن لتمانع:
"جوانا."
همسها بلوثة عاشقة مما سبب أنتفاضة مُستفيقة منها بين ذراعيه، فأرتد عنها أيضًا بعدما أدرك ذلة لسانه. أضطربت أنفاسها وأرتعد جسدها بدلالة نزاع طرفان مُتناقضان في عقلها، فِكر عنفها بضراوة على سكونها بين ذراعيه، وآخر ينافي زميله بإحتجاجه بعدمِ الإكتراث، فعلم أن الروح الطاهرة لا تزال تكافح داخلها مهما أدعت الفسق أو الفجور.
"مباركَ زواجنا.. يا زوجتي العزيزة."
"نحن ميتان، أتدركَ هذا حتى؟"
أجابته بضحكة خافتة لتستر توترها، فسحبها من خصرها خارج الكنيسة مُتمتمًا:
"لا يهمني.. تبًا لي."
ضحكت بعلوٍ ثم صَعدت السيارة بعدما فتح لها الباب، فأغلقه ثمَ أمال على شباكها مُغردًا:
"والآن.. ما هي خطواتكِ التالية؟"
غامت عيناها في قساوة مُفرطة، ثمَ دندنت ببطىءٍ آسر:
"منزل السيد إيغور.. وأياكَ أن تخبر أحد قبل إنقضاء الليلة."
علم أن معجبيها المهاويس من كبار السن قد يحاولون التخلص منه في سبيلها، مع عدم الحاجة لذكر مآساة زعيهم المُختل الذي سيفعل بكلاهما الأعاجيب، فهز رأسه يائسًا من الكارثة التي وضع نفسه فيها، وبرغم ذلك لمْ يكترث، على النقيضِ تمامًا صعد السيارة ثم أنطلق بها صوب وجهتهم الجديدة، وعيناه تلتمع مُراقبًا الفراغ، لعله يلمح طيفها يداعب ذكراه، لكن سيڤار، بدأت تحك جلد ذراعيها وعيناها تغرقان في نفس الإسوداد والقتامة، فعلمت أنها تحتاج إلى جرعة إضافية من المُخدرات.
"هل شعرتَ يومًا، أن النفس الذِي يدخل قصبتكَ الهوائية ما هو إلا مُجرد خدعة مُتمكنة لإنتزاع منكَ روحكَ يا ديفيد؟"
زالت لمعة عيناه وإنسحب السرور عن ملامحهِ، فظل صامتًا شاردًا، حتى بعدما مدت يدها لتفتح شباك السيارة، باحثة عن المزيد من الهواءِ، وكأنما تريد إقتناص حياتها، وإنهائها تمامًا وحين لمْ تعثر على إجابة سؤالها، أخرجت قداحتها الفضية المُرصعة بالماسِ، ثم أشعلت سيجارتها التوتية ترفّه عن نفسها بها، وتابعت بصوتٍ خفيض:
"فِي الماضي.. لمْ أكن أتمنى سوى رجل يُحبني.. حتى وإن كان أبي، لمْ أتمنى سوى الإستقرار يا ديفيد."
"والآن؟"
سألها وعيناه تحدان إليها عوضًا عن الطريق، فصمتت مُشيحة وجهها عنه، وحينها أدرك إجابتها بسبب البؤس الذي أستطاع أن يلمحه في بؤرتيها، وبهوت وجهها خلف المرممات:
"الحياةُ لا تعطِي بثمنٍ بَخسٍ يا سيڤار.. المُقابل دائمًا باهظ ونفيس."
"وما مُقابل ألمي ووجعي؟.. چون هاريسون؟"
سَخرت تلجم كلماته، فعلن تحت أنفاسه مُبررًا:
"أنتِ مُميزة.. على الأقل له."
"لهذا تركني؟ أدار لي ظهره ملقيًا إياي فـ.."
"أدار ظهره! بل حاول أن يمنحكِ مَعيشة أكثر رفاهية من كونكِ تحت قبضة مُختل مهووس وحياتك معرضة للخطر جرَاء أي نوبة جنونية معهُ، هل تعرفين حتى.. أنكِ كنتِ آولى لذاته الدائمة، وآولى قبلاته؟"
"لست غبية يا ديفيد، الوغد عاشر من النساء حتى أكتفى، بالتأكيد قَبّل إحداهن."
"بلا.. الزعيم لا ينافق في مشاعرهِ."
"بالطبعِ."
سخرت بمرارة، فهدر بعلوٍ قابضًا كفه:
"كان يحبكِ.. قبلكِ على ثغركِ راغبًا في روحكِ، تجاهل عمله ومَصالح رجاله مُقابل ليلة واحدة معكِ ولو بالغصب، فكان يكره نفسه بعدها، يدفنها وسط الكحولات باحثًا عن وسيلة تنسيه إياكِ، وبسببكِ كنا مُهددين إن عاد مُجددًا لحلبة الموت حيثُ ترعرع تمامًا، لا أحد كان يفهمه سوى هاريسون، لمْ يستطع إحتواءه أحد بعده سواكِ وبرغمِ أذاهُ لكِ.. لا شيء مما رأيتِه مُسبقًا مَثّلَ حقيقته."
صر أسنانه لاكمًا المقود، ثم صف السيارة دافنًا وجهه بين كفيه بمنتهى البؤس:
"برغمِ أنه وليدة جوانا.. لكنهُ.. لا يشبهها.. ولا يشبه أبيه، چون لا يشبه أيً منا يا سيڤار.. ولو كنت أجهل قيّم والدته لأجزمت بأنه مُجرد خطيئة للشيطان معها!"
"على النقيضِ تمامًا، چون وليدة سانتيغو، ترعرع على يدِكَ ويد هاريسون، ربمَا جوانا لمْ تكن امرأة سيئة على حدِ وصفك، لكنكم جميعًا مسوخ تستحق الرجم قتلًا في ميدانٍ عام، تظاهركَ بالفضيلة لن يجعلكَ ملاكًا يا ديفيد، لذا توقف عن الندبِ وقد في صمت."
نبرتها الفاترة والمُتبلدة لم تكن متوقعة، لكن جوابها ألجم لسانه من صدقِ حروفه، فإدعائه للبراءة لن يناقض أبدًا ذنوبه وحقيقة أشتراكه في جريمة إنتاج المَسخ المرغوب وقد برع في مُنتجه.
"ألم تشتاقي له ولو لوهلة؟"
ضاقت شفتها السـُفلية من مرارة سؤاله، وبرغم الدموع التي تسربت على وجنتيها بمنتهى البطىءِ ظلت صامدة وفاترة، تراقب الشارع المُظلم من خلالِ النافذة، وحتى الأضواء البرتقالية، لمْ تُنير عتمة وجدانها:
"خسرت نفسِي ولمْ أتوق لها.. فكيف أشتاق لهُ؟"
أكتفى بجوابها فأدار المُحرك وأنطلق دون حروف؛ لأنهُ لمْ يجد كلمات تستطيع مُغادرة جوفه، بينما ظلت شاردة في كآبة وآسى، وتلقائيًا، تذكرت ما جاهدت لتنساه دومًا.. عادت إلى الماضي، وأولجت إلى أصعبِ لحظاتها معه، تتذكر صوته العميق، وطريقته المُحببة في تمسيد شعرها.
{أنتِ تسحبين روحي للظلام.}
{أحببتكِ منذ زمن بعيد، ولستُ نادمًا.}
{سأموت من أجلكِ، مرة، إثنتين وثلاث، سأموت لكِ يا سيڤار، وهذا لن يفعله أي مخلوقًا لأجلكِ، رغم إستحقاقكِ..وتبًا يا حبيبتي، كمْ تستحقين.!}
كنتُ اتألم، أختنق بل أموت مُتحسرة أيضًا، شعرت أن روحي تنسحب عن جلدي، وأن الهواء الطَلق يبغضني، شعرت بالأشجار تحدق بي، وبالسماء تبكي عليّ.. وشعرت بنفسي أحلق بين الغيوم لأحترق.. والكآبة تأكل روحي.. ففي النهاية.. چون هاريسون، لمْ يكن مُجرد صفحة في حياتي.. چون.. كان حياتِي كلها ودائرتي المُغلقة.
تحسست بشرة ذراعاها الناعمة، تحارب القشعريرة التي سارت بين ثناياها، وأرجعت رأسها للوراء، فغرق عقلها في عدة ألوان مُتناغمة أجبرتها على الضحك بخفوت ونعومة، لكنهَا فجأة خرجت من نشوة أفكارها، على السيارة تـُصف أمام منتجع تجاريّ، تحديدًا عند أحد باعة المُجوهرات الباهظة.
"ما الذي نفعلهُ هنا؟"
تسائلت بإنزعاجٍ، فأولج ديفيد خارج السيارة، ثمَ فتح لها بابها بإبتسامة واسعة، يُجيب تساؤلها المُتذمر:
"أشتري خاتم يليق بزوجتي، عوضًا عن الرخيص بين أصابعكِ."
أبتسمت رغمًا عنها، ثم دست يدها في كفه، وحينها فقط سار بها صوب المدخل، فسارت معه بكلِ ثقة، وكأنما هي ملكة فاخرة، فأستقبله العاملين بإبتسامة من الآذن للآذن حين ترك صغيرته الطماعة تنتقي ما تريد، وبعد عدة دقائق لا قيمة لها، مع أحداث روتينية لتُذكر، كانت أمام السيارة وديفيد يحيط بنصرها بالخاتم وهُنا علمت أن چون لن يتلبس به الشيطان كما إعتادت، چون.. سيجسد الشيطان نفسه وما فعله بها في الماضي.. ما هو إلا مُقدمة طريفة للقادم.. وهذه المرة.. لن تكون الخاسرة الوحيدة في روايتها.
هذه المرة ستأخذ منه حين يأخذ منها، ولن تكون الطرف الوحيد المُستنزف في العلاقةِ. هذه المرة.. معها مصدر دخلها وسـُلطتها.. وزوجًا أمام العامة.. لن يستطيع قتله.
____________
_______
ضوضاءٌ صاخبة، وأجسادٌ مُتجردة في قطعٍ سوداء مُغرية، هكذا كان حفل السافل إيغور رمز الفسوق، فعدد النساء الخاضعات تجاوز عدد رجال الأعمال مع زوجاتهم، بينمَا الشباب الفاسد تراقص مع إناث عشوائية باحثًا عن فريسة، فعلمت ليليان أنها أرتكبت أكبر خطأ في حياتِها حين قبلت دعوته، لكن شعبيتها تراجعت مُهددة شـُهرتها بسبب طول غيابها بعدما قرر دانيال فجأة أنها لم تعد مُثيرة للدرجة الكَافية.. وهي تدرك أن المهووس المريض هو من لفق لها تلك الكذبة ليحيط الخناق حول عنقها بقدرٍ أستطاعتهُ فقط لتوافق على منحها نفسها لهُ مُجددًا.
وقفت لعدة دقائق طويلة تعاين قرارها وتراجعه ربما للمرة المئة، وأمسكت فستانها القصير كمحاولة بائسة للصمود وعيناها الزرقاء تتأمل الحضور بمزيجٍ من الترقبِ والتوجس، التردد والحَزم. كانت هُنا لتلبية رغبات الوحش.. لأجل الدولارات التي وعدها بها في المرةِ الآخيرة.. ذلكَ المبلغ الضخم كفيل حقًا بإنهاء مآساة والدتها.. ففي النهاية ليليان لمْ تهب الوحوش جسدها سوى لأجلهَا... ولها وحدها في المقام الأول.
أنزلقت بأقدامها الرشيقة تسير إلى موتها، ونظراتها الجريئة أحتـُجزت حول بقعة واحدة زادت ترددها.. فچون شخصيًا كان واقفًا بكلِ شموخٍ مع إيغور وغوزمان، وجميعهم نظروا لها في آنٍ واحد فجف حلقها وبهت وجهها لدرجة مَلحوظة وتمنت أن تمر ليلتها كما تبتغِي. فخافت وتوجست وأرادت أن تعود أدراجها هاربة، لكنها زيفت إبتسامة مُغرية فقط لتجاري موقفها.. وأحنت رأسها تُحيّ الزعيم.
