5: صديقتي المُهتمّة.
يَوم يجُرّ الآخَر خلفه وحالنا يزدادُ سوءاً. تلك الـ ندى تتوغّل بيننا أكثر فأكثر حتي أصبحت مُلتصقة بنا، وأصبحت أوقاتي معكِ وحدنا شِبه مُنعدِمة.
تقرَّبَت منكِ عن طريق إخباركِ بأسرارها وطلب مُساعدتكِ في مشاكلها، وإلتصقت بكِ طوال الوقت.. وبالطبع كُنتِ معي طوال الوقت، حتي تقرّبت مِنّي أنا الأخرى وفرضت نفسها علينا بشكلٍ أو بآخر.
حدّثتكِ كثيراً بشأن أفعالها التي تُثير جنوني أغلب الأوقات، وكان ردّكِ لا يتغيّر أبداً.
"إنتي مكبّرة الموضوع علي فكرة!"
"ندى مش زي ما إنتي فاكرة، إنتي أصلاً مش مديالها فرصة تقرّب منك عشان تعرفيها علي حقيقتها."
"يا (جيم) طنّشي بقا، كل دي تهيُّئات أصلاً وندى مش قصدها كده."
"إنتي عارفة كويس إن محدّش هياخد مكانك عندي!"
ويُعاد المَشهَد بين حينٍ وآخَر وأبقى أتذمّر من أفعالها وأنتِ تُدافعين عنها أو كما إعتدت أن أقول لكِ:
"بتاكلي بعقلي حلاوة يا ماريا؟"
كُنتِ تفعلين ذلك طوال الوقت حتي تتخلّصين مِن حديثي بشأن ندى.
ذات يوم تأخّرتُ أنا علي أحد الدروس الخصوصيّة التي كنا نأخذها معاً، ووصلتُ بعد أن بدأ المُعلّم الدرس الجَديد. فتحت باب الغُرفة ورحّب بي المُعلّم بعد أن إعتذرت له عن تأخيري. إلتفتُّ لتقع عيناي علي مِقعدي -الذي إعتدت الجلوس عليه طوال سنوات- والذي كان بجوار مقعدكِ.. فوجدت أن هناك مَن سبقني إليه -ندى.
نظرتُ لكِ وتنهّدت، فإبتسمتِ لي مُهوِّنة.. رميتُ نظرةً حاقِدة نحو نَدَى ثم ذهبت باحثةً عن مقعدٍ آخر. حتي وجدت واحداً في آخر الصفّ.
أخذ المُعلّم يشرح أحد دروس الكيمياء الطويلة، وبين حينٍ وآخر كُنت أسترق النظر إليكما.. تهمِسُ ندى في أذنكِ فتكتمين ضحكتكِ بعدها، ثم تهمسين أنتِ وهي تضحك.. وتكتبين في كشكولها، وهي تقرأ وتضحك، بدوتما كأصدقاء مُنذُ عمرٍ طويل.. بَدَت ندى وكأنها حلّت مكاني، وبدوتِ أنتِ مُرحِّبة بالأمر.
إنكمش قلبي في قفصي الصَدري وشعرتُ بضيقٍ يستولي عليّ كُلّما وجّهت نظري نحوكما، فحاولت قدر الإمكان أن أتجاهل أفعالكما المُستفزّة.
كُنتُ أوّل مَن إنصرف من القاعة بعد أن أعلَن المُعلّم إنتهاء الحصّة. غادرت المكان بأكمله بخطواتٍ تنُمّ عن غضبي الشديد وتحفُّزي للقتال في أي وقت.
"ليه حاسس إنك هتضربي أي حدّ يكلمك دلوقتي؟" تحدّث أحمد إليّ أثناء نزولي علي السلالم، فرمقته بغضب ليقُل "وليه حاسس إن الحدّ ده أنا؟"
ذهبتُ لأستقلّ وسيلة مواصلات. لم أنتظركِ تخرُجين من القاعة تلك المرّة.. علي غير العادة.
لم أنطِق بحرف مُنذ وصولي للمنزل. فقط بدّلت ملابسي وإرتميت علي سريري غارقةً في نومٍ عميق مُريحةً أعصابي التي تشنّجت وذهني الذي أهلكته في التفكير.
*****
أمسكتُ بهاتفي لأجلس علي سريري وأفتح التطبيقات لرؤية ما هو جَديد، وليتني لم أفعل.
رأيتُ مَنشوراً مِن قِبَل ندى لصورةٍ لكما كتبَت أسفلها "My bestfriend is better than yours" وكثيرٍ من القلوب الحمراء تُرافق كلامها.
رأيتُ تعليقك حينها "Besties forever" وكثيرٍ من القلوب أيضاً.
وكثيرٍ مِن الغَيظ إحتلّ قلبي ليعتصره ببطيء.
ألم تكُن تِلك الجُملة تُقال لي بإستمرار؟ والآن تقوليها لندى التي دامَت معرفتكِ بها لبعضة أشهُر قليلة؟
لم أتمالَك أعصابي وفتحتُ مُحادثتنا لأكتب لكِ بأصابعٍ مُرتعِشة لشدّة الغيظ: "ندى بقت البيست فريند دلوقتي؟"
"مشيتي إمبارح لوحدك ليه؟ مش كنا بنروّح سوا؟" كان هذا ردّكِ -الذي جعل من البراكين بداخلي أن تنصهِر أكثر وتتفجّر في الأرجاء-.
"آه صحيح، أنا مشيت إمبارح لوحدي ليه؟ ما أنا طول اليوم كنت لوحدي يا ماريا هتيجي علي إني أمشي لوحدي؟!!" عاودتُ أكتب لكِ واللهيب يتصاعد إلي صدري: "هتفضلي معندكيش دم كده لحد إمتى؟"
أجبتِ بعد عشرة دقائق.
"(جيم) مالك في إيه؟"
تنهّدت لأكتب "ندى بتاخدك منّي. ندى من الناس اللي نفسها توقّع بينّا وإنتي بتديلها الفرصة دي يا ماريا! مش ملاحظة إنها هي سبب كل المشاكل اللي بينّا الفترة الأخيرة؟"
"والله اللي أنا ملاحظاه إن إنتي السبب في كل المشاكل اللي بينّا بتفكيرك ده، ممكن تبطلي بقا؟"
"أبطّل إيه؟ يا ماريا بقولك بتوقّع بينّا! بتيجي تقولي إنك بتحكيلها حاجات عني وبتشتمي فيا وأنا كل ده ساكتة عشان عارفة إنك بتحبيها ومش هتصدقي اللي هقولهولك، بس أنا زهقت ومش هستحمل أكتر من كده.."
"فقرة الدراما كوين دي هتخلص إمتى عشان أبقى أكلمك؟" أرسلتِ لي ببرودٍ يُنافِس القُطب الشمالي، فإبتسمتُ ساخِرة ورميت الهاتف بجانبي لأعانق ساقاي وأسنِد رأسي عليهما.
إنهمرت الدموع من عيناي مُتلاحِقة. يا لكِ مِن باردة.
أُحاوِل مُنذُ أيّامٍ عدّة أن أُلصِّم نفسي وأتحمّل الألم، ثم تأتين أنتِ وتفجّرين مشاعري بكلماتكِ الفظّة. لم تكوني كذلك يوماً.
لم تكوني ماريا التي عرفتها وأحببتها منذ أعوام. كانت تلك بداية التغيير.
كانت ندى هي البداية التي قطّعت أوتار صداقتنا، وجعلت درّاجتنا الناريّة تقوم بحادثٍ عنيفٍ أدّى لإنهيارها تماماً.. وأدّى إلي تحطيم روحي إلي أشلاء.
*****
مرّت الأيّام، تليها الأسابيع..
وأنا علي حالي المُذري.
وأنتِ تتأقلمين مع ندى أكثر فأكثر. تتجاذبان كطرفين المغناطيس وتتوغّلان في حيوات بعضكما بالتدريج. حتي حلّت ندى مكاني بالكامل.
أدركت ذلك حين وجدتكِ تفعلين معها كل ما إعتدنا علي فعله معاً، تخرُجين معها في أماكننا المُفضلة، تُلقّبينها بنفس ألقابي، تُعاملينها بنفس الطريقة التي عاملتِني بها مسبقاً، والنظرات المُتبادلة أثناء الحصص وحديثكما عن الصبيان المُثيرين ومبيتكِ معها وإستعارتها لملابسكِ.. وكل شيء! كل شيء كُنا نفعله فعلتِه معها حرفياً. وكأنها رسالة مُباشِرة وواضحة بأنّكِ إكتفيتِ مني ووجدتِ البديل.
