ربما نقطه جديده ؟
لو مهما غامت الحياه خلف ضباب الحزن , امطار الوجع و ليالى الآهات .. تأكد دائما ان خلف كل مطر شمس ساطعه و يتبع كل ليل نهار مشع , و مهما تراكمت الضباب حتما سيأتى وقت ما ستتبدد ليظهر من خلفها سماء حياه صافيه ....
استمرت حنين بدفعها حتى دلفت جنه للمطبخ و هى فى قمه تعجبها ... استندت على الطاوله الرخاميه بظهرها هامسه بصدمه : معقول كله جاى يحتفل بطلاقى ؟؟ .... , ثم اختنق صوتها وهى تردد : هو ايه اللى بيحصل ؟؟
و فجأه شعرت بأحد ما خلفها و قبل ان تستدير كبل حركتها تماما واضعا يده على فمها ملصقا ظهرها بصدره و اخذت هى تعافر ولكنها استسلمت سريعا واغلقت عينها ..
ظلت ساكنه بين ذراعيه لحظات ثم ابتعدت عنه و استدارت له و عينها تبرق بابريق العسل الذى افتقده هو حد الجنون و هى تطالعه و من حركه حدقتيه مع حركه عينها ادركت انه أبصر .. , استعاد الحصان جموحه و تهيأت حصونه لالقاء اسهمه التى توقتها من جميع الاتجاهات لتتوه هى بينهم مأخوذه بنظره الاشتياق المتلهفه بينهم و نظره الندم التى تلوح فى الافق ..
دمعت عينها و هى ترفرف بأهدابها الطويله كأنها تحاول التأكد من انها لا تحلم ثم بحركه مفاجئه دفعت يده التى تحاوط خصرها و عادت خطوه للخلف ثم رفعت يدها و تهيأت تماما لصفعه و لكنها اوقفت يدها و دموعها تعلن عن استسلامها لتنهمر بغزاره مغرقه وجهها .. لمعت عيناه بابتسامه ندم و شوق و اقترب خطوه و رفع يده ليلامس وجهها يرغب بازاله دموعها .. , ازدادت وتيره تنفسها و هى تدفع يده عنها بقوه .. ثم تبعت ذلك بعدة ضربات على صدره و فى الحقيقه لم تكن بهينه بحق لقد اشعرته بألمها , ضرباتها كانت قويه متسلطه و غاضبه حد الجحيم .. لم تنطق بحرف واحد و لكن دفعاتها له و التى جعلته يرتد طواعيه للخلف عده خطوات اخبرته الكثير مما صمت لسانها عنه .. و لن ينفى فكتفه تألم منها و لكنها لم تتوقف .. فقط تضربه , تدفعه و هى تبكى , تتعالى شهقاتها , تزداد دموعها و هو فقط يطالعها منتظرا انتهائها من غضبها هذا لتنتقل لغضب اخر و ربما ....
اجل .. الان انتقلت عندما رفعت يديها حول عنقه تتمسك به بقوه و رأسها تكاد تختفى فى كتفه من شده دفعها بنفسها اليه , رفع يديه محاوطا خصرها رافعا اياها لترتكز انفها على عنقه تحرقه انفاسها المتسارعه , و تتسرب دموعها لتُغرق قميصه و بها تُذيب خطايا قلبه المشبعه بذنوبه لتزداد روحه احتراقا .. شدد من ضمه لها كما فعلت هى و كلاهما لا ينطق بكلمه واحده فقط اختبئا اخيرا بين ثنايا عشقهم الذى مهما حاولا الهروب لا مهرب منه على ما يبدو ..
بدأت شهقاتها تهدأ رويدا و شعر هو بها تُحرك انفها على طول عنقه لتستنشق عطره بتوق مدمن و تتنهد براحه فاتسعت ابتسامته و هو يترك احساسه بها لها , احساسه بها بين يديه من جديد , احساسه بأنفاسها و دقات قلبها التى تحتضن قلبه تؤازره فى هياجه المعتاد ..
رفع يده ليحل عنها حجابها حتى اسقطه ارضا ليلامس خصلاتها البندقيه بظهر اصابعه و هو يميل بشفتيه على عنقها ليطبع عليه عده قبلات بريئه قبل ان يضغط خصرها بهدوء لتعود هى لعقلها التى تجزم انه ليس معها الان ..