رفع لها إيغور سبابته مُشيرًا لها بالقدوم كما لو كانت جروًا أمتلكه، فشعرت برغبة مُلحة في البكاءِ.. هروبًا منه ومن شهوته المُنحلة، وتناست الأموال بل وتجاهلت المبلغ السخيّ الذي عرضه عليها قبلًا؛ لأنهُ لا يساوي حياتها، برغمِ مساواته لراحة والدتها التي لا ثمن لها.
أتجهت صوبه بأعين خاضعة لا تناظران سوى الأرض تجاوزًا لأي فعل قد يثير أستفزازه، وتركت فستانها الأسود يلتصق بنحنياتها أكثر، ليُضحي معها كيانًا واحدًا شفافًا كالشيفون، يُظهر أكثر مما يُخفي مُداعبًا حواس القريبين منها والبعيدين عنها، وكعبها العالي طرق السيراميك الأبيض وكأنما هي ملكة فاخرة على السجادة الحمراء، لكن الفارق الوحيد بينها وبين الملكة.. أنها باغية في طريقها إلى الهلاكِ لا التتويج.
"سعيدٌ أنكَ قابلت خاضعتي يا زعيم.. ربما تبدو مُطيعة، لكنها عنيدة جدًا في العادة."
"لا بأس بها."
أرتعش جسد ليليان بعدما سحبها إيغور من خصرها مُلتصقًا بجانبها. يتحسسها بشهوانية راغبة أمامهم بلا حياءِ إثباتًا لملكيته عليها.. فقال غوزمان بعد وهلة من الصمتِ بلا إكتراث:
"تبدو جَيدة."
رفعت ليليان عيناها تراقب غوزمان لوهلة فضولية وما كادت تدرس ملامحه، حتى أشتدت أنامل إيغور حول خصرها، فأخفضت أبصارها للأرض على الفورِ، وحرفيًا باتت على وشكِ البكاء.
"لكنها خالية من الطاعةِ وتستحق العقاب."
بعد آخر كلمة غادرت إيغور، شعرت بالزعيم يحدق بها لدقائق طالت.. كانت وسط أخطر ثلاث رجال على مدارِ العائلات كلها بسبب حكمهم الخالي من الديموقراطية، بالإضافة إلى السادية والسيكوباتية وحـُب فرض الهَيمنة، وبدى أن إيغور لاحظ تأمل صديقه الذي طال لها؛ لأنه تمتم بنبرة قاتمة رغم إدعاءه لأبتسامة خلف النظرات الداكنة:
"هل تعجبكَ؟"
"رائحة عطرها."
زمجر بعد وهلة من الصمتِ، فتوجست أكثر وسبت سي-ڤي تحت أنفاسها، فالعطر الذي تضعه، ينتمي لتلكَ السافلة بسبب إجبار دانيال لها على مُغادرة الملهى طاردًا إياها حتى يرضى عنها إيغور.. مما جعلها تضطر أسفة للجوء إلى عدوتها أخذه أحد فساتينها والآن كانت مُضطرة أيضًا لتفسير رائحة الخنزير عليها.. أرادت فجأة أن تبرر موقفها بلا سبب.. لكنها فوجئت به يغادر جهة طاولة البار لاعنًا تحت أنفاسه بعصبية شديدة اللهجة تسببت في أرتعادها أكثر.
"هل يعجبكِ؟"
تسائل إيغور مُتأملًا وجهها، يحاوط وجنتيها بمنتهى الرقة عكس فكه المُنقبض، وكأنمَا يحاوط ماسة غالية، ثم قال ببطىءِ آسر:
"ناظريني يا ليليان."
أصابها الذهول وراقبته بلا تصديق، فصر أسنانه حين شهد جمال عيناها الزرقاء وأبحر في غيومهن، بل ورغب في الإحتفاظ بهن في صندوق زجاجي، ليتأملها ويبحر فيهن أكثر، وبرغم غضبه وإرتعاده تمتم بظلامٍ تام:
"أمكِ.."
"أ-.. أمي..؟"
تسائلت بترقبٍ، ففسر:
"سأحجز لها عند أفضل طبيب مُختص طبق مثل تلكَ العمليات.. وتكلفة علاجها حتى تصير مُتعافية على كاهلي مهما كلفتني.. ومهما طالت ولو لسنوات."
إنسدلت دمعتان من عينيها على التوالي، فسمح دموعها وسبابته ترتجف عند وجنتها لتعنيفها، لرؤيتها ذليلة وخاضعة أسفل سياطه كالمرة السابقة بل وأعمق.
"والمُقابل بسيط يا ليليان، فقط كوني خاضعتي بعيدًا عن ملهى وشم الشيطان.."
"لكن.."
"سأدفع أيضًا ما تبتغيه، مئة مليون؟ ثلاثمئة مليون؟"
ألتمعت عيناها فجأة طامعة في عرضهِ الخرافيّ، فظهر الشك على معالمها بوضوحٍ للأعمى، فتابع بظلامٍ، مُتحسسًا خصرها:
"وتحت بنود رسمية."
صمت مُنتظرًا جوابها، فرحل غوزمان مُتعجبًا، حقًا النساء تفعل المستحيل يا رجل، لكنهُ لمْ يتكلم ولمْ يتنمر لسبب واحد.. كان مدرك تمامًا بحقيقة عهر القادم في بعض الأحيان والحياةُ حقًا لعينة مُنتقمة، لذا قرر مداعبة وغديه فيما بعد، حينما يتخلص من كل أنثى سيراها مثيرة على وجهِ الكوكب.
"سيد إيغور.. أنا.."
صمتت لا تجد مبررات تستطيع أن ترفض بها عرضه.. علاج مجاني لأمها والأهم أنهُ مضمون، لن تكون مُضطرة للنوم مع رجالٍ عشوائيين قذرين، والتعرض للإبتزازات المُستمرة من معجبيها في كل علاقة قصيرة المدى مع العجائز الثرية، لن تُعامل كالحيوانات مع كلِ من هب ودب لتتعرى وتتجامع بإنعدام إنسانية أعتادتها.. ستكون لرجل واحد.. أغناهم وأكثرهم سطوة.. لكن مساوء شخص إيغور كانت تستحق الهروب.
أيقنت وقتها أن بموافقتها على عرضه قد بصمت على شهادة موتها تحت قبضة رجل لا يعرف الرحمة ولا يدرك معناها، أدركت بل وتأكدت أن جمالها الذي تهافت عليه الرجال، لن يدوم كثيرًا معه.. وأنها ستكون مشوهة ذليلة، خالية من الحيلة والقوة.. محض إنتباه مسخًا لن يتوارى عن إلتهامها نيئة، فأخفضت أبصارها تراقب الأرض شاردة. على الكافة الآخرى بإمكانها أن تنام مع رجالًا عشوائين خارج سلطة دانيال برغمِ خطر الأمراض المَنقولة جنسيًا، لكنها لن تستطيع إحتمال نفس السخافة التي نجت منها بأعجوبة سابقًا.. وفي نفس الوقت ستحصل على قدر من المالِ لا يستهان به.
لكن علاج أمها؟ هي لن تستطيع العيش على المُهدئات والمُسكنات حتى تجمع ثمن علاجها ورعايتها، ومرضها الخبيث ينهش خلاياها الحية، ومهما أكتسبت من الأموال ولو لخمس سنواتٍ.. لن تكون بمقدار ثلاثمئة مليون دولارًا في الليلة الواحدة! أي واحد وعشرون مليونًا للسبع ليال!
"كم مدة العقد؟"
تسائلت بنبرة مُرتعشة، فإبتسم بوحشية لمْ تشهد مثلها قبلًا، وأجابها مُغمغمًا:
"حتى أمل منكِ."
"وأمي؟"
"ستظل تحت رعايتي حتى تتعافى."
صمتت مُتحيرة تتأمل عرضه بإضطرابٍ، فأمال على عنقها يشتم عبيرها بهوسٍ لا ينتمي سوى لمريض مختل:
"تعرفين يا ليليان أنني أحصل على ما أريد في النهايةِ، لذا بإرادتكِ، أو بدونها.. ستكونين خاضعتي كلمَا أبتغيتكِ."
كانت يتلاعب على أفكارها وحاجتها ليجبرها على الموافقة تحت تهديده، وحينما تقرر الرحيل يتهمها بالجـُبن والنِفاق، مُدعيًا أنها أتته بإرادتها الحرة، ولا يجوز لها الإنسحاب. ليليان لمْ تكن غبية كما بدت لهُ.. كانت مدركة تمامًا بثغراتِ عرضه والخسارة الفادحة التي ستقع فيها ما أن توافق.. فعادت الأنانية تداعب روحها.. لكن لأجل أمها فقط ترددت مئة مرة قبل أن ترفض، وخنعت برأسها دلالة على شعورها بالضعفِ أمام سطوته التامة.. ففي نهاية المطاف الإختيار ليس مُتاحًا لها.. على الأقل معه، على من كانت تكذب لمجارتها محاولاته إدعاء الديموقراطية فقط ليزداد إنتشاءًا وغرورًا؟
أختفت إبتسامته بعد رفضها الغير مُباشر، وفي نفس الوقت أنتشى راضيًا عن مقدارِ الذل والإنهيار في فكرِها، فإرتد عنها ففرت هاربة تجاه البار وأنفاسها تتعالى بهلعٍ تام.. الوَغد المريض معدوم الكرامة ذاكَ!
"تيكيلا."
ترك النادل الكوب أمامها، فتجرعته مرة واحدة وأشارت له مُجددًا، ومجددًا، مما دل على توترها ومُحاولاتها البائسة لنسيان الوغد المريض، لكنها فجأة شعرت بحرارة غير مُستساغة، وحين ألتفتت لمصدرها، وجدت الزعيم يراقبها شاردًا وكأنها جاسوسة أو مُتآمرة، عدوة لهُ لمْ يشهد لمثلها مثيل وويلاه من فكرة معاداتها إياه ولو في دائرة وهمية من الشكوك! كثرت مخاوفها فتوجست.. أعني.. لمْ تفعل ما يثير ريبته لهذا الحد.. لمْ تقم بإخراج ولو نبذة من الأسرار السياسية التي تتعرض لها يوميًا، ولم تخضع لعلاقة مع من يقربه أثناء إصابتها بأي مرض جنسي، صانت سمعة ملهى وشم الشيطان المَعدومة، وكانت خير خاضعة بشهادة كل الرجال المقرفين وأولهم إيغور.
"مساءُ الخير يا زعيم."
قالتها بتحية خافتة فخرج من شروده، وغرقت عيناه في ظلامٍ وحشيّ مما أصابها بالذهول، حاولت إغراءه مئات المرات، ولكن ولا مرة أفلحت كما الآن.. والمُريب في الأمر، أنها قد تفضل قضاء ليلة واحدة مع إيغور، عوضًا عن ساعة مع الزعيم.. فتلكَ المشاعر الوحشية، كانت دميمة جدًا ناحيتها.
لعن تحت أنفاسه، ثمَ وضع يده على أنفهِ مغمغمًا بسبةٍ ما، تكاد تجزم أنها سمعته يقول:
"تلكَ العاهرة السَمينة لا تزال تطاردني بذكراها المُقرفة."
صر أسنانه بإشمئزازٍ ثم نهض من البار مُغادرًا للشرفة الخارجية وهنا وأنهارت تضع رأسها على سطح الرخام ببؤسٍ تام.. وكل ما أستطاعت فعله كان الضحك كالمجانين لأنها لا تزال حية وسط المسوخ الثلاث.. لكن فرحتها لمْ تكتمل بعدما شهدت السافلة تدخل الحفل مُتأبطة ذراع ديفيد هاريسون، حقًا تكره تلكَ العاهرة أكثر من كُرهها لدمها ولحمها.. الدميمة البشعة.. صرت ليليان أسنانها بحقدٍ ثم أشاحت بوجهها تغرق في الكحوليات، ولمْ تلحظ إيغور الذي أتجه صوب سي-ڤي وعيناه تتبع ديفيد ببطىءٍ، حتى غمغم مُرحبًا:
"مَرحبًا بكِ يا ڤي، أرجو أن حفلي المتواضع نال إعجابكِ."
