1

أشرقت الشمس معلنة بداية يوم جديد، لكن يبدو أن أحدهم لا فرق لديه بين الأمس و اليوم، أمسك رأسه محاولا التخفيف من الصداع الشديد الذي يشعر به، و الذي صار روتينا يوميا بالنسبة له، بعد الأرق، ليسمع طرقا على الباب فيأذن للطارق بالدخول، ليدلف شاب متوسط القامة، يمكن افتراض كونه سكرتيرا أو مساعدا للجالس على كرسي المكتب، فمعاملته الرسمية و حذره في إلقاء الكلمات كفيلة بإظهار ذلك، ليقول بهدوء و عملية :

-" الآنسة إستبرق قد خرجت من السجن يا سيد عاصم، و هي في منزلها الآن، هل تأمر بشيء بهذا الشأن ؟ "

اتسعت عينيه على مصراعيها و انتفض واقفا، و كان ليركض خارجا متجها إليها، لولا أن تذكر أنه لم يغير ثيابه، و كيف يقابل أميرته بهذه الحالة المزرية، ارتدى بذلته السوداء الفخمة، و عدل شعره، ثم رش القليل من العطر الرجالي الصارخ، ليبدو كأمير في حفلة ملكية، كأحد فرسان الحكايات الخرافية، ابتسم لنفسه برضى ليخرج من منزله و يتجه نحو سيارته، ركبها ليقود نحو الموقع الذي أخبره السائق أنها تتواجد فيه، ليقطب حاجبيه مذهولا، منزل أسود !! إستبرق عاشقة الألوان لم تستلطف الأسود يوما !! نقر على الجرس بتردد، شيء بداخله يخبره أنه سيرى ما لن يعجبه، لينفتح الباب بعد لحظات، و تظهر من خلفه شابة طويلة القامة، نحيلة، وجهها مسلوب الألوان و شاحب، الهالات السوداء مستقرة أسفل عينيها، شعرها الأسود مربوط بشكل مزرٍ، مظهرها يوحي بكونها جسد فقد روحه، حينها أدرك أنه فقدها، فقد إستبرق حب طفولته، الواقفة أمامه ليست سوى ضحية لقسوة الحياة، شابة تحررت بعد خمس سنوات من السجن

نظر إليها مطولا، محاولا حفظ تفاصيل ملامحها، محاولا التصديق بأنها بالفعل أمامه، بأنه لا تفصله عنها سوى بضع سنتيمترات، لكنها قطعت الصمت و التواصل البصري بأن دخلت للمنزل تاركة الباب مفتوحا لتعود بعد بضع لحظات حاملة مذكرة و قلم، قطب حاجبيه عاجزا عن فهم ما يحدث، لتكتب على إحدى الأوراق

-" آسفة هل أعرفك ؟"

أتعلمون ؟ أحيانا نشعر بأن الظلام يحيط بنا في وضح النهار، و غالبا ما يكون ذلك بسبب صدمة قوية، ذلك ما شعر به عاصم، و للحظة شبه موقفه برجل يهوي من الطابق العاشر ليصطدم بالأرض بقوة، طال نظره للورقة ليقول بصوت هادئ طغت عليه الخيبة

-" لولا الشامة الصغيرة في الجانب الأيمن من وجهك، و تميز نظرتك عن نظرات العالمين لما صدقت بأنها أنتِ، لكن حتى لو أخذك القدر مني لمئة سنة و جمعني بك بعدها لوجدت تفصيلا يجعلني أعرفك ... "

نظرت إليه ببلاه، هي لا تدري ما يرمي إليه، أو تتظاهر بذلك، لا يعرف الإجابة المناسبة لهذا الموقف الغريب، لكن لم يدع الصدمة تطيح به، بل ابتسم لها بهدوء ليقول

-" لا بأس إن لم تعرفيني ... أنا أعرفك "

ثم استدار مغادرا، ربما لم يكن هذا الوقت المناسب لزيارته، أو أن القدر لن يمنحه وقتا مناسبا أبدا، أحاطت الصحافة بسيارته ما أن ركنها عند إحدى البنايات الشاهقة، و حاول تجاهلهم مرارا لكنه لم يفلح، ليقول أحدهم شيئا جعله يلتفت بتفاجؤ

-" سيد عاصم، ألن تفصح للإعلام يوما بقصة طفولتك ؟ ألن تزيح غطاء الضبابية يوما و تعرف الجميع عنك ؟ أن أنك تريد أن تظل دوما عاصم مراد الرجل الغامض ؟!"

وضع عاصم نظاراته الشمسية ثم أعاد النظر إلى ذلك الصحافي ليقول

-" هناك شيء يدعى الخصوصية "

ثم دخل المبنى محاولا إيقاف تردد صوت صدى ذلك الرجل في رأسه، دخل مكتبه ليقلب كل شيء رأسا على عقب، حطم المزهريات و اللوحات، ألقى بالأوراق و الأقلام، كل شيء صار في فوضى عارمة، و من يتجرأ على إيقاف غضب عاصم مراد ؟ طبعا لا أحد، غير من لا تتذكره الآن، ليت الدفاتر القديمة لا تُفتح إلا حين نكون جاهزين لتلقي ما فيها. 

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top