إنه لشعورٌ مؤلم ألّا تكونين الصديقة المُقرّبة لصديقتكِ المُقرّبة.
لكن الآن..
بما أنّكِ إكتشفتِ ندى علي حقيقتها.
هل وجدتِ بها رُبع إخلاصي لكِ؟ هل كتمَت لكِ أسراركِ مهما سائت الظروف؟ هل في أوقات خصامكما كانت تُحذّركِ من عقوبة أفعالك وتنصحكِ كأختٍ لكِ كما كنت أفعل أنا؟ هل فهمت مشاعركِ كما كنت أفهمها أنا؟ هل حرصت علي إسعادكِ كما فعلت انا؟ والأهم.. هل فضّلتكِ علي نفسها كما -للأسف- فعلت أنا؟؟؟
هنيئاً لكِ بها يا ماريا. ستتلاشي مشاعر الصداقة والحبّ التي تكنّها لكِ بعد أشهر.. تماماً كما تلاشَت مشاعركِ نحوي.
فكلاكُما كان حقيراً للحدّ الذي لا حدّ له. كلاكما إستحقّ الآخر.
ذات يوم كُنتِ أنتِ وصديقاتي مُشتركين في أحد التمثيليّات المسرحيّة التابعة لإسم المدرسة، وذهبتم لعرض المسرحيّة في المدارس الأخرى بينما بقيتُ أنا في مدرستنا وحيدة.. ما الجَديد؟ فالمسافاتُ تزداد بيننا كُلّما مرّت السويعات يا ماريا.. لا بأس بمسافاتٍ حقيقيّة تلك المرّة.
ألقيتُ حقيبتي علي المقعد في الفناء لأجلس بطريقةٍ تنُمّ عن إنزعاجي، وحاول كلّاً مِن عمر وجنى وأحمد إنتشال غضبي، لكن بلا فائدة.
حينها رأيتكِ تدخُلين أنتِ وبقيّة الرفاق عائدين للمدرسة بعد إتمامكم للعرض، وإنصرفتِ إلي حصصكِ بمنتهى البساطة.
"إيه مش هتسلّمي عليهم؟" سألني عمر مُلاحظاً تحديقي الطويل بالبوّابة التي عبرتُم منها.
"ومين فينا اللي رجع من برّا عشان يسلّم، أنا ولا هما؟" أردفت دون النظر له، وبصري مُعلّق بالبوّابة بينما أسترجِع رؤيتي لكِ تدخلين الفصل قاصدةً حصصكِ ومُتجاهِلةً وجودي.
*****
"إيه بقا في إيه؟ أنا عملت إيه دلوقتي؟" وضعتِ يديكِ علي جانبيكِ في حيرة بينما تقفين أمامي.
"سيبتيني لوحدي طول اليوم ولما رجعتي كم-.." بدأتُ أتحدّث شاكيةً مِنكِ إليكِ.
فقاطعتِني بينما تصيحين بغصبٍ قد أكل ملامح وجهكِ "عايزاني أعمل إيه يعني أفضل جنبك أرضعك؟"
لم أشعُر حينها سوي بوخزٍ في قلبي، ودموعٍ تتسارَع في الخروج من عيناي.. ولم أتفوّه سوى بكلمةٍ واحِدة، وبنبرةٍ خافِتة "يا خسارة!"
إنسحبت من أمامكِ كي لا تلمحي دموعي، وسمعتُ جنى تعاتبكِ بينما تصيح "لأ. تقضي باقي اليوم معاها، أو علي الأقل تسلمي عليها يا شيخة إنتي مبتحسّيش؟"
أخذت أبكي وأبكي كُلّما تذكّرت جُملتكِ التي حملت الكثير مِن الغِلّ والإستفزاز في ثناياها. وحملت جزءاً كبيراً من مشاعركِ نحوي لكنّي كنت غبيّة كفاية كي لا ألاحظ.
في ليلتِها قُمتِ بمهاتفتي فأجبتُ علي إتّصالكِ لكن لم أتحدّث، إنتظرتكِ أن تبادري الحديث.
"(جيم) أنا مكنش قصدي أضايقك، أنا آسفة بجد متزعليش منّي.."
وكالعادة، بعد سماع المزيد من التبريرات وعبارات الأسف والإعتذار قُمت بمسامحتكِ يا ماريا.
يا ليتها كانت آخر مرة تخطئين فيها بحقّي.
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top