مُوسم الحصَاد {النهاية} <٣٤>

_بسم اللّٰه الرحمن الرحيم. 🦋

-تحذير: الفصل يحتوي على بعض المشاهد الحادة والجريئة. +١٨

الحياةُ ما هي إلا مجموعة من القواعدِ العامة، حيثُ للغضب لهيبه الخاص، وفِي الحب نغرق لأجل نظرة مُتيمة من المَعشوق، وللحقد سلاسل أغلالًا، تنهش أرواحنا فلا تتركها سوى رذاذ من اللؤلؤِ القاتم..

لكن في الثلاثِ حالات.. تهلكُ النفس ولا يبقى منهَا سوى بريق.. وبرغمِ ذلكَ نال الغضب حيز عظيم من مشاعره، والسـُخط من ذاتهِ لأجل الشعور بتلكَ المشاعر الخافتة من الحُبِ بينمَا تتصدر هيئة طفله المُستقبلي بين ذراعيها الضعيفان.

كان حاقدًا وحاسدًا لإبنه، بسبب إدراكه الكامل بأن زوجته الحبيبة ستهب لأبنائها من المحبةِ، ما لن تهبه ولو بعد حين.!

جمالهَا خلال ثباتها وأبتسامتها الدسِمة في نومتهَا وكأنمَا لا تترك رجل فاقد للصواب يتأملهَا كُل ليلة كانت تُعذبه.. فبرغمِ سعادته معهَا، لا يزال يراقبها في الدجى والرغبة تؤجج حواسه الغير آدمية والمُختلة في تملكها بأبشعِ الطـُرق وأكثرهن أختلالًا، فحتمًا هو واقعٌ فيهَا بعمقٍ.. غارق في بحارها ولا يزال يلفظ أنفاسه الآخيرة منذُ البداية..

أبتسامتها أبشع وأبطأ موتاته.. هو يقسم، لمْ يرى في حياتهِ أجمل منهَا.. ودموعها، تبـًا، هو حقًا مُتيم برؤية لآلأها تفيضُ لأجل أن تمنحهُ الكنز المطموس من الماسِ الباهظ..

وبرغمِ عشقه المَكنون في رؤيتها ذليلة له، بائسة في حزنها لأجله، وجد نفسه عاجزًا حيال تركها للوجع.. چون سانتيغو هاريسون، عاجز، ينوح كالفاجرات على امرأة في حالمِ الأحلام وحتمًا لا تقترن به هناك.

أبتسامة مُظلمة راحت تتشكل على ملامحه لتعكس غضبه، فإن تأكد أنهُ لا يطارد أحلامها بطيفِ حبه، لمَا سمح لها بالنومِ مُجددًا.. على الأقل بنفسِ السكينة.!

كالعادة ظل ينهش نفسه بتأملها وكأنما يجلد ذاته ويُعذبها، فهو حقًا يُحبها، أكثر من أحتمالهِ ومن نفسهِ. لطالمَا كان مُتباهيًا نرجسيًا أمام الجميع لأجل شخصه، لكن معهَا، يطمس ذاته لكيلا ترى هيئته الحقيقية التي عرفها الكل حين شهدها القليل منهم.

في نهاية المطاف، طبيعة العقل البيولوچي أجبرت سيڤار على الأستيقاظ بسبب عدم الأرتياح جراء تحديق چون المُتواصل عليها، وحين نهضت مَذعورة تلهث، ظل على وجههِ الشرود والظلام المُعتم.

"أخفتني.!"

عاتبته خائفة بنبرتها اللاهثة، ومدت يدها المُرتعشة لكوب الماء تشترف منه الكثير لعلها تتخلص من تشنج أطرافها، قبل أن تُعيده مَوضعه مُتسائلة:

"كم الساعة؟"

"الرابعة صباحًا."

أجابهَا مُتكئـًا بمرفقيهِ على رُكبتيه ثم عقد أصابعه ببعضهم، وراحت عيناه تُحللها بجمودٍ مُتتبع ماكر أكثر من كونهِ غاضب أو ناقم:

"لمَا لمْ تنم ليلة أمس؟"

بل السؤال الأصح 'كيفَ لا تنام وتظل وسيمـًا بالنضارةِ هكذا؟' تمنت لو تسأله فتدرك الإجابة، لكنها أحتفظت بالحيرة لنفسها عوضًا عن إحراج ذاتها بأسئلتها السخيفة.. وهو؟ ظل صامتـًا يُراقبها. يتأملها وكأنمَا يدخل قفص عشقها بمنتهى التفاني والإخلاص، بوفاءٍ منه وبوعدٍ صادق ألا أحد سيخطو قلبه ولا حتى حواف مشاعره كما فعلت هي. ظنتهُ سيبالغ مُنكبًا على تأملها كمَا إعتادت، ليعذب نفسه برؤيتها وبالإنغماس في جمالها.. لكنهُ نهض فجأة بعدما نفذ صبره ونهشته أفكاره ثمَ أتجه صوبها مُلقيًا الغطاء فوق سطح الأرض، وعاد يُشاهد بروز بطنها بأعين قاتمة لمْ تفهمها:

"كيفَ حال الطفل؟"

"بخيرٍ."

اومأ بلا أكتراث ثم مَد يده يتحسس حرارتها، لنبض قلبها عند الرقبة، ومرر كفه على جسدها بشمولٍ وكأنما يبحث عن إصابة غير موجودة أو مَلموسة، فمنذ آخر مشاجرة بينهما، بات يُراقبها كثيرًا ليتربص بها.. وفي كل ثانية يتحسسها، فقط ليتأكد أن جنينه لن يقتلها أو يؤذيها.

"أنا بخيرٍ يا چون.. أقسم حبيبي."

تجاهلها وظل يتحسسها إلى أن رفع كفه الغليظ فجأة وأحاط به بطنها، فتصنم جسده وتصلب فجأة، وغامت عيناه أكثر، فتبسمت مُتوجسة ولمْ تدفعه.. وفي المُقابل ظل مُستكينًا يتأمل مسكن طفلهما بغموضٍ لمْ يتجلى، ثم أعتلاها، وسحب يداها فوق رأسها يكبلها برغم إنعدام مُقاومتها.. ولا يزال وجهه قاتمًا مطموسًا كاللغز تمامًا.

أندهشت ضاحكة تُخفي ريبتها وعدم فهمها، فراقب عيناها وأبتسامتها مُطولًا:

"أدفعُ نصف عمري، لأقرأ أفكاركَ.!"

دفن وجهه عند عنقها باحثًا عن روحه فيها، وأجابها هامسًا برغبةٍ ودفيء:

"وأنا أدفع عُمري كلهُ لتظلي بخيرٍ."

حين رفع رأسه أخيرًا يمنحهَا أحقية الولوج إلى مشاعره، يريها عاطفته المُستقرة بالحبِ والهدوء، وكأنمَا قُربها يسحره ويخدره، ويبدد الوجع ويروي الظمأ، فأرخى قبضته مُحررًا يديها وبرغمِ حريتها، فضلت أن تكون سجينته هو وحده، فأحاطت عنقه تضم جسده نحوها.

حينمَا قربت رأسه من صدرها، وكأنما تعطف عليه لتنتشله من أوجاعه ووحدته.. لتريه أن ضلوعها وبرغم ضئالتها مقارنةً به، قادرة على أحتواءه بكل وفاء، أبتسم وأحاط كيانها بتملكٍ تام لأنثاه الفريدة، فأنزلقت يدها من حول عنقه تحيط ظهره العريض لتقربه منهَا قدر الإمكان، وتمنحه الإشارة في لمسها، فسحبها لتكون أعلاه يضمها أكثر، مُحاولًا إعادتها لأضعلهُ.. كما خُلقت حواء تمامًا.

"فِي اليومِ الآول الذي رأيتكَ بهِ.."

قالتها بعد فترة من الصمت، ثمَ رفعت رأسها بأعينٍ دامعة فاضت بالدفىء والحرارة، فلاحظت الألم الذي نهش أنفاسه وسعادته بعدما تذكر فجأة كيف كان يضربها بتلذذٍ تام لصرخاتها ثمَ يغتصبها مُنتهكًا إياها، فكم مرة جلدها لغرض التعنيف وتوقف فقط وهي على شفى خطوة من الموتِ، وكم مرة سحق عظامها بمنتهى الضرم لرؤيتها ضعيفة ذليلة.. حبيسة لهوسه. لاحظت وجعه ومرارته، وقرأت كل ما جال في خاطرته، فقالت بأعينٍ دامعة وأبتسامة خافتة:

"أسمع ما سأقول ولا تُفكر، فلربمَا هذه هي المرة الوحيدة، التي بها ستسمع مني تلكَ الكلمات يا چون.."

الوجع أشتد بخضراوييه الداكنتين، والكسر في قلبه إزدادت فجوته بعدما تابعت بحرارة ونعومة لامست بشرته المُتصلبة:

"ربمَا لمْ أستطع الوقوع في حبك أثناء تعذيبي، لكنكَ كنتَ نكهة لذيذة لا يُمكنني مُقارنتها بكلِ أصناف الطعام التي أُحبها.. ولازالتَ تلكَ النكهة هي الألذ في حياتي، فالطعم مُثير للحواس، للحب، والأمان، برغمِ الخوف، والفزع.."

"حين رأيتكَ للمرة الآولى، ابيتُ الأعتراف أثناء سرد روايتي، أن من شدةِ وسامتكَ، توقف الزمان عندك، فبطأ كل شيء وبات دون معنى.. لكنني قاومتُ.. لمْ أستطع أن أترك ذاتي تفتتن بكَ، وأنتَ لم ترغب سوى أذيتي."

أغلقت حادقتاها تمنع نفسها عن الضعف جهادًا لرؤيته، وتابعت على أستحياءٍ، وبعبراتٍ خافتة عكرت مرارتها جروحه المخفية فزادت علته:

"وحين مررت ثغركَ على عنقي بعد زواجنَا، زال شعور الذنب، فتحول إلى.."

أسهب أنامله يزيل دموعهَا الساخنة بأعين مُمزقة، وأنفاس لاهثة:

"إلى لذةِ خطيئة، ولمْ أظن قبلًا أن الخطايا المُحللة بتلكَ الحلاوة.. فقط لأنها معكَ."

"ســـيـڤـار."

"چــون."

سحبهَا من شعرها ولثم ثغرها بعنفٍ نسبيّ، ليتناول مشاعرها الجياشة في فمه ومنحها خاصته، وحينها ذُهلت من شدة ثوران عاطفته لها.. ولها وحدها، فشهقت مُتمسكة بعنقه وكأنما تخاف أن تتلاشى فيه دون أن تُشبع رغبتها في الشعور بالأمان فقط لأنهَا معهُ.

سمعت ثيابها تتمزق، لتتركها عارية الجسد كما تركها هو عارية من كل جدار وحصن قد يمنعه عن الولوجِ إلى روحها وقراءتها كالكتاب المَفتوح، فلهثت من شدة ثقل تلكَ اللحظة بينهما لتبتلعها، وكادت تبادر في فصل القُبلة، لكنهُ زمجر ساحبًا إياها نحوه برفضٍ تام، يضمها بذراعيه القويان إلى صدره بلوعةٍ يستبيحها:

"لن أترككِ.. لا الآن، ولا لاحقًا."

همسها أمام شفتاها برفضٍ لتركها، فراقبت ثغره مُطولًا، وسمحت لنفسها بتأمله بلا شروط ولا حدود، فتراجع بضع إنشات تاركًا المجال لها.. فرفعت أناملها ثم مررتها على شعره ببطىءٍ تسكشف نعومته برغمِ خشونة مالكه. كانت مُتأكدة بكرهه حيال تلمس أحد لخصلاته، وبرغم ذلكَ، تثاقلت أنفاسه وتراخت دفاعاته، وأغلق عيناه الداكنتان مُتلذذًا بتلكَ اللمسات فقط لأنها من فراشته.

أنزلقت يدها تتحسس وجنتاه الحادة والشائكة بتريث، وصولًا لبروز حلقه، ثمَ صعودًا لثغره الجامد.. فتمسكت الرغبة بحواسهِ لحد لمْ يستطع محاربته، وفتح عيناه وكانت أشد ظلامًا عن لحظاتٍ وحينها.. فقد عقليته بسبب إسوداد الرغبة الواضح في قفصيها.. وشعر بروحه تتعرض للآسر الغير مَقبول فيهَا.. بمـُنتهى الظلم.

"أنا لكَ.. لكن.. هل أنتَ لِي؟"

أرتعشت يده من شدة صراحة مشاعره ناحيتها ثمَ تتحسس ظهرها العاري، وعيناه تنهش جسدها وكأنما يُمزق جلدها في خيالهِ المريض باحثًا عن بصيص روحها المُنيرة.

"أنا... أحبكِ.. تبًا بيبي.. حقًا أحبكِ أكثر من نفسي، أهلي، وأستطاعتي."

قبض على ظهرها بعنفٍ يقرب صدرها من صدره الصلب وخالجها مزيج مُستساغ من شجن الشعور بخشونته ورغبته ووجع طحنه لجسدها الضئيل، فأعتصرت عيناها من فرط الألمِ واللذة، وحينها جُن جنون الجانب المُهيمن منه وتثاقل جسده مُتألمًا، وبرغم ذلكَ تريث وهذا إنعكس على فسوق يده التي داعبتها وكأنما يصبر نفسه ليحول بينها وبين رغباته، مُنتظرًا منها المُبادرة ومبادلته. ظل هكذا عدة دقائق حتى نفذ صبره، فسحبها أسفله بإبتسامة مُظلمة يتحسس تضاريسها بالعين، ليراها القلب ونياطه.

"كُن رقيق."

طلبت بلطفٍ، فرفض كاشفًا عن أنيابه:

"تبًا بيبي ليس لديكِ فكرة."

"لكن الطفل.!"

سحبها من قدميها أسفله ليحيطها أكثر بعدما نزع قميصه بهمجية مُتعجلة، فراقبت صدره بأنفاسٍ مأخوذة من شدة كماله رغم الندوب والوشوم.

"إبني سيولد رجلًا، لذا دعينا نختبر طاقة تحمله الآن."

ضحكت بصخبٍ حين أنتهك عنقها بعنفٍ همجي تاركًا ما يُثبت حبه وتملكه لها، وقبضت الملايات بسبب بعثرته فوقها بدلالة عشقه لكل بقعة منها:

"آه.. أنتَ.. أنـ.. أنا.."

شهقت فجأة وتمسكت بكتفه بقوة، فرفع رأسه بإبتسامة ماكرة وعابثة لحد لا يُمكن تجاهله:

"أحِـبـِـك"

لهثت، ثم دندنت بصعوبة مُغرية:

"te iubesc" <أحبكَ>

ألتمعت عيناه مُبتسمًا بمكرٍ لمْ تفهمه برغم سعادته بينما يتحسس بطنها بلحيته:

"هل سمعتِ عن أشباحِ قصر هاريسون الصارخة في المساء؟"

أجابته ببراءة آسره:

"العم ديفيد حدثني عنهم من قبلٍ، لما؟"

زالت أبتسامته وغامت عيناه في دهمة غيرته المُفرطة، وبرغم ذلكَ حافظ على هدوء نبرته عكس إسوداد حادقتاه:

"جيد.. لأنكِ ستصرخين معهم الليلة."

أتسعت عيناها ثم أنفجرت ضاحكة حين داعبها بعبثٍ غيور ومُغتاظ، وما كاد يتعمق في ذكر معاني الحُب وأقترانه بجسدها حتى علا هاتفه برنينٍ مُستمر تجاهله، لكن زوجته المُفسدة للمتعة كان عليها الشعور بالإنزعاج بينما تدفعه مُبررة:

"لربمَا الأمر هام."

صر أسنانه بعدما تجرأت في سحب الغطاء والنهوض عن أسفله وكاد يخبرها بأن مجامعتهَا أهم أمر الآن، فسحبها ناحيته عنوة وما أوشك على إلقاء ما حجب عنه لذته فوق الأرض، حتى ذاعت مخالبها أخيرًا بعدما وضعته أمام الأمر الواقع بينمَا تضغط على زرِ الإجابة والمكبر معًا:

"لمَا لا تجيب هاتفكَ؟ منذُ مُنتصف الليل وأنا جنوني جُن بينمَا أركض وراء أخاكَ اللعين في مقراتِ الشُرطة! ، قتل أحد الوزراء على الملأ.. ذلكَ اللعين توقف عن أخذ علاجه فعاد عقله يختل، أنظر يا چون؛ لأن صبري بدأ ينفذ معه، الوغد صارعني كالمسوخ وكاد يقتلني فقط لأن المُكيف لا يعمل أعني لما عليه أن يتكيف بينما يتعذب على يدِ الأوغاد هُناك؟"

ضحكت سيڤار رغم عنها أثناء صياح صوفيا المازح، لكن نبرتها الشاكية أتخذت درجة جدية فجأة بدلالة سوء حالها وحال أخوه:

"حسنًا كفى مزاحًا ودعني أتحدث بواقعية، أندرو أذاني يا چون، وحين أقول كاد يقتلني لا أمزح، أعني.. عاد أندريس أسوء مما كان."