اوقفها ارضا فاخفضت هى رأسها عنه فابتسم بعشق غلف ملامحه كلها ليضع اصبعه اسفل ذقنها ليرفع وجهها اليه منتظرا لقاء ابريقها العسلى و لكنها لم تمنحه الفرصه بل اسبلت جفنيها للاسفل فازدادت ابتسامته و اخفض رأسه طابعا قبله صغيره اعلى اجفانها حتى اغلقتها تماما و انهالت بعدها قبلاته العابثه على وجهها كله و عيناه تطوف ملامحها باشتياق حارق ..
ف كم كان يكتوى بنار غيابها عن عينيه , كم كان يود اشباع عينيه و قلبه بنظراتها , كم كان يود رؤيتها !!
اشتاق لكل ما بها , ابريق العسل الذى فاض من قبل بخوف ابعدها عنه , ثم امتلئ بحب و لكن لسانها انكره , فازداد خوفا لتنهمر منه اسهم تحذيريه و هروب مستسلم , و الان فقط لاول مره يراه يفيض عشقا خالصا , عشقا لا يجوز الا لها .. و لا يجوز الا بها .. و لا يعرف الى قلبه .. و لن يكون سوى بقلبها ...
الان لاول مره يرى دموعها لاجله , لا عليه او منه و لكن لاجله , لاجل اشتياق اضنى ليلها هو موقن من هذا , لاجل نهار اختفت شمسه بغيابه عنها , لاجل قلبها و الذى هاج به عشقه و ثار بها شوقا له ..
مسد ما بين حاجبيها بأصابعه لترتخى ملامحها المنكمشه و تلين عقده حاجبيها تدريجيا ثم مرر اصبعه على حاجبيها الرفيعين و التى اعطاها مظهرا بريئا ثم اخفض يديه لوجنتها ليقترب طابعا قبله على كل واحده على حده بهدوء و بطئ كأنه يعبث باعصابها و بالفعل فعل .. ثم امتد اصبعه الابهام لشفتيها و التى بللتها دموعها التى ما زالت تعرف طريقها جيدا ليزيلها هو بيديه ثم اكمل اصبعه مسيرته على عنقها حتى اخرج سلسالها من جيب بنطاله ليعاود وضعه حول عنقها ...
ففتحت هى عينها بسرعه تطالعه بصدمه , هل كان السلسال معه كل هذه الفتره ؟؟
ظلت تبحث عنه منذ عادت فى ذلك اليوم المشئوم و لكنها لم تجدها , اعتقدت انها فقدتها فى تلك الغرفه التى كادت تفقد فيها نفسها .. و ببساطه هى معه ؟؟؟
لاحظ هو اندهاشها فابتسم محاوطا وجهها بيده موجها اسهمه العاشقه لتحاوطها غارقا هو فى ابريقها اكثر و اخيرا همس بخفوت شديد و هى يداعب وجنتها باصابعه : وحشتينى ..
نظرت هى اليه ضائعه و ربما مشتته تتراقص على شفتيها آلاف الاسئله و لكن لا يطاوعها لسانها بالتلفظ بها , ينهال عقلها عليه بالسخط و الغضب و لكن يخفيه قلبها بين ثنايا حبها له و شوقها الحارق لحضنه ..
لا تدرى ما هو احساسها الان حرفيا !
تشعر بسعاده تكاد تُوقف قلبها , و فى المقابل تشعر بالحزن لخذلانه لها .
تشعر انها على استعداد تام للبقاء صامته فقط لتظل بين يديه , و فى المقابل بداخلها براكين تصرخ و يطاوعها عقلها .
كالعاده شتتها , جعل عقلها يعانده و قلبها يعاندها و هى تحارب بينهما ..
استقبل هو صمتها بابتسامه مدركا ان خلفه صراخ سيُدمى قلبه و مرر يده على سلساله هامسا بعاطفته التى استسلم لها حقا فلم يعد يستطيع اخفائها : وقع منك يومها , كنت قولتِ انك بتحسى انى بحضنك بيه , فأنا صممت انك مش هتلبسيه غير و انتِ فى حضنى و انا مدرك تماما انى هقدر احضنك بيه .
رفعت عينها اليه لتنهمر دموعها و لكن دون ان يصدر صوتها ثم ضيقت عينها و صوتها بالكاد يخرج حتى تمتمت بصوت مبحوح : انت شايف انه بالبساطه دى ؟
وضع يده على خصرها مقربا اياها منه رافعا يده الاخرى ليداعب جانب وجهها مبعدا خصلاتها عنه و اجابها بصدق يعطