حِبالُ الماريونت <٥>
_بسم اللّٰه الرحمن الرحيم.
الفصل الخامس: مُخططٌ غامض.
{رأسٌ لا يُحطَم.}
سارت فِي مزرعةٍ واسعة الأفق، بفستانٍ أبيض نظيف أسفل أشعة الشمس حتى شعرت بأنهُ تهوج وأنار روحها بدفئه، بينما مرت عيناها العسلية على الزهور بتلذذٍ فشعرت بسكينة غريبة تجتاح كيانها، وراحت تسير بلا وجهة، لكنها كانت سعيدة، ربمَا تعثرت كثيرًا في طريقها وفي كل مرة أتسخ فستانها الناصع، لكنها ظلت تنهض حتى أصابها الكِبْر بأنها ستظل تنهض، فبالنهاية سقطت في حفرةٍ غائرة أوقعتها داخل طريقٍ ضيق، مُعتم، طويل بطريقة خانقة، وحينما رفعت عيناها للأعلى تبتغي العودة، أصابها الخوف بعدما لم ترى سوى سمائًا حالكة السواد، والحفرة أختفت كما لو أنها لمْ تتواجد من قبلٍ، فظلت على الأرض وأحتضنت كفيها بمنتهى الحزن ورأت فستانها مُغلفًا بالسواد.. والخطايا.
أنتفضت سيڤار من فوق الفراش لاهثة وأنفاسها تتصاعد وتتهابط وكأنما تمزق صدرها بوجعٍ لم تحتمله، وكأنها ظلت تركض لأكثر من ساعة، فمدت يدها بسرعة وسحبت علبة مسكناتها تلتقط منها حبتين ثم وضعتهم في فمها وأبتلعتهم بكوبٍ من الماء كان موجود مُسبقًا، وراحت تلهث لعلها تسترجع نفسها المسروق، وبسبب طبيعة خمولها تطلب الأمر منها بضع لحظات لتستطيع إدراك أن ما مرت به لمْ يكن سوى كابوسها المُعتاد، فأستندت على خشبة الفراش وراحت تتأمل سقف الغرفة بتساؤل خامل 'لربمَا تلكَ الليلة لو لمْ أهرب من أليخاندروا.. لربمَا لو كنتُ رضيت بمصيري وتوقفت عن التذمر، لكانت حياتي أفضل بكثيرٍ.. لربمَا حينها لمْ أكن لأعرفك يا چون سانتيغو'.
رفعت كفها المرتجف ثم مسحت جبهتها المُتعرقة، وأنكمشت تضم قدميها لصدرها بلحظة ضعفٍ لم تكن أبدًا لتظهرها سوى لنفسها، وتسائلت بمنتهى الضياع:
"كيفَ بت هُنا.. وأين ذهبت كُنيتي يا ربي؟ أين ذهبَ إيماني؟ وكيف تنازلت عن مبادئي؟ لماذا أنا ضللت طريقي ولازلت ضالة؟ ولما لمْ أعد أستطيع مُساعدة نفسي؟"
"دعيني أساعدك يا سيڤار."
أخترق صوته الغليظ مسمعها، فتساقطت دموعها ورفعت رأسها للزاوية المظلمة بلومٍ أستطاع أن يشعر به يتغلغل مشاعره، لكنه لم يعترض، على النقيض تمامًا تقبل ذلك الشعور لأنه صدر من فراشته وله وحده.
"لمْ يعد يهمني يا چون.. لن تستطيع أن تساعدني هذه المرة، ليس لأنني لا أريد فقط.. بل لأنك وحدكَ من وضعني في تلكَ الحالة التي حتمًا لم تدركها بعد."
تراجع بظهره على الكرسي ليستثنى لهُ تأملها بصورة أكبر، وبرغم أنها لا تراه تأكدت من تلكَ المعلومة بعدما سمعت صوت إحتكاك قميصه بالكرسِي الجلدي، وهذا دل على وصول مخذى كلامها له فأجاب:
"وأنا لمْ أدرك بعد تلكَ الحالة، ليس لأنني لا أستطيع، بل لأنني لست مُستعدًا لأي سخافات يا سيڤار."
"في النهاية ستعود ألعن وأدل وكلانا يدرك هذا."
لو كان چون الذي تعرفه لضحك حتمًا بمنتهى الحقارة ثم لأمأ مؤكدًا حروفها، مبررًا في النهاية بأنها له.. آمتهُ.. وهو سيدها، لكنهُ خالف توقعها حينما نهض وسار صوبها، فأستطاعت أن تراه بينمَا يجلس على طرف الفراش وعيناه الداكنة تتأملها بمنتهى التلذذ:
"أنا العن وأدل مع الجميع يا سيڤار.. لكنني أحاول بقدر الإمكان ألا أكون كذلك معكِ أنتِ أيضًا.. وكلما نظرت في عينيكِ برغم أنني لا أرى دائمًا روحكِ القديمة فيكِ، إلا أنها تقول لي بداخل تلك اللوزتين العديد من الكلمات."
أرتفع كلا حاجباها بتعجب حينما أحاط وجنتاها بيديه، فأرتفع إبهام كفه الأيمن يمسح أسفل عينيها بمنتهى اللين، وبرغم أنها لم تستطع أن تشعر بجلده العاري على بشرتها بسبب قفازاته، إلا أنها شعرت بشرارة غريبة تستبيحها.. فقالت تشتت نفسها عن اضطرابها:
"وماذا تقول تلكَ الخاسرة؟"
تمنى لو يخبرها بأنها الخاسرة الوحيدة وليست النسخة القديمة منها، وأراد أن يقدم لها براهين حروفه، لكنهُ أدرك بأنه هذه المرة وليستطيع التعامل معها وفك شفراتها يجب أن يلتزم الصبر، بينما مبدأ النهش والطحن سيكون لاحقًا بعدما يصل إلى ما يريد.. فتمتم بنظرة سوداء لامعة لمْ تحللها:
"تلومني.. إنها دومًا ما تلومني.. وتقول بأنها تحبُني، وأنها هجرت كل اللذات بعدي وبعد إبني، وأنها ظلت تبحث عني في كل مساء. أراها تخبرني بأنها كانت تريدني، لأعيش معها في النورِ والدفىء.. هذا ما تقوله لي.. لكنها أيضًا أحيانًا تعاتبكِ وتعاتبني على شيءٍ فعلتيه.. تخبرني أنه في غاية البشاعة، وسيجعلني أقتلكِ وأقتل نفسي من بعدك، نصحتني أن أنتظر لفترة اتأهل فيها لذلكَ الشيء، كي لا أرتكب جناية يا سيڤار."
الدمعة التي فرت من تلكَ العين التي كان يمسد تحتها تلاشت في إبهامه، فلم تشعر بها وهذا ما ابتغاه، فارتسمت على وجهه أبتسامة صغيرة لم تفهمها، لكنها دفعته عنها وقالت:
"لا يهم.. لتعلم فقط أنني تركتكَ مع سونيا والتر برغمِ أن زواجكَ منها باطل لأنني لمْ أستطع أن ارفض مسبقًا.. لكن تلكَ الشقراء، ماذا تفعل هنا؟"
تلاشت بسمته ثم نهض فاردًا فقراته وهالته، فراقبت بنيانه العريض بعينين جامدتين، وتعمدت أن تلفح وجهه بأنفاسها الدافئة حينما انحنى امامها ليدمدم:
"علاقاتي شيءٌ لا يعنيكِ."
أبتسمت بعدما ناظر ثغرها برغبة حاول أن يدفنها بعيدًا، ثم أجابته بلا تردد:
"حسنًا يا چون، معكَ الحق في تلكَ النقطة، لكن لا تنسى في المقابل ايضًا انني زوجة ديفيد، وأن علاقتي به أو غيره لا تعنيكَ."