"وإذًا.. قبلي الأميرة المُختلة، وسيأخذ دواءه اللعين بعيدًا عني."

قالها بعد فترة من الصمت مُتبرئًا من أخيهِ وكبح ثورته ومسباته برغمِ غضبه بينما يخرج سيجارة لعلها تروه عن نفسهِ، وما كاد يُشعلها، حتى ناظر سيڤار مُلقيًا إياها على الأرض بلا أكتراث:

"هو يظن أنني.. نمتُ مع العجوزِ الميت."

أبتسم ساخرًا دون كلمة بعدما أتضحت المسرحية السخيفة أمامه، فتابعت تُبرر على الفور رغم أنها لا تراه:

"لكن أنتَ تعرفني بالطبعِ.. تبـًا سأفعل هذا، هل ظننتني سأنكر التهمة؟ تبًا لأندريس وهل تعرف ماذا؟ أنا مُختلة لعينة؛ لأنني وافقت على الأرتباط بذلكَ المنفصم الخائن.. لكنني.. لم أنم مع العجوز برغمِ ذلك أعني حاليًا أنتَ تترك العمل على كاهل سيادتي بينما تتمتع في شهر عسل روتيني، وذكرني ما الذي سيحدث بعدها؟.. اهــآ.! ستضربها حين تغضب حتى تتحطم عظامها اللعينة ثم ستدخل في نوبة إكتئاب داخلي بسبب ذلك لكن دعني أذكرك.. حياتنا على المحك، لذا تعال كالسيد المُطيع وأنهي تلكَ السخافة لأن كبريائي لن يسمح لي برؤيتهِ مُجددًا."

صمتت وحبست أنفاسها تترقب جوابه، لكن من جمود ملامحه وشدة العتمة في بؤرتيه، علمت سيڤار أن تلكَ الإبتسامة الجميلة على وجهها يجب أن تزول حالًا كي لا تزيد الطين بلة وتأخذ هي كل الغضب:

"ثلاثون دقيقة.. ثلاثون دقيقة فقط يا صوفيا.. وسأكون في القصر، وإن عدتُ ولم أجد كلاكما أمامي بإبتسامة لعينة وكل شيء على ما يرام.."

بتر قسمه فجأة صارًا أسنانه:

"لا داعي لذكر ما سأفعل ما دُمتِ تعرفيه."

لعنت تحت أنفاسها وأغلقت الهاتف مُسرعة، ثم ألتفتت لأندرو القابع في الظلام خلف القُضبان بأعينٍ غاضبة:

"رأيتَ ما فعلت؟.. أغضبتَ الزعيم.!"

ظل أندرو قابعًا في العتمةِ عدة لحظات يتأملها بقساوة مُفرطة، وكأن أسوء جانب فيه أستطاع الإقتران به أخيرًا، ثم نهض، وسار بخطواتٍ بطيئة صوبها، فتراجعت بإنسيابية مرنة في نفسِ اللحظة التي مد فيها يده من خلف القضبان، عازمًا على قبضِ رقبتها وروحها.

أبتسامة سوداوية أرتسمت على وجهه يُحييها على نجاتها من مصيرها ونهايتها الفعلية.. فكان سيقتلها حقًا، سأم من حُبها وخداعهَا، ومن وجع السقوط في حفرتها الشائكة، لكنها لمْ تُبدي أهتمامًا كبيرًا برغمِ جموده الذي أصابها في مقتل.. ولمْ تهتم سوى بحقيقةٍ واحدة، وهي أن أندرو الرجل الذي أحبته خانها أكثر من مرة، بدايتها حين سمح لنفسه بالنومِ مع سواها، وأخرها خيانتها بالقتلِ.. فكانت مُرة ولم تعتادها منه، وهو لطالما فداها بحياتهِ مُقسمًا على الموتِ لها.. ولها وحدها.. لكن الآن؟

ظلت تبتسم وكأن تلكَ العلاقة السامة لا تنهشها، ولا تحرق روحها، ولمْ تحطم فؤادها بالفعلِ، وهو، بادلها الأبتسامة بآخرى قاتمة من التوعد والتهديد المُباشر الغير مطموس:

"منذ الآن يا صوفيا، أحرصِي ألا أراكِ مُجددًا تحت أي ظرف من الظروف؛ لأن في اللحظةِ التي سأراكِ فيها، سأقتلكِ بيديّ العاريتان ولو أنتحبتُ كعاهرة حزينة بعدها.. سأقتلكِ، ولو أضطررتُ لقتل نفسي ورائكِ."

"أندريس."

دعت أسمهُ الأُم الذي يبغضه بتهديدٍ، فأسودت عيناه ساحبًا كفه لخلف القُضبان وحينهَا فقط أقتربت منهُ ببطىءٍ تتحداه.. جبهتها كانت مُصابة، وشفتاها مجروحة، وإحدى وجنتاها عليها شق طويل بينمَا جسدها يرتعش مترجيًا كبريائها ليسمح له بالإنهيار، فعلم أنه فقد صوابه عليها بالطريقة التي لا يحبذها وبرغم ذلكَ لم يندم.. ففي النهاية.. هذه هي صوفيا والتر، المرأة الوحيدة القادرة على إخراج شياطينه اللطيفة.

"نحنُ، أنتهينا."

قالتها بحزمٍ فأبتسم ساخرًا، وفجأة، أسودت الحياة في عينيها حين أحاط رقبتها بعنفٍ مُتقصدًا خنقها حتى الموت، فشهقت وحاولت التحرر منه، لكن كفه الغليظ آبى تركها سوى جثة هامدة..

لمْ ترى في عينيه سوى هلاكها، حرفيًا نفاذ صبره وحـُبه وتحمله لسخافتها.. الظُلم التام مر في ذاكرتها كشريط سينمائي لا رجاء منه، تشهد لحظات طفولتهما حين كان لطيفًا بما فيه الكفاية ليقطف لها وردة مُنتزعًا شوكاتها بأنامله ولو جرحته، وكانت هي بريئة لدرجة سمحت لها بتركه يطبع أول قبلة على وجنتها المتوردة. رأت بأمِ عينيها في تلكَ الثواني الضئيلة سنوات عمرها تضيع مع رجلٍ لا يستحق، بدءًا من لحظاتِ صبيها وصولًا لباقي ذكراهم الماجنة عند المُراهقة.

أصدرت عدة آنات تنم على إختناقها وتراخي دفاعها، ثم بدأت تخور قواها وكأنما أستسلمت أخيرًا لحقيقة جاهدت لتنكرها سابقًا، وحينها فقط ألقاها على الأرض دون أكتراث وكأنما هي دمية مل من اللعب بها وتحريكها كما يشاء، فعلمت أنه لن يهتم بموتها من عدمه.. فقط.. أراد أن يريها ما يستطيع فعله دون رمشة واحدة مُتلجلجة.

أحاطت عنقها فوق الأرض وعيناها الذابلة تتبع الفراغ.. وشعرت أن كل ما فعله من قبلٍ لا شيء أبدًا أمام الجرم الذي أرتكبه منذ لحظات. كرامتها، كبريائها، حُبها لنفسها وأحترامها لكُنيتها، خضعا أخيرًا لفكرة واحدة.

<هو لن يكون لِي.. في حين كنتُ لهُ وحده، بكل المقاييس.>

نهضت من فوق الأرض تمسح سيل أنفها بكفٍ مُرتَجِف، ثم أخرجت مفتاح زنزانته أمام تتبعه المريض، ووضعته في القفل ثم حررتهُ لعله يترك كيانها وفؤادها، روحها وجسدها، وهبته حرية الرحيل ومغادرة مقر الشرطة بل وحياتها أيضًا، لكن وفي لحظة واحدة، لا تعلم متى سَحبها مُغلقًا الزنزانة لتكون معه في الداخل، والفرار شبه مُستحيل.. وكأنما فضل أن يحترق معها في جمرة الإحتجاز عوضًا عن وهب السلام.

يده كانت تحيط عنقها في حدٍ يسمح لها بالتنفس ولا يسمح بالهروب، لكن عيناه، نهشت جسدها برغبةٍ وحشية، فتمتمت بمرارة خفيفة:

"ماذا الآن.. هل تُريد مُجامعتي؟"

ظل وجهه جامدًا للحظات أمام عيناها الصامدتان بالقوة والعِزة، فعلم أن مهما كانت فعلته دميمة معها، ومهما إزداد بشاعة في تعذيبها وأقتناص منها حياتها، فتلكَ العاهرة لن تخضع أبدًا ولو كانت تموت، لذا اومأ ثم ساعت أبتسامته من الآذن للآذن مُغمغمًا بعمقٍ مُهلع من الرجولة:

"لا، هُناك أفكار آخرى تُمزق بقايا عقليتي، وسأكون أسعد وغد في الوجود لو فعلتها.."

أخفض فكه لأذنيها مُستطردًا بشهوانية أثارت قرفها:

"مثلًا، أن أخذكِ بعنفٍ وهمجية لمْ تعتاديها من حبيبكِ الإيطاليّ، ثم اُري العالم كله، المُحب لكِ، أن صوفيا والتر ما هي إلا واحدة من المئات أسفل جسد المافيا الأسبانية.. مُدعية الفضيلة التي سببت شلل والدها فكرمها العالم، ما هي إلا لاهثة وراء المجد والنقود."

كانت لتظل صامدة لو لمْ يذكر أسم والدها وما فعلتهُ به، فأبيها، كان الشوكة الوحيدة في ظهرها، لكن الوغد أستطاع أن يقتلها حقـًا بعدما أستغل كونه أقرب شخص إلى أسرارها، لطعنها أعمق، وأشد، بخيانةٍ وغدر، لهذا لا تستطيع أن تُحب، وقمة وجعها أنها في المحبةِ لا تهب الثقة وبرغم ذلك وهبته إياها فذبحها ببشاعة وكتب نهايتها أكثر من مرة، وأخرها كانت قبل ثوانٍ فبكت أمامه دون صوت، بدموعٍ جامدة فقط وعينان ساخرتان:

"صوفيا والتر العظيمة التي خانتني في نفس الأسبوع مع أربع رجال، من ضمنهم حبيب أختها، ورجل لا تعرف أسمه من الأساس."

"لمْ أخنكَ مع أربعة في نفس الأسبوع.."

أرتفع ثغره بإهتمام ساخر، زال بعد قولها الغير مُكترث:

"بل أربعة في نفسِ اليوم والليلة، وخلال باقي الإسبوع، كنتُ قد توقفتُ عن العدِ."

ساد الصمت بينهما، وبرغم عيناها الساخرة ووجعها الغير مطموس، إلا أنها أستطاعت أن تتلمس رغبته المُطلقة في آذيتها ببشاعة، فأنكرتها، حتى أخترق صوت رصاصة أذناها وكأنه رعدًا تخلل مسامعها فذهب بإدراكها وآخذ معه روحها، فأخفضت أبصارها المُرتعشة ليده.. تحديدًا لزناده الذي أخترقت طلقتهُ بطنها.

كان مُتأكد أن إصابة صغيرة ستقتلها بسبب طبيعة مرضها وبرغم ذلكَ أطلق عليهَا رغم عيناه الحمراء بالدمعِ الغاضب.. ولا يهم مقدار وجعه حينها.. لأنهُ في النهايةِ أستطاع فعلها..

أستطاع قتلها.

أرتد عنها فأحاطت جرحهَا بأنفاسٍ مُمزقة، وشعرت بأمعائها تكشط وبرغم ذلكَ راقبته بذهولٍ وخذلان وكأنما وجع خيانته أقوى من وجع رصاصته، فعلم أن صوفيا التي أعماها حـُبه إن نهضت من إصابتها تلكَ، ستنهي ذكراه في فؤادها فهسهس مُهددًا:

"غادري ما دمتِ قادرة على ذلكَ، ففي المرة القادمة الرصاصة ستكون بين حاجبيكِ."

صر أسنانه لاهثًا بعد سماعه لجسدها ينهار على الأرض، فجلس على الكرسي يواليها ظهره المُرتعد مُناظرًا الفراغ. صوفيا قتلت أندرو فيه ولمْ تترك سوى مَسخ لن يُغادر هذه المرة ولو قتلها بحبه.. أوليس هذا ما كانت تريده في البداية؟ إذًا فهو لها.. بالكامل.

____________
_______

تحسست سيڤار كدمات عنقها بإبتسامة خَجولة بعدمَا تركها چون قبيل إشباع رغباته، فتوعدهَا بمَا سيفعله فيها حين عودته بمنتهى السفالة والمجون.. وبعد التفكير في الأمرِ، وجدتهُ زوج مسكين للغاية حيث لمْ يحصد أبسط حقوقه، فهي لمْ ترتدي لهُ المنامة التي يريدها في نهاية المطاف.

توجهت لغرفة الثياب وبحثت عيناها عن المنامة السوداء فسحبتها وأرتدتها دون تعقيب. هو يستحق، برغمِ أنها كانت خاجلة رافضة لحقيقة إرتدائها ما أبرز منحنياتها لكنها بدت مُثيرة فيها لا تنكر. ظلت تتفحص هيئتها بتريثٍ وكل لحظة وآخرى يزداد إستنكارها ورغبتها في نزعها، خاصةً بعدما شهدت صدرها وقد إنتفخ عما أعتادت بسبب حملها وتعرى بسبب مجون المنامة، حتى بطنها، كان ظاهرًا للأعمى وأكتسبت أردافها وزنًا إضافيًا.

نزعت المنامة وألقتها مُسرعة بأنفاسٍ مُضطربة ثم أرتدت آخرى واسعة أكثر أحتشامًا وقررت ترك الآولى لبعد الولادة، حيثُ ستكون أجمل وأنحف من الآن لتغريه لعلهَا تحصد كل رشفة مُمكنة من كأسِ محبته الباهظ رغم الوجع المطموس به.

غادرت غرفة النوم ودارت في غرفة الجلوس بمللٍ وبؤس، بلا وجهة وبلا وسيلة للرفاهية، فمنذ حملها بات مُتشددًا متزمتًا حيال خروجها من الحجرة فألتزمت في البداية، لكن فجأة عادت الوحدة تتأكلها أثناء غيابه، وعاودت ذكرى دفىء أسرتها تنهشها كما لو كانت حلم لا تستحقه ولن تناله.. لذا قررت أن تتجول حول الكوخ أعني.. لثانية واحدة.. بالتأكيد لن يحدث مكروه مثلًا.!

كادت تغادر بالفعلِ لولا هاتفها الذي علا برنينٍ مُستمر، فأجابت زوجها العزيز تنتظر سماع حروفه الطريفة الغير مُهددة أبدًا:

"عزيزتي الصغيرة، أستطيع أن أراكِ حتى في حينِ إنعدام تواجدي، لذا أقسم بالربِ، وبالنار والخراب، وكل ما حل لي بالقسمِ يا سيڤار، خطي خطوة إضافية ناحية الباب، وسأتي لكِ ودعيني أقول لن أضربكِ، لكنني سأستغل ذلكَ الخطأ لأخذكِ لغرفة ألعابي، وسألعب بكِ، وفيكِ، وحولكِ، وستكرهين الأمر أعدك ألا تعودي صالحة لشيء لعين لذا عودي للداخل قبل أن أغضب."

أزدردت ريقها بفزعٍ ثم تراجعت تُناظر المكان حولها بخوفٍ مُتحير، فغمغم مُعقبًا:

"فتاةٌ مُطيعة، دادي سيُكافئكِ بما تستحقين بيبي، لكن.. في المساءِ."

"أنتَ منحرف.!"

ضحك ساخرًا:

"إنحراف؟ تبًا بيبي أنتِ بريئة للغاية.. لولا أنكِ تخجلين، لكنتُ فعلتُ ما أبتغي لكن.."

برغم أنها لا تراه، لكنها تأكدت، عيناه تغرق في الظلامِ الآن ولسانه لعق ثغره من فرطِ إثارته وإحتياجه لهَا:

"معكِ كل مَا هو بالمحبةِ لهُ لذته بيبي."

عضت وجنتاها من الداخل.. لا داعي للخجل.. هذا زوجي.. الآن سأنحرف.. سأكون مشروع مُنحل سهل التمويل.. لذا قالت:

"سأنتظر اليوم الذي يزول فيه الخجل، لأمنحكَ لذة لا تتخيلها.. وفقط ما يحول بينكَ وبينها حاجز رقيق حين أحطمه، سأفعل ما تهمسه في إذني كل ليلة."