أبتسمت تجامله ثم أفلتت يد ديفيد مُضطرة، بدى أن الصفقة لم تبدأ بعد؛ حيث دورها لم يحن للتراقص مُتعرية.. فوراء كل حفل نبيل.. فاحشة كبرى تـُحييه بعد منتصف الليل.
"بالطبعِ أعجبني يا سيد إيغور."
راقبها ديفيد ساخرًا هازئًا، فتبسمت تعض وجنتها من الداخل بسبب قول إيغور التالي:
"وأخيرًا خسرتِ عذريتكِ.. ولمعلوماتكِ فقط.. تقريبًا أنتِ أول عذراء في سلسلة عالمنا المثالي، والديموقراطيّ."
"لا أزال عند وعدي يا سيد إيغور.. ستكون أنتَ الآول.. والوحيد."
قالتها بإغراءٍ تتحسس صدر إيغور لتداعب حواسه، فأبتسم نصف إبتسامة راضية، وكأنمَا حصد الإجابة التي أرضت غروره، ليتراجع مُشيرًا لأحد المُشرفين مُستطردًا:
"الآنسة تحت ضيافتي، أريدكَ أن تطلعها على تصاميم قصري الكلاسيكي وجمال التحف التاريخية، ولا تنسى خليطنا المُفضل لمساء اليوم."
أرتفع حاجب ديفيد الأيسر بعد رحيل إيغور، ثمَ سحبها من أحد ذراعيها بعدما أشار للمشرف كي لا يتبعهما، وسخر ليهزأ:
"أيتُها الكاذبة المُحتالة.. چون لن يحدث ثـُقبًا في رأسكِ فقط.. أكاد أجزم أن أمجاد السدادة الطَريفة ستعود اليوم."
ضحكت بمياعة آنثاوية لفتت أنتباه الكثيرين، فلاحظوا أخيرًا أن نجمة الحفل حضرت.. تفاحتهم المُحرمة.. ولؤلؤة غـُرف الدعارة.
تأبطت ذراع ديفيد مُجددًا، ثم مالت عليه تثرثر معه بالنمِ والشتم والسب، تغريه ليكون كالخاتم حول إصبعها مُتحضرًا لأي طلباتها أو أوامرها، وفي نفسِ اللحظة التي خرجت فيها من القاعة للغرف العلوية وخلفهم المُشرف، كانت نفس اللحظة التي خرج فيها چون مُسرعًا من الشرفة وعيناه تتبع الحضور باحثًا عن آثر تلكَ الضحكة المائعة التي مزقت كل خلية من جوارحه، وحين لم يجد اللعينة أبنة المُختل البربريّ، تنهد بأرتياح لعدم إضطراره لتحطيم أسنانها وفكها كُله.. ومن حسن حظها أيضًا، أنه يزال لا يدرك سبيل الطريقة المثالية لثقب الباغية الغير مُطيعة.
راقبت عيناه المكان في لمحةٍ إضافية يمسحه ويحلله، وحين لمْ يجدها، غرقت روحه في مرارة وقد أيقن.. ليلته اليوم لن تكون أفضل ما يكون إن ظَل بجانب تلكَ الباغية ليليان من ملهى وشم الشيطان.. لذا أنسحب مغادرًا الحفل بكآبة بعدما تأكد من هدوء الوحوش الخاضعة لحكمه ولجامه، وتبجيلهم لظله، ولهالته ووجوده.. فالجميع يعلم أن المُخطىء، إما أن يقتل ذاته، أو يتعرض لما هو أشد سوءًا من الموتِ.
وفي المُقابل.. وقفت سيڤار أمام نافذة غرفة تبديل الثياب، تتجاهل ثرثرة المشرف المُستمرة لتراقب الحديقة الخارجية، فشهدت ظهر رجلًا، أجبر حواسها على الإرتعاش ضَعفًا وقهرًا. في البداية أستنكرت الهيئة التي إزدادت طولًا وعرضًا.. لكن كيف لا تعرفه وهو دعاها بروحهِ؟ كيف تتوه عن سبب وجعهَا وآلامها؟ وهي منهُ ودائمًا تعود إليه؟
وشومه كانت أكثر، وهالته إزدادت خطورة، فضيقت عيناها تميل على النافذة تتفحصه، وتتحسسه بأبصارها كالمسلوبة أو المسحورة، وحافة الشرفة لم تكن التهديد الوحيد لروحها وكيف تكون؟ وهي دائمًا تغرق فيه، حزينة ومغلوبة بمنتهى الهزيمة، وكحال كل مرة تراه فيها، كادت تطرح الأرض صريعة، فشعرت بأحدٍ يجتذبها للخلف بعنفٍ هادرًا، يخرجها عن تنويمها:
"أنتبهي."
ألتفتت بفزعٍ تراقب ديفيد بإمتعاضٍ، ثم عادت تناظر النافذة بحزن وعينان شاردتان... لكنهُ تلاشى.. كأي حلمٌ أبتغته من قبلٍ.
بينما وفي قلبِ الدجى.. ليلتهُ كانت حالكة، وكأنما هي ظلامٌ دامس يُدنس طقوسه ومشاعره الصادقة نحوها، لمْ تكن أفضل أمسية في حياتهِ ولمْ تكن اسوأها أيضًا، لكنها كانت فاترة ومُوجعة كنفس حال كُل لحظة قضاها بعيدًا عنها، يجهل مكانها وحالِها، رائحتها وهيئتها التي حتمًا إزدادت جمالًا مهما أنكر حلاوتها، وبرغمِ أشتياقه ولوعته تعسر في العثور عليها أو ربمَا رفض البحث عن مكانها كي لا ينتهي المطاف بنفسهِ ميتًا فوق جثتها المُشرحة.
علم في اللحظةِ التي سحبها رجاله فيها من بين ذراعيهِ، أنهُ لن يستطيع تجاوزها كما أدعى، ولن ينساها مادامت الحياة تدب في أواصله، لتحيّ نياطه حيثما تكمن هيّ تمامًا.. امرأته الشرقية المُغرية.. تلكَ المُقرفة السافلة! صر أسنانه فجأة مُلقيًا كأس الخمر بعشوائية وعيناه تراقبان الشروق من خلال نافذته، يتصور لو يشق عنقها اللعين كما شق البزوخ العتمة ليقود سيطرته من جديد، وتمنى لو يجرها على السلالم التي تعمد خصيصًا أن تكون أكثر طولًا وعنفًا فقط لتمزق جلدها المثير الذي يفقده صوابه في كل مرة يتلمسه وتسائل.. هل أكتسبت وزنًا أم فقدت بضع كيلوجرامات لمْ تنقص من جمالها شيئًا على النقيض تمامًا زادتها فتنة وسحرًا؟ ألا يزال خصرها لين وطريّ كالوسائد، ليفقده عقليته اللعينة تاركًا إياه مَسخًا دون روح في كل مرة أنغمس فيها؟
أشتاق لأنفاسها ولرائحتها العذبة، ولصوتها المُتذمر وأنينها الضعيف أسفله، أشتاق لأن يضمها لصدره حيثما تتلاشى هناكَ بمنتهى الضعف وإنعدام القوة.. فكهذا خلقت حواءه.. منهُ.. من ضلوعه.. ووجب لو تعود. ضغط أسنانه أكثر مُتنهدًا بحرارة ثم مسح على وجهه عدة مرات مُتتالية لعله يكبح أفكاره ويحجمها، فوجعه دائمًا ما يتفاقم.. وكل مرة يغرق في ذكراها برغم طول الزمان المار عليهما وكأنها هي لحظة الفراق الآولى.. لكن على حين غرة، ومن وسط أفكاره الغير مُتراصة، بسط أنامله ليتحسس صورتها المُبتسمة التي رسمها سابقًا، وألتقط زجاجة آخرى أمام أعين إيغور المُتتبعة والشاهدة على حالتهِ السيئة.
"هكذا ستفقد إدراكك يا زعيم."
"أتركني يا إيغور.. لعلي أنسى."
غمغم بتعبٍ وأرهاق نفسيّ، ثمَ مسح وجهه مُجددًا والألم إزداد أكثر فأكثر، لينهش فؤاده وشرايينه ولحمه الحيّ.. فأجابه صديقه:
"كما يبدو عليكَ.. أنتَ تتألم أكثر، والكحول يغرقكَ في ذكراها حتى وصلتَ لبقعة غائرة جدًا لتخرج منها لاحقًا، لذا توقف قبل أن تحاول قتل ذاتكَ اللعينة."
ألقى چون الزجاجة الثقيلة بغضبٍ مُهتاج حين شعر بجرحه النابض يؤذي رجولته وطقوسه الشيطانية، فكادت تصيب رأس الآخر خاطفة روحه لولا أنامله التي أحاطت بها في اللحظة المُلائمة وكأنما أعتاد نوباته الغير عقلانية ومحاولاته لقتله في بعضِ الأحيان.. وبرغمِ سوء الوضع وحال صديقه تسائل:
"لما تركتها إن كان طيفها طاردك حتى أثناء وجودها على فراشكَ؟ كيف أستطعتَ فعلها أيها الوغد المُتبلد؟ ولما عدتَ تنتظرها الآن؟"
أشتد سـُكره وغياب إدراكه نسبيًا ولولا ذلك لكان إيغور معدومًا الآن، لكن الزعيم كان سخيًا ليعرض لمحة من حقيقة عاطفته حين أجاب بغمغمة مُظلمة عميقة:
"تركتها عند أبيها وكنت سأعود بعدمَا أقيم الأسس مرة آخرى، لكيلا يستطيع وغد المساس بها، تركتها لأنني كنت سأعود.. شخصًا آخر معها، بمستقبلٍ آخر لها.. لكنها.. أثبتت لِي مُجددًا كم أنا مُغفل وساذج حين يتعلق الأمر برغبتي المُطلقة في البقاءِ بجانبها.. أغتصبتُ تلكَ العاهرة وجامعتها بمرضاتها ورضاها، عشت معها في السراءِ والضراء وكنتُ أرى وجهها تقريبًا كل يوم، وبرغم ذلكَ لمْ تمل روحِي من ملاقاة روحها كلما سنحت لي الفرصة."
رفع يداه ضاحكًا بعلوٍ صاخب وكأنما يعلن دعابة ساخرة، تعكس قلبه المُتوحش بجروحه:
"والآن أنظر لي وأنا أندب كالمسوخ المجانين، لأعيش في ذكراها، وأرسمها كل ليلة كالمخنثين ثمَ أحرق صورتها في النهاية، كيلا يراها أحد فيفتتن بها."
أبتسم إيغور بأستمتاعٍ مُشاهدًا هياج الوَحش المُتبلد في العادة، ثمَ تمتم:
"أشعر بالفضول ناحيتها.. صِف لي معالمها."
ظَن إيغور أنهُ سيُشعر فيها ويكتب نثرًا فتاكًا من شدةِ هوسه وهيامه بها، لكن غرقت أعين الوغد في عتمةِ الغيرة والهوس، ثم أجاب بجدية تامة:
"مُترهلة بأنفٍ أكبر من أذنيها، دميمة وقصيرة، وأحيانًا تكون صلعاء بسبب الحساسية، ثرثارة مَريضة نفسيًا وتحبني وتلتصق بي كالغراء، ثائرة وليست خاضعة، لا تجيد حتى الصراخ."
أشمئزت ملامح إيغور بعدما عرض چون أمامه كل ما يكره في صفات المرأة عن عمدٍ، وظهر هذا بوضوحٍ حين أحاط فمه من فرطِ القرف:
"متى إنحدر ذوقك لهذا المستوى الوضيع؟، يالها من امرأة قبيحة جدًا لتبكي عليها!"
ضَم الوغد صورتها لصدره وأغلق جفونه الحمراء من فرط إلتهاب جوارحه وشوقه:
"لكنها جميلة يا إيغور.. تبًا لي.. رائحتها اللعينة، رائحة الليمون والصنوبر تلكَ، أفضل ما أشتمت روحي."
خيم الصمت على الغرفة للحظات يتمتع فيها بضمتها الغير ملموسة، فقاطعهُ إيغور بنفاذِ صبر:
"ماذا عن جلبها أسفل قدميكَ مُجددًا.. لتعيش معك حتى آخر أنفاسها؟"
فتح چون عيناه ثم تمتم بظلامٍ خطير وكأنما أستفاق لتوه، مُتجاهلًا الإجابة:
"أنتَ تستمع بمشاهدتي اتألم وأشكو.. صحيح؟"
أبتسم السافل بإتساعٍ صادق:
"في الحقيقةِ نعم!.. لكن لا تلومني أعني هذه أول مرة أراك تندب فيها كالنساوين هكذا بعد موت هاريسون، وياليتكَ ندبت بنفس الحرارة وقتها."
"النساءُ يا رجل."
أستخدم جملة غوزمان الشهيرة، فضحك إيغور تزامنًا مع ضحكاتِ المسخ بينما ينهض مُحطمًا صورتها لمئة قطعة وقطعة بإنفعالٍ، ثمَ ألقى عليها قداحته الباهظة من الذهبِ الأبيض النقيّ، وشاهدها تشتعل أمام نظرات صديقه الساخرة واليائسة من حالتهِ المُتأخرة. وحينما رأها تحترق مثله، سرعان ما هدأ إنفعاله وأنهار على الكرسي يضم فمه وأنفاسه الثائرة بكفهِ، وسكنت الأصوات حوله عدا صوت القلب والعقل، فبدونها، بات بألف حالة عاطفية في الثانية الواحدة ومهما أنكر.. تستولي المشاعر السلبية دائمًا على شعوره فيعود لها بمنتهى الآسر والقيود.
"أحببتها يا إيغور.."
قاطع السكوت أمام نظرات صديقه المذهولة، ولمْ يكتفي بقولهِ المُتألم، بل تابع صارًا أسنانه:
"ربما كرهتني سابقًا وربما لا تزال تكرهني الآن، لربما أذيتها كثيرًا وتفننت في وشم الوجع فيها.. لكنني أحببتها، لقدر أعجز عن وصفه."
أندهش إيغور بسبب لفظ العجز، تلكَ الكلمة التي لم يسمعها منه سوى الآن. أستطرد چون متابعًا بأنفاسٍ مُمزقة، لامست روح المُتلقي وعاطفته:
"كنت أعذبها وأسقيها من كأسِ سـُقمي، خوفًا من فقدانها لمشاعرها نحويّ، فضلتُ أن تكرهني، عوضًا عن كوني مُجرد عابر في حياتها سيمر مرور الكرام كما مروا جميعًا.. تمنيت بحرارة أن أحمل طفل لها ومني برغم حالتي المتأخرة كما زعم الأطباء.. حتى ظن الجميع أنني مسخ دون شعور، ونصحني الطبيب بالهدوء للسيطرة على ذاتي كيلا أؤذي من حولي.. لأنني فاقد للمشاعر غير قابل لمنح المحبة، عديم الرحمة.. لكن في كل مرة كانت تبكي فيها لتهمس بإسمي، كنت أخاف أن تهدم حصوني وتتركني فاقدًا لرجولتي غارقًا في محبتي لها.. حين أغتصبتها.. لمْ تكن أبدًا امرأة عادية في حياتي، ولم تسيطر اللذة على شعوري كما ظنت.. وظن الجميع.."
صمت إيغور وترك صاحبه غارقًا في ذكراها، ميتًا لأجل لعقة لحرف منها؛ لأنه يعلم جيدًا، إن تكلم وواساه، سيصمت الآخر، مُدعيًا عدم إكتراثه.. وهو لطالما أكترث.
"لكنني كنتُ أشعر بكل صرخة منها كما لو كانت شرارة كهربائية ساخنة تلذعني وتناقض نشوتي الجنسية، وحين أنتهى وأعود إلى الأرض من نعيم ملمسها، كنت أشعر بالوجع والكره لذاتي بسبب نظرتها لي في كل مرة، وإن كانت فاقدة لوعيها كنت أكره نفسي أكثر وأكثر.. سيڤار.. ليست مُجرد خاضعة.. سيڤار لم تكن أبدًا خاضعة.. ولم أستطع ممارسة ساديتي عليها مما يفقدني صوابي كل مرة مُدركًا حقيقية مشاعري تجاهها."
كل كلمة قالها لمْ تكن كاذبة ولم تكن عشوائية أبدًا، إيغور رأى الوجع والسقم ينهش لحم وشعور زعيمه، بل وشعر بكلِ حرف قاله في أنفاس الآخر العالية وزئيره الخافت، ومن وسط الهدوء الذي خيم على الجناح، أقتحم غوزمان المكان ببسمة خافتة مُغردًا:
"مرحبًا بكلا المُخنثين.. صباحًا أنطونيوس والآن چون.. زعيمنا العظيم."
رفع چون أبصاره والحزن الذي كان فيهما بات نظرة عدائية وشرسة، كارهة لأقصى الدرجات، في الماضي كان يحب أنطونيوس ويفتخر به كتابعه، لكن الآن، بات يكرهه ويبغض أسمه دون سبب، فجأة بات وكأن الشيطان يتلبس به كلما نطق أحد أسم الوغد أمامه.
"لا تغضب.. جأت لأنني أشتقت لكَ.."
رفع چون حاجبه الأيسر هازئًا، فلعن غوزمان تحت أنفاسه مُصححًا:
"بالطبع لم أشتاق لكَ، من قد يشتاق لسيكوباتي مثلكَ؟، جأت فقط لأن هناك زعيمًا لا نعرف أسمه منعني عن السفرِ لممارسة أعمالي اللطيفة وإدارة شؤوني!"
أخرج چون سيجارة بنكهة القرفة، ثم أرجع ظهره للوراء وغَرد مُشعلًا إياها:
"في عالمي لا أستثني أحد يا غوزمان حتى أنتَ.. لمْ تكن يومًا غبي أو ساذج وبرغم ذلكَ شاركت في صفقة غبية وخاسرة لمجرد إرضاء نرجسيتكَ وغروركَ، والآن.. كنتَ في طريقك لقتل الأوغاد.. وهذا جـُرم في أستقلالية حكمي."
"حقًا.. عن أي أستقلالية تتحدث أيها المُتسلط الدكتاتوري! ثمَ من يتحدث الآن عن الغرور والنرجسية؟"
"كم قلتُ يا غوزمان.. لا تلوث يدكَ بدمِ هؤلاء السَفلة، بينما أرسلت بالفعل من أقتص حياتهم بعيدًا عنكَ في الصورةِ، وأمام راية الحق."
الحقُ بالنسبةِ لچون لهُ أستقلاليته الخاصة، بَعيدة تمام البُعد عن التعريفِ الشائع بينَ الناس. تلقائيًا.. أرتسمت لمحة ضئيلة من البسمة على ثغر غوزمان رغم نظرته اليائسة، وهذا لمْ يُخفى في نبرتهِ:
"أنتَ في حالةٍ مَيئوسة من الفساد."
"العدلُ هو الفساد يا غوزمان.. على الأقلِ معكم."
إنحاز أهتمام إيغور إلى چون والصدمة لمْ تخفى عن ملامحهِ، نقيض غوزمان الذي أصاب الجمود معالمه بينما يجلس بجانب الوغد المُختل على الأريكة.
'بل العدل نقيض الفساد.'
سَمع صوتها فجأة ينفي حديثه ويستنكره، فأنتفض من فوقِ الأريكة كالملذوع، يبحث عنها في المكانِ، لكنهُ لمْ يراها ولمْ يعثر على دلالة واحدة لوجودها:
"هل أنتَ بخيرٍ؟"
"أنا دائمًا بخيرٍ."
تنهد إيغور، ثمَ نهض من فوق الفراش مُنهيًا الجدال قبيل أن يبدأ، لينتهي كالعادة بصراعٍ نرجسي مُمل:
"حسنًا، يبدو أن زعيمنا بخيرٍ، تعال يا غوزمان، هناك ما يجب أن نُنهيه."
نهض غوزمان ثم غادر الغرفة بلا وداع، كما جاء بلا ترحيب، وسار ورائه إيغور بعدما رمق چون بنظرة طويلة لا معنى لها، ولا مَقصد.
بينما في نفسِ اللحظة، لكن بخِلاف المكان، قبضت سيڤار هاتفها بعدما أنهت أحياء الحفل وباتت وحدها في غرفة معزولة، لا يسترها سوى رداءٍ خفيف وشفاف جدًا ليُذكر، تراقب إنعكاس بدنها على المرأة تتفاخر بإلتماعهِ بسبب الرذاذ الذهبي الخافت على بشرتها، وتبرجها المُكتمل، وفتنتها الفتاكة، فعلمت أن ليلة غد أكثر ليلة مُناسبة لتلتقي بچون وخاصةً بعد سفر سراج المُفاجىء وإنقطاعه عنها بسبب ظروفه المَجهولة.. وبرغم ذلكَ قدرت حالته وتمنت لو يدوم سالمًا.
دونت الرقم، ثمَ طردت نفثة عميقة، تُطهر بها روحها ورئتاها، ومُستقبلها وربما عاطفتها أيضًا، ثم أنتظرت إجابته. ظنت أنها ستنتظر كثيرًا لتسمع صوته، وستضطر إلى إعادة مُهاتفته كالمرة السابقة، لكن فشل توقعها حينما أجاب، بلا حروف، بأنفاسهِ فقط مُحاولًا إكتشاف ما إن كانت هي أم لا.
تنهدت بأنفاسٍ مُرتعشة مُشتاقة، ضعيفة ومُثارة بسبب المُنشطات، فسمعت زمجرات حلقه الخافتة والعشوائية الدالة على وصولِ موجات مشاعرها لهُ، تؤجج حواسه ورغبته، لتتحدى دقات قلبه البارد وتفتت تبلده.
"أنتظرتكِ كثيرًا."
قَاطع الصمت بنبرة عميقة، غائرة في الظلامِ، فأجابته بأخرى ناعمة آنثاوية لامست حواسه:
"لن تنتظر أكثر.. سأعود."
تلاشت أنفاسه وسكنت حواسه، وسارت موجات الكهرباء المُتتالية على طولِ عروقه، نافضة دمه وقلبه وأعضائه الحسية بل وأستثارته أيضًا، فغرقت عيناه في الدهمة، وأصاب لسانه السكوت اللحظيّ.. لكنهُ تدارك نفسه بسؤالٍ ساخر، بطن فيه رغبته بتأكيدِ كلامها:
"مَا الذي تعنيه يا حـُلوة؟"
"ألمْ أكُن لذة؟"
"كُنتِ."
زالت أبتسامتها الشقية وأصابت المرارة ثغرها، حتى الدموع ترقرقت في عينيها بعدما تابع بمنتهى القسوة:
"العودة قرارِك، والبقاء مسؤوليتكِ يا سيڤار، فإما أن تدومي مكانك كما أنتِ، أو تبقين معي مُجرد جارية وأداة جنسية لا بأس بها."
برغمِ جدية الموقف وحديثه، كان في خِتام كلِماته شهواني ووحشي بدلالة لوعته لملمسها من جديد، فتحسست وجنتها في المرأة، لتمسح دموعها مُجيبة إياه بنبرة فاترة لا تعكس شعورها ولا وجعها، وكأنما إعتادت الإدعاء، لتكون بخيرٍ على الأقل أمام الجميع:
"وإن لمْ أعد.. كيفَ ستعيش؟"
"عشتُ لشهور توالت وأنا في حالة لا بأس بها.. ربما اتألم قليلًا، لكنني أشعر بالأمان يا لذة."
"الأمان بدوني مُجرد وهم."
"بل أنتِ من يضع نفسه في وهم وقدر أكبر من ذاتهِ."
"أنا مَذهولة.."
جمدت ملامحه وراقبت عيناه المُلتهبة الظلام الدامس بمنتهى الوجع، بعدما تابعت تسحق فؤاده لتجبره على سحق روحه بإيذائها لاحقًا:
"أعني بعد كل ما مررنا به.. وبعدما واجهتُ بالفعل سوء شخصكَ وإنعدام شفقتكَ.. لا يزال يمكنك أن تكون أبشع يا چون."
همست أسمه في نهاية حروفها بتنهيدة موجوعة وإرتجافه أجبرته على الأنتفاض ماسحًا نزيف أنفه جراء أرتفاع ضغط دمه بسبب سقمها. ظنها ستُغلق، لكنها تابعت بعدها بنبرة باردة مُتحدية خالفت سابقتها:
"أنتظرني غدًا ولا تنم.. أفتح لي أبواب القصر وبابك.. لتواجهني بكلِ وجوهك السيئة، ودوافعك المُبَررة في إيذائي.. وهذه المرة يمكنك أن تتهمني بالجنون بينما تجلدني، وبالغباءِ بينما تضربني، وحتى بالإنحلال بينما تصفعني لتؤدبني.. لكنكَ لن تغتصبني تحت أي مُبرر ولا ظرف. لن تستطيع أن تمسسني يا چون.. لكن روحك لي.. أنتَ لي.. وأخيرًا فهمتُ كيف سأقتلكَ وسأقتنص منكَ حقوقي. سأجعلك تشعر بمحبتكَ لي.. جنونك بي.. أنكَ لي.. لن أترك لكَ لا روحك.. ولا شخصك.. ولا عقلك.. وفي النهاية.. جسدك لي وستعود لي."
كونها أفصحت على نواياها بوقاحة لمْ يكن سوى تحديًا له، وكأنما تقول 'هاك أوراقي الكاشطة مكشوفة أمامك. لتحاول ولن تفز بأوراقكَ الخاسرة'. أختتمت كلِماتها بإغلاقها للخط، فصر أسنانه مُلقيًا هاتفه بعشوائية ورغبته المُطلقة في سحقِ رأسها إزدادت؛ لأنهُ يدرك جيدًا أنها ستتمكن من نهب كل هذا منه بل وأكثر.. تلكَ الخنيثة الدميمة ذات المئة وجه والألف لون.. كانت الحية اللعينة التي تبُث سمها في حياته.. الحرباء العاهرة! أستند على مكتبه مراقبًا اللاشيء بخطورة وقد أيقن.. حياته القادمة معها.. لن تكون سوى جحيمًا سيحترق فيه بمنتهى السعادة والرضى ما دامت فيه هي أيضًا.
____________
_______
تحسست چين آخر قميص فردته بالمكواة، ثمَ طوته تعيده في خزانتها بعدما تأكدت من عدم إنكماشه، وألتفتت للخلف عازمة على العودة داخل الغرفة لتنام لولا أصطدامها بجسدٍ رجوليّ أحاط خصرها مانعًا إياها عن السقوط، وبرغم كثرة أقتحامه لغرفتها وشقتها مُؤخرًا، صرخت بفزعٍ قبل أن تدارك نفسها بشهقة مَفزوعة:
"آرثر!"
رسم إبتسامة مُتمتعة على ثغره زالت على الفورِ بعدما دفعته عنها ثم غادرت غرفة الثياب مُسرعة لتلتقط شالها من فوقِ الكرسي بجانب الفراش لعلها تستر جسدها المكشوف عنه بسبب منامتها الخفيفة الواسعة، لكن وقبل أن تضعه على كتفيها، سحبها من خصرها مُجددًا يكبلها، فأرتطمت بصدرهِ العريض وقد حاوطها بذراعيه الموشومان يمنع عنها إحتمالية الرحيل بل وتواقح في دس ثغره عند عنقها عازمًا على لثمها بإشتياقٍ ونهم.
"لا."
قاطعت لذته ولوعته بنبرتها الحادة والحازمة، لكن عكس المُعتاد، أشتدت يداه حول خصرها يضغطه بعنفٍ شبه مقبول، فتسربت منها عدة آنات لمْ تزده سوى لوثة وأشتهائًا لها، ثمَ غمغم:
"كيف لمْ تشتاق روحك لِي يا چيد؟ وأنا لمْ أنم هناك بسبب كثرة تفَكُري بكِ.. وحين أفعل لا أحلم سوى بكِ."
"بل تقصد أحتلامي بكِ."
"لا أرى حالتي تشكل فارقًا شاسعًا مَا دمتُ أريدك في كل ثانية لعينة تنفست بها."
"نحن لن نكون سويًا أبدًا يا آرثر."
صر أسنانه حين تابعت بقسوة مُبالغ بها:
"أنا وأنتَ.. لن نكون أبدًا."
أحاط مؤخرة عنقها بعنفٍ ثم صفع وجهها في الحائط، يصك صدره على ظهرها طاحنًا إياها بتملكٍ تام وقساوة مُفرطة، فتآوهت بوجعٍ لمْ يصله بسبب همسه الحاد والشرس عند إحدى أذنيها:
"هذا ما ترغبيه يا چيد؟ أن أكون بلا عقلية لعينة لأصيبك بالأذى ثمَ تقولين، هذا هو أنتَ يا آرثر، المسخ اللعين الذي لن يتوقف عن إيذائي."
علا صوت آناتها الرافضة حين ضغط على جسدها أكثر بإستثارة، ثم أكد كلماته بحدة:
"لكن لا.. لن أفعل هذا.."
قاطعت نبرته بآخرى مهزوزة ضعيفة:
"لأنكَ فعلتها سابقًا، ودمرت حياتي، لذا أحلم كثيرًا بأن أكون لكَ، ولا تطمح لتحقيق أحلامك."
أشتد ضغطه الشهواني ضد جسدها، وألتصق ثغره بأذنها ليهمس بعمقٍ مستلذ، ممرًا شفتيه على منطقة حساسة في عنقها أسفل أذنها:
"وماذا أيضًا؟"
"و...."
هلوست ثم تراخى هجومها وإنهار جسدها، فأحاطها بتملك يساعدها على الوقوف مُجددًا لإستعادة أتزانها، ثم تراجع تاركًا إياها مُستندة على الحائط ووتيرة أنفاسها العالية مزقت الصمت بالغرفة، بل وكل أحزانه أيضًا وكالعادة.. أستطاعت أن تبدد أوجاعه دون شعور، ودون أفعال تذكر.
"أنتِ لي منذ اللحظة الآولى مهما أنكرتِ يا چيد."
"لمْ أكن لك سابقًا، لأكون لكَ الآن."
غرقت عيناه في العتمة وبرغم ذلك تبسم بينما يستند بأحد مرفقيه على الطاولة العالية، ورغبته في إيذائها لم تكن موجودة بنفس شغف الماضي ولو قليلًا، لكن نظراته لا يستهان بها في نفس الوقت.. وهذا ظهر حين ألتفتت ببغتة لتراقبه، فتصنمت تتبع إنفعالاته بحذر.
"غادر الآن يا آرثر، وتوقف عن أقتحام حياتي إلا إذ أردت أن تفسدها مُجددًا."
دنى نحوها خطوتين، فأشاحت وجهها عنه تغلق عيناها وكأنما تتوقع أن يؤذيها وهذا قتله، وزاد وجعه أضعافًا مُضاعفة، فأنحنى يراقب وجهها بنهم، ثم أجابها بهمس وديّ:
"حياتك أحقيتي، أقتحمها متى أردت كيفما أردت، لكن أن أفسدها، فلن أفعل هذا لا الآن ولا لاحقًا."
"لن أصدق وعودك يا آرثر وقد خلفتها مُسبقًا.. غادر الآن."
"سأغادر وسأتجاهل صيغتك الآمرة هذه المرة، لأجلك فقط."
إنحنى وطبع قبلة طويلة خافتة على وجنتها التي تواجهه، مغلقًا عيناه يتلذذ بالشعور الحسي الناتج عن وجهها الطري، ثمَ تراجع تاركًا إبتسامة صغيرة تزين محياه أمام عيناها المَذهولة وتمنى لو يسحب شفتيها الرطبة بين أسنانه، لكنه تراجع بعد وهلة من النظراتِ، ثم تركها وحدها في الغرفة، تراقب طيفه بحيرة شكاكة.
____________
_______
ليلتهم كانت كنفسِ كل ليلة، طويلة، ومُرة، بل وأيضًا مُوجعة بإستثارة لكل حواس العذاب والمَخاض، سواءٌ بسبب الذكرى وسوء قالبها، أو بسبب النفس وسوء جوهرها. فكان الألم قاعدة لم يتخلف أحد عنها، حتى سيڤار التي رفعت كأس الخمر، ثمَ هلوست بوجعٍ ضاحك:
"فقط لو لمْ يفلت يدي ليلتها.. لو لمْ يفلت يدي اللعينة يا ديفيد."
تعالت قهقهاتها السكيرة نقيض عيناها المُدمعة التي حاولت إخفائها بنظراتها الشاردة في الفراغِ، فظن ديفيد أن بكائها ما هو إلا سعادة لحظية من شدة إنتشاء خلاياها، لكنه لمْ يكن سوى دلالة دنف دفين، لا بلسم له، ولا علاج.
"علمني كيف أحب فقط ليتركني أرحل. علمني معنى الحب.. فقط ليرحل. وهبته قلبي بعدمَا ترجاني لأمنحهُ إياه، وفي النهاية ذلكَ الغبي غادر قبل أن يكتشف حقيقة عاطفتي نحوه."
أخفضت كأسها تتجرعه في فمها دفعةٍ واحدة، ثم ضمته بعدما فرغ إلى صدرها بمنتهى البؤس والخسارة، لتتابع بنبرة مهزوزة:
"وما يقتلني أنني لا أعرف لمَا سأعود لهُ.. هل بالفعلِ لأنتقم منهُ أم ليعود لي؟"
مَسحت أنفها المُتورم بعدما أصدر خرير مُرتفع، تلاه بكائها العالي وإنكماشها على نفسِها بضعفٍ وهزيمة.. بالتأكيد فقدت ذاتها ولم تعد كما كانت، لكنها أيضًا تظل تعود له، مهما كرهت أو إزدادت فجوتها بُعدًا عنه.. أو حتى إزداد نفوره من مواجهةِ شعوره.. ففي النهاية مهما كان قويًا راسخًا، يظل الرجل الجاحد الذي عاش حياته كلها دون حب ولا شعور، مما أجبره على الفرار بعدما تفشى إحساسه حياته ومُستقبله تاركًا إياه ضعيفًا على الأقل أمام مرآته كل صَباح.. فهرب كي لا يواجه عاطفته؛ ولأنه لن يستطيع مشاهدة كيانه العنيف ينهار.
"يكفي أنكِ ستعودين يا سيڤار.. بينمَا أنا، لا أملك بين يداي سوى مشاهدتكِ كل وهلة، فقط لأنكِ الخيط الرفيع الذي يربطني بذكراها."
أجاب بكاها بنبرة بائسة مُغلفة بالسوادِ، فمحت دموعها بطرفِ رسغها، ثم قالت تنتصب بظهرها نحوه لتواليه أهتمامها لعلها تنسى وجعها:
"متى قابلتَ جوانا للمرة الآولى؟ وإن كان في عرسِ أخاك، كيف سمحت لنفسكَ بالوقوع في حبها المُحرم؟"
"آول مرة لم تكن في عرسِ أخي."
أتسعت عيناها وإزداد فضولها بعد إنكاره، فتابع بخفوتٍ:
"قابلتها.. قبل أن يفعل هو.. وأحببتها بصدقٍ كما فَعَلت.. ولكن.."
أعتصر شفته السفلية بين أسنانه، وتابع بمرارة فقدان:
"جوانا كانت حنونة جدًا ومعطاءه حتى أخر لحظاتها يا سيڤار، أحيانًا حينما كانت تلمس الزهور الذابلة، كنتُ أشعر وكأن الحياة تدب في أوصالها من جديد.. ويا إلهي عيناها الذهبية.. كُن بها طاقة إيجابية رهيبة تزلزلني كل مرة فتتركني غريقًا صَريعًا، وويلاه من لمستها الناعمة على كل خراب، ملاك.. هذا ما كانت عليه تمامًا.. لمْ تكره أحدًا من قبلٍ ولو أساء لها وفي الوقت نفسه كانت سهلة الإرضاء لينة المُعاشرة.. جوانا كانت ضياء حياتي ودوائي وبرغم ذلك.."
مَسح شعره مُتابعًا بنبرة مرتعشة، ولا تظن سيڤار أن رجلًا مثل ديفيد هاريسون، يسهل أن تراه بنفسِ الضعف وإنعدام القوة أبدًا:
"لمْ تكن عاطفتها سباقة، كانت تحب الأفضل للجميع ولها، تحب نفسها بقدر حبها للزهور ولليتامى وللراهبات وللشعائر السماوية.. كانت تحب روحها.. كمَا تحب رؤية الألوان الوردية واللبنية وكل الصَيفية.. أحبت الربيع.. وأحبت الحياة.. لهذا لمْ تختارني برغمِ حبها لي."
صمت بحزمٍ فعلمت أنهُ لن يفسر حديثه على الأقل الآن، لذا دندنت بإكتراثٍ:
"عائلتكَ حقًا غريبة ولا تمتلك حظًا في الحب، فهاريسون أحب امرأة لمْ تحبه برغمِ عظامته معها، وسانتيغو أحب خادمة كان ليمنحها العالم بآسرهِ لو قالت نعم لكنها قالت لا، أندرو مصابٌ بالفصام وقد أحب امرأة نرجسية مُستقلة ومُعقدة لن تناظره مادام مَريضًا، وفي النهايةِ أنتَ أحببت امرأة أسفل التراب منذ سنوات."
أبتسم ببؤسٍ، ثم أجاب سخريتها بآخرى جِدية:
"تاريخنا في الحبِ مُعقد جدًا ليُذكر، لدي الكثير من الأخوة، فهاريسون كان مهووسًا بالأبناء وخاصةً من أمي، ولا أذكر أنهُ عاشر غيرها امرأة، ربما لم يجبرها على علاقة جسدية، لكنهُ كان مُتطلبًا للغاية حيال الأطفال، لذا لدي الكثير من الأخوة، أحدهم، أحب امرأة من عائلة مُعادية لنا، فمات على بابها وأنتحرت هي من بعدهِ، ولمْ يحصد نهايته السعيدة، وأخي الآخر، وقع في الحبِ مع باغية، وكاد يمنحها العالم كله، لكنها كرهته وبغضت نفسها حين علمت أنه السبب في عملها ببيتٍ للدعارة بعدما قتل أهلها في أحد أحكامنا، فأنتحر بعدما عاشرت صديقه المُقرب في منزله الذي أبتاعه لها رمزًا لمحبته.. أخوتي، وأعمامي، وأجدادي، تقريبًا لا أحد منهم كان سعيدًا في الحبِ وكأنمَا هي لعنة تصيبنا، واحدًا تلو الآخر."
أرتفع كلا حاجبيها، ثم أبتسمت تهز رأسها بشماتة سعيدة، وداخلها دعت ألا ينال فردًا منهم راحة البال ولا السكينة، صلت ليموت كل فرد منهم في وحدة وظـُلمة، وليتعفنوا في عبوة مُغلقة كالتونة تمامًا، وبعد عملية التعفن، يجلس عليهم حمار كبير، ليعلقوا في فتحة مؤخرته، كما لو كانوا برازًا قبيح.. هذا ما يستحقوه.. اللارحمة وألا يحصد فرد واحد منهم نهاية لا يستحقها. فجأة أتسعت عيناها وبهت وجهها بعدما أدركت حقيقة سخيفة، أنها لن تحصد نهاية سعيدة أبدًا مع إبن المختل الغبيّ! ذلك الرجل حقًا فاقد لعقله، تكاد تشك أن في صغره أغتصبه ثور عند مؤخرة سور الحديقة مما جعله مسخًا بلا قلب!
حل الصمت على المكان بعدما تراجع ديفيد بظهره مُتعبًا على الفراشِ لينام، فألتقطت الهاتف ثمَ أرسلت رسالة نصية بلا تفكير، وما طمأنها أن المُختل الغبي لن يباشر في البحثِ عنها مادامت ستعود لهُ. لما؟ لأنه نرجسيّ لعين غبي تعرض للأغتصاب من ثورٍ هائج.
<چون..؟>
أستغرقها الأمر ثانية واحدة، ثانية لعينة ليلتقط شيطانها الذي لا ينام هاتفه، ويرى رسالتها، فتابعت تكتب قبل أن ترسل له.
<حين تعرضتَ للأغتصاب في سنِ الخامسة.. هل كُنتَ مع حمارٍ تشبهت بصفاتهِ أم ثور هائج أستمتعتَ معهُ؟ بالمناسبة.. ضاجـ*ـت والدكَ.. أمزح.. عمتَ مساءًا.. أحلم بي بيبي.>
أرسلت الرسالة مُرفقة بصورة شبه عارية لها في ثيابٍ مَكشوفة مُغرية، مُنحنية على الكاميرا ببسمة مَاكرة خبيثة.. وعلى الجانب الآخر، أبتسم رغمًا عنه بينما يقرأ رسالتها ليتمعن بها، لكنهُ حين شهد الصورة، زالت أبتسامته وأنتفض من فوقِ الفراش بعدما أستباحته بإثارة حسية بحتة كان من الصعبِ السيطرة عليها، فأحمرت عيناه وغرقت في حقدٍ مُلقيًا هاتفته المسكين، وعاد جالسًا على الفراشٍ بجسدٍ مُرتعد، ورغبته الرهيبة في نكح تلك السافلة الغبية المختلة إزدادت، لكن كل ثمرة تنضج بالصبر، وهي ثمرتها قاتلة.. وبرغمِ ذلكَ تستحق العناءِ.
قبض الملاءة زائرًا ثم أخرج سيجارة لعلها تكبح جموح أفكاره، وجهها اللعين إزداد جمالًا، هي نفسها إزدادت فتنة، تبًا لي متى باتت كارثة كونية هكذا؟.. أشعل السيجارة وسحبها بين شفتيه بعنفٍ مُغتاظ.. تلكَ السافلة لا يجب أن تعرف أبدًا بسلطتها عليه لذا سيحطم عظامها بحجة سبها لأبوه.. أجل.. هذا ما سيفعله تمامًا. بتلقائية مُشتاقة سحب منامتها من الدرجِ الأول بجانب فراشه ثمَ ضمها لصدره يستنشق عبيرها الضعيف بعنفٍ، فأدركه بأنفه، وحين لاحظ أن عبقها الشهي يكاد يتلاشى، أخرج عطرها ورشه على منامتها. أشتياقه لها مزق صدره وأثقل أنفاسه.. تلكَ المرأة اللعينة أستطاعت سرقته بالكامل.
بينمَا هي، سارت للفراش بترويٍ، وأناملها تتحسس الحائط بخفوتٍ مُغري وكأنما تتصور أصابعها تُعذب بشرته الصلبة، فصعدت الجانب المُناقض لديفيد، ثم أندثرت أسفل الغطاء كحاله تمامًا، وتوقعت أن تمر الليلة في سلاسة، لكنها شعرت بأنامله تتسلل ببغتة لتحيط بخاصرتها، وأقترب بجسده منها يتحسس شعرها وأذنها بسطحية، بإستخدام يده الآخرى لعلها تثار فتمنحه نفسها، لكنهَا أنتفضت، وأعلنت برفضٍ قاطع:
"لا.. لستُ جاهزة لأي تقاربات يا ديفيد."
"لكنكِ زوجتي الآن."
أستنكر رفضها بنبرة حادة، فأجابته تضم الغطاء لصدرها برغمِ عيناها القوية:
"قلتُ لا! ولستُ مجبرة على عرضِ أسبابي، ونصيحة مني، أبتلع لسانك وضع يدكَ اللعينة في خلفيتك وإلا أجبرتك على النومِ فوق أرض المرحاض مُتجردًا من سروالك!"
جعد حاجبيه بإمتعاضٍ، قضى حياته كلها يقتل، ويبتر، ويعاقب، ويحلل الأجساد ليشرحها، وفي النهاية تأتي امرأة نكرة مثلها، راقصة إباحية بل أدنى شئنًا، تفرض عليه قرارها! أبتسم ماكرًا وولاها ظهره.. لا بأس.. مصير الحديد مهما وصلت صلابته ومتانته، أن يلين بالحرارة.
تنهدت هي الآخرى بريبة ثم والته ظهرها، وما أن وضعت رأسها على الوسادة.. لم تغرق في ذكراه، ولم تشتم عطره، ولم تشعر به يحضنها وكأنمَا هو كيان غير ملموس، على النقيض نامت في سلامٍ كاذب.. لأنها لم تتذوق طعمه من قبلٍ.
____________
_______
ظننت حفرتي ضاحلة لكنها كانت عميقة جدًا، غرقت فيها وربما لا أزال أسقط حتى الآن؛ لأنني لمْ أهوى على الأرضِ بَعد.. بدلتُ أسمي، وقصصت شعري. دفنت هويتي وتناسيت إيماني لعلي أدعس على أرضٍ صَلبة أخطو عليها سعيدة، لكنني بت أكثر حزنًا وفقدانًا.. ولمْ تعد كرامتي تهمني وبرغمِ ذلك، لن أتنازل عنها لهُ.. فستاني الأحمر القصير عرى أفخادي وظهري وصدري.. وجزءٌ كبير من جسدي، فتركني مَعروضة رَخيصة برغمِ ثمني النفيس، فاتنة يتهافت عليها الجنس الآخر. تحسست صدري المُمتلئ وشفتاي المُنتفختان، عيني الواسعة الضائعة وبشرتي الشاحبة.. لعلي أجده بين ثناياي.. فأنتهى بي المطاف تائهًا.
"هل أنتِ جاهزة يا سيڤار.. مُتأكدة من قراركِ؟"
خرجت من شرودها على صوت ديفيد المُتسائل، فكانت تعلم أن العجوز سيحاول جعلها تتراجع عن قرارها فقط ليستمتع بها كزوجة لهُ، فتحسست شعرها وأجابته ببسمة هادئة، تـُخفي بها إضطرابها وعدم إتزان نبضها:
"أكثر من جاهزة."
"وماذا عن سـُمكِ.. هل أخذتيه؟"
فهمت مقصده المكنون في إدمانها على المُخدرات والكحولات، فأجابته بمكرٍ أنثوي:
"القليل فقط.. فاليوم مميز."
أبتسم في المُقابل ورفع لها ذراعه لتتأبطه، فحاوطته ليسير بها صوب السيارة، ومن السيارة للطريق.. وصولًا لقصر هاريسون!
قَصُرَ الطريق ومر في عجالٍ، وكأنمَا هو مُجرد لمحة ضئيلة من الزمان.. أو لربما لمْ ترد هي الوصول برغمِ شوقها وأشتياقها، يا ربآه.. توحشتها رائحة عطره العتيق حين يضمها لصدره، وبعثرته العاشقة في كلِ مرة تكون أسفله، تلهفت لثغره القاسي ولذقنه الشائك بينمَا ينتهك عنقها وجسدها كافة، وكأنما هي خريطة لأرض مُستترة لذيذة جال فيها تائهًا دون وجهه.. خرجت من شرودها على رائحةٍ لن تنساها ما دامت حية.. رائحة عالمه الحالِك.. وحين أبصرت طريقها، وجدت نفسها في الحديقة الخارجية الحديثة لبوابة القصر وهُنا وأختلف الوقت ومر بمنتهى البطىء يُعذبها.
لطالما كانت تعشق الزهور البيضاء وهي ما طغت على البستان وسط الورد الچوري الذي تمجده، فأسرت عيناها وزادت ذهولها من جمالِ قصره، بينمَا رائحة عطره الجميل، وصلتها برغم الأميال والأميال بعيدًا عنه.
'لذتي الوحيدة.'
'سأموت لكِ يا سيڤار.. وهذا لن يفعله أي مخلوق لأجلكِ.'
صوته داعب حواسها وزاد عذابها حرارة، وفجأة شعرت بإنسياب تحسسته على وجنتيها فصدمت ببكائها برغم تبلد شعورها، فمسحت عبراتها وتحسست الحديقة بحزنٍ غير مَحسوس، لمْ تلتمسه، ولم تفهمه.. قلبها تصاعد في وتيرة مُضطربة من الضرباتِ زادت حيرتها، لكنها تجاهلتها، وتصرفت بإعتيادية باتت تقترن بها كثيرًا.
وصل ديفيد بقيادته إلى البوابة الخارجية وحين فـُتحت، لمْ ترى أحد من رجالهِ يعرفها أو تعرفه، فعلمت أن الجميع مُجتمع على طاولة الفطور ولمْ يبقى سوى خمسة دقائق على الوصولِ.. خمسة فقط بينها وبينه لتراه!
أخرجت سيجارة بنكهة التوت البريّ، وحاوطتها بيدين مُرتعشتين، ثمَ دستها في ثغرها ويدها الآخرى راحت تبحث عن قداحتها في الحقيبة البيضاء فتساقطت محتوياتها من خمر ومغيبات، وحين أمسكت مبتغاها، أناملها أرتعشت حوله وإزدادت رخوة وضعفًا فسقطت من كفها تكاد تطرح الأرض لولا أن ألتقطها ديفيد مُشعلًا إياها بأعين شاردة فيها وكأنما هو غارق في ذكراه مع جوانا، لكنها شردت في الحديقةِ الداخلية عوضًا عن مُناظرته، فوجدتها أوسع، وحتى الجراچ الداخلي كان أكبر بسياراتٍ طغى عليها السواد والعتمة.. كصاحبها تمامًا.
خرجت بقدمين مُرتعشتين، وراقبت نقوش القصر ببطىء مُتفحص، وحينها تلاشت أنفاسها بآسرٍ، كل التصاميم إزدادت هالتها وتراجعت إلى حقباتٍ قديمة من التاريخ، وبرغم أختلاف الكثير من التضاريس، أستطاعت تلمُس ماضيها وذكراها، بدءًا من جناحه وغرفة رسمه وصولًا للقبو حيثما كانت في أولِ ليلةٍ لها. المرارة تصاعدت في فمها، والحزن تسرب إلى روحها فتلمسته، وحينها فقط، لامت ذاتها وعاتبتها.. 'أخبرتكِ أنه لنَا، لذا لما أحزن؟ وأنا جأت لأستعيده وسأنجح!'.
تنهدت بإرتجافة لحظية تمحي كل الوجع والقلق، ثمَ سارت واثقة كعاهرة حقيقية، والهدوء عاد يرتسم على وجهها الفاتن بإبتسامة خافتة مُغرية، واثقة وداعرة. لمْ تنتظر ديفيد ليدلها، ولا ليفتح لها الباب بنبلٍ، على النقيضِ فتحت لنفسها ودخلت بذاتها، ومنحت وجدانها أحقية التجول في المكان بجسدها وروحها، وحين وصلت لطاولة الغداء التي إزداد حجمها الأربع أضعاف عن السابقِ، سقطت عيناها الباردة على وجهةٍ واحدة، وهو كرسيّ الحكم في مقدمة المجلس فبهتت حادقتاها بيأسٍ لأنه لم يكن موجود في كرسيهِ، لكن رائحته اللعينة وصلتها.
رأت مدى تشتتهم وضياعهم، فسانتيغو مات، وأندرو لا وجود له، حتى صوفيا رفيقة دربه أعتزلت، وسونيا ربمَا كالعادة في سفرية باهظة تبحث عن أحدثِ صحيات الموضة، وإيڤالين كانت مَفقودة.
شعرت بمدى الضياع المكمون في عائلته، فعلمت أنه كان وحيدًا، مُتبلدًا راكزًا في غيابها.. عاش مُنفردًا بشياطينهِ كما أعتاد، لذا صرت أسنانها تجلس على طاولة الفطور، لكن رائحته اللعينة لا تزال تخنقها.
تحسست أنفها في حركة عشوائية بطيئة لتستعيد ملامح العاهرة التي تتقنها، وبسبب جلوسها وتحية ديفيد لهم، ألتفت لهَا لوكاس وكريس، وجميع الجالسين من رجالهِ، فصمتت أصوات المعالق حين تساقطت، حرفيًا لا أحد تنفس ولا تكلم، الكُل كان في صدمة عصبية غير مُصدقة، السكوت والهدوء كان القائم على المكان، لكن من أبصارهم المفزوعة وثغور البعض المُنفرجة، علمت أن عودتها لم تكن متوقعة، وأن هالتها الحالية، ليست متوقعة أيضًا.
'في الماضي كان الطرف القويّ في العلاقة بسبب غبائي وتنازلي، لكن الآن.. أنا الفائز.'
لعقت شوكتها بإغراءٍ بعدما غمزتها في الطحينِ بمكرٍ ناجع، وعيناها في عينين الجالسين من الرجالِ، ثمَ دندنت بمكرٍ مستلذ:
"مرحبًا بي.. في بيتي."
"بيتكِ!"
"سيڤار؟"
غمغم كلًا من لوكاس وتوماس مُنتفضين، عكس كريس المَصدوم والشارد بفمٍ مُنفرج، لكنها حين رفعت يدها اليُسرى بإبتسامة شامتة، تتفاخر بالخاتم في بنصرها، مات الحديث، وفقد كريس وعيه على الفورِ.. وصمت الكُل مراقبًا إياها بلا روح، وما قطع السكوت الغير مُستساغ كان ستيڤ الذي وقف ورائها مُدندنًا بسعادة بالغة، يحتضن المعكرونة الإيطالية كطفل بريء:
"يا رفاق! تلكَ المعكرونة التي صنعتها السيدة ميشال شديدة الحلاوة يا إلهي و... أوه.!"
أتسعت أبتسامته الماكرة وكأنما سيتغزل بها، لكنها ألتفتت له تريه وجهها ببسمة أشد مكرًا ودهائًا، وحينها فقط شهق كالبومة، وترك الطبق يسقط مُتحطمًا على الأرضِ هادرًا بصراخٍ غير مُصدق:
"تبًا لي، سيقتلنا السيد، اللعنة هل أنتِ حقًا هي؟"
لطم وجهه كالنساء حين أخرجت سيجارة بمنتهى البرود، تشعلها أمام صياحه وأنتدابه:
"تبًا لي تبًا لي.. أخبرتكم أن الأيام المُقبلة على رؤوسنا ما هي سوى جحيم تام."
ختم جملته بحالة إغمائية أصابته وتركته على كرسيه الفارغ شبه فاقد للوعي، فأبتسمت سيڤار رغم عنها، وغادر فمها عدة ضحكات خافتة لمْ تستطع كبحها أعني.. الرجل حقًا قضية لعينة خاسرة.. أتسعت أبتسامتها من حالة المرج التي أصابت المكان، والعشوائية أثناء التساؤلات الحادة والتوعدات المرعبة لديفيد العجوز، هذا ما يستحقوه تمامًا.. الألم.. التشتت.. والضياع.
عادت رائحته العتيقة تداعب كيانها، تخنقها، وتآسرها، لتمحي عن وجهها كل الشعور الطيب، وتتركها في وجعٍ وفُقدان، فتذكرت كل السيء معه ولا سواه، ثم تذكرت الطيب وما أحلاه، فتشتت، وتاهت في متاهة فكرية ونفسية بحتة، أحتاجت منها إلى أستنشاق بعض الهواء، وبما أنها كانت آخر فرصة لها في التراجع، تمسكت بها وناظرت ديفيد تودعه بدهاءٍ:
"سأذهب للعمل بيبي، كُل جيدًا."
ختمت جملتها المائعة بطبعها قبلة حارة على جبهتهِ أمامهم جميعًا، ثمَ غادرت بقلبٍ مفطور، برغمِ ملامحها المُتبلدة.
'حِينهَا أدركت يا سيڤ.. أن لي عاطفة تجاه چون هاريسون مجهولة في كياني. لن أستطيع تجاوزها ولا حتى الفرار منها.'
____________
_______
سار بهدوءٍ واثق مُمررًا عيناه القاتمتان على كل فردٍ حول الطاولة، باحثًا عن خطأٍ واحد فقط لينهي جنسهم جميعًا، وبالفعل وجده بعدما عثر على الكرسي بجانب ديفيد فارغًا، فإزدادت عتمة أبصاره وغامت في قساوة بعيدة عن الآدمية، ثمَ سحب كرسيه بذراعهِ العريض الموشوم، وجلس عليه مُعقبًا بتساؤل قاطع:
"أين زوجتك يا ديفيد؟"
تسائل بنبرة كارهه لعدم أنتظامها بالقواعد في يومها الأول بل وأتخذ تصرفها في عدمِ الحضور إهانة بحتة لشخصة لن يغفرها، فصمت الجميع حابسين أنفاسهم بترقبٍ أعني.. بالتأكيد إن رأها چون في نفسِ ثيابها العارية مع شكلها الجديد فستكون نهايتهم حرفيًا.. حمحم ديفيد في المُقابل ثم أجابه مُرجعًا ظهره للوراء:
"صباح الخير بُني.. زوجتي ذهبت للعمل ولن تعود قبيل الشروق."
ختم جملته ببسمةٍ صفراء خائفة، فقهقه ستيڤ بخفوتٍ يلطم وجهه بتوجسٍ، شارحًا للرجال كم ستكون الأيام القادمة سوداء كالطين الغابر على رؤوسهم اللعينة، وفي المقابل رفع چون رفع أبصاره لعمه بجمودٍ فهم ديفيد عواقبه، فبرر مُسرعًا:
"مَهلًا يا بُني لا تحكم عليّ، زوجتي حقًا امرأة مشغولة ومشهورة، وحكمها صعب بسبب عنادها، أصعب من إجبار الحمار على الشـُرب."
راقب ستيڤ العم ببسمة آسفة يندب داخله على مخنثة بعض الرجال، فتابع ديفيد مُتحسسًا رأسه بسخرية:
"هل ترى تلكَ القرون يا بـُني؟ أشعر أن زوجتي تعاملني كالمزهرية."
" تشعر؟"
تسائل چون بنبرة هادئة بعيدة عن المزاحِ، داعبت حواس ديفيد بالخوفِ وهُنا.. صمت الجميع، وتوقف المُستمعين عن الضحك، علموا أن وقت المزاح مضى، والآن.. يجب أن يصمت كل امرؤٍ كي لا يُهان. هذا الرجل بات حقًا لا يُطاق ولا يُحتمل، وكأنه يزداد خطورة يومًا بعد يوم.. ثانية عن ثانية.. وما كان يبقيهم في آمان خلف ستار حواسه الآدمية بات لا وجود له الآن.
"أطلع زوجكَ المصون على قواعد البيت كيلا أقتلع رأسها يا ديفيد.. فأنا لستُ مُخنثًا ولا مزهرية، القوانين قوانين. "
كاد يدافع عنها، فتعمقت أبصار چون به وكأن روح شريرة تلبست به، مما سبب صمت ديفيد ومراقبته لطبقه لاعنًا حظه العاثر، إن نجى من تلك المهزلة، سيكون شكور.. بل وأكثر من شكور.