في ثانية كانت أمامه تتحداه وهو منحني لها، لكنها في الثانية التي تلتها وجدت نفسها أسفله ويده تحاوط فكها بهمجية عنيفة تلتها ضغطه على أسنانه بغضبٍ كاد ينهي حياتها:
"راقبي فمكِ يا حلوة لأنني حينها سأنكح زوجتي على مسمع كل لعين منهم ليعلم لمن تنتمي! أقسم يا فراشة.. بالمرة القادمة التي تتخطين فيها حدودكِ معي أن أريكِ وجهًا مني أقسم بالرب لن تحتمليه ولو لثانية واحدة، وتبًا لي سأكون أسعد وغدًا في الوجود بعدمَا انهي تلكَ السخافة."
أرتجفت ودمعت عيناها تراقبه بدهشة، ليس من الخوف فقط، بل لأنها ألتمست الصدق في كلماته المُهددة وعلمت أن هناك وجوهًا فيه لا تعرفها بعد وربما لمْ تسمع عنها، وبرغم ذلك، فضلت أن تموت بعينٍ مرفوعة، أن تعنف برأسٍ شامخة وتبًا لي لأنها وإن كانت ستكون مجروحة فلن تكون وحدها.
"رأيتَ؟ قلتَ أنك ستحاول لكنكَ لمْ تستطع لأنك تزال كما أنتَ بل واسوء، الوغد المغتصب الحقير السافل الذي تعدى عليّ حتى انهكني.."
مع كل مسبة قالتها، كانت تضغط على أسنانها أكثر بكراهية خالصة، فرفع كفه وكاد يخبط وجهها بعنفٍ لكنه توقف في اللحظة الأخيرة بعدما علم أن ذلك الكف لن يشفي غيظة سوى لثوان.. بإنتصارهِ في معركة وهو يريد الحرب كلها، لذا تبسم بمنتهى الظلام ثم أنحني على وجهها فشهقت وأرادت أن تضغطي فمها عنه لكنهُ كبل كلاتا يديها بنفس البسمة الحقيرة مُغمغمًا:
"هذا جعلني أتسائل.. لما لا أكون الليلة نفس الحقير الذي أنهككِ؟ أنا حقًا أشعر بالرغبة في ذلك."
تحسس إحدى قدميها وعيناه عليها يتحداها، وبدأ يرفع عنها فستان نومها الخفيف ببطىء مستغلًا قوته البنيانية عليها، بتلذذٍ ورغبة فيها، فرفعت ركبتها وضربت بها منطقته الحساسة ببغتةٍ في حركة لمْ يدركها، ثم تدحرجت بسرعة من أسفله حينما تركها وأنحني محاوطًا موضع ألمه حتى سقطت من فوق الفراش على الأرض ومدت يدها في حركة سريعة لتخرج زنادها من أسفل الفراش في نفس اللحظة التي كان قد نهض بها ساحبًا إياها تحته بجسدٍ مُرتعد من شدة الغضب، فبات الوضع كالتالي.. الوغد يراقبها بأنفاسٍ لاهثة أكدت رغبته لنهشها بوحشية بالغة الآذية، وهي عيناها في خاصته بمنتهى الرعونة والتحدي وزنادها بين جسديهما.
"تظنين أن تلكَ السخافة ستمنعني عما أريد؟ حتى لو كانت تلكَ ليلتي الأخير فسأضـ.."
صمت حينما سمع الزناد يدور بدلالة إطلاقها لرصاصة فارغة من المسدس لكن الصمت لمْ يدم طويلًا لأنها قالت بنفس النظرة العنيدة:
"الطلقة الأولى وضعتها فارغة بالعمد يا چون، لكنها لن تكون فارغة بالرصاصة القادمة."
علمت أنه لا يكترث بحياته كما لا تكترث هي بحياتها، لكنه كان يريدها حية، فرفع جسده مراقبًا الزناد المصوب جهة بطنها بتأكيدٍ لقتلها لنفسها، وهذا المرة لمْ تكن كمرة المقص قبل سنوات، بل كانت حقًا راغبة بالإنتحار.
تنهد ببطىءٍ مانعًا نفسه عنها ولو كانت النظرات تقتل لماتت مئة مرة، فنظر لها وكأنما يريد تمزيقها أربًا ونهض.. ثم ألتفت راحلًا بلا كلمة ولا وعود، وبعدما صفع الباب خلفه مزعزعًا إياه، ظلت عيناها معلقة بالسقف كثيرًا وكأنما لا تصدق أنه رحل فعلًا وحينما تأكدت، ذابت مفاصلها فسقطت يدها بجانبها وتزحلق الزناد على الارض الباردة، ثم أطلقت ضحكة خافتة وجسدها كله يرتعد منتفضًا:
"تبًا لي أنا حية، ضربته وها أنا حية.."
وضعت كفها المرتجف على فمها بلا تصديق، وتعالا ضحكها أكثر:
"ضربت چون سانتيغو هناك.. تبًا لي.. أنا حققت واحدة من أكبر أمنياتي أخيرًا ولمْ يقتلني!"
من شدة فرحتها كادت تصيبها سكتة دماغية برغم خوفها، فحاولت كتم ضحكتها حينما تذكرت الآنه التي أصدرها بعدما ضربته هناك، تكاد تجزم أنها وفي الماضي بعدما أطلقت عليه رصاصة لعينة لمْ يصدر ذلك النحيب المصدوم بذهولِ لذا معها كامل الحق في الضحكِ بل والموت بسلامٍ الآن.
جلست على الأرض ولازالت تضحك، ثم نهضت واندثرت أسفل الغطاء تحتضن وسادتها بإبتسامة واسعة، وكانت تلكَ هي المرة الآولى لها التي تتسطح فيها بشعورٍ غير الضياع والحزن.. فلم تستطع النوم..
لوهلة تأملت السقف بتفكيرٍ... كان من الحكمة أن تندثر أسفل اغطيتها مختبأة منه حتى الصباح، لكنهَا علمت أن الشروق لن يغير في نفس چون شيئًا ولن يبدد غضبه صوبها، أعني الوغد في الماضي كان ينتظر لشهور فقط ليعاقبها على غيرته بأبشع الطرق خلف حجة أنها حمار سميك الجلد.
نهضت من فوق الفراش، ثم أرتدت حذائها وخرجت متجهة صوب جناحه وأقسمت بداخلها أنها لو رأت كلارا هناك ستقلصه في منتصف دماغه اللعين، فوقفت أمام الباب لتتأكد بأن سلاحها في مكانٍ أمن أسفل فستانها ثم دلفت بحذرٍ، فسمعت صوت المياة بالحمام دلالة على إستحمامه لذا ضحكت بخفوت بعدما أدركت أن الوغد يتحمم بمياه باردة وبالطبع تظاهرت أنها لا تعرف السبب.
تجولت في الغرفة بأعين مُتفحصة تبحث عن أختلافات.. لكن التغيير الوحيد هنا أن السواد زاد حتى طال الجدار وهذا منحها شعور ناقض مفاهيم الأرتياح، فدندنت بعدم قبول:
"لازلتَ تدفن نفسكَ بنفس الدهمة يا چون.. حتى بعدما تحججت بي لتبعدني عن طريقكَ لازلت تنحدر بأدميتك وهذا جعلني اتسائل إلى أي مدى حقًا تستطيع الوصول؟"
نفضت رأسها ثم تسحبت إلى فراشه وأندثرت أسفل الاغطية تتعمد أن تقلبها رأسًا على عقب، وببسمة بريئة نامت بالمكان الذي أعتادت النوم به بالماضي محتضة وسادته تنتظر حضوره.. لكن رائحته عبئت أنفها، فشعرت بدغدغة في دماغها أصابت جسدها كله برعشة غير مَفهومة.. لكنهَا خدرت حواسها وجعلتها شبه مسلوبة لبعض الوقت.
لمْ تكن سيڤار الوحيدة التائهة في أفكارها بينما تلك الوسادة بأحضانها، فأختها چيداء كانت تحتضن أيضًا وسادتها وعيناها تتأمل الحائط تنتظر حضور آرثر الذي بات ملازمًا لمكانها بالفترة الأخيرة.. يأتي بالليل ظنًا أنها لا تشعر به لينام ممسكًا بطرف فستانها كالأطفال باحثًا عن الأمان، ثم ينهض بعد الشروق قبيل أستيقاظها مختبئًا بأي غرفة. في البداية تذمرت بينها وبين نفسها وقررت ألا يعرف أبدًا بأنها تعلم بوجوده، كيلا يتمادى أكثر، ففضلت أن تغير مفتاح الشقة، لكنه دومًا ما أقتحمها بصورة لمْ تستطع تمامًا إدراك مصدرها.
فـُتح الباب مطلقًا صفيرًا حفظته عن ظهر قلب، تلاه خطواته البطيئة متوجهًا إليها، ثم صعوده على الفراش وتسطحه خلفها ممسكًا بطرف ثيابها كالطفل الخائف.. فشعرت بالإشفاق راح يتلمس قلبها من حالته الفاقدة للأمان والسعادة.. وبرغمِ ذلك لمْ تكن غبية لتسلم نفسها له تحت أي ظروف.
شعرت به يسحب خصله من شعرها القصير بحذرٍ ممسدًا إياها بين أنامله.. وحينما لمْ تصدر رد فعل، راح يتلمس شعرها كما يتلمس الطفل رأس الدمية بتعجب وهذا أجبرها على الأبتسام.. خاصةً بعدما همس لنفسه بعفوية:
"بكِ الكثير من المزايا يا چيد، ولكن أفضلهم نومكِ الثقيل."
عضت وجنتاها من الداخل وتسائلت ماذا سيحدث إن حدثت شرطة الطوارىء.. فإن رأت الأمر من منظورٍ أخر.. تلكَ لم تكن حركة عاطفية أبدًا بأن يتسحب رجل في فراش امرأة نائمة كل ليلة.. حتمًا كانت حبكة من أفلام الرعب لا أكثر.
"هل سنكون معًا؟"
تسائل أرثر بمنتهى البؤس ولا يزال يمسد شعرها:
"هل ستحبينني برغم ما مررنا بهِ.. إن رويت لكِ القصة من منظورٍ أخر؟"
شعرت بدمعة صغيرة تسير على وجهها مختفية في الوسادة التي لطالما شربت دموعها المُرة بلا تذمر:
"إن أخبرتكِ أنني دومًا ما رأيتكِ قبل دعوة الحفل تلكَ.."
تابع تمرير يده على خصلاتها بمرارة:
"وأنني تعمدت أن يكون الحفل ليلتها بمكان فاخر ظنًا أنكِ ستبدين أعجابكِ بمدى ثراء صاحبه الذي لمْ يكن سواي؟"
أنزل يده وأمسك حمالة فستانها بقوة وكأنما يخاف أن تتلاشى من أمامه:
"وأنني كثيرًا ما أشعر بالندمِ كل مرة أدنس فيها نفسي مع امرأة سواكِ.. لكن شعوري باليأس يمنعني عن التوقف.. فالإبتعاد والتمنع لن يطهر جسدي يا چيد.. ولن يعيد الماضي مُجددًا لأصحح خطاياي..."
إزدادت وتيرة دموعها وكأنما أول دمعة سحبت معها قافلة.. كانت تلك أول مرة يصارحها، ربما كثيرًا ما سمعت نبرتهُ المهزومة مطموسة أسفل صلابته وغروره، لكن أن تصدر مهزومة في هذا التوقيت تحديدًا لم يكن هينًا أبدًا على نفسها لذا قررت إنهاء تلكَ السخافة وقالت بغصة باكية:
"عندما وهبتني الكأس وعيناكَ في عينيّ بمنتهى الجحود طالبًا مني أن أثق بكَ.. وثقت يا أرثر.. وشربت ما قدمتَ لي.. لكنكَ كنت ستقدم على فعلٍ مُنكر كان ليقتلني.. كانت تلكَ أول مرة وثقت فيها بكَ لتنهشني.. وبالمرة الثانية أنتَ دمرت حياتي."
جمدت يده حول خصلاتها لثوانٍ ثم أنتفض من فوق الفراش، فأعتصرت عيناها متابعة، ومازال ظهرها له:
"كيفَ لي أن أسلمكَ نفسي الآن فقط لتطعنني الثالثة؟"
سمعت أنفاسه تعلو بعدما عم الصمت بالمكان فأدركت بأنه لمْ يجد ما يقول، سوى طلبه:
"أسمحي لي بالنومِ هنا الليلة."
"إن سمحت لكَ الآن.. فلن تتوقف عن اللجوء إليّ كل ليلة."
صمتَ مُجددًا لكنه صر أسنانه متسائلًا:
"وهل تكرهيني لتلك الدرجة؟"
لمْ تكن چيداء من منصفين الكذب، ولم تجد شيئًا لتخاف منه.. فقالت بصدقٍ ملتفتة له:
"الكره كلمة ثقيلة جدًا لأحملها تجاهكَ."
قبل أن ترى ملامحه، أدار ظهره لها مغمغمًا:
"لا تنظري لي الآن.. لا تري الجانب المشوه مني.."
نبرته كانت مختنقة فتعاطفت معه لأنها بالنهاية كانت بشر، حينما رأت الشخص الذي ظلمها منذ سنوات في وجع لا يطلب منها سوى ذاتِها لم تستطع أن تعطيه روحها وجسدها الذي توسل إليه.. لكن وبرغم شعورها هذا إلا أنها لمْ تستطع منحه أيضًا سوى الملجأ بعد ضغطٍ على نفسها:
"علمتني الدنيا ألا أسامح.. لكن أختي علمتني ألا أعمي نفسي بسبب الكُره يا أرثر.. ربما لا أستطيع منحكَ الكثير.. لكنني فقدت شعور الأمان بسبب أقتحامك المُستمر لحياتي."
صمت لوهلة.. ثم دندن بنبرة متألمة مزقت صدره وأوجعتها:
"اذًا تطلبين مني.. أن أغادر للأبد؟"
"لا."
تصنم جسده مستديرًا لها بلا تصديق، فأبتسمت بدفىء جعله ينهار على الأريكة، وكل جدار صموده هُدمت في جملة قالتها:
"أطلب منكَ أن تمنحني مساحتي.. وبالمقابل سأتركك في حياتي فقط كصديق.. دعني أنهي هذا الوجع."
نهض نحوها فجلست على الفراش بترقبٍ لأنها لا تستطيع منحه الثقة، فأنهار بجانبها متسائلًا بضياع:
"وهل أستحق؟"
لم تجيبه لأنه حقًا لا يستحق، فدفن وجهه في بطنها محيطًا خصرها بقوة وكأنما لا يصدق بأنها حقًا ستحتويه، فرفعت كفها بنظرة جامدة، ومررت يدها على شعره تمسده.. إن ظل آرثر في ذلك الوجع لن يتوقف أبدًا عن أقتحام دنيتها بل وربما يتسبب في أذيتها لاحقًا، لذا بررت لنفسها أنها انانية بما فيه الكفاية لتحتويه ولكنها لن تمنحه أبدًا ما يريد.. ستكون داهية كما علمتها الدنيا، ورحيمة كما نصحتها سيڤار التي علمت أختيها الكثير من العبر والحكم التي سحبها الزمان عنها، لأنها لم تعش أبدًا بسعادة في حياتها، بداية من وجعها مع سيڤ توأمها الذي قُتل.. ورحلة علاجها في المصحة والتي فشلت فشلًا ذريعًا حتى قرر أبيها جلبها للمنزل ليعالجها هو وهناك أراها من الويل الألوان.. فجاعت عاطفيًا وبدنيًا ونفسيًا وكانت حقًا لحظاتها السعيدة تعد، وصولًا لمعانتها مع أليخاندرو العجوز الشهوانيّ، ثم مقابلتها لچون الذي لا تصفه كلمات، والذي خطفها لعالم لمْ تكن لتعيش فيه حتى في أحلامها.
خرج أخيرًا من المرحاض فلاحظ انتفاضة صغيرة أسفل الغطاء مما أوقد الغضب في نفسه مجددًا وكأنما الحمام البارد لم يطفأ أبدًا لهيبه، فتنافرت عروقه ملقيًا المنشفة على الأريكة ثم سار لفراشه ساحبًا الغطاء ملقيًا إياه على الأرض بهديرٍ:
"غادري قبل أن أقنص رأسكِ اللعين."
زمجر محاولًا منع قبضته المرتعدة عنها فأبتسمت ببراءة محتضنة المخدة أكثر:
"توقف عن ازعاجي وأتركنى أنام!"
صر أسنانه من ذلك الكائن المستفز أمامه راغبًا في سحقه، ثم سحبها من إحدى قدميها بعنفٍ وغلاظة تاركًا جثتها ترتطم بالأرض، فصرخت منتفضة تشير إليه بسبابتها:
"لعنة الله عليكَ يا وغد.. ألم اقل لك أتركني أنام؟"
كاد يتجه صوبها بأعين قاتمة بدلالة دخوله في نوبة جنونية جديدة، فرأت في عينيه كل الرغبات البشعة التي أراد أن ينفذها فيها فشعرت في لحظة بأنها لن تستطيع الفرار منه، لكنه باللحظة التالية وقف فجأة متأملًا أياها لعدة ثوان، ثم دندن بنظرة لمْ تفهمها:
"حسنًا.. تريدين النوم هنا الليلة؟"
"قررت أن أنام هنا ولا شيء سيمنعني."
قالتها برعونة متحدية، فأشار على السرير ببساطة ثم أتجه صوب بار النبيذ ملتقطًا منه زجاجة عشوائية وراح يشرب منها دفعة واحدة لعله يخدر غضبه ببرودة مذاقها:
"أنــتَ! لا تشرب كثيرًا لكيلا تفعل شيئًا يضطرني لقتلكَ.. تخيل فقط أن يموت چون هاريسون العظيم بسبب محاولة إغتصابه لزوجته السرية.. تخيل أن تموت راغبًا بي، يا إلهي."
نجحت في إثارة أستفزازه بل وأستفزاز آخر ذرات الصبر في نفسه حينمَا أطلقت ضحكة مائعة تسخر منه في الصورة التي جسدها دماغها الحمار، فصفع الزجاجة على طاولة الشرب ثم أتجه صوبها أمام نظراتها المُتحدية جالسًا بجانبها.
"هل نسيتِ من أكون؟"
نبرته كانت معتمة وكأنما غادرت خنجرة الشيطان، فتلقائيًا زالت بسمتها وجمد وجهها، وجسدها راح يرتعش بطريقة لم تستطع إيقافها وحينها عاد عقلها يعمل لاعنًا إياها على القدوم إليه طواعية. لحظتها أدركت بأنها لمْ تكن سوى في حضرة رجلًا مختلًا أغتصبها وأنهكها في الماضي، وسيكون أكثر من مستعد لسحبها أسفله مجددًا ما أن تنتهي صلاحية بطاقتها الرابحة، لذا حين مسد وجنتها بكفه راقبته بخوف وأرتجافها زاد أمام نبرته الخطيرة:
"إن تركت نفسي عليكِ فلن أكتفي بضربكِ ومجامعتكِ بعنفٍ يا سيڤار.. ما سيحدث حقًا سيتسبب في لعني من السماء لأني لن أقتلكِ.. لكنني سأحاول أن أقتل نفسي فيكِ.. وهذا سيغضبني بعدها.. تريدين أغضابي بيبي؟"
لم تستطع أدراك كيف سيقتل نفسه فيها، لكن تعبيره البشع أكد فظاعة ما سيقدم عليه أيًا كان فاومأت ترفض بتلقائية:
"لا.. لا أريد اغضابك."
أرتعش ثغرها حينما تحسس شفتها السفلية بإبهامه، فلاحظت قفازه الأسود لذا لمْ تستطع منع فضولها:
"ملمس قفازاتكَ يزعجني."
لم يجيب، على النقيض ظلت عيناه ثابتة على ثغرها وكأنما يحسب معادلة مستحيلة، فدندنت بخفوت وعيناها تتفحص رد فعله:
"لما لا تنزعها الآن.. إذا أردتَ؟"
"لطالما كنتِ تتهذبين عند الفضول فقط.. أحيانًا كنت أشعر بأنني أضاجع قطة."
أمتعض وجهها من تعبيره المريض برغم الخوف فأدركت بأنه حديث مع نفسه لا أكثر، لكن الرعب حل عليها حينما تحسس رقبتها بظهر كفه مغمغمًا:
"ضربتِ سيدكِ.."
أحاط رقبتها بتريثٍ وبرغم ذلكَ كانت تستطيع التنفس ولم تشعر بأي ألم:
"لمْ أقصد.."
كذبت، فشدد قبضته حول عنقها لثوان يخنقها، ثم راخاها، فعدلت حروفها بخوف:
"حسنًا تعمدت فعلها.. لأن.. لأني كنت خائفة من أن تلمسني."
"أنا ألمسكِ الآن وربما سأفعل ما هو أكثر من ذلكَ بيبي، لمَا لم تدفعيني؟"
سألها بسخرية حقيرة وأنحني مانعًا إياها بأن تدير وجهها، فأرتعشت ولهثت، حتى عيناها أمتلئت بالدمع المكبوت وأتسعت بسبب خاصته البشعة بإسودادٍ برغم جمال رسمتها:
"چون أرجوك."
أبتسم حينما عادت جملتها الماضية تطرب روحه، تبًا لي.. كم اشتاق لسماعها تترجاه الرحمة، راخى قبضته أكثر منحني عليها بنفس اللحظة التي أدارت بها وجهها.. ثم أعتلاها مُتنفسًا رقبتها فإزدادت رجفتها وما كادت تمد يدها لمسدسها، حتى حذرها بنبرة لامست أبشع بقعة من مخاوفها:
"إياكِ.. لا تجبريني على الإنحدار بمستواي أكثر.. بيبي."
جمدت يدها وهي قريبة من المسدس وكأنما تحسب كل الأحتمالات، فقال بنبرة كانت أخف وطئًا من سابقتها:
"يداكِ فوق رأسكِ."
"إن أقدمتَ على معاشرتي الآن ستحرق روحي أكثر يا چون.. ستتركني في وجعٍ لا يُطاق وبسببه لن أقتل نفسي.. لأنني حقًا سأكون جثة بينما أنتَ تحصد نشوتك في جسدي الضعيف.. أترضاها لي؟"
جمدت يده حول عنقها ثم رفع رأسه متأملًا إياها بعمقٍ شعرت به يتغلغل عظامها برغم أنها لا تراه اصلًا:
"ألم اقل.. يداكِ فوق رأسكِ؟"
أمام نبرته المهيمنة والسادية لم تستطع سوى أن ترفع يداها بقلة حيلة فأحاطهم بكفه وحينها غمغم بإسوداد:
"رأيتِ؟.. أنتِ بالنهاية خاضعتي يا سيڤار.. ملكيتي أنا هاريسون."
هذه المرة لمْ يقل وريث هاريسون فأدركت بأن الأوان فات على مساعدته، والسواد حقًا تمكن منه هذه المرة، لكنها لم تأتي هبائًا لتستسلم الآن.
ناظرته بنظرة أستحبها لذا عندما حاولت أن تحرر إحدى يديها برفق تركها بلا عنف، فأحاطت وجنته مدندنة:
"بالنسبةِ لي.. لن تكون أبدًا مثل هاريسون.."
صر أسنانه متخذها إهانة ورغبته لأذيتها تفاقمت.. وكأنما أراد سحقها فقط لترى الوحش الذي هو عليه، فبررت قبل أن يندم كلاهمَا:
"ستظل بالنسبة لي.. چون سانتيغو."
ضحك ساخرًا فعاد الرعب يتمكن منها لذا راخت يدها لتضعها على وجهها ظنًا بأنه سيقدم على صفعها، وحينها تراخت قبضته وتركها تحيط وجهها برعب باكي بكلتا كفيها، وراح يتأملها بلذة ليس لمثلها مثيل، مدندنًا بينما يمرمغ وجهه في صدرها مشتمًا عطرها:
"أبكي لي يا سيڤار.. تبًا أنا حقًا حالة ميؤوس منها.. إبكي أكثر.. تبًا لي."
لهث بالأخيرة والرغبة تنهش لحمه بجوعٍ كما لو كانت حشرة خبيثة وقبل أن يقدم على فعله أخرى كان حتمًا سيندم عليها بالصباح، طـُرق باب غرفته ثم سمع صوت روز اللطيف يدندن:
"سيد چون.. هناك رجلًا بالأسفل سأل عن السيدة ديفيد وترك لها رسالة."
أنزلت سيڤار يدها وناظرت الباب بتساؤل، فغمغم چون بنبرةٍ كانت حقًا دميمة متأملًا إياها وكفيه كادا ينهشا الغطاء:
"قال إسمه؟"
"مكتوب حرفان فقط.. السين والجيم."
-C.G-
صمتت روز لوهله، ثم تابعت بتوتر:
"أين أضع الظرف؟.. طرقت باب غرفتها لكنها لم تجيب فخجلت من الدخول."
نهض عنها فأدارت وجهها لكيلا تراه فيزداد خوفها، وبعدما سمعته يفتح لروز، ركضت للمرحاض وأغلقت على نفسها بالمفتاح مُستندة على الباب. كانت مسلحة بمسدسٍ لكنها علمت بقرارتها أنه لن يحميها من المختل بالخارج على النقيض سيضعه في مؤخرتها بمنتهى النذالة، فقررت لعب لعبة أعني الوغد قد يحطم باب الحمام عليها والرب وحده يعلم ما الذي سيفعله فيها بسبب غيرته المريضة، لذا خاطرت وخرجت ثم فتحت باب غرفته أكثر وأخذت الظرف قبل چون.
راقبها المختل بنظرات جعلتها تكاد تبول، بينما روز نظراتها كانت متعجبة لوجودها عنده بذلك الوقت من الليل.
"شكرًا حبيبتي.. كنت هنا أناقش الزعيم ببضع أمور مهمة ونسيت أمر الظرف، هل ترغبين بالنوم؟"
"ليس كثيرًا بالحقيقة."
قالتها بنبرة خاجلة قليلًا فأبتسمت سيڤار بتحدٍ للوغد وحينما ناظرته لتستفزه، كانت أبصاره معلقة عليها بنظرةٍ سوداء جامدة علمت معناها تمامًا فأدركت بأن ليلتها ستكون حقًا طويلة أسفل ذلك المختل المرعب إن أستطاع الإفراد بها، فأرتعشت ثم راقبت روز بوجهٍ مُصفر أنسحب عنه الدم:
"اذًا ما رأيكِ بأن نتحدث قليلًا لأنني لمْ أتعرف عليكِ بعد؟"
تحمست روز وقالت بإندفاع:
"تعنين سهرة فتيات؟ كنت على وشك مشاهدة فيلم مع روزالين.. تعالي وانضمي إلينا سيكون ذلكَ رائعًا."
كادت توافق متمسكة بذلك العرض بإستماتة، لولا الوغد الذي قاطع لحظتهم بنبرة مهلعة حتى للصغيرة:
"أشكُ في ذلك يا روز لأن نقاشي مع زوجة عمكِ لمْ ينتهي بعد."
صر أسنانه وتوحشت نبرته مؤكدًا كلمتان بالطبع نعرفهم، وبالنسبة لروز كانت حقًا مُرتعبة لذا كادت تنسحب لولا روزالين التي ظهرت مُحيطة كتف توأمها من اللامكان.
"هيا يا زعيم لا تكن مفسدًا للمتعة.."
أمالت على أختها وعيناها الماكرة مثبتة بخاصة سي-ڤي المتأملة، وبسبب قولها، فإن توأمها تشجعت ببرائة راجية:
"هيا أرجوك لا تفسد متعتنا."
لدقيقة ظل صامتًا يتأمل الأطفال وفي عينيه ظهرت موافقته في صرهِ لأسنانه ناظرًا لسيڤار بنظرة لن تنساها وستطاردها في كوابيسها أيضًا، فقفزت روز من سعادتها، بينما غمزت روزالين لسيڤار بمعنى 'لكِ واحدة.. ولي واحدة' فصرت الشرقية أسنانها من تلك الشيطانة الأستغلالية بنفس اللحظة التي أغلق فيها چون الباب، دافعًا إياها ضد الحائط وجسده المرتعد يطحنها:
"كلانا يعلم بأن آخر همي أي لعين حينما يتعلق الأمر بكِ.."
لهثت وكادت تنهار، لكنه صك نفسه عليها أكثر وقبضته حول فكها تشتد حتى كاد يكسرها بينه وبين الحائط:
"لكنني سأترككِ هذه المرة ليس رأفتًا بكِ.. بل لأن حتمًا ليلة واحدة لن تكفي لما أريد فعله وبالتأكيد لن يكون على مسمع صغيراتي البريئات."
إنسدل دمعها حتى وصل لثغرها المنكمش بسبب يده فأنحنى بعفوية لاعقًا تلكَ الدموع عن شفتيها.. لكنه سرعان ما زمجر بتلذذٍ لاعنًا نسله كله ثم قبلها بمنتهى الهمجية والجوع، ويده التي كانت تحيط فكها لم تتركها على النقيض أشتدت أكثر يجبر فمها على الإنفراج بينما يده الأخرى راحت تتجول في جسدها بلا وجهه.. بعشوائية جائعة لها وكأنما أحتار بشعوره بينما هي أخيرًا بين ذراعيه ولو للحظة.
آنت في فمه برفض، وعضت ثغره متعمدة، فزادت متعته بينما يقبلها وكأنها المرة الأخيرة التي سيفعل بها ذلك.
قبلها وكأنها أشهى امرأة في العالم.
وكأنما كانت ملكية خاصة خلقت من ضلعه.
قبلها كرجلٍ جائع.. ببدائية ساحقًا جوفها ثم أبتسم مرتدًا عنها ونسى لوهلة لما كان غاضبًا أصلًا.. لهذه الدرجة كانت تلك اللعينة حقًا متمكنة منه.
"كنت أرغب بأن تكون قبلتنا عاطفية أطول من تلكَ.. تبكين فيها وأنا اخذها بلطفٍ سخي لكن لا بأس بيبي.. يمكننا تكرارها لاحقًا، مجددًا ومُجددًا حتى ترضيني.."
تركها اخذًا منها الظرف، وأرتد عنها ببسمة حقيرة منتصرة وكأنما ذاق العسل كله، فأنهارت على الأرض تمسح دموعها وثغرها بحقدٍ وأعين مُلتهبة.
"بأحلامكَ يا زعيم."
أنكمشت ابتسامته كثيرًا وعادت عيناه للسواد، فنهضت من فوق الأرض وغادرت غرفته بسرعة قبل أن يضع يده عليها مجددًا وهذه المرة لن يتركها ولو قبلت كل إنش ملكه بترجي.
أغلقت الباب ورائها وأستندت عليه فباتت الأجواء هادئة خالية من أي مشتتات، حتى سمعت فجأة ورق يتمزق تلاه لعناته المستمرة لها ولأبيها وأختها ثم الأسرة الكريمة كلها وتحطيمه لزجاج ما، فركضت بحياتها صوب غرفة ديفيد وقد قررت تجاهل فكرة سهرة الفتيات تلكَ لتفكر فيما هو أهم الأن.. لكنها حينما دخلت الغرفة رأت روزالين متسطحة على فراشها وقد عبثت في درجة حرارة الغرفة ومقتنياتها وبرغمِ ذلكَ لم تغضب لأنها إعتادت تلك التصرفات من أختها الصغرى قديمًا.
لوهلة زالت بسمة سيڤار بعدما تذكرت أول يوم لها في أحضان أبيها، فتنهدت ثم أغلقت الباب متنسدة عليه تتأمل روزالين التي نزعت روبها بالفعل جالسة بشورت أبيض قصير أظهر قدميها، وقميص قصير قطني مرن، وروز أرتدت نفس الثياب بأختلاف اللون فقط.
جلست سيڤار على طرف الفراش وراقبت روز ببسمة خفيفة، وتلقائيًا تأكدت بأن جسدها مندثر أسفل الغطاء جيدًا، بحنانٍ شعرت روزالين أنه لم يكن لغاية الأستعراض أو التصنع، فتراخى هجومها الذي حضرت له وأغلقت التلفاز مُتكلمة:
"أمرت إحدى الخادمات منذ قليل بأن يحضرن لنا كوبان من الشاي الأخضر.. لنشترفه بالشرفة يا سيدة ديفيد."