ظل صامتـًا لوقت طويل فخجلت من نفسها وشعرت بسخافتها. مَشروع خجلها فشل كما بدى، لكن رأيها تبدل تمامـًا حين أجابها بزمجرة راغبة:

"تبـًا لِي، كم أنا وغدٌ محظوظ!"

لهث بشهوانية شديدة أخجلتها فأخفضت الهاتف وكادت تُغلق، لكنها سرعان ما رفعته بإشتياقٍ تسترق السمع لأنفاسه لتدرسها وكأنما هي المرة الآخيرة، فلاحظت لهثاته الراغبة وشعرت بمحبته تزداد وسط الصمت والسكوت.. لذا داعبتهُ قائلة:

"صدقني بيبي، ستكون أكبر محظوظ في الوجودِ، حين أمنحكَ محبتي.."

تجاهلت خجلها وتثاقلت نبرتها بعمدٍ لاهث من الإغراءِ:

"فمحبتي.."

صمتت عاضة شفتها السُفلية، وبسبب حاجة أنفاسه التي وصلتها، تأكدت أنهُ يراها الآن:

"سأشتاق لكَ عزيزي، أنا أنتظركَ وسأدفىء الفراش حتى تعُود، لتجدني ساخنة، فأحتوي وحشي أثناء ذلكَ البرد."

"أنتِ زوجة ميتة، أتدركين ذلكَ؟"

هددها مُزمجرًا بشغفٍ، فأنفجرت ضاحكة وواصلت عبثها:

"على الأقل سأموت في أحضانكَ عارية."

ظل صامتـًا لبرهة كثيرة من الوقتِ وكأنما يحاول تدارك ذاته بتحجيم إحتياجه، لكنهُ فشل فلعن تحت أنفاسه زائرًا:

"تبـًا لي.. بعد التفكير في الأمرِ ستحملين مُجددًا إن كنتِ من النوع الجامح أثناء الحمل."

"لكنني سأسمن هكذا.!"

"هذا أفضل بكثير؛ حيث سألتهم لحمكِ السمين بإبتسامة جامحة، أنا جيد في هذه الأمور."

"سأكون جامحة أكثر حين تعود في المساءِ."

"سأعود الآن بيبي وستندمين كثيرًا."

ضحكت بصخبٍ ثم أغلقت الهاتف لتزداد لوعته لهَا وقد بدى مُهذب عما أعتادت، لكنها مُتأكدة، حتمًا الإحتياج يفترسه في تلكَ اللحظة.

الضحكة باتت لا تفارقهما، يضحك وتضحك، رغم ما مران به من إنتكاساتٍ عكس إيڤالين التي كانت تبكي وحدها في الظلامِ بسبب رفضها لحُبها الصادق والوحيد، فالحُب حين يطرق أبوابه، يأتي بمنتهى السهولة، ويزول بصعوبة، وهي لن تستطيع طرده خارج وجدانهَا كما لو كان مُجرد ذكرى لا قيمة لها، لكن طبقًا لما رأته سابقـًا معه، فالإبتعاد عن أنفاس سانتيغو للأبد كان الحل الوحيد بلا أدنى شك.

قلبها اُعتصر في صدرها لأدراكها بقسوتهَا أمام نفسها ولهُ، وهي لمْ تعتاد أن تخونه لتُدير لهُ ظهرها برغمِ إستحقاقه. لطالما كان سانتيغو قاسيًا وحشيًا وبرغمِ ذلكَ كان كل شيء لها، داعمًا وساندًا وعاشقًا برغمِ صفاته الدميمة وفي النهاية خذلته وتركته ينتحب وحده على الفُقدان.

علمت أنهُ أستحق وحدته ليشعر بفاجعة أخطائه الماضية، وليذوق مرارة الآسى والندم للمرة الآولى. برغمِ أنها أستحقت نهايتها السعيدة، رأت أن روح جوانا الهائمة كانت جديرة أكثر برؤيةِ زوجها فاقدًا لها، حزينًا لأجل ما فعله في إبنها.. لكن بُعده عنها، كان بمثابةِ نيران أندلعت في روحها، لتحرقها وتلهبها، وفِي نفس الوقت قربه منها.. جسد الجحيم وعذابه، فوجدت نفسها لا تملك خيار أفضل من الإحتراق وحيدة منبوذة مثلهُ تمامًا.. وأثناء بكائها وعوِيلها، شعرت بمن يقطع خلوتها، وحين ألتفتت وجدته ديفيد، فمسحت دموعها وناظرت وجهه الذابل بحزنٍ لحاله.. فهو أيضًا وبرغمِ سوء شخصه وبشاعة روحه، كان ضحية لمجرم أشد سوءًا منه.

كانت الوحيدة التي لمْ تراه في ثوبِ الشر وبرغمِ ذلك نهضت من جانبهِ تمنحه الخلوة التي يبتغيها ثمَ رحلت عائدة للقصر.. لذكراه ورائحته العذبة، بينمَا ديفيد لمْ ينتبه لا لجلوسها أو نهوضها، فبعد إختفاء الشرقية تفكيره بات مسلوب، ونفس الغمامة سيطرت على حواسه مُجددًا، تذكره بشخصٍ لمْ ينساه من قبلٍ ولا يظن بأنه سينساه لأبد الدهر.. حتى بعدمَا يلفظ أنفاسه الآخيرة.

____________
_______

في مكانٍ آخر.. كان چوزفين جالسًا وعيناه تتبع الفراغ يُحاول حَبك خطواته التالية بتريثٍ وعقلانية بعدمَا سقط الستار عن حربه فباتت عارية للعلن وبرغمِ ذلك رفض أن تكون خطواته هجومية، فبعد تخلي اللعينة عنه، وهو في مرارة تامة، لمْ يكن غبيّ أبدًا ولا عشوائي التنفيذ، فوجد ذاته تلومه على تركها تفلت من بين يديهِ كالماء المسكوب وقد كانت أهم فرد وسط داعميه.. فچون مُتعلق بها وكأن روحه في ثناياها، مهوسًا بها وكأنما فراشته قطعة أنتزعوها عنه، لذا إن قتلها، لن يقتل الوريث فقط، بل حتمًا سيتركه ألعن وأدل وربما أشد قوة.

ما يُثير جنونه أن رقمه بات في لائحة مرفوضاتهَا فأضحى لا يستطيع إرسال أو تلقي منها أي جواب..

وكأنما هو صفحة.. أغلقتها تمامًا.

من وجهةِ نظره تمثل العدل في حصدانها بعضًا وإن لمْ يكن جزءًا من الخسَارة التي تعرض إليهَا هو وكل من شاركهُ، ففي النهاية سَاهمت في تلكَ الفاجعة وحين خاطر بحياتهِ ليقابلها في الملهى وسط أعدائه كان يمكنها ألا تسير ورائه وحينها كان ليلتمس لهَا آلف عـُذر، لكنها نالت إستفزازه وكراهيته بمنتهى السخافة والوقاحة، والآن.. لربما هي هائمة فِي أحضان المُختل المجنون لتسخر منهُ أو لربمَا لتطلق عليه بعض النكات المُسيئة.

صر أسنانه بغلٍ راح يأكل فؤاده وأشترف كأس الكحول دفعة واحدة. بعد عودة چون القوية للساحة، فر الجرذان الداعمين له حينما علموا بأن الشرقية تنازلت عن دعمهم، وهذا لا يعني سوى هلاك الجميع.. فبغبائه الغير معهود وبإتباعه لعاطفته خسر الداعم الأكبر واليد الناعمة التي كانت تُجيد القيادة.! فبات وحيدًا، مُجبرًا على الخضوعِ أو الخنوع وكلاهمَا وجهان لعملة واحدة، فعلم أن بإمكانه إستغلال قَسم الزعيم ليعود مُجددًا إلى أعمالهِ بعد إعلان هزيمته وبرغمِ ذلكَ لمْ يستطع.

"هجومي سيُحسب عليّ، لكن بهجومه هو، وبقواعدي الخاصة.. سأنهيه، دون الحاجة لبعض الحشرات."

اومأ عدة مرات راضيًا عن قراره الغبي.. فسيڤار في النهايةِ نقطة ضعف الوريث وقوته، لكن أبوه.. سبب مآساته وجنونه. أرتفعت إبتسامة چوزفين بحقارة وعقله يُعاود تكرار نفس الفكرة التي إقامها بالفعلِ وكأنما يُشبع نفسه بروحِ الأنتصار، وكاد ينغمس في لذة الفوز لولا الرسالة التي وصلته، ففتح هاتفه ببسمةٍ ماتت حينما قرأ ما دوّن إليهِ.... عنهَا.

فِي نفسِ اللحظة، خرج سانتيغو من إحدى البارات سكيرًا مغيبًا، ثمَ صعد سيارته وقادها بتهورٍ غير مُكترث، وروحه باتت متشبثة بفكرة الموت عوضًا عن مُشاهدة خراب ونتائج أفعاله.

أشتاق الموت ولمْ يبتغي سواه.

تسارعت السيارة وتجاوزت الحد المَسموح كما تسارعت ضرباته المُضطربة من الحيرةِ والألم، فظل شاردًا ومهمومًا في أفكارهِ حيال تصحيح ما أرتكب لعله يتمكن من ترميم علاقاته خاصةً مع ديفيد وإبنه، حتى سمع عربات الشرطة خلفه تأمره بالوقوف.

لعن تحت أنفاسه بعد تذكره لقرار هاريسون بزوال سـُلطته وتنحيها لإبنه الأكبر، فإن قبضت عليه الشرطة سيضطر أسفـًا إلى إنتظار مُختل الشرقية حتى يتفرغ لهُ، وهو حقًا ليس في حالة تسمح له بالمُشاجرة أو حتى الغضب لذا دهس على المكبح لعله يوقف السيارة، لكن عيناه جمدت بتساؤلٍ حينمَا لمْ تنخفض سرعتهَا.

أعاد الكَرة عدة مرات مُتتالية لكن السيارة لمْ تخضع لقواعده، وللسخرية كان ثاني من يعصي أوامره مُجرد جماد خالي من الحياة وسينتزع منهُ حياته.

إنحدر الطريق بعوائقٍ وتعثرات كثيرة مما حذف داخله أي أمل للنجاة بل وبدده تمامًا، فأبتسم ساخرًا حين علا صوت الشُرطة في المكانِ، وأخرج سيجارة وسط قيادته العشوائية بسبب حالة سكره الشنيعة وأقتراب نهايته، ونالت الهلاوس حد لا يُمكن إنكاره من مُخيلته، فهلوس زاجرًا بغضبٍ:

"لما تناظرني هكذا يا أبي؟.. هل لتسخر مني؟.. أم لتتبرأ مني أمام الجميع مُجددًا؟ أنتَ من أختار.! تبـًا لي.. لا يُمكنني مواجهة جوانا بخطاياي الآن."

زمجر لاهثًا، ثم أنهارت دموعه السكيرة:

"فقط.. كل ما أردتهُ قبل الموت، أن أُصلح ما أفسدته في روح أبني.. وهو جدًا كثير."

كانت النهاية وبرغمِ ذلكَ لمْ يكترث كثيرًا ببشاعة وحدته وبموته مُغيبًا في الظلام فصورة إيڤالين أنارت حياته ومماته وكل لحظة من حياته.

بالفعل صدقت حواس سانتيغو.. فتلكَ اللحظة، وتلكَ النقطة، هي نهايتهُ وموتته دون شك.

"أحبكِ."

"أحبكَ أكثر يا سانتيغو.. فأنا سأهبكَ حياتي وأنتَ لن تفعل."

أجابت نبرته الهائمة بإبتسامتها المُراهقة العابثة، وبروحها المُنيرة الدافئة بعدمَا تمايلت بشقاوةٍ ومرح، فكان شكورًا؛ لأنها أخر صوت مر في مسامعهِ، وأخر لمحة طيف أمام عيناه.. كان هي.. ولا سواها.

"لن أهبكِ إياها فقط.. بل وكنوز الدنيا كُلها ما دمتُ أستطيع."

وبالفعلِ كنوز الدنيا لها كانت أن يموت ليرحمها من ذاكَ الحُب والهوس..

هذا مَا أدركه، فقدمهُ إليهَا بلا تردد.

____________
_______

مصابيح سيارات الشُرطة أنارت الطـُرقات المُظلمة برغمِ الضجيج والإنتحاب القليل، فمد قدمه خارج عربته، ثمَ فارق مقعده وإنسانيته سائـرًا ناحية التكتلات البشرية بحاجبين مَعقودين، فرآى سيارة أباه محمولة بجانبِ الطريق، فارغة ومُتفحمة ومحطمة، لكن الجُثة مَفقودة في غدرِ البحرِ الذي سَقطت فيه.

مر الوقت بطيئًا عليه، لازعًا وقارصًا من شدةِ برودته، ففِي السابق ظن أنهُ يكره أبيه ويمقتهُ، لكن مَا يشعر به الآن خالف مَا أعتاده، وكان أقسى من الليالِي الباردة التي نهشت آدميته وتركتهُ وحش لامتهُ البشرية بسبب عنفه ورغبته في الإنتقامِ من المُجتمع.

الإستنكار أصاب فؤاده بعدما تأكد أن تلكَ السيارة لا تنتمي سوى لوالده الذي أذاقه من الويلِ ألوانًا متفاوتة، وتخلى عنه لأجل هوسه بمراهقة وبرغمِ ذلكَ.. واجه صعوبة في فك عقدة حاجبيه... وواجه مشقة أكبر في مقاومة الوجع الذي لم يعتاد سواه.. ولكنه هذه المرة كان أكثر بشاعة وأشتدت شناعته.

"تعازيّ الحارة يا سيد چون.. أعلم أن سيادتكم في موقفٍ لا تحسدون عليه.. لكن وجب لو تعرف حقيقة ما رأيتُ.. فأنا كنتُ أتبع السيد سانتيغو ظنًا أنهُ خالف السُرعة المَسموحة، وكان واضحًا لي، أن المكابح مُعطلة، أرجو من سيادتكَ الإجلاء بأقوالكَ حين تبتغي، لنباشر التحقيق في القضية."

تجاهله ثمَ سار حتى وقف عند طرف المُنحدر بهدوءٍ خالف أنفاسه المُمزقة..

فهذه هي نهاية أمثاله..

الموت في ألمٍ ووحدة، وبأبشع الطرق.

رفع يده مُحللًا رباط عنقه بإختناقٍ برغمِ الهواء البارد الذي لذع حواسه، وغامت عيناه في البحرِ الداكن بينما تتلاطم فيه الأمواج بقوةٍ وعنف، مُحملة جثة أبيه في زاوية لا يعرفها على عمقٍ يجهله..

ويا ليته حفظ رائحة عطره المُفضل، لكنهُ لا يذكر من أبيه سوى أسمه.. وشكله الخارجيّ لا أكثر ولا أقل.

____________
_______

طال وجعه وصبره وعذابه، مُجبرًا على الوقوف على الحافة، مُنتظرًا بقايا والده، وفي النهايةِ بعد ثلاثِ ساعاتٍ من التنقيبِ والبحث والنبش، وُجدت الجُثة مُعلقة بين صخرتين في الأعماقِ، ولأول مرة شهد چون سانتيغو بهذا الضعف، والبهتان والشحوب..

إبن هاريسون العظيم الذي خلف فيه ثغور لا بلسم لها حتى بالحبِ.. نهايته.. كانت بشعة لتُذكر..

ألهب نفسه وجلدها بالنظر إلى الجثة حتى بعدما تلاشت خلف غطاء جلدي وحـُملت لعربة الإسعاف.

____________
_______

لازالت البلبلة مُهيمنة على المكانِ، وراح الإعلام يتصارع على القيل والقال بدون حق، فبدأت الصحافة تتناقل الخبر من فردٍ لآخر راغبة في نيلِ أكبر عدد ممكن من أنتباه الشعبِ، لكنهُ في النهاية ووسط الشكليات التي لا قيمة لها.. كان وحيدًا يتقبل موتة أبيه بصلابة، واقفًا في موضعهِ ليُراقب الفراغ مُحاولًا أستذكار لحظة حديث طبيعي أو ودود بينه وبين المتوفى، فيجد نفسه عاجزًا عن إيجاد ولو كلمة عابرة.

<ليتكَ تركتَ لي ذكرى يا أبي.. واحدة فقط أذكرها لكَ.. لكنكَ لطالما كنتَ سبب سُقمي وحتى بعد موتكَ.. لازلتَ تنهش مني بقايا آدميتي.>

فجأة ومن وسط عتمة أفكاره وإنقلابها، سمع صوت عمه الضعيف من خلفه، يتسائل بغصةٍ موجوعة وكأنما يترجاه لنفي ما قيل حتى ولو أضطـُر للكذب:

"هل ما عُرض في التلفاز حقيقي يا بُني؟ أم من الشائعات المُعتادة؟"

ظل الظلام مهيمن على ملامحهِ بأذية مُطلقة ولمْ يُجيب عمه، لكن بعد حضور أندرو بوجهٍ شاحب وأعين مُلتهبتان، وجد ذاته تغضب، وتسخط كثيرًا.

"مات سانتيغو ودخلت صوفيا في غيبوبة جراء إحدى الطلقات.."

أستطرد چون بسادية قاتمة أرتعش على آثرها ديفيد والمارين الأقلة في الطرقاتِ، لكن أخوه، أخفض وجهه وشرد في الأرضِ كابحًا عبراته بصعوبة، فتابع بأسنانٍ مُتراصة:

"دعني أنتهي من قضية سانتيغو ثمَ ستحصد ما تستحقه يا أندرو."

ختم حديثه وسار بخطواتٍ بطيئة وأعين داكنة بدلالةِ مُستقبل جديد لآل هاريسون كلهم وللعائلات المحكومة. مستقبل مجهول لا رحمة فيه ولا حتى رفاهية الحرية التي منحها مكاريوس لكلابه، لذا توعد كل فرد لا ذنب لهُ بالهلاكِ والجَرد ثمَ جلس على أحد الكراسي بهياجٍ وغضب..

فقدان وألم.. وأشتياق.!

____________
_______

وفي نفس التوقيت كانت الشرقية تتبع عقارب الساعة بإبتسامة واسعة، تنتظر مجيء چون بصبرٍ ولوعة بعدما تملكتها عاطفتها تجاهه، وبرغمِ عدم حضوره، ظلت مُتحمسة ومُشتاقة لأجل اللقاءِ.. فلمْ يكن أنتباهها موجه لمسلسلها المُفضل، كما كان لهُ..

ولهُ وحده.

طـُرق الباب فأنتصبت واقفة بنفسِ اللطافة وضربات فؤادها أضطربت في قفصها الصدري تحمسًا لرؤياه، ولمْ تجد ريب في أن يطرق أثناء حمله للمُفتاح أعني.. لربمَا هي وسيلة جديدة في الدُعابة منه.

أتجهت صوب الباب المُوصد تفتحه بخجلٍ وحبور، فزالت أبتسامتها حين رأت چوزفين واقفًا أمامها وجهًا لوجه، وفي المُقابل بهتت معالمه تميل إلى عاطفةٍ أصابتها بالجزعِ بعد رؤيته لبطنها المُنتفخ.. فشهقت بفزعٍ وحاولت دفع الباب ليحول بينها وبين دخوله الحتميّ، فزمجر لاكمًا إياه بكتفهِ مما سبب إنفتاحه على مصرعيهِ وتلاه سقوطها على مؤخرتها أمامه.. بلا حول ولا قوة.. فحاوطت بطنها بكلتا يديها وعيناها تبكي من قمةِ الرعب على طفلها بعدمَا غمغم بجنونٍ غاضب:

"أنــتِ حــامـِل.! ومـن مُـغـتــصبـكِ.!"

لهثت صارخة، وعيناها تبحث عن أقرب وسيلة مُمكنة للدفاع:

"أخــرج الآن.! غــــادر.!"

ضحك شادًا خصلاته وما كاد يتهور في فعل ما أبتغى حتى لمح كاميرا المُراقبة المُعلقة في الزاوية، فراقبها بحرصٍ مُحاولًا كبح أنفاسه لعله يحاوط ثورته مُؤقتًا، ثمَ أخفض عيناه المُلتهبة مُجددًا:

"هذا الطفل.. لن يرى ضوء النهار وعلمي على حروفي جيدًا.. عقابكِ على خيانتي وأستفزازي وتحديكِ لي، سيكون موته.. عقابكِ على خداعِ إبن عمي زعيمنا العظيم.. سيكون روح تلكَ النطفة السخيفة.. لن تهربي من العقاب.. على النقيض تمامًا ستناليه ببشاعة مثلي بل وأكثر!"

صر أسنانه وختم حروفه بغضة كُره:

"لن تنالي السعادة بعدما منحتيني أمل الإنتقام منهُ، ثمَ سلبتيه مني هاربة لتختبأي خلف عدوي."

هددها ثم ألتفت مُغادرًا بهياجٍ. كان يظن أن مقتل سانتيغو سيكون بمثابة صفعة إفاقة على وجهها لعلها ترى نهاية كل وغد مثل چون أو حتى مثله هو شخصيًا، مما سيجبرها على العودة لوعيها لتضع يدها في يديه حاصدة حريتها لكن تلكَ الغبية..

أحاط فمه بغضبٍ لاعنًا نسلها كُله بأبشع الألفاظ وأثقلها، ثمَ جلس في السيارة ليُفكر في أقربِ وسيلة للأنتقام.. وفي نفس اللحظة، نهضت بفزع وأوصدت الباب جيدًا ثم جلست على الأريكة تهز قدماها بعصبية خائفة.

'لا بأس.. زوجي.. سيفديني بحياتهِ'

طمأنت ذاتها ثم شردت مُجددًا في تكتكة الساعة تُحاول إيجاد كلمات مُناسبة توضح سبب زيارة چوزفين لچون، دون إغضابه، وصوت العقارب الذي أثار شوقها منذ لحظات، بات كالآبر الحادة، لتنغرز في بشرتها كل لحظة وآخرى، لكن ما لبث أن أستكان صخب الساعة بعد عرض النشرة الإخبارية العاجلة، تُعلن خبرًا صـُعقت لأجله:

"وفاة رجل الأعمال العالمي سانتيغو هاريسون في حادثٍ مُروع، وفي ظروفٍ غامضة.."

أنتفضت واقفة ثم ناظرت الساعة بهلعٍ وعادت تُناظر المُذيعة مُجددًا:

"..ويبقى السؤال قائمـًا.. من لهُ الدخل في مقتلِ السيد؟ وهل هو صراعـًا خفيـًا لإحدى الجهات الغير رسمية؟ ترقبوا المزيد منا، حيثُ ينكشف الستار عن الوقائع."

يا إلهي، مات سانتيغو بفضلها وبفضلِ غبائها.. وربما زوجها يعاني الآن أشد عذاب بسببها.. لكن.. أليس هذا ما كانت تريده؟.. أن تتركه يتفحم؟.. وحده في خرابِ! لتجبره على فهم وإدراك حقيقة واحدة طاعنة في نرجسيته.. وما هي إلا نهاية كل من ماثله؟ لكنها رفضت وأستنكرت تركه في مثل هذا الوجع، آبت تركه يعاني فچون.. لا يستحق أبدًا هذا منها.. هي ليست مسخ! ليست وحش ولم تعد مُشوهة. سارت سيڤار صوب غرفتها وعقلها شاردًا فيه، بالتأكيد هو يُعاني أطغى مُعاناة بالصمتِ وبالوحدة كما أعتاد، لكن هذه المرة هي معه، ستقف بجانبه وفي ظهره لتمنحه ما حُرم منه، كما منحها ما حُرم منها طوال هذا الوقت.

بعدما أرتدت فُستان مُعتم وصل حتى ركبتيها، سحبت أسفله جوارب شيفونية سوداء، ثم ألقت فوقه على كتفيها وشاح ثقيل لا يختلف في اللونِ مع باقي ثوبها وخرجت من الكوخِ تاركة هاتفها ومقتنياتهَا والمنطق كله، وأكتفت فقط بمبلغٍ بسيط، ولمْ تهتم برفعِ شعرها ولا حتى بمساحيق التجميل..

وقتهَا كانت تُحارب الوقت لتصل إليه بأقلِ الخسائر التي ستفقدها نفسَهُ الحزينة..

لكن سيڤار لمْ تكن تعرف حدود حقارة چوزفين وما الحقيقة المكنونة خلف شخصه الدميم، فهو تربص بها في الخارج بسبب تأكده وتيقنه من غبائها في الخروجِ للعلن مع بطنها المُنتفخ دون تصريح چون ولا حتى معرفتهِ..

لمْ يدرك وقتها چوزفين بأنها لم تكن غبية أبدًا كما كانت هائمة ومُضحية للرجل الذي أنتشلها من بشاعةِ ماضيها ولو كان معه. لمْ يفهم معنى التضحية التي قدمتها لأنه لمْ يكن هيَ ولم يمتلكَ مفقودهَا الذي حصدته مع مُغتصبهَا.. وربما لن يفهم أحدًا مُطلقًا.. بأن چون أخيرًا مسس جرحها وأحاطه.. وهي أرادت أن تشاركه وجعه وعذابه بمنتهى الوفاءِ.

<لمْ يدركوا وقتها وحتى يومي هذا.. أنني غادرتُ لأنني أحببت.. وليس لأنني أخطأتُ.>

خرج من سيارتهِ حين مرت بخطـًا سريعة تنوي العثور على أي مخرج للشارع الرئيسي، لتصل إليه لعلها تنتشله من البقعة السوداء التي سيغمر نفسه فيها ليعاقب ذاته على موت والده وحـُبها، ثمَ وضع منديل المنوم على ثغرها، فصرخت وحاولت أن تخدشه وتركله، مُقاومة بكلِ ما تملك، فهمس عند أذنها بتلذذ:

"كنتِ لِي وكنتِ العقل المُدبر، لذا سأعيدك لعقلكِ اللعين بعدما أنقذك من نُطفة شرهِ في أحشائكِ الطَريفة."

تسربت دموعها على طول وجنتيها وحاولت أن تقاوم لتعافر، لكن كيف السبيل في مقاومة ذابحها؟ قاتلها! وما نحرها حقًا، أنها كانت إحدى الأسباب في تلكَ المهزلة بين العائلات وظلت حتى اللحظة الأخيرة مشاركة بها، فإنهارت بين ذراعيه مهما بلغت شدة مقاومتها، فتبسم بإتساع مُريب، وكان هذا آخر ما شهدتهُ.

____________
_______

"متى سنُباشر في إجراءات الدفن؟"

تسائل إيثان بنبرة خالجها الحُزن والقهر، لكن الجميع كان صامتًا وفاترًا، منكبًا على نفسه بذكراه مع الميت، فأحاط ديفيد وجهه في الزاوية نادبًا. برغمِ مشاكله العديدة مع آخيه لمْ يتمنى يومـًا موته، ففراقه بشع رغم الألم المكنون في وجودهِ.

لطالما كان ديفيد وحيدًا بلا زوجة ودون إبن أو إبنة، مُستقلًا عن آلِ هاريسون وعالمهم بإنعزاله، فلمْ يكن يُحب سوى مُراقبة أخاه وتتبعه، بجانبِ توسيع نفوذه السياسية.. لكن سانتيغو.. أنجب چون وأندرو، وحصل على ولاءِ صوفيا التي أتخذها إبنة قريبة لوتينه، وربح الكثير بجانبِ النفوذ الأكثر أتساعـًا والسُلطة.. لذا رأى أن العدل كمن في تضحيته بنفسهِ في سبيل أخيه، فراح يندب مُجددًا بدموعهِ وروحه المُتحسرة..

بينمَا أندريس عاد لصوابه وإتزانه بسبب حقيقة بشعة أستنكرها وما كانت سوى موت والده، الرجل القاسي الذي دللـهُ ومنحه من الحُب حتى أكتفى، وهو قابل ذلك الحُب بالنسيانِ حتى الممات..

وإيثان شعره شاب من صعوبة الموقف وتعقيده، فإن قتل چون چوزفين، ستنهار الكثير من المبادئ بسبب قيامه بسفك دم أحد أفراد نسله وإخلاله بالقسمِ على عاتقه، وقد كان صامتًا مما بدد أي أمل لهم في توقع حركاته، بل وشاردًا بسكوتٍ غير مفهوم، فأدرك أنه أضحى في صراعٍ مرير بين وفاءه بقسمه لهاريسون وثأره لدم أبوه.

برغمِ رابطة الدم القوية بين چون وأبوه، لكنه أحب هاريسون أكثر، ووفاءه له لا يحده حد وكيف لا يفعل وقد منحه الهيمنة المُطلقة بمنتهى الجحودِ الذي رغبه؟ وبرغم ذلكَ، لمْ تسيطر عليه وقتها سوى عاطفة شرهة لنسفِ نسل چوزفين عن الوجودِ..

وسيفعل..

وفي الوقت الذي تمزق فيه فؤاده على والدهِ وألتهب وجعه أكثر بسبب عقليته التي تطلعه على التريث لحين تقطيع الوغد أشلائًا مُتفرقة، تمزق قلب سيڤار خوفـًا على طفلها، فأنتفضت تُحاول أن تُبصر أين هي ومع من؟

المرارة إزدادت في حلقها كالعلقم تمامًا حين شهدت چوزفين جالسًا أمامها على كرسيه، وعيناه تلوح حول بطنها بشرودٍ حاقد، وكاره.. وكأنما ظل يراقب طفلها أثناء نومها فقط ليتصور طريقة إنهاءه.

لهثت بفزعٍ، فأرتفع صدرها وهبط من شدة هلعها وإنفعالها، ثمَ حاولت تحرير رسغهَا من الأصفادِ فوق رأسها بهديرٍ ملثوم.. ففسد الهدوء، وتعفن الهواء الذي سار إلى رئتيها فإزداد عنفها وعلا صراخها المكتوم. كانت واقفة على قدميها، وبرغمِ قواها الخائرة جراء المُخدر الذي لمْ ينسحب كليًا عن جسدها، ولولا يدها المرفوعة فوق رأسها في أصفاد مُتصلة بحبالٍ غليظة مربوطة بالسقفِ لكانت فوق الأرض كالقطعة البالية.

"أصرخِي يا سيڤار من هُنا للغد، لن يسمعكِ مخلوق على وجه هذه الأرض، سواي، وسوى ضيف لن ينال إعجابكِ."

نهض وأتجه صوبها، فإزداد خوفها وأرتعاشها حين تجرأ في مد يديه، يُحيط وجهها مُحاولًا إحتوائها ففرت منها عدة شهقات خائفة ثم أنزلت رقبتها لعلها لا تراه ولا تُبصره، لكنهُ أخفض وجهه بنفسِ درجة الإبتسامة الكريهة، ثم غمغم:

"كنتِ تُحبينني.. كنتِ لـي."

علا بكائها أكثر تستنكر حروفه؛ لأنها لمْ تقع في حبه أبدًا ولم تكن لهُ، فالحب كلمة ثقيلة جدًا لا زالت لا تفهمها ولا تستطيع إدراكها، وبرغمِ ذلك طفلها أرقى من أن تمنحه مجرد المَحبة. فهم چوزفين سبب أضطرابها وصراعها، فتنهد مُتابعًا أمام شهقاتها المُتتالية:

"خائفة مني على نفسكِ.. أم على الطفلِ؟"

تسائل بإستخفافٍ، فأرتعبت تُناظره بخوفٍ مطلق حين مد يده وتجرأ في قبضِ بطنها بعنفٍ ألمها، وأجبر قدميها على الإرتخاء أكثر.. يده العنيفة حول صغيرها، جعلتها تشعر وكأنما روحها بين أصابعه وكلما ضاق كفه حولها، زاد أختناقها وصراخها:

"ذلك اللقيط.. تلكَ النُطفة الحقيرة.. كان من المُفترض أن تكون لي."

لهث صارًا أسنانه:

"ذلكَ اليوم حين قبلتُك وأنتهكت عـُنقكِ بثغري لمْ آرى نفس الكُره الذي أراه الآن.. فلما تكرهيني؟ لما تخليتِ عني؟ وظللتِ معه بعدما جاهرتُ في حربي معكِ؟"

ظهر الرفض على معالمها حين حاول إظهارها في صورة الوحش الغدار.. لكن في الحقيقة الغدر آتى منه هو.. فهي لمْ تتخلى عنه وظلت معه حتى اللحظة الأخيرة، وهو من ألقاها في طريقِ چون لعله يدهسها بحذائه مُتخلصًا منها.. لكن على النقيض تمامـًا، أحاط جسدها يحميها من شرِ تلك المَكيدات.

الآن فقط فهمت.. لما لم يسمح لها بالمُغادرة..

وليتها لم تُغادر..

ليتها فقط.. ظلت موضعها.

راقبته برغمِ أرتعاش كل إنش منها برجاءٍ وضعف لمْ يثر به سوى الرغبة لزيادتها وجعًا وذُلًا بلا أدنى رحمة، فرفع القلادة الباهظة التي وهبتها للطبيبة مُسبقًا لتصمت عن الحقيقة المريرة ريثما تتصرف، فبهتت عيناها حين أدركت نهاية طفل لا ذنب له.

"برغمِ معرفته أن ذلكَ الطفل ربما يقتُلكِ.. قرر الإحتفاظ بهِ، ففي النهاية هو إبنه، لا مُجرد وعاء لعاهرة مُثيرة ومزعجة."

الخوف الذي أرتسم على وجهها بتلقائيةٍ مُرتعبة بعدما أدركت أن لو چوزفين رحم طفلها، فلن يفعل الآخر وسينتزعه من أحشائها دون تردد، لذا ضحك مُندهشًا:

"ألا يعرف؟ أووه.! أنا حقـًا مصدوم أعني.. لا شيء يُخفى عليهِ.."

أنحنى وراح يُقبل عيناها الباكيتان بعبثٍ مُتسائِل:

"لابد أنكِ جيدة فيما تفعلين، لتخدعي الزعيم هــآ؟"

أعتصرت عيناها بإشمئزازٍ فمد يده مُتحسسًا فخذيها بخبثٍ غير آدمي:

"يمكنكم الدخول.."

دلف أحد رجاله بينمَا يجر خلفه عربة تشريح مليئة بالمقصات وبعض الأدوات الطبية، وأتبعهُ طبيب شارد في يديه، فبدى يُعدل قفازيه عكس الحقيقة المكنونة في خوفهِ جراء عاقبات ما سيفعل.

تراجع چوزفين للخلف، ثمَ جلس على الكُرسي مراقبًا قدميها بإشتهاءٍ مريض:

"لمْ آرى من قبلٍ عملية إجهاض في بثٍ مُباشر، لكنني الآن اتسائل.. كيف سيكون المشهد حين ترى الأم، أبنها يُنتزع من رحمها بكل وحشية؟"

قهقه بسبب إصفرار وبهتان وجهها اللحظيّ بينما يشهد الأمل يغيب عن معالمها تدريجيًا، تاركًا جثة فارغة من كل معالم الحياة، وفِي المُقابل إلتقط الطبيب الإبرة المُخدرة ثم راقب چوزفين بإنزعاجٍ:

"لا يمكنني إجراء العملية أثناء وقوف المريضة ووعيها."

أخرج مسدسه، ثم أشار على المُتحدث فإسود وجهه من الخوفِ:

"الآن تستطيع فعلها أثناء وقوفها صحيح؟"

اومأ المُتلقي بذُعرٍ، فنهض چوزفين سائرًا صوب الضحية بإبتسامة شامتة أمام حركة رأسها الهستيرية لليمين ولليسار، وبكائها المكتوم الذي كان لينحر قلب أعتى المسوخ.. لكنهُ لم يمسس قلبه ولو لأقل من رمشة.

"شــشــش، أنا أفعل هذا لأجلكِ، لتهربي منهُ دون رابط يجمعكما.. ستشكريني لاحقًا بيبي حين تحصدين حريتكِ بعيدًا عنه، دون قَيّد هوسه الغير مفهوم، سأحرركِ منه و.."

حاول تهدئتها مُبررًا جريمته، لكنها رفعت إحدى قدميها بعدما شُحنت بدفعةٍ فائقة من الأدرينالين ثم ركلته أسفل حزامه بكل قوتها فصاح مُتألمًا ينكب على نفسه ليحاوط مكان رفصتها، وهذا كان آخر ما رأتهُ قبل أن يسحبها أحد رجاله من شعرها لاكمًا إياها على وجهها..

ففقدت وعيها على الفورِ..

تاركة جسدها مُباح لأنياب الوحوش.

____________
_______

نهض چون من فوقِ كُرسيه بعدما حضر مكاريوس وولاه ظهره مُتجاهلًا ما جاء ليقول حول إنهاء تلك المهزلة بعيدًا عن يدين الشُرطة، فقاطعه قبل أن ينبس بحرفٍ مغمغمًا بعتمةٍ حالكة داعب الشيطان حواسها:

"القانون للضُعفاء مكاريوس، لم أكن لأباشر في تلكَ القضية السخيفة، والآن.. لن تحميه مني ولو مُعجزة، فلا مخبأ له، لا في السماءِ ولا الأرض.. لمْ أتخيل أنني سأقول هذا في يومٍ، لكن نعم.. الوغد هو السافل الوحيد الذي جعل صبري ينفذ."

أخرج سيجارته مُستنشقًا إياها بكفٍ مُرتجف فتوجس مكاريوس يناقض فِكره بعقلانية:

"هو تحديدًا لا تلوث يدك بدمهِ، تعلم أن قيادة العائلات مصير لا مهرب منه يا چون، وأمامهم.. لا دليل قاطع على ذلك الحادث.! فقتلُ واحد من نسلكَ، سـ.."

أرتفع ثغره بسخرية، ثم أشار على غرفة ثلاجات الموتى بقلبٍ مُحترق:

"ضع تلكَ العائلات في مؤخرتكِ."

جمد وجه مكاريوس مذهولًا ثم أخفض وجهه بحرج، لمْ يكن ليصدق أبدًا بعدم أستطاعته سحب لجام الكلاب طويلًا كما كان يفعل چون في الماضي، والآن.. كُل ما عليه فعله أن يقوم بمُشاهدته كيانه وهالته العتيقة تنهار بينما ينهش الجميع لحم بعضهم كالوحوش العتاولة. فجأة أرتفع هاتفه برنينٍ فرفعه مُجيبًا وكأنما يتهرب من الحديث:

"مرحبًا سيد مكاريوس.. أنا لوكاس سلڤستر، لو كان سيدي بجانبكَ رجاءًا أبتعد عنه حتى أنهي حديثي.!"

نبرة لوكاس المَفزوعة واللاهثة كانت مُقلقة كثيرًا، فأبتعد مكاريوس تاركًا الوريث يُصارع شياطينه والهواء حوله، ثم تسائَل بقلقٍ:

"ما الأمر؟"

"منذ نصف ساعة تحديدًا جائت رسالة على هاتفي بعنوانٍ من رقمٍ مَجهول، وتلاه صورة لأمرأة الزعيم في الصحراء، مَغمورة في التراب والدماء، فلمْ ألبث سوى راكضًا هالعًا بأقصى سرعتي لأنقذها بأقل الخسائر المُمكنة لكن.."

صمت لوكاس بفزعٍ لوهلة قبيل أن يتابع سرد ما حدث، فصـُعق مكاريوس ورفع يده على رأسه وكأنما يمنعها عن الإنفجار:

"السيدة تعرضت للإجهاض، ورحمها هش جدًا جراء حملها السيء وطريقة إجهاضها الأكثر سوءًا، وليس هذا فقط.. بل هناك تسجيل فيديو، أظهر بوضوحٍ ما حدث، حاول كريس إختراق الهاتف فور وصول التهديدات، لكن سرعان ما فشلت مُحاولتنا ولمْ نعرف هوية الفاعل.. ولم نستطع أيضًا القضاء عليه بالدعسِ كما كنا نفعل دومًا.."

شدد مكاريوس بيده حول خصلاته وهو متيقن تمامًا أن بابًا من أبوابِ الجحيم قد فُتح للتو على چوزفين وعليه وعلى العائلات بآسرها، وبتلقائية ألتفت بأعين هالعة ناحية چون، فأرتجفت دواخله بسبب رؤيته للهاتف مرفوع أمام وجه الآخر..

لمْ يرى من قبلٍ ذلكَ الكم من الغضب والإسوداد يغزو الروح بنفسِ الطريقة وكأنما يطمس منها معاني الحياة تاركًا الموت ولا سواه، بينما عروق جسده أنتفضت خارج جلده وكأنما الدم يغلي في عروقه ليزيد سقمه ودنفه، وتلك الحمئة الرجولية المُستنكرة لبشاعة ما حل على امرأتهِ.. أجبرت المرارة والصدأ على الإنتشار في فمه وشرايينه حتى تصلبت، وخصلاته الداكنة ألتصقت في جبهته جراء حبيبات العرق التِي فرت من سخونة وإلتهاب الجسد. حرفيًا كل نفس غادر صدره كان خير دليل على حالته وحينها فقط.. نسى مكاريوس كيف يتنفس وهو يشهد لأول مرة ملامح الوحشية والسادية الكاملة التي حذرت صوفيا الجميع منها..

رأى الوحشية الشيطانية، والحيوانية البريّة، شهد بأمِ عينيه الظلام والعتمة والخراب، الدمار والهلاك وأشد الويل.. كلها كانت مشاعر دميمة راغبة في السحق والبتر بل والمزيد.. وبرغم بشاعة ما رآه، وإدراكه بأن چون سيقتل كل من يمر أمامه.. إلا أنه ألتفت راحلًا دون كلمة واحدة ولا نظرة.

"تبـًا لـي!"

إنهار على الأريكة نادبًا ثم دفن وجهه بين كفيه، وكل الفاجعات التي مرت في حياته لتجعله رجلًا عقلانيًا خاليًا من الرحمة.. لا شيء مما رأه للتو ولا حتى بوجه المُقارنة.

____________
_______

حمل لوكاس جسد سيڤار رافعًا إياه عن لوح الحديد الصدأ ريثما يضع كريس أسفلها قماش سميك ليحمي جسدها من البردِ القارص، ولذاعة المعدن الصلب، فأعاد الطبيب ضبط المحاليل المغروزة في يدها، ثم غمغم بحزنٍ:

"تلكَ الصغيرة المسكينة لا تزال تعيسة حتى الآن."

تحسس إحدى وجنتيها ماسحًا دموعها المُستمرة أثناء فقدانها للوعي وكأنما كابوس ما حل بطفلها يطاردها في عتمتها كالغول المهول، ثم تابع وعيناه تدرك جفونها المُلتهبة ووجهها المُتورم:

"لربمَا مع الإشراف الطبي الصائب كان الصبي سيعيش وهي ستنعم معه، لكن الأوغاد برروا فعلتهم بإحتمالٍ غير مَثبوت."

قبض لوكاس يد الطبيب بغلاظة ثم أشاحها محذرًا:

"اللمسُ عند الضرورة فقط يا مُسن.. أنتَ حقًا لا تُريد إغضاب الزعيم."

توجست ملامح الطبيب لوهلة وما كاد يجيب حتى أقتحم كريس نقاشهما بوجهٍ مِصفر وملامح مَذعورة:

"لا تُذكرني بالجحيمِ المُقبِل على رؤوسنا، فچوزفين لم يكتب نهايته فقط، بل كتب نهاية صبر ولُطف السيد والآن، سيُنهينا جميعًا.!"

ظلت ملامح لوكاس جامدة عدة لحظات وكأنما يبحث عن مُبرر يُنكر به إحتمالية إيذاء چون لهم، لكنهُ مهما نبش بتحليلاتهِ وخبراته وجد نفسه أمام حصن صلد منعه عن توقع رد فعل الوريث لكنه لن يحول بين شياطينه وبينهم، حتى مع تلك الصغيرة التي لا يعلم مصيرها أحد، فأستطرد بتوجسٍ أظهر مخاوفه:

"أنتَ بومة حياتنا يا كريس.. أنتَ وستيڤ حقًا رمزًا لنحس آل هاريسون."

"أسخر مني كما تشاء الآن، ولكن علم على حروفي جيدًا."

لعن لوكاس تحت أنفاسه ثم تهرب من الحديث آمرًا:

"سننقل السيدة إلى القصر الرئيسي مادامت حالتها مُستقرة حتى الآن."

ظهر الإعتراض على معالمِ الطبيب فجاهر مُستنكرًا:

"بل من الأفضل نقلها إلى مشفى خاص كي نتتبع حالتها وخاصةً النفسية.."

"ما الذي تعنيه؟"

"الفتاة قُتل إبنها وشاهدته نُطفة تُنتزع من أحشائها، قد تُحاول الإنتحار بإيذاء نفسها بأي شكلٍ من الأشكال."

أصفر وجه كريس بعدما أيقن أنها ستفعلها دون شك، بينما شرد لوكاس في راحة يده مُحللًا الموقف لعله يجد فكرة أفضل من تركها وحدها عكس الغبي الآخر الذي إحتج نادبًا:

"لكننا يجب أن نكون مع الزعيمِ الآن، ولا يجوز ترك الطبيب معها دون إشرافنا، وصوفيا والتر في المشفى وأندرو يتتبع إجراءات أبيه.. إذًا مع من سنترك الصغيرة؟"

حملها لوكاس دون كلمة وحاوطهَا جيدًا، ثم سار بها للسيارة فسحب الطبيب المحاليل الموصولة بها مُتبعًا إياه، بينما كريس لم يمكث سوى رافعًا قطعة القماش السميكة ليدفأ جسدها ويستره، ريثما يعرف الوجهة المَجهولة ليد الزعيم اليُمنى.

____________
_______

"سيدة صوفيا.. لا يمكنكِ النهوض.!"

تجاهلت الممرض ثمَ أغلقت أزرار قميصها بأعين جامدة برغمِ قلبها المشروخ وجرحها الحي، فكانت أصابعها مَحكومة حول أزرارها متملكة من إنفعالاتها لدرجة لمْ تفهمهَا وحين أنتهت فردت فقراتها بزهوٍ، فأنتهى بها المطاف تتمسك ببطنها مُتألمة دون آنة ولا دمعة:

"سيدتي أرجوكِ جرحكِ لا يزال نابضًا.!"

تجاهلته مُجددًا ثم خرجت من الغرفة وسارت بكل غطرسة وتحاملت على نفسها برغمِ دوارها وألام جسدها، ثمَ أتجهت لمسؤول الأمانات بأنظارٍ جامدة:

"أريد مُقتنيات صوفيا والتر التي جائت هذا الصباح جراء طلق ناري."

"ومن أنتِ؟"

سألها بلا أكتراث وعيناه تتفحص بعض الأوراق الرسمية من خلف نظارته الرفيعة، فأبتسمت بجانبية ساخرة:

"أنا صوفيا والتر."

لمْ يصدقها في البداية لكنهُ بعدما شهد صورة البطاقة وتأكد من صراحتها، عقد حاجباه مُتحيرًا وناولها ما تريد بوجهٍ مُصفر.. زنادات، سكاكين، شعار للـFBI، رخصة مُرخصة، وآخرى غير شرعية بالمرة.

توترت أنامله وبرغمِ ذلك تابع إخراج مقتنياتها من هاتف، ومحفظة أموال، وعُلب رصاصات صغيرة وقد تأكد، تلكَ المرأة لا يجب أن يفتح معها فمه ولو تحت شعار العمل.

____________
_______

تركَ لوكاس الجسد الخامد على فراشِ سونيا بأعين مُشفقة وقلبه يُعتصر من الحـُزنِ على الشابة التي راح جنينها جراء وحشية آدمية أنانية وظالمة، عكس الآخرى التي توحش الرفض معالمها، ويدها التي أحاطت خصرها خير دليل.

"إحمل تلكَ الجـُثة عن هنا."

رفع رأسه لها بنظرة أصابت صدرها دون حاجز ولا حصون وأعتصرت عضلتها الضعيفة، فأرتخت ملامحها تلقائيًا وأسودت عيناها من الألمِ بعد قوله الغاضب:

"أعلم أنكِ أنانية، خائنة، لا تكترثين سوى بنفسكِ ومغرورة. امرأة لعينة مُتطلبة حقًا ومَنزوعة الرحمة.. لكن لأجل الرب، أحتفظي بكلِ تلك الصفات الدميمة لنفسكِ وقومي بعملٍ واحد صالح في حياتكِ."

برغمِ تيقنها من إقتران تلكَ الصفات بها أرادت أن تعترض، فقاطع حروفها دون العبأ بعينيها التي أظهرت وجعها رغم عدوانيتها:

"دقيقة واحدة، أصمتي لدقيقة واحدة، هل حقًا الأمر صعب لتلك الدرجة يا سونيا؟ أريد دقيقة واحدة فقط دون سماع صوتكِ، لأنني كُلما سمعته.."

بتر حروفه مُحتفظًا ببقايا كرامته المَسكوبة في كأس حـُبها المُر، ولمْ يرغب في إطلاعها على جرحه الغائر وحقيقة وعده لسيده الذي يهتز ما أن يسمع صوتها الجميل، وأن بشاعة روحها حقًا تُنير حياته، حتى إسوداد بؤرتها الجميلة حين الغضب والحقد، أجمل من ظُلمة السماء في لحظةِ برد، ووجهها حين يتورد من فرط الغليل، يستفز رجولته بنجاحٍ..

أراد أن يقول بأنها أفضل شيطانة آدمية مرت في حياته، وأجمل قبيحة رأى روحها. برغمِ أنه لم يرى من امرأة أكثر من الجسدِ من قبلٍ، لكن تلك المرأة حقًا جميلة وفاتنة لدرجة ساحرة، آسرة.. أحتجزت روحه وسحبت منها البصيص.

عاد الألم يرتسم على أبصارهِ فتأملته لبرهة ولأول مرة لاحظت أن خسارتها لمْ تكن بسيطة كما ظنت. علمت أنها فقدت رجل أحبها بصدقٍ، واحد كان سيفديها بحياتهِ رغم كُل قُبحها وعيوبها وطباعها الدميمة، وبرغمِ ذلكَ أحبها أكثر مما فعل زوجها، بل لربما أحبها أكثر مما أحبت نفسها من قبلٍ.. وتبًا كم تُحب نفسها.!

أهتاجت أنفاسها فإستدارت تواليه ظهرها لعله لا يلمح حسرتها، وكيلا تتلمس محبته لهَا فتُحلل خسارتها وفوات الأوان، فيهتاج فؤادها أكثر:

"حسنًا.. يُمكنني الإعتناء بها حتى نرى ما سيقرره چون."

"سونيا..."

ترجاها بتأكيدٍ، فأومأت تكبح دموعها وغصتها:

"أقسم بروح أمي أنني سأحميها وسأظل هنا لا أغفل حتى مجيء أحدكم.."

ظل واقفًا وأنفاسه العالية تُمزق السكون، فتابعت:

"وسأكون بخيرٍ."

حينها فقط أخذ أنفاسه بأريحية وكأنما أنقذت نفسه من وحشية الإختناق، ثم غادر دون أن يفكر لأنه لو فعل، سيعود لها مُقنصًا رأسه اللعين لعل ذلك الألم لا يَعود البتة.

صعد السيارة بأنفاسٍ مُهتاجة، وأستغرقه الأمر ما يقرب لدقيقة كاملة دافنًا وجهه بين كفيه ليستطيع إستعادة رابطة جأشه، فشعر كريس بألم رفيق روحه وعذابه، لذا مد يده يتلمس كتف الآخر عاطفًا عليه بكلماتٍ مواسية:

"إنساها يا صديقي، سونيا ليست المرأة الوحيدة على وجهِ الكُرة الأرضية، والعالم واسع جدًا لتجد فيه شريكة حياتكَ."

"لكنهَا سونيا الوحيدة في هذا العالم الواسع يا كريس.."

أحاط فمه ليمنع نفسه عن قول المزيد من الحروفِ التي ستبدد رجولته أمام نفسه وستجبره على النكث بوعده، فأجابه كريس بقلقٍ نابع من صدرهِ:

"حسنًا... دعنا نتبادل المقاعد، سأقود أنا ريثمَا تُرتب أفكارك."

تمسك لوكاس بإقتراح القائل متشبثًا بتلكَ الدقائق ليقاوم حبها في صدره واومأ دون حرف مُعترض، ثم أولج خارج السيارة، فقفز كريس من كرسيهِ لمقعد القيادة ثم أدار المُحرك مُنتظرًا جلوس رفيق رحلته، وصديق دربه.

عكسها تمامًا، فكانت جالسة تتأمل وجه الشرقية بأعين ذابلة وشاردة، تراقب دموع الآخرى التي أنسكبت على وجهها ببطىءٍ موجوع، دون درع ولا ستار، وللمرة الآولى، شعرت بالهواء يضرب صدرها فأثلجه.. ليعتصر مُهجتها بتلذذٍ.

"ربمَا أحببتُ لوكاس، لكن چون... هو.."

أرجعت رأسها تدعي الصمود، ثم لعنت تحت أنفاسها بإختناقٍ ونهضت صوب الشُرفة وما كادت تفتحها حتى ألتفتت للشرقية مُجددًا تتحسس حرارتها.. فوجدت الحرارة مُستكينة، والجسد سليم، لكن الروح تحمل الإصابة كلها.

مدت سونيا يدها بخفة فضولية، ثم تحسست فستان الشرقية بحاجبين مَعقودين، فلاحظت بُقعة الدم المُنتشرة أسفلها تزداد أتساعًا خبيثًا على قماشها الأسود والفراش أحمر الأغطية مما جعله صعب الملاحظة للوهلة الآولى.

"ما الذي فعله السافل بكِ؟"

تسائلت مُتوجسة لكنها لمْ تعثر على الإجابة سوى في الدموع المُستمرة والشفاة الزرقاء مع البشرة شديدة الشحوب، ولوهلة، ظنت سونيا أن الآخرى ماتت بأبشع طريقة قد تتصورها امرأة ولو كانت باغية.

أتجهت صوب المرحاض ثم ملئت حوض الإستحمام تُحارب نفسها الأمارة بالسوءِ..

كان مَعروف أول.. ولن يتكرر.

____________
_______

أحيانًا.. النوم لا يدوم سوى مهربنا الوحيد من بشاعة حياتنا وواقعنا، لكن حين تحاول الفرار من مشاعركَ بالأحلام، تطاردك، بل وتجد نفسك تتبعها وكأنما كنتَ مسحورًا أو تائهًا لها، فالمشاعر لا مهرب منها أبدًا.. سيئة كانت أم طيبة.

لا يزال لوكاس مُغلق الأعين شاردًا في مخيلته، وتلكَ الدقائق التي وهبها كريس له ليتمكن من تحجيم أفكاره كيلا يغرق في ذكرى محبوبته، وجد نفسه يتمسك بها فقط ليفكر بها.. وليتصور حياة معها لن يحصدها، فأراد أن يغوص أعمق في تخيلاته وتصوراته، وأراد أن يشبع نفسه بتأمل طيفها، لكن فجأة أنتشلته صوفيا من أحلامه الغير ملموسة برنينها المُستمر، فأجاب مُسرعًا:

"صوفيا.. أنتِ بخيرٍ؟"

تجاهلته، ثم أستطردت في الحديث بنبرة مُجهدة ومُتعبة:

"زرت المركز الشرقي باحثة عن الزعيم، ثمَ أتجهت لبيت چوزفين، وبرغمِ ذلك لم أجده.. ولم أعثر على دليل واحد لمكان الوغد الآخر.. لذا أين أنتم؟"

صف كريس السيارة على جانب الطريق مُنتظرًا بصيص أشارة تدلهم على مكانِ الزعيم وعيناه تتابع لوكاس الذي تغلبت الصدمة عليه لوهلة قبل أن يُجيب حيرتها بحيرة أكبر:

"كنا في طريقنا للمركز الشرقي بالفعل.. أوليس السيد هناك؟"

"تبـًا لي!، إتجه فورًا للمركز الجنوبي يا لوكاس!!"

"لكنه يبعـُد آلاف الـ.."

"لــوكـاس.!"

لعن تحت أنفاسه بسبب لهجتها الصارمة، عكس كريس الذي ضحك مُخففًا توتر الأجواء مُداعبًا:

"أحسدكِ حقًا يا مريضة السُكر أعني.. تبدو صحتكِ كالفرس العربي الأصيل نقي السُلالة."

تآوهت صوفيا مُتحسسة جرحها الذي عاد ينزف بغزارة، ثم صرت أسنانها بسخرية:

"أشعر وكأن النعيم يجري في عروقِي تاركًا إياي في أفضل حالاتي. كانت الرصاصة طائشة حقًا، فالسافل الذي كنتُ أواعده لا يُجيد التصويب."

"يمكنني أن آرى."

إزداد آلمها بسبب قول كريس الحسود فغمغمت تسبه ببذائة قبل أن تغلق هاتفها، ثمَ أدارت المُحرك مُجددًا للمركز الشرقي، وهذه المرة كانت وجهتها الصحراء الفارغة.

عيناها وبرغم قوتها كانت مُتشبعة بالظلامِ، عتمة الألم، وسواد الغُربة، مرارة الخذلان ووجع كسرة القلب والثقة، ربما كانت تدفعه عن طريقها بنفورٍ ورفض، لكنها لم تُعامله أبدًا كما لو كانت صوفيا والتر، وهو، لم يتعامل معها من قبلٍ كما لو كان أندريس الوحش الذي أُطلق في أسبانيا. كان يُعاملها دومًا، كما لو كان أندرو.. حبيبها الإيطاليّ.

رفعت يدها المُمتلئة بالدمِ ثم مسحت دموعها بعنفٍ مُستنكر لضعفها، لكنها مهما كانت راسخة وقوية تظل إنسانة وهذه الحقيقة التي نساها الجميع حتى هي.. حتى بعدما وقفت على قدميها مُجددًا بصلابة وجدت نفسها تارة تنفجر باكية لتلكم المقود بغضبٍ مُهتاج، وتارة آخرى تزمجر صارخة بخسارة، لم يكن يستحقهَا، وفي ذات الوقت، لم تكن تستحق أن تلقى لحـُبها مثل هذا الوجع.

ليس لأن حكايتهم مؤلمة وحين تنتهي، تبدأ مُجددًا لتروي عذاب أكبر، بنهاية حتمية أعنف..

بل لأنه وقف رافعًا زناده وأصابها في منطقة غائرة بمنتهى السلاسة دون أن يتردد.. أطلق على أرق بقعة في بطنها دون العبأ بإن ماتت أم لا..

شعرت بالخدر جراء صياحها المُستمر على فقدانها وأدركت خطورة فقدانها للوعي الآن، فرفعت سرعة السيارة وهي تنوي أن تعود لسانتيغو بعد تلكَ المعركة السخيفة مُنهية خدماتها معه تمامًا، لتعيش بعيدًا مُجددًا في سلامٍ، كما كانت قبيل ظهورها وعودتها.

____________
_______

الكُره والإنتقام ما هو إلا مُنعطف الحصاد، والجميع حصد ما يستحق سوى وغد آخير وجب لو يذوق مرارة الوجع الذي وضعه فيه، فركل چون جسد چوزفين المُتهالك وكأنما يركل حجارة صغيرة لا منفعة منهَا، فتدحرج على أرض الصحراء الحارة وأخترقت حبيبات الرمال الخشنة جلده الرجولي الغليظ، فأطلق آنة مُتألمة باصقًا كتلة من الدماء تجمعت في فمه، ثم رفع عيناه مُراقبًا الوريث بأعين مُرتعبة.

ما أن رآه الوغد مُختبئًا كالجرذان في مُنتصف الصحراء حتى هاجمه بقواهِ البدنية كُلها كما لو كان مسخًا مُفترسًا لن يقف أمامه ولو حصن منيع، مما جعل فرصة المقاومة بالنسبةِ لچوزفين تنعدم.. تبًا عن أي فرصة يفكر وهو لم يرمش حتى الآن، ولمْ يبرر ولو بكلمةٍ واحدة، فكل ما فعله الزعيم حدث في رمشة واحدة لعينة وبرغمِ ذلكَ شعر وكأنما كانت بضعة أيام لا ثوانٍ.

كان جذع چون عاري بلا قميص وقطرات العرق راحت تنزلق ببطىءٍ من بين تقاسيم جسده وعروقه المُنتفضة، قبل أن تتلاشى خلف قماش بنطاله الأسود ولا يسود وجهه خدش واحد، ولا حتى آثر للرحمة، فعكست بشرته اللامعة أشعة الشمس الحارقة مما زاد هالتهُ ظلامًا وإسودادًا وحينها أدرك چوزفين بأن تلكَ حقًا نهايتهُ... أن يموت على يد الرجل الذي ظنه قبلًا أخيه الأكبر، فتهته مُنفجرًا في البكاءِ وكأنه مُجرد شاب طائش أعماه الغضب والتدليل:

"كنتَ الأفضل في كل شيء.. كنتَ دائمًا المُختار المُدلل، كل ما أشرتَ عليه حتى وإن لمْ تبتغيه، كان يرتمي أسفل قدميكَ.!"

خفت حدة نبرته وسكن الحقد فيها يلوح لمزيج قاسي من الوجعِ والآسى، حتى عيناه الشامتة، تحولت لآخرى مُتألمة بصدقٍ مُحترق، ونبرته الرجولية سيطرت عليها غصة باكية:

"كنتَ الأفضل في حين نبذتني العائلة الراقية لأنني وليدة علاقة عابرة لأحد أولياء هاريسون ذوي الدماء النقية الأسبانية مع باغية لا ثمن لها! كرهني هاريسون فقط لأنني حصيلة نوم أحد أبنائه مع عاهرة ألقتني في الميتمِ عندما شعرت أنني أُفسد متعتها مع أحبابها."

إزدادت دموعه وغصته ثمَ هدر أمام أعين چون الغير مُكترثة:

"هل تعلم كيفَ شعرت بعدما تركتني واقفًا أمام مبنى الميتم الحكومي وسط الظلامِ وأسفل المطر بثيابٍ رثة وقذرة؟ مُحتضنة حبيبها تتغنج في صدرهِ! والآخر راقبني بتلذذٍ مريض وكيف لا يفعل وقد أنتزع مني أمي وطفولتي؟.. هل تعرف كيف كان شعوري وأنا أكتم ما ظل يفعله بي يا زعيم.. كل حياتي.!"

تابع بقساوة لوم:

"عندما أعاد هاريسون شملنا معًا، وأخذتُ المركز الأول وسط زملائي، كنتُ سعيدًا وظننت تفوقي الدراسي سيمنحني نفس مكانتك، لكنهُ كان فخورًا بكَ لأنك أعدمتَ رسميًا أول رجل في تاريخك، وناظر شهادتي بعدم تقدير ولا أكتراث لتلك الليال التي غرقتُ فيها ساهرًا حتى أسودت جفونى.."

قهقه ضاحكًا فجأة بخسارة فوضع چون سبابته في جيب بنطاله مُنتظرًا إنتهاء تلك المسرحية السخيفة:

"لذا فهمت أن القتل هو مدخله، قتلتُ رجالًا ونساءًا، أغتصبتُ راهبة وأجبرتها على الصمت حتى ماتت مُنتحرة، أختطفتُ مُراهقات وأجبرتهن على العملِ في الدعارة، أغتصبتُ زوجات أمام أقرانهم ثم قتلت رجالهم، تاجرت في المخدرات، السلاح، والممنوعات، لكنه لمْ يناظرني وحين فعل، فعل بخيبة آمل وعدم تقدير... للمرة الثانية.! فأرتكبتُ الأبشع، الأسوء، أشياء سأخلد في الجحيم لأجلها، تاجرتُ في الأطفال، وأبتززتُ مراهقات، صغيرات، وقاصرات، وشابات، ومتزوجات.."

صمتَ صارًا أسنانه مُمسكًا جانبه الممزق بألمٍ، ثمَ تابع بحزنٍ غلب عليه القهر:

"لكنهُ لمْ يناظرني أيضًا.. فقتلتُ المرأة التي أحب.. قتلت أمي.. سبب بؤسي."

أتجه چون صوبه ثمَ سار حتى وقف أمامه على بُعدِ بضع إنشات وصمت بسادية مُهيمنة متأملًا إنكماش چوزفين أسفل قدميه بخوفٍ تام كما لو كان كلبًا له أو أدنى شئنًا، مُنتظرًا رد فعله:

"أردتَ أن تلفت أنظاري. ما يُغضبكَ حقًا ليس أن هاريسون لم يهتم بكَ."

أسودت أعين چوزفين بمزيجٍ من الخوفِ والترقب بسبب سماعه تلك النبرة الغير آدمية، ولأول مرة تخللت نبرة سادٍ حقيقي مسامعه وطغت بالهيمنة النقية، وحينها فقط أدرك معنى عدم الرحمة، الوحشية والبرية، الغضب الجحيمي، ودهمة القتامة، علم بل وأيقن أن سبب إعجاب هاريسون بچون، لمْ يكن أبدًا بسبب أفعاله كما ظن سابقًا.. بل لأن الوغد بلا روح، ولا مشاعر، ولا قلب.

"كنتَ غاضبًا لأنكَ لطالما كنتَ جرويّ الأليف. دون لجامي حول عنقكَ، كنتَ ستـُقتل بالرجمِ.."

تابع بلا إكتراث وبهيمنة مُستبدة:

"حتى هاريسون الرجل العظيم مؤسس العائلات ترجاني مُقبلًا الأيادي كي أحميكِ مني ومن نفسك ومن الجميع؛ لأنه علم أنك تمتلك ما لا أملكه أنا. كان يظن أنني سأفقد السيطرة وأخلي بوعدي وسأمحي السلالة كلها عن الوجود وتبًا كم كنت أحارب شياطيني كل ليلة كي لا أفعل، ظن.. أنكَ ستكون أفضل مني، لأنكَ تمتلك ما لم أكن لأملكه أبدًا.. تمتلك الروح البشرية، الأدمية ورفاهية الشعور، التي حـُرمت منها بسبب أمراضي النفسية البحتة."

تجعد حاجبين چوزفين بلا فهم، فتابع الأخر بوتيرة بطيئة مالت للفراغ:

"هاريسون العظيم خاف مني. برغمِ حبه لي إلا أن العجوز لم يستطع الوثوق بي كما فعل معكَ، ولربمَا هو في إحدى زوايا الصحراء يسمع مني ما ظن ألا أحد يعرفه سواه..لكن دعني أخبركَ، تبلد المشاعر وإنعدام الرحمة، السيكوباتية، والنرجسية المُؤذية، السادية وحب الخنوع.."

أبتسم بظلامٍ تام بسبب زوال لون وجه چوزفين وكأن الحياة تسلب منهُ ببطىءٍ:

"حين كنتُ في الرابعة قتلتُ هرة رضيعة وتلكَ كانت جريمتي الآولى، لا أظن بأنكَ تريد أن تعرف كيف قتلتها يا چوزفين، فأنا دسست يدي اللطيفة في فمها الصغير وأنتزعت أحشائها حتى أخرجت حلقها وروحها."