____________
_______
كنتُ أمام المرأة، أتحسس شعري القصير بملامح باردة لم تعكس كياني المَخدوش ولا المُشوه؛ فالحياة علمتني أن أكون صامدة، حتى لا أعبر عن أختلالي وعدم أتزاني مُجددًا، فلا أكون مُستساغة للسيئين من جنسي ومن الجنس الآخر. أنفي الصغير، كان مطموسًا بسبب المسحوق الأبيض على أطرافهِ بعد جرعة شنيعة وهو الوحيد المُلام.. فبسببه.. وبسببه وحده خرجت عن شعوري مُجددًا بأخذي جرعة كبيرة من سمي.
تلاشت أفكارها فجأة وأرتعشت عدة مرات بإنتشاءٍ بسبب الكهرباء التي سارت في جسدها على الفور تستبيحها، لتبدل وجعها وتمحيه ولو للحظات هامت فيها، لمْ تكن تدرك أنها هشة بما فيه الكفاية لتتدمر أمام أول منعطف.. فحينما ظنت المخدرات وسيلة سهلة وباهظة للبُعد عن الألم.. جهلت.. لأن ذلكَ السم هو الألم نفسه.
"ما الذي فعلتيه؟"
أقتحم ألوان عالمها صوت حاد ينتمي لدانيال، لكن رأسها كان ثقيل بما فيه الكفاية لتتراجع بعشوائية نحو المجهول، فقبض خصرها ومسح المسحوق عن أرنبة انفها، ثم غمغم بغضبٍ جاد:
"كيف تزوجتِ وأنتِ لا تزالين على ذمةِ عقدي يا سي-ڤي؟"
أبتسمت ضاحكة ثم أحاطت عنقه بذراعيها، وعيناها الجريئتان جالت في ملامحه ببهوتٍ مما دل على إنعدام رؤيتها:
"لمْ يعرف أحد.. ولمْ أفتح فمي بحرفٍ واحد.. أنهيتُ حفلتي اللعينة منذ لحظات وأكتسبتَ خمسة عشر مليون دولارًا في الساعة، بينمَا أنا.. رقصت لأربع ساعات ونصف حتى تشنجت أطرافي، لذا لا تغضب وأنا لا أزال في همتي!"
"أي همة لعينة وذلكَ الثمن البخس فقط ما دخل حسابي في أربع ساعات."
ضحكت بمكرٍ مُستفز، ثم مالت بثغرها تتحسس ذقنه فباتت عيناه الجامدة أمام خاصتها السكيرة تتحداه، ثمَ تعمدت إغضابه بسذاجة:
"نسيت النصف.."
سرعان ما أبتسمت ساخرة قبيل أن يجيب، ثم تابعت مُستطردة بجدية مُخالفة عن لحظاتٍ:
"البشر طامحون، لكنهم طامعون، مثلكَ تمامًا يا دانيال، لا تكتفي أبدًا، وتحتاج للمزيد، ثم المزيد والمزيد.. سبعون مليونًا لم تكفيك.. والمليار لن يكفيك.. وحبي لن يكفيه، كنتُ بالنسبةِ له.. جوهرة لا تستحق سوى صندوق."
تجعد حاجباه ولم يرق على حالِها ولو لوهلة، على النقيض حملها بين ذراعيه فإستكانت على صدره كالعادة تبحث عن نفس المفقود.. لكنها لمْ تعثر عليه فأعتصرت عيناها بمرارة خاسرة، ثم أنزلقت لتقف أمامه.. عيناها في عينيهِ تتحداه، وبرغمِ ذلك، أستباحها مُمررًا أبصاره على جسدها المعروض أسفل قطعتي ثوبها الخفيف، يطمع للمزيد والمزيد.. وهذا ظهر في نبرته حين أعلن:
"لستِ سيئة يا سي-ڤي، عاهرة سيئة لطيفة، مُختلة بإغراءٍ وبمفاتنٍ جميلة، خاضعة لكن شرسة وهذا ما يحبه الزبائن فيكِ.. بهذه القطعتين أستطعتِ إخضاع الرجال، أتسائل ماذا لو ترقيتِ قليلًا؟"
خالجتهُ بتعابيرٍ لمْ يفهمها ولم يحللها، لكنها لم تكن رافضة أو مُستنكرة، فتابع بهدوءٍ وسلاسة:
"ستطرقين أبواب المجد والشهرة، كونكِ مغنية إباحية محلية ودولية ليس كافيًا، ماذا عن كونكِ عالمية؟ مع رقصك المغري وعدم إتزانك الشهيّ."
راقبها بتفحصٍ لعله يَعبُر الحصن الذي حال بينه وبين أفكارها ومشاعرها، لكن عيناها تغلظت بقساوةٍ مفرطة رغم فمها المُغلق.. فمد يده يداعب خصلاتها، يستحثها على الحديثِ، فقالت بعد لحظات:
"تريدني أن أترقى من راقصة مُغرية إباحية، إلى آخرى مُتعرية غنائة.. لتكسب أموالًا لن أخذ منها فلسًا واحدًا كما ينص العقد، وفي الكافة الآخرى كُلما منحتني جرعة ولو ضئيلة من المخدرات.. أشكر سخائك."
حللت الموقف بلا إنحيازية، فتدارك النقاش بلهجة خفيفة تجاوزًا لنفورها:
"لا تنسي أن العقد ينص على البذخِ يا سي-ڤي، كل ليلة أكسب الملايين منكِ لا أنكر، لكنكِ في المُقابل تحصدين السلطة والنفوذ والمجوهرات والعشاق، المخدرات والممنوعات والسهرات الشقية.. أوليس كافيًا؟"
ظلت القساوة تحيط عيناها وكأنما هي حصن منيع لمْ يستطع عبوره، فأنتظر إجابتها التي كانت فاترة:
"لمْ أنهي حديثي بعد.. أنتَ لا تطمح للعالمية يا دانيال.."
أصابهُ التفاجؤ وتراجع خطوة للوراء بعدما فضحت مُخططه ببسمةٍ ساخرة:
"ولا تطمح للملايين ولا المليارات.."
أزدرد لعابه الغزير حين تابعت بمكرٍ لاذع:
"بل تريدني أن أكون مُثيرة بما فيه الكفاية لأغري إبن شقيق زوجي فأكون عشيقته... أنتَ لا تطمح للمال.. كما تطمع لأخذ ما تستطيع من حاكم العائلات."
ألتف في دائرةٍ حولها كما لو كان ثعبانًا سيبث سمه في أي لحظة، وبرغم ذلكَ ظلت جامدة بعينين ثابتتين أمامها، فوقف خلفها، ثم أزاح شعرها جانبًا وفمه يبث سمه في أذنيها:
"كنتِ مُفضلته وأستطعتِ قتل إبنه، أنتِ مُعجزتي يا سيڤار. شعركِ البني إن صبغته فبات أشقر، وبشرتكِ الشاحبة إن مالت للسمار كما يُحب.. ستكون مكانتكِ أشد فخامة من ملكة فاخرة على عرشهِ."
سارت خطوة للأمام تمنعه عن لمسِها ثم تأملت ملامحها في المرأة بسوادٍ لمْ يفهمه ولمْ يستلذه، وبرغمِ ذلك سار نفس مقدار خطوتها، ثم راقبها مُتابعًا:
"كوني زوجة ديفيد لا أهتم، وفي نفس الوقت عشيقة للزعيم.. خذي ما تستطعيه دون أن أكون في الصورة لأنهُ.."
"لأنهُ لن يستطيع قتلي.. لكنهُ سيقتلكَ."
"تمامًا!"
ألتفتت ببسمة جانبية لاقت بعينيها المُتلاعبتان، ثمَ أجابته:
"بعد إنقضاء شهر عسلي مع زوجي، سنتناقش يا دانيال."
أبتسم بإتساعٍ رغم عدم تمكنه من الولوجِ إلى مشاعرها، ثمَ تحسس خصلة من غرتها يبعدها عن مرآى عيناها المُتبلدتان، وحينها لاحظ أن بندقيها لهما آسرهما الخاص، بسبب برود ما بطن فيهما من شعورٍ ودفىء درجتهم الفاتحة.
"لو تقدرين ثمنكِ يا سي-ڤي، لأكتسبتِ في الليلة الواحدة أكثر من مُجرد الملايين."
"أقدر نفسي، أكثر مما فعلتم."
دفعت يده عنها بنفورٍ، ثمَ سارت بتمايُل تكاد تغادر الغرفة فسحبها من رسغها مُتسائلًا:
"ستغادرين هكذا؟"
دفعته عنها بنظرةٍ ساخرة، وغمغمت:
"لا تخف، لن أغري السيد لليلة واحدة."
تنهد بأريحية بعدما أدركت سبب خوفه، فهو لمْ يرد أن تكون سيڤار مُجرد نزوة عادية على فراشه.. أرادها أن تكون مميزة لتستطيع نهب ما أمكن أنتزاعه، وهذا ظهر في نظراته الممنونة لذكائها فأشارت له ليغادر الغرفة وقد فعل.. وحينها فقط دلفت للمرحاض تتحضر لملاقاة.. چون هاريسون.. الزعيم.
____________
_______
يدها كانت ناعمة كالريش تمامًا، وعيناها الجريئة مرت على رجالهِ بخطورة قاسية أثناء تجاوزها الحديقة لحدود القصر الداخلية، تتحسس بأنفها الزهور البيضاء مما أعاد لها ذكريات مريرة جاهدت لتتجاوزها وبرغمِ ذلكَ فشلت.. مشاعرها العميقة كانت مطموسة لهم بينمَا تسير بإغراء في فستانها القصير المُغري، وقدميها الرشيقتان عكست ثقتها وصلابتها، فمحت عن ذكراهم روحها القديمة البالية والمُتهالكة؛ لأنها الآن شيطانة عاهرة.. وتبًا كم تحب حياتها الجديدة.
وقفت أمام باب جناحه بأبصارٍ مُترددة، وكل تلكَ السنوات التي تدربت فيها للقائه، باتت بلا قيمة ولا مكانة أبدًا أمام التجربة الفعلية لرؤية إبن الساقطة، وبينها وبينه باب مادي واحد وألف حصن معنويّ وحينهَا أدركت بأنها فرصتها الأخيرة للهروب، للبدء من جديد بعيدًا عنه.. لكنها وصلت لحد اللاعودة.. وخسرت الكثير لتبلغ إلى تلكَ اللحظة... اللحظة التي ستراه فيها مُنحنيًا راكعًا يطلب حبها والعفو، لتتنفس أنفاسه، ولتنتقم.
مدت كفها تتحسس المقبض بأستكشافٍ بطيء وكأنما تتحسس وردة شائكة سوداء، لا رائحة لها ولا رحيق، وحين أنغمست أناملها حول مقبضه الشائك ذابت عيناها الفاتحة في مرارة الإشتياق.. كانت قد نست كم أحبته.. ونست كيف كانت تهاجمها هالته الرجولية.. لتخنقها.. لتسرق منها حياتها وروحها. وبرغم ذلكَ، أرتفع ثغرها في بسمة ماكرة، وعيناها غائمة في عالمٍ أدهم غير ملموس، مُتوعدة لإسترداد ما فقدتهُ:
'أنتَ لِي.. يا چون هاريسون.. مِلكيتي الخاصة.'
يتبع..
مرحبًا جميعًا.. بعرف إن الغياب طال بس يشهد الله اني الفترة الماضية كلها مكتبتش كلمة واحدة وكانت حالتي النفسية مش أحسن شيء بس اديها مرت.. كان ممكن اوضح ظروفي بس فضلت اني اكتب فصل طويل واستأنف الرواية عشان نوصل للنهاية الحلوة اللي وعدتكم بيها.
المهم أي انتقادات أو اسئلة؟
ولا تخلون حالة چون تنسيكوا الوغد اللي هو عليه واللي عمله ببنتنا واللي لسه هيعمله.. بس سيڤار كمان اتغيرت كتير ومتحكموش عليها لسه الحقيقة هتبان.. 👀
الرواية ممكن تحمل طابع عنيف بحت ووجب التنوية.. وبوعدكم ما اتأخر ابدًا بالفصل الجديد والآن تصبحون على خير..
وبحبكم ودمتم سالمين. ♥️
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top