رفعت سيڤار حاجبها الأيسر بعدما ألقت عليها نظرة جانبية ثم نهضت ودلفت الشرفة، وحينها تأكدت بأن نظرتها الآولى لإختلاف شخصيات كلا الفتاتين لم تخب، لذا مهما كان الحديث الذي أرادت روزالين طرحه فإنها لم تبتغي لروز بأن تستيقط بسببه. وقفت عند الحافة ثم قالت:
"ماذا تريدين يا روزالين؟"
وقفت روزالين بجانبها ثم أجابتها:
"في البداية وددت أن أوضح أنني أعلم بأنكِ إحدى ضحايا آل هاريسون، فلا أراكِ بعينين أمي ولا أي من الآخرين."
قبل أن تجيبها طـُرق باب الغرفة ثم دخلت الخادمة تبحث بعينيها عن الفتيات، وحينما وقعت أبصارها على سيڤار، دخلت الشرفة لتضع الكوبان ثم كادت تغادر لولا قول الشرقية الودود:
"شكرًا لكِ.. يمكنكِ الإستراحة لبعد الفطور."
أتسعت أعين الخادمة بلا تصديق، فأكدت سيڤار:
"وإن حاول أحد الإعتراض، أخبريه بأن يتعامل معي شخصيًا."
"شكرًا لكِ سيدتي."
شكرتها العاملة ثم رحلت من الغرفة ببسمة سعيدة زادت راحة الشرقية النفسية، فألتقطت الكوب ثم غمغمت لروزالين:
"تشبهين الزعيم في الكثير من الصفات.. ومن وجهة نظري فإن هذا لا يدعو للتفاخر يا روزالين."
شربت روزالين بضع قطرات، ثم غيرت مجرى الحديث بنبرة هادئة وعيناها تتأملان النجوم:
"تعبتِ كثيرًا في حياتكِ يا سيڤار.. برغم أنني لا أعرف الكثير، لكن أي امرأة صالحة تمر على تلكَ العائلة يسجلها التاريخ بعاهرة."
"كيف حال دراستكِ؟"
أستعجبت روزالين من السؤال، فصمتت بتفاجؤ بينما مدت سيڤار يدها لتمسد شعر روزالين وقالت بحنانٍ:
"ليحفظكِ الرب كيلا تكوني مثلي.. وليحفظكِ الرب أيضًا كيلا تكوني مثله."
أنقبض قلب روزالين بشعورٍ غريب، فلم تظن أبدًا بأنها ستميل إلى تلك المرأة أمامها، وبرغم ذلكَ شعرت بقلبها يلين ومكرها تلاشى تمامًا بعدما أدركت بأن الآخرى لن تصيبها بأي أذى، لا هي ولا أختها، وهنا أيضًا علمت بأنها لن تساعدها للوصول إلى مبتغاها.
أخفضت كأسها بيأسٍ وصمتت عن الحديث، وبالمقابل سكتت سيڤار أيضًا بعدما لمْ تجد ما يطيل نقاشهم.
علمت سي-ڤي أن روزالين وبرغم ذكائها ونباهتها، إلا أنها منحازة بتفكيرها عندما يتعلق الأمر بالزعيم وهو وحده. رأت في تلكَ الصغيرة التمرد وكرهها لقيود وعادات آل هاريسون المريضة، وبرغم ذلكَ فإن رفضها لذلك الظلم لم يمنع كونها منهم، فلن تلومها سيڤار مستقبلًا مهما فعلت، لأنها أيضًا ضحية ذلك المجتمع المدنس وأفعالها ما هي إلا من دماغها الغير موزون.
"لما كنتِ في غرفة الزعيم؟"
لم تتوقع الشرقية هذا السؤال وبرغم ذلك لمْ تهب روزالين النظرة التي تبتغيها، فتجاهلت قولها مشرفة من كوبها، فتابعت الآخرى بتفحصٍ لمعالمها الغامضة:
"إن علمت كلارا بما حدث، لن تمررها كالكرام."
"ما رأيكِ بأن تمسحي بها مؤخرتي."
أبتسمت روزالين بشقاوة أمام نبرتها العدائية، لكن سرعان ما تداركت سيڤار الموقف متمتمة:
"لا تنسي أني زوجة ديفيد..لذا لا تتركي المجال لعقلكِ بتحليل سنريوهات لا أساس لهَا من الصحة، فأنا لن أحمل أي نوايا قبيحة لإبن أخ زوجي العزيز.. أنا حقًا امرأة وفية."
ضحكت روزالين ضحكة صاخبة أبتسمت سي-ڤي جرائها، لكن بسمتها أتسعت أكثر حينما تسائلت روزالين بفضولٍ:
"قبيل زواجكِ من خالي، هل دخلتِ في علاقةٍ مع رجلٍ خطير."
"ليس لديكِ أدنى فكرة."
هزت رأسها للجانبين، ثم شربت آخر رشفة من كوبها قبل أن تضعه على الطاولة، وأنتباهها مع كلمات روزالين الشقية:
"إذًا.. الرجل الخطير أفضل جنسيًا.. أم الشاب اللطيف؟"
أنصدمت من سؤالها فناظرتها بإندهاش، وبرغمِ ذلك أجابت بعدما فقدت كل ذرة أمل في سلالة الوغد كلها:
"الشاب اللطيف سيقدم لكِ الحب والرعاية، ربمَا لن يجلب لكِ كنوز الأرض تحت قدميكِ، لكنه لن يقيدك بهوسهِ وعنفوانه، ولن يغمسكِ أيضًا في عالمه المظلم لأنه لا يملك واحدًا.. والأهم من هذا كله، لن يخون."
"أنتِ مُملة."
"ولما؟"
"لأن الرجل الخطير إن وقع في حبكِ، سيجلب العالم كله أسفل قدميكِ هاتين، سيحميكِ.. وهذا هو المهم."
"مِن مَن سيحميكِ يا روزالين؟"
أستنكرت سيڤار بسؤالٍ لم تستطع الآخرى الإجابة عليه، فتابعت منهيه النقاش، بنبرة مريرة:
"مِن نفسه؟ حتى نفسه تبرأت منه."
ابتلعت غصتها ثم غادرت الشرفة وأرتمت بجانب روز، وأنكمشت على نفسها بإنهاكٍ وتعب.
____________
_______
صعدت شمس صباحٌ آخر، حمَل معه يوم جديد لكنه ثقيل على الجميع، فأجتمعوا كالعادة على الفطور، وترأس الزعيم الطاولة وعيناه تنهش السافلة التي ضربته في موضعٍ حساس ليلة أمس، أعني كان سيأخذ حقوقه الشرعية منها كأي زوج مُحب كيف تجرؤ تلك اللعينة على محاولة إنهاء أطفاله ومسيرة آل چون التي عزم على بدأها معها وحدها؟ تلك السافلة كانت ستنال شرف حمل أطفاله، لو كانت أنثى آخرى محلها لأنهارت شكرًا لفضل السماء على تلك الرفاهية الإعجازية لكن كما يقول العظماء، أعطي حيوانك القبيح رفاهية مُطلقة فسيرى نفسه سيدك.
تملك الشر عيناه بينما يتذكر مكانتها الفعلية أسفل قدميه، لكنها بدت من نسى تلكَ الليالي الجميلة حيث كانت تترجاه الرحمة بينما يريها كم جلدها أسمك من الحمار وذلك الدماغ اللعين أغبى من دِهن الخنزير، لكن لا بأس، هو كريمٌ وسخي بما فيهِ الكفاية ليتجاهل ما حدث مؤقتًا، وليتجاهل أيضًا صديقها ذاك الذي تجرأ على إرسال جواب لمثلها ساقطة دميمة، مرر عيناه عليها ببطىء متأثرًا بمدى قباحة شعرها المنسدل ووجها المثالي، وتمنى لو ينتزع عيناه حتى لا يرى بعدها امرأة ولتكون هي أخر ما يراه، تبًا لي كم تمنى أن يموت بين ذراعيها متأمًلا وجهها وعينيها.. لهذه الدرجة كانت قبيحة جدًا.