زحف الأخر للوراء بذهولٍ تام بسبب إتساع هالة الوريث وزيادة قتامة حادقتاه بتلذذٍ مريض:

"قتلتها حين كنت صبيًا فقط لأنها أزعجتني بموائها السخيف، والآن.. ما الذي سأفعله بكَ وأنتَ قاتل إبني؟... أبنها؟"

ظل چوزفين صامتًا بضع لحظاتٍ بخوفٍ نقيّ، ثم أنفجر في الضحك مُغمغمًا:

"لا تخف.. فبعد لحظات من الآن.. سأرسلكَ لقطعة اللحم الغبية التي ناحت عليها امرأتك."

"عن طريقِ الألغام التي ظللت تدفنها لأربع ليال مُتتالية أسفل الرمال التي نقف عليها الآن؟"

أتسعت أعين چوزفين برعبٍ تام حين تابع الآخر بلا إكتراث وكأنما هو في مسرحية سخيفة:

"هذا جعلني اتسائل قليلًا، إلى أي مدى يُمكنكَ الوصول حقًا يا چوزفين؟.. لكن أنظر للجانب الإيجابي.."

سار صوبه بخطواتٍ بطيئة يكاد يدهسه أسفل حذاءه، فزحف الأخر للوراء مُرتعبًا:

"أستطعتَ أن تلفت نظري أخيرًا."

"سيڤار لمْ تُحبكَ في يومٍ."

قالها فجأة بنبرة عالية مُستغلًا بطاقته الوحيدة الباقية، فذُهل بسبب تصنم جسد الوحش وسكونه وبرغمِ دهشته تابع:

"حبًا في السماءِ.. أغتصبتَ الفتاة كالمسوخ حتى خرجت روحها من دماغها وتهتك جزئها كله، وضربتها حتى باتت مريضة مُشوهة، مُرتعبة وتائهة، ثم أهديتها وردة، فإزدادت وجعًا وجنونًا.."

صر چون أسنانه بعذابٍ وأجبر نفسه على سماع ما قيل وكأنما يجلد ذاته:

"بسببكَ فقدَت طفلها والنعيم الذي رغبته بعد الموت، فتلونت بألوانك القاتمة وبرغم ذلكَ كنتَ تنتظر إياها أن تُبادلك المحبة، هذا إن كنتَ تدرك معنى الحب في الأساس.."

نهض چوزفين بصعوبة وأستند على كتف چون مُتابعًا بضحكة خفيفة ساخرة:

"يمكنني أن أفهمكَ، ربما أنتَ غير متوقع، لكننا كنا إخوة لذا.. أعرف لما لا تسأم أبدًا مما تمتلكهُ هي.."

إزداد توحش عيناه أثناء تمتمة الآخر الخبيثة أمام وجهه:

"لأنها خضعت لكَ عاطفيًا، جسديًا، نفسيًا، وماديًا ومعنويًا، لكنها لا تزال امرأتكَ.. ولمْ تصير بعد مَا يرغبه أكثر جانب قاتم منكَ...

لا تزال لمْ تكن خاضعتكَ الجنسية..

التي ستمارس معها كل ما يريد أسوء جانب سادي فيك برغبةٍ منها..

لتهيمن عليها..

لتتملكها أبشع وأعمق..

ولترى سياطك يُطبع على جلدها الناعم.. بينمَا تصرخ بمزيجٍ من الألمِ والمُتعة بـ.. المزيد!"

تدريجيًا يزداد سواد حادقتيه بعدما أستحضر في ذهنه أعتصارة عيناها المُتألمة بالمتعة هذا الصباح، وراحت أدهم بقعة من مشاعره تتصور نفس النظرة في وضعٍ خالع بحقيقةٍ أشد دمامة من ممارساته السابقة معهَا، فشعر بالرغبة في الآذى تؤجج حواسه:

"تبًا لي فهذا ما ترغبه حقًا، أن ترى بشرتها تتمزق لتُخرج لكَ دمها الدافىء الشهي بكلِ إخلاص، فينهمر على جسدها.. ببطىءٍ وإنسيابية، وبرغمِ ذلكَ.. تنحني طالبة المزيد، مُقبلة ما تأمرها به، سواء يديك، أو قدميك، أو حتى بشرتك القاسية لأنهَا وفي النهاية ملكيتكَ الخاصة."

خالجهُ ظنه بأنه ربح في جولة حتى أحاط چون عنقه ببغتة، فصرخ وتلوى برجاءٍ دون حيلة تُذكر، لكن الوريث كانت عيناه شاردة في الفراغ وكأنمَا يُحارب رغبته في تنفيذ ما قاله الوغد. هي حقًا لا تعرفه وكانت أكثر غبية في الوجودِ لتوافق على منحه نفسها بكلِ طواعية، فتلك الأشياء السخيفة والمُبتدئة التي قالها السافل لا شيء أبدًا مما رغب ولا بواحد على المئة.. وبرغمِ تلك النشوة الثقيلة التي سارت فيه، لإيذائها.. ليراها تنزف له بكلِ هيام، تذكر كيف كانت تحتضن بطنها المُنتفخ بسعادة أمام المرأة، لتلتفت له بمنامتها البيضاء فينهمر الهواء بين خصلاتها فتطير حول عنقه لتكبل روحه وتحبسهَا في فتنة جمالها حتى تضرمه بسخونة روحها..

شفتاها كانت تتحرك دائمًا، لتُغني له، فتطرب روحه بكلماتٍ شهية وما أثقل الكلمات على صدره وبشرته القاسية، وبرغم ذلكَ، كان دومًا ما يشرد في إنحنائات جسدها وهي تتلوى كل صباح أسفل أشعة الشمس الدافئة تحتضن بطنها وكأنما هي أسعد امرأة في الوجودِ..

ما الذي يبتغيه أكثر من هذا؟

ما الذي يريده.. أكثر من هذا المشهد الدافىء؟

وحين يتورد وجهها أسفله بسبب رقته البعيدة عن شخصه وبعثرته فيها من فرطِ حبه لها..

ما الذي قد يُريده چون؟

أكثر من أبتسامتها لهُ وللحياة؟

وأثناء الحرب التي تخلدها فيه بكل مرة تتراقص شفتيها على عنقهِ خلال اللحظات النادرة يشعر وكأن قلبه يضطرب عازمًا على ترك روحه المُظلمة مُتجهًا إليها.. وإليها وحدها.

وفي النهاية ما الذي سيُريده.. أكثر من بقائها حية لتدوم في سعادةٍ؟

حينهَا شعر وللمرة الآولى بأن سحرها سار على طول ذراعيه وصولًا لعروقه ثم عظامه وأستهدف مركز وجدانه، فبدد فيه ظلامه ورغبته في الإنتقام.! فتسائل إلى أي مدى يمكنه الإنغماس فيها.. بل بالآحرى..

<إلى أي مدى يمكنكِ أن تنغمسي بي يا سيڤار؟>

ذُهل چوزفين بسبب زوال وحشية الآخر فجأة بعدما عاد دفىء الحياة يُحاوط عيناه ليبدد ظلامهما وحينها شعر چون بأنه لم يرى يومًا قاتمًا في دربهِ من قبلٍ، فعادت بؤرته تدريجيًا للأخضر القاتم اللذيذ وكأنما تحررت روحه أخيرًا من الدهمة التي زرعهَا الزمان بهِ، لكنها أُحتجزت لها.. ولها وحدها.

ترك عنق چوزفين مُنتفضًا للوراء بمقدارِ خطوة وكأنما سارت به شرارة كهربائية فائقة أعادت لقلبه الحياة فراح ينبض بعلوٍ صاخب..

بغنوةِ طرب..

وكأنها رقصة سعيدة..

لم يعهدها.

فقال چوزفين بحسرة:

"وبرغم أن هاريسون ظن بأنكَ وحش، لكن امرأة لا تزيد عن غيرها شيئًا، وهبتكَ أفضل مما أمتلكَ."

تدارك چون مشاعره ونفسه بصعوبة بالغة، وأخرج زناده وقبل أن يقنص رأس اللعين غمغم بمنتهى السخاء:

"لأجل العجوز ولأجلكَ، سأرحمكَ يا چوزفين.. بل لأجلها."

ضحك چوزفين ورفع فجأة من جيبه ريموت صغير ثم هسهس بحقدٍ:

"ولأجلها أيضًا، لن تُغادر تلكَ الأرض سوى أشلاء."

كان على وشك أن يدهس الزر..

كانت النهاية حقًا..

الموت ولا سواه.

لكن فجأة أخترق صوت رصاصة سكون المكان، فسببت أنفجار رأس چوزفين الذي تلاه سقوط صوفيا غارقة في دمها خلفه، فلعن چون تحت أنفاسه مُتجهًا صوبها وهدر:

"لما غادرتِ المشفى؟"

صـُدم بسبب كمية الدم التي غادرتها ولا تزال تُغادرها، فأحاط جرحها لاعنًا غبائها، لكنها حاوطت وجنتاه ببكاءٍ:

"أرجوك، أتركني أموت.. أتركني للسلامِ يا چون.. أتركني أموت في سبيلكَ.. فهذا شرف.. سأخلد سعيدة فيه فأنا لمْ أعد أحتمل.. لستُ صخرة كما تعلم.. أخوك قاسٍ وحبه سقيم.. مهما أدعيتُ القوة أسقط دائمًا.. أعود له.! وأنا لا أريد أن أعود له مُجددًا."

حملها چون، ثم سار بخطواتٍ سريعة راكضة، وتركها تتهته بما تريد:

"أريد أن أموت لكَ.. كي لا أموت بسببهُ."

____________
_______

الموت واللاحياة.. ذلكَ الفراغ السلبيّ لمْ يسود عالمهم سوى مرة واحدة ولمدة لمْ تطول، تحديدًا كانت قبيل أن يتمسك مكاريوس بالزعامة حيثمَا كان الوريث نفسه هو الزعيم.. خسف بهم الأرض وقتل الكثير.. آمن بقانونِ الديكتاتورية التامة ورفض مبدأ الشورى أو حتى مُجرد التحاور، وبرغمِ ذلك كان أستاذًا أرستقراطيًا في النقاشِ.. قادهم لمدة لم تطول وربما لبضع شهور.. لكنها كانت أطول وأسوء فترة مرت عليهم من كل النواحي بعيدًا عن الإقتصاد والنفوذ والسلطة فقد إزدادوا أتساعًا وكأنما هي فجوة داكنة أبتلعتهم.

لعن لوكاس تحت أنفاسه بعد وصوله للمقر الجنوبي، لمْ يظن أبدًا ولو في أبشعِ أحلامه أن الزعيم سيفعل هذا بهم مُجددًا.. يقتلهم ليفرقهم فيُباح دمهم لهُ، برغمِ أنه فعلها سابقًا وأباد نسل الكثير ولم تقف أمامه قوة على الأرض، لكنهُ في النهاية ترك الزعامة وأكتفى بالقيادة، فظنوا أن أمجاده لن تعود لكن تبًا لي الجميع كان ميت حرفيًا ولا آثر للحياة ولا حتى في الأضواء أو الحشرات، على النقيض تمامًا صمت قاتل ورهيب تغلغل كيانه مُراقبًا رجالهم المُخلصين ممزقين بوحشية وكأنما قطعهم وحش مهتاج.. حقًا شياطين سيده هذه المرة خرجت عن السيطرة وما يراه الآن ما هو سوى بداية لذيذة لجحيم طريف جدًا سيُسجل قوته على خلفية أعناقهم، ومؤخراتهم شخصيًا.

دلف كريس خلفه بإبتسامة ماتت وأنخطف لون وجهه في لحظاتٍ، ولمْ تختلف وجهة نظره عن لوكاس كثيرًا، لكن ما أثار ذهوله ليس فقط الأجزاء المُمزقة بحيوانية مُنعدمة الشعور، بل في سُرعة الوريث ذاتها، فكيف وصل من الشمال للجنوب.. ثم غادر مُتخفيًا عن نطاق الشبكات المُجاورة دون ترك دليل واحد يدينه؟

"ما الذي سنفعله الآن؟.. وأين هو؟"

تسائل كريس مُتحيرًا بنبرة خافتة، يتصور حجم الجحيم المُقبل على الجميع المذنبين منهم والمظلومين، فإبتلع لوكاس توجسه وتمتم بنبرة آمره:

"أولًا.. سنحرق المركز بأكمله لنجرفه من فوقِ سطح الأرض، كيّلا نلفت نظر الحكومة للجُثث وللضحايا."

"صعب يا لوكاس أعني.. يمكننا التخلص من الجُثث دون ريبة ودون لفت نظر الحكومة والمنظومة العسكرية، لكن ماذا عن الشعبِ وهو السـُلطة الأقوى؟ إختفاء ذلك العدد من الرجال ليس أبدًا.."

قاطعه لوكاس ساخرًا:

"أين الذكاء الخارق الذي حدثتني عنه صوفيا فيكَ يا كريس؟ فما الذي يحدث في الجائحات العالمية غالبًا؟ أشتُبه أنهم مُصابين وتم عزلهم، ثم ماتوا، والأقلة منهم أنتحر.. أو لربما تعرض المكان لأنفجار قوي نتيجة تسرب الغاز، الأمر ليس بتلكَ الصعوبة أمام الشعب.. لكن بالنسبةِ لوريث آل هاريسون.."

بتر حروفه، ثم رمق صديقه بريبة، فبادله الأخر نظرات لا تقل توجسًا ولا حتى خوفًا.

"لترحمنَا السماء فقط.. والآن.. علينا التوجه حيثُما يكمن."

"وأين يكمن؟"

تسائل كريس بنبرة شبه مُرتعشة، فأجابه الآخر مُغادرًا المبنى:

"عِندها.. دون شك.!"

توقع لوكاس لمْ يخب أبدًا، فبعدما ترك صوفيا تحت رعاية طبية مُشددة في المشفى، وجد نفسه يبحث عنها في كل مكانٍ وزاوية، ينبش عنها فيه وفي الدنيا.. يتمنى لو أن موت طفلهما، لم يؤذها للحد الذي يتوقعه.

لكن على من يكذب هو؟ بالتأكيد ستكون مُحطمة، راغبة بالموت، وحينها فقط.. صر أسنانه قابضًا يده حتى أبيضت مفاصله وأخترقت أظافره جلده ثم لحمه.. سيفديها بحياته، لن يسمح لها بالإنتحار ولا بالموتِ قبله.

يده الآخرى كانت حول الإبرة الطبية المُغلقة والمُعبئة بسائلٍ ما، وعيناه تراقب باب الغرفة القابعة خلفها بأنظارٍ هائجة، منذ لحظات كان على إستعداد تام لحرق اليابس ونبش الأرض، فقتل كل من فكر في أذيتها من رجاله ومن الأجانب عنها، نهش حياة كل وغد شك به، ووجد نفسه يتلذذ بتمزيق جوارحهم.. كما مزقوا جوارحه بإبشع الطـُرق مُستغلين حبه لها..

لكن ما حدث لهؤلاء الأوغاد، لا شيء أبدًا مما حل في الطبيب القاتل، يكاد يجزم أنه لمْ يصل لتلك المرحلة من السادية من قبلٍ، وأنه لم يتلذذ بصرخات أحد كما فعل منذ لحظات، بدأ الأمر بفعله طريفه منه جعلت الآخر يفقد حنجرته حين أخصاه، وهنا عويله أفسد متعته، فوجد نفسه ينتشي بإيذائه، تمزيقه، نهشه، وبتر أعضاءه التناسلية، ثم سلخ جلده.. وجد نفسه يغرق في خطيئة خالية من الآدمية، فوصل إلى مرحلة متأخرة، جعلته يدرك الوحش الذي هو عليه.

تراجع للخلف واضعًا الإبرة في جيبه وكأنما أستسلم بجبروته أمام حصن منيع لمْ يستطع إختراقه، ثم غادر بعيدًا عن بابها؛ لأنه لم يستطع رؤيتها. أستطاع توقع حالتها. وهو أبدًا لن يتمكن من رؤيتها في الحالة التي هي عليها.

قد يحتمل أبشع عذاب الدنيا، لكن عذابها هي، وكأنما سقط من الآخرة ليُنقيه من خطاياه.

وماذا بعد؟

مر أسبوعان كاملان..
أربعة عشر يومًا بدونها..

هدأت الأوضاع وعادت إحصائية الأعمال الإقتصادية ترتفع عن المُعتاد، وخضع الجميع بعدما تخلص من كل وغد خائن تلبس به الضعف، فبعيدًا عنها، وجد نفسه ألعن وأدل ليؤذي من حولهِ، حتى أخيه، وزوجته سونيا، وعمه، وإيڤالين.. فالشعرة الرقيقة التي كانت تفصله عن الوحشية والإنتقام، تمزقت، ولم يبقى سوى جدار منيع لم يستطع هدمه.. جدار.. خلفته هي فيه.