"أتمنى أنك حظيتَ بليلةٍ هانئة يا زعيم."
خرج من شروده على نبرة كلارا المائعة، فناظرتها سي-ڤي بكرهٍ خالص لم تشعر بمثله لأحد من قبلٍ، فشعرت بأنها أمام حرباء متلونة كانت لتسحقها أسفل قدميها بإشارةٍ منها لزوجها المريض متى شائت لكنها أرادت أن تعرف لأي مدى وصلت أهميتها ليبقيها بجانبه في غيابها، تلك المرأة في نظرها ألعن مائة مرة من سونيا والتر التي فرت خارج البلاد، فكرة أنه اتخذها بجانبه بعدما أرسلها هي بعيدًا كانت تنهش قلبها من الكراهية أكثر لجحوده، حولت تركيزها عليه بعدها وكم كرهت نظراته المستمتعة وتمنت وقتها لو تقف على الطاولة لتؤدي عرض حصري للجميع وحينها لنرى إلى أي مدى ستطول متعته وبسمته تلكَ وهي ترقص عارية أمام رجاله، لنرى لحظتها كم ستستمتع أيها الزعيم اللعين.. شعرت بأن جسدها يرتعد، وبأنها في حاجة مريرة الى جرعة سريعة، فمسحت على أنفها وكأنما الحكة أكلت جيوبها ثم نهضت وصعدت غرفتها مجددًا دون كلمة واحدة.
جمدت عيناه على طيفها الذي تلاشى بتعبيرٍ لمْ يفهمه أحد، غير مقروءٍ ولا معلوم بسبب حركة مسحة أنفها تلك التي يُجزم بأنها لا تنتمي سوى لمدمنٍ أكلت المخدرات عقله وشلت تفكيره، وهذا تحديدًا ما رفض تصديقه، لأنها لو كانت مدمنة، شكوكه ستتأكد بنسبةٍ مئة بالمئة، فلم يكن چون سانتيغو غبيًا ليصدق بأنها ذات سلطة ولا عقلية تساعدها على ترك بيت أبيها لتسافر إلى بلدتهِ مُجددًا لأسباب كثيرة، أولها بأن إبنة ابرام ميتة في نظر القانون وهذا سيقيد سفرها خارج البلاد بل والكثير من أوراقها الرسمية.
فكرة أن هناك من تلاعب بزوجتهِ من خلفِ الستار كانت كالعلقم في فمهِ، كان متأكدًا تمام التأكيد بأن سيڤار لم تكن أبدًا لتخونه مع رجلٍ، وهنا لا أعني الخيانة الجسدية فقط، بل خيانة لا تشد وطئًا عن الأولى وهي تسليم أوراقه أو السماح لغيره بوضع ملكيته على إنشٍ قد لامسه، فإن فعلتها قديمًا فإنها لن تفعلها الآن.. لكن السؤال كان مَن؟
من ذو السلطة التي تمكنه من مسك خيوط الماريونت وتحريكها كما يريد دون معرفتها؟ من الذي تجرأ على التفكير بإستخدامها كدمية جميلة قد تشتته كالطفل ليحصل على ما يريد.. أسودت عيناه وراحت الأفكار تسحبهُ في دوامتها يمينًا ويسارًا، بينما ينسج مئات الخيوط المترابطة، وإجابتها الوحيدة تكمن في النبشِ ورائها بعدما تركها أمام بيت أبيها لمعرفة كيف إنتهى بها المطاف عائدة لدياره عن طريق وسيلة يجزم بأنها كانت غير شرعية.
لم يكن ليتركها أباها تحت أي ظروف وهذا ما رآه بأم عينيه حينما زاره في منزله منذ فترة.. لذا لما أختارت ذلك الطريق مادام لم يُفرض عليها؟
صر أسنانه ثم نهض مغادرًا القصر وأشار أيضًا لسائق سيارته بالإنسحاب، فرحل الرجل تاركًا المفتاح في صحبة الزعيم، بينما تحرك هو بالعربةِ مبتعدًا عن المكان، وحينما ظن بأنه قد هرب منها جهل، حيثُ شعر بلمستها الجميلة على بشرة ذراعه، قبل أن تستقر على قفازه الأسود من جلدِ الثعبان والذي خبأ تحته الكثير.
"چون.. هل أشتقتَ لي؟"
أسمه داعب حواسه حتى كادت تنفجر، فزادت سرعة سيارته وأغلق عيناه بمرارة جراء سؤالها التالي:
"لو عاد بنا الزمن.. هل كنت لتتركني؟"
شعر بأناملها الباردة تتلمس عنقه فتأوه بضراوة أمام نبرتها الخفيفة على حواسه:
"هل مازلت تحبني حتى وأنا مشوهه داخليًا بسببك فقط؟ لما تلومها على الوضعِ الذي وصلت إليه، وانت بعد رحيلنا جامعت امرأة غيرنا.. بينما نحن متنا بسبب ذكراك وذكرى أبننا.. يا حبيبي."
توقف بالسيارة فجأة حتى كادت تنقلب به، لكنها أنحرفت على جانب الطريق، وأنفه سال ببضع قطرات الدماء التي لطخت قميصه الأبيض وفمه، وحين نظر بجانبه باحثًا عن شبحها ولم يجده، وجد نفسه يعود للقصر بسرعة جنونية، متخيلًا ذاته تشتم عبيرها وبجسده على جسدها، وحينها خاف بأن يفعل مثلما فعل من قبل، حيث هرب، هرب من كل الدنيا عائدًا إليها معتديًا عليها.. لكنه لم يهتم بعواقب فعلته تلكَ، لم يبتغي وقتها سوى الشعور بها، ليؤكد لنفسه بأنها ما زالت معه، عادت إليهِ بإرادتها كما حلم، وتبًا كم تمنى أن يتحقق حلمه الوحيد، وفجأة.. وجد نفسه أمام بابها المقفول ويده تمسح أنفه من بقايا الدمِ.
وهي كانت منكمشة على الأرض بعدما مر على جرعتها الصغيرة مدة جعتلها تستفيق قليلًا، حيث تلك المسحة البسيطة ساعدتها على تمالك جوعها وبنفس الوقت على الإحتفاظ بجزءٍ من عقلها أيضًا، علقت عيناها على باب غرفتها الذي فتحهُ ببطىءٍ، وحينما دخل بدى أيضًا أنه لم يستفيق سوى بعدما رأها، فوقف مستندًا على بابها وعيناه تمر عليها، كما مررت هي أيضًا عيناها عليه، تتبع بشرته السمراء وعروق يديه المنتفضة، وأصابعه الرجولية الغليظة وجسده العريض، ذقنه النابتة وشعره القصير الناعم، كان وسيمًا وخطيرًا بنفس الوقت، فاتنًا كفتنةِ الشيطان أو أشد أيضًا.
نهضت تسير ناحيته أمام نظراته المتوحشة لها، وأستندت بصدرها عليه وحينها شعرت بأنفاسه العالية كالنغمات تطرب صدرها، بينما هو تأمل عيناها بتلك النظرة الموجوعة بسبب رغبته فيها وأيضًا حزنه عليها، بينما هي أنزلت رأسها تستند على صدره، ويدها راحت تداعب ذراعه طوليًا، حتى تلمست أطراف قفازاته، وتوقفت عندها، ثم رفعت له عيناها مُتسائلة بنبرة مبحوحة:
"لما لا تنزع تلكَ القفازات أبدًا؟ ألم تشتاق لتلمس وجهي؟"
أبتسم، وحينها شعرت بأنها مجنونة لا محال، چون سانتيغو هاريسون، الرجل الذي أرعد الأرض وحكم الكثير من الأراضي خلف الستار، تبسم لها وهذا جعلها مشتتة، بل وأن يرفع سبابته متلمسًا أسفل عينها فهذا ما لم تتوقعه أيضًا، لذا سألت بلا تفكير:
"هل أذيتَ نفسكَ في غيابي؟"
زالت بسمته فشعرت بنفسها غبية، فكيف قد يؤذي نفسه بسببها، من كان ومن كانت هي؟، لم تكن سوى غلطة من الزمان وكأنما منسية، لا تملك سوى القليل جدًا أمامه، بينما بدى هو يمتلك كل شيء أراده، وفي حوزته كل شيءٍ قد يريده أيضًا.
"هل أنتِ غبية لهذه الدرجة.. نسيتِ من أكون أمامكِ يا سيڤار؟"
لهثت حينما حاوط عنقها بغلظة، وقرب جسدها له بمنتهى الخشونة رافعًا إياها من خصرها، فلفت قدميها حوله وتمسكت به بيديها كي لا تسقط، وحينها فقط ترك عنقها مُحاوطًا مؤخرة رأسها، ويدها الأخرى نزلت لمؤخرتها يرفعها نحوه أكثر.. وراح يتلذذ بنفسها الذي لفح وجهه كرجلٍ فاقد لكل معانى العقلية بينما يسير لفراشها ثم ألقاها عليه طاحنًا إيهاها تحته وهنا.. وأفاقت من غيبتها عكسه هو الضائع فيها.
إرتعد جسدها بخوفٍ مرضيّ تحته أكثر من مرة، وبدأت أنفاسها تعلو من شدة رعبها، كالذبيحة التي تنساق إلى موتها وعيناها في عين ذابحها، بينما لاحظ إصفرار وجهها وهلعها، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من دفن رأسه في عنقها بهوسٍ ومرض.
"چ.. چون أرجـ.. أرجوك!"
"أرجوكَ ماذا؟"
"سيدي! أرجوك سيدي!"
أتخذت نبرتها رعشة بكائية وكأنما منعت ذاتها عن الأنهيار، فرفع رأسه لها بنظرة أرعدت كل عظمة في جسدها وزادت من إنتفاضتها، كانت نظرة سوداء بمنتهى الدمامة وكأنما يزحف كالسقمِ إلى نخاعها الشوكيّ، فقال جملة لم تتوقعها أبدًا بينما يتحسس عنقها وصدرها بطرف أنامله، وعيناه تمزق عينيها:
"سيدكِ لأول مرة كان غبيًا ليشك بأنكِ تتعاطين المخدرات، أعلم بأنني كاملًا، لا وجود لخلقٍ مثلي وهذا ليس غرور يا سيڤار.. وإنما أخبركِ لأنني كريمٌ ومتواضع للغاية، بأني لأول مرة ومنذ ولادتي، شعرت بأنني غبي لأفكر بمثل هذه الفكرة الغير موجودة.. صحيح بيبي؟"
قالت برعب وبلا تفكير:
"نعم سيدي.. نعم انت غبي، أقصد الفكرة غبية، شخص مثالي وكامل مثلكَ كان ليعرف إن فعلت ذلكَ."
صدق كذبتها وتمنى فعلًا لو يكون غبيًا متغافلًا لأنها كانت روحه، أهم بكثيرٍ من أي شيءٍ بالوجود، لذا مسد رأسها كما لو كانت كلبه المطيع وقال:
"الوقت حان لأعرف كل شيء، وحينها.. سأقرر مصيرك يا سيڤار."
أتسعت عيناها ثم أمسكت يده وترجته ببكاءٍ:
"أرجوك.. أرجوك لا تبحث ورائي أنا.. أنا لست مُستعدة بعد.. أرجوك بكل ما كان بيننا ألا تفتح دفاتري الآن."
توحشت نظراته، تلك العاهرة حقًا فعلت شيءٍ كان ليقنص دماغه اللعين عوضًا عن تخيله، لكنها أثارته حينمَا تمسحت برأسها في ذراعه بترجي وتابعت ترجيها بلا كرامة، وهنا شعر بأنه مقرف.. كان أكثر الرجال قذارة في الوجود ليتلذذ بها وهي هكذا بين يديه، كره نفسه حقًا لأنه أحب ذلك منها لكنه كان أيضًا له الكمال.
صوتها الذي راح يتراجاه بلا توقف لمْ يفقه من نشوته، لكن جملتها التالية هي ما جعلته يستفيق:
"انتَ حقًا تحب أن تراني منزوعة الكرامة بين ذراعيكَ."
لعن تحت أنفاسه دافنًا وجهه في عنقها وقال بلا عقلية:
"زوجكِ مسخ إبن عاهرة بيبي.. ماذا ستفعلين حيال ذلك؟ تبًا لي كم أنتِ كاملة."
"أنتَ لن تؤذيني."
كانت غبية، أغبى امرأة في الوجود، وتأكدت من ذلك حينما رفع نظره لها مجددًا، ورأت في عينيه كم يتوق لسماعها تصرخ بإسمه، تنوح وتتراجاه أكثر، رأت كل رغباته التي فعلها فيها مُسبقًا والجديدة التي لم يفعلها بعد، وأخرى لم تستطع حتى فهمها لكنها جعلتها ترتعش.
"اموت لأفعل."
أكد فكرها، وتمنت لو لم يفعل، فتابع كلامه مشتمًا نفسها بلوثة:
"لكنني لن أفعل."
"لماذا؟"
تجاهل سؤالها، وحينها سألته وكأنما لاحظت للتو، وسبابتها تتلمس ياقة قميصه:
"دم من هذا؟"
تحشرج نفسه حينما لمست قطرات الدم وشعر بأناملها على صدره.
"سأقيم حفل أدعو فيه آل هاريسون والعائلات التي أحكمها يا سيڤار، سيكون حفل كبير أرفع فيه شعار أمجادي، أرتدي ما تريدين مادام يغطي جسدك، ويغطي روحِي فيكِ، وهذا ليس طلبًا."
عملت أنهُ كان امرًا منه عليها فإمتثلت بسؤالٍ كالفرخِ المبلول:
"لن تفتح ملفاتِي؟"
"سنرى لأي مدى يمكن أن تكوني فتاتي المطيعة... لمن أنتِ يا فراشة؟"
"لست لكَ.. أنتَ عتقتَ رقبتي.. والآن أنا زوجة عمك.. ولا سبيل لكَ لي سوى واحد."
"وما هو؟"
سخر بنبرة دميمة غاضبة، فتابعت ببطىء حذر:
"أن تعترف بزواجنا، تـُشهر بهِ وحينها لتعرف فقط أنا لن أكون لك.. لكن سيادتك وملكيتكَ عليّ ستعود."
"ملكيتي على عنقكِ يا حلوة، حتى وأنتِ بنظر الجميع زوجة عمي لطالما كنتِ لي رغمًا عن أنفكِ ولازالت بيبي، أنا دللتكِ بشدة منذ عودتكِ، عاملتكِ بسخاءٍ كما لو كنتِ أميرة مدللة وهذا أنساكِ من أكون."
"أنتَ المسخ الذي لطالما كنتَ عليه يا چون، لا تخف أنا لم انسى أبدًا من تكون ولا أظن أبدًا أنني سأفعل، هذا ما أردته انتَ وحصلتَ عليه كأي شيء ابتغيته."
"كل ما أريده يأتي بإشارة واحدة من إصبعي، والدليل انكِ تحتي الآن."
"أعرف."
كان يكذب، لأن هناك شيئان تمناهم وتمنى لو ينهي حياته الغالية ليحصل عليهم، لكنه لم يكن ليقولها ولو كانت اخر ليلة في حياتهِ.
تحسس خصرها بنظرة غامضة متأملًا وجهها، فدفعته عنها برفقٍ، وحينها، نهض مُنهيًا النقاش دون أن يقدم على أخذها رغمًا عنها وهذا بالنسبةِ لها كان كافيًا، بل وأكثر من كافي.
'أبهريني يا إبنة إبرام.'
'سأفعل'
يتبع..
رأيكم في وجه چون الجديد؟ بس متنسوش إن مهما حاول الإنسان إدعاء المثالية فإن معدنه يفوز.
بحبكم ودمتم سالمين.. وكالعادة بذكركم أنكم ما تنسون تستمعوا بچون في الفصول الآولى.. تصبحون على خير. ♥️
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top