أفاقت، وتعرضت لإنهيار عصبي حاد أنكرت فيه كل ما حدث. كان بعيدًا عنها، هي في أعلى غرفة بأخر طابق من طوابق القصر، بينما هو نقيضها تمامًا، فأبتعد مُرتدًا عن وجع صوتها ورائحتها وعن طابع وجودها، وكأنمَا يهرب من طيفها وذكراها، رائحتها، وجمالها الفتاك، وحلاوتها حتى حين بكاها.

صر أسنانه لاعنًا تحت أنفاسه بعذابٍ، مُسترجعًا صراخها المدوي الذي كان يتصاعد كل ليلة، فشعر وكأن أحبالها الصوتية، تُمزق جلده، ولحمه، وعظامه، بينما تنهشه مشاعره فقط ليحتويها بين ذراعيه، لكن الجزء الأكبر منه، رفض رؤيتها..

كانت تُلهب فؤاده، تجلده بل وربما تسلخه حيًا، لكن أخيرًا عذابه تبدل قبل ثلاث ليال بعدما توقفت عن الصراخِ وبات لا يسمع منها ولا عنها، فتحول سقمه إلى جحيم، وكأنما يحارب أسوء ما فيه كيلا يهرع إليها، ليرى ما بها، ويُريها أنه لازال يُحبها.. أكثر وأشد عمقًا.. فسيڤار ليست مُجرد امرأة عادية في حياتهِ..

هي.. أول لذاته إن لمْ تكن الوحيدة..
هي أول شعور صادق طرق بابه.

كانت ولا تزال الوحيدة التي أحبها.. والوحيدة التي لمْ تُدفن أسفل التراب بمجرد إبتغائه لوجودها.

ربما هي مُختلة غير متزنة وحتمًا كانت ضحيته..
لكنها مُميزة.. فريدة.. فكيف لها أن تخاف تبرمه منها وكيف يمل؟

هل يمل المرأ من حياتهِ؟ روحه ولحمه وأنفاسه؟

هل يمل المرأ من دمهِ ونياطه؟

تحسس الإبرة الطبية في جيبهِ بسبابتهِ وأنفاسه المُلتهبة أفسدت سكوت المكان، ثم رفع أبصاره لغوزمان صديقه المُبتسم بشماتة مغمغمًا:

"يعجبكَ الوضع الذي أنا عليه.. صحيح؟"

كركر رفيقه ثم اومأ برأسه نافثًا دخان سيجارته، وعكس چون المُحب لسجائر النعنع والتبغ والقرفة، لمْ يكن يشترف الآخر سوى سجائر القرفة فقط وله أسبابه الخاصة لحـُبها.

"وما المشهد الذي نال إعجاب سيادتكَ أكثر؟"

تسائل چون بعد فترة من الصمت مُخرجًا سيجارة بنكهة القرفة ثم وضعها بكفه المُرتجف على فمه أثناء نفث دخانها، فعلم غومان أن صديقه في حاله نفسية بشعة وبرغم ذلكَ تمتم بإبتسامة واسعة:

"دعني آرى.. المسرحية كُلها تعجبني، لكن مشهدي المُفضل حين تنتحب كل يوم كأرملة أكتشفت خيانة زوجها للمرة الآولى."

إزدادت قتامة أعين الآخر وأشتد الإسوداد حول روحه يخنقها ويستبيحهَا، ثم رفع رأسه نافثـًا الدخان بجسدٍ مُرتعد، وأقتبس من جملة صديقه المُفضلة ليسخر من الحالة التي وصل إليها بسبب حبهَا:

"النِساء يا صديقي.. النساء."

"الأمر لا يتعلق بالنِساء.."

رمقه چون بنظرةٍ جانبية لمْ يفهمها وبرغم ذلك تابع ساخرًا:

"بل فينا نحن الرجال أعني.. لما أنوح على شابة يمكنني إجبارها على فعل ما أريد؟ عوضًا عن تركها تنبح في فراشي وبين أعدائي."

أسودت حادقتاه أكثر وتشبثت العتمة بوجدانه، فإبتسم غوزمان مُتوقعًا ردًا ساحقًا بعدما داعبه بذكرى كونه المغفل الذي أستطاعت امرأة واحدة قلب الطاولة عليه، لكن قاطع حديثهما طرق ضعيف على الباب باللكاد لاحظه، لكن من صمتِ صديقه وتعلق نظراته على الباب مُطولًا.. بالإضافة إلى الطريقة التي بهتت فيها أبصاره وغرقت في الألم الحرفيّ والعذاب الأدهم علم بأن الزائر أهم شخص خـُلق في الوجودِ على الأقل لهُ.. فلاحظ بوضوحٍ كيف حبس أنفاسه بلا تصديق، وتلاشى اللون عن وجهه، حتى السيجارة غادرت شفتيه فطرحت سطح المكتب، وبرغمِ النغمة الخافتة التي أصدرتها بسبب الصمت القاتل الذي خيم على المكان أستطاع غوزمان مُلاحظتها وسط أنفاس زعيمه العالية.

صمت مُترقبًا بسبب المقبض الذي تحرك ببطىءٍ وضعف، ثم فـُتح الباب.!

ظل چون جالسًا موضعه جامدًا وكأنما تلاشت كل دفاعاته ومبرراته، عكس غوزمان الذي تراجع بظهره للخلف، مُراقبًا الشابة التي ظهرت ولمْ تلوم لا بالكلمات ولا حروف.

حالتها كانت واضحة..

نفسيًا..

وجسديًا..

وعاطفيًا..

وبدنيًا..

كانت مُرهقة..

روحها تنتحب..

تصرخ.!

بل تستغيث.!

وأول مرة حين أدار لها چون ظهره، كانت في أشد لحظات إحتياجها.

نهض غوزمان وتركها تراقب سيدها بإنظارٍ لوامة مُتعبة، وأعين مُتورمة ذابلة ثمَ غادر.. تاركًا الروح تعاتب عوضًا عن اللسانِ، وعلم بعدما شهد بشاعة حالتها أن چون أتخذ القرار الصائب في تحضير تلكَ الأبرة الطبية.. بل وأدرك أن الزعيم كان أنانيًا ليتأخر في إتخاذ تلكَ الخطوة الصعبة.

ظل چون جالسًا موضعه فوق الكرسي، وظلت هي تراقبه دون حروف ولا عتاب، فراحت عيناه تلقائيًا تتفحص هيئتها من أخمص قدميها وصولًا لأقصر شعره في فروة رأسها..

جسدها عاد نحيف، والحزن الظاهر عليها كان أبشع من الماضي بل وأختلط مع نكهة مقرفة من الفُقدان واللوم والخذلان..

أحتقنت أنفاسه مُراقبـًا وجهها الموجوع، فنظراتها لمْ تكن صوب وجهه فقط.. بل صوب قلبه وروحه..

لمْ يستطع أن يراقبها هكذا..

إحتمل كل عذاب الدنيا وعجز عن إحتمال عذابهَا..

فأنزل عيناه للأوراق وكأن شيئًا لمْ يكن، فإبتسمت ضاحكة بخفوتٍ مسقوم مما خلق رعشة رجت كيانه كله، رغم إدراكه بأنها ليست سوى ضحكة وجع وكسرة نفس.

"شُكرًا لدفن جسد طفلي قريبًا من القصر."

قالتها بنبرة مَبحوحة ضعيفة، فسألها بلا تفكير:

"لازلتِ حزينة؟"

لمْ يكن أغبى سؤال في الوجود فقط.. بل الفعلة الغبية الوحيدة في حياته أعني.. يشكر الرب فقط أنها لمْ تنتحر.

"لا."

صُدم من جوابها فرفع لها أبصاره بجمودٍ مُنتظرًا تبريرها:

"حين كان طفلي في أحشائي دعوت الرب أن يحفظه لي في أفضلِ مكانٍ سيشهده إبني، فكيف أغضب لأن اللّٰه أستجاب وحفظه لي، عنده في النعيم مع الملائكة؟ فقط أنا حزينة، لسببين.."

قبض على الإبرة الطبية بتشبثٍ ثم راقبها بتتبع حزين:

"الأول طريقة موته.. إنتزاعه من رحمي بتلك البشاعة أمام إدراكي، وعيني، و.."

عادت تبكي وشهقاتها التي غادرتها مزقت كل خلية من جسده، فتلاشى صوتها بإختناقٍ، وبرغم ذلك حاوطت أنفها لتمنع نفسها عن التنفس وبالتالي كبحت غصة عجزها:

"والثاني تركك لِي دون تبرير. لما رحلت؟ ولما تركتني وحدي؟"

لمْ يجد مَا يستطيع قوله ولمْ يعثر على مبرر، فنهض وما كاد يسير نحوها، حتى راحت تدفعه من صدره بقوة لمْ تؤلمه، لكنها سببت تراجعه عدة بوصلات:

"لا يمكنك التظاهر وكأن شيئًا لم يكن.. لا.."

سقطت الإبرة الطبية فوق سطح الأرض مُحدثة ضجة خفيفة لكنها سمعتها، فأنتفضت مفزوعة للوراء، ونظرة عيناها الجامدة مزقت بقايا جدار صموده بعدما تمتمت بإرهاق رافض بالخذلانِ:

"إذًا ما قالته سونيا صحيح؟ لا يا چون.. لا تفعل هذا بي.. أترجاك.. حبيبي أنا..."

حاوط وجنتاها وبرر مسرعًا وكأنه سيموت إن لمْ يفعل:

"هذا أفضل لكِ.. صدقيني بيبي."

"چون، سأموت، حبيبي صدقني لن أحتمل هذه المرة وسأموت حقًا، أحتاج لأيام، دعني لأستعب موت إبني ثم.. ثم سأعود كما كنتُ، لا تسأم مني، أنا.. أنا.."

إزدادت غزارة دموعها حتى أبتلت وجنتيها بغزارة وتلاشت رؤيتها، فأحمر جفنين چون، ثم غمغم مُبررًا:

"لا أستطيع أن أكون معكِ."

صمتت وبهت وجهها تراقبه بلا تصديق، فتابع بمرارة مَوجوعة:

"لا يمكنني أن أكون رجلًا، دفع ديفيد امرأته من فوق أعتاب السلم.."

"لا يمكنني أن أكون رجلًا، أختطفوا زوجته ليلة زفافه.."

"لا يمكنني أن أكون رجلًا، قتلوا إبنه، وكسروا زوجته يا سيڤار.."

"لا يمكنني أن أكون الرجل الذي أنا عليه بجانبكِ.. على الأقل الآن.."

"ليس هذا ما تمنيتهُ لكِ، ولا حتى لي، بيبي أنا.. بشع جدًا صدقيني، لا شيء أبدًا مما رأيته يصفني، لذا سأعاقب نفسي، وسأمنحكِ الحياة، عِند أباك، وفي أحضانه، كنتِ بمأمن أكثر.."

علمت أنه قال الحقيقة وهذا نحرها، فتجاهلت كلماتها الكثيرة لأن لا قيمة لهَا ثم أحتضنته وصرخت باكية ترفض قراره البشع، فحاوط جسدها وكأنما قد يهشم ضلوعها، وبدأ يمسد ظهرها بحسرة.

ولأول مرة.. لأول مرة قالها:

"أنا آسف يا سيڤار."

وكان هذا آخر ما شعرت به قبل أن يكبلها بذراعيه، ويده الآخرى دست في عنقها الإبرة، ثم أطلق المُخدر لينتشر مع طول عروقها ودمها وبرغم ذلك قاومت الشعور، ربما إنهارت بين ذراعيه فحاوطها قبل أن تطرح الأرض، لكنها قالت بصعوبة و عيناها في عينيه بصدقٍ وعذاب:

"إن وعيتُ فلم أجدكَ بجواري، سأكرهك يا چون، هذه المرة.. حقًا سأكرهك."

"توقفي عن مقاومة السائل اللعين."

هدر بجنونٍ صاخب ثم بدأ يمسح نزيف أنفها، وبرغم شدة صوته الغليظ، وخشونة جسده وتصرفاته، وقسوة قلبه وجهامة قراره عليها، رأت العبرات التي ألتمعت في عينيه ولمْ تغادرها، ورأت روحه التي غادرته لتعود إليها، فـلمْ تستطع أن تحارب الظلام أكثر.

"ليتني.. ليتني قتلتُ نفسي.. قبل أن أحبكَ..
فحـُبكَ حقًا.. قضية خاسرة."

هذا أخر ما قالته قبل أن يخطفها الظلام منه، فإنسدلت دمعتان من شياطينه على وجهها وإنقبض قلبه بفظاظة.. حتى يداه أشتدت حولها رافضة تركها، وعروقه التي إنتفضت خارج جلده، لم تكن توافق على إنعدام رؤيتها مُجددًا..

لا يعلم كم لبث يحضنها رافضًا تركها وكأنما هو طفل يتيم، رغبوا في إنتزاع منه دميته وونيسه الوحيد، لكن حين دلف لوكاس، وفي صحبته توماس، أمرهم بنبرة مُمزقة:

"خذوها مني، أنا عاجز على تركها، كيف أترك روحي؟ كيف أترك نفسي تموت؟"

صر أسنانه وإهتاجت أنفاسه مُتشبثًا بها أكثر، حتى لوكاس الذي سار ناحية الصغيرة يحاول سحبها من بين مخالب الوحش، لمْ يستطع تحريرها بتلكَ السهولة، فترجاه بنبرة يائسة:

"سيدي.."

چون كان يمسكها وكأنهُ سيترك روحه للأغراب، فأدرك لوكاس أن معجزات العالم ثمانية، وأخرها أن يستطيع أحد سحب الصغيرة من بين يديه وبرغم ذلك خالف المُتوقع..

وتركها.!

تركها فسقطت بين ذراعين سواه..

تركها وراقب رجلًا آخر يمنعها عن السقوط..

تركها.. فأشترف موتته الأبشع على الإطلاق.

تركها.. وفي اللحظة التي تركها فيها، مات كل شعور، وكل شغف.. فأخذت قلبه، عقليته، وروحه الداكنة معها بينما يراها تتلاشى خلف الباب بين ذراعين لوكاس.

لا يعلم كم مكث آسفًا شاردًا في الفراغِ، لأنه وجد نفسه فجأة يحتضن منامتها المُفضلة له، وحينما أشتم رائحتها عليها.. كانت تلك هي القشة التي هشمت ظهر الوحش.

فدفن نفسه بين الأغطية يشتم رائحتها بنهم، بحب، بإشتياقٍ.. بوجع.

وترك آدميته تندثر لتعلن هزيمته... للمرة الآولى، والأخيرة.

<وأنا معها لن تعيش.. لكن بعيدًا عني.. ستكون مع رجل سيحميها أفضل مني لأنها من صلبهِ.. رغم أنني كنتُ لأفديها بحياتي، وبما أملكه كله.. فأحببتها أكثر من حبِ أبيها لها.. عشقتها حتى سكنت روحي فيها وبرغم ذلكَ.. لم أكن معها الرجل الذي تمنته.>

<شكرًا لأنكَ جعلتني أتخذ خطوة لم أكن لأتخذها چون.. هنيئًا لشياطينكَ هذه المرة.. فها قد تلاشينا.>

يتبع مشهد أخير..
***

برغمِ إني أتوقع إحتجاج كبير على النهاية لكن تنكروا إنها كانت واقعية؟

كل شخصية حصدت نهاية حسب وتيرتها وتصرفاتها، وبنزل توضيح لكل أسئلتكم أكيد.

١.هل هذه نهاية چون وسيڤار؟
ج: لا.. بل بداية جديدة.

٢.ماذا عن قصص الشخصيات الثانوية {جيداء وآرثر - لوكاس وسونيا - صوفيا وأندرو - إلخ..}؟
ج: هيتم أستئنافهم أكيد طبعًا بالجزء الثاني من سيڤار بعد ما كل شخصية أخدت حقها في عرض نبذة عن بداية حكايتها.

٣.يعني بيكون فيه جزء ثاني؟!
إن شاء اللّٰه، رواية سيڤار لها كتاب ثاني، لأن بيكون فيه بداية جديدة غير متوقعة، وصدقوني أكيد به تغيير جزري في الشخصيات وخاصةً بطلتنا سيڤار.. وحين أقول تغيير.. فأعنيها حرفيًا.

-وبرجع أنزل جواب كل اسئلتكم إن أمكن عن الجزء الثاني فقط أتركوها هنا رجاءًا-

أعلم إني وعدتكم بنهاية سعيدة مُرضية وأنا عند وعدي بس أتركوا الأحداث تكون منطقية وهوضح وجه المنطقية بعد أستيعابكم للصدمة.

تصبحون على خير 💕
ودمتم سالمين. 🕊️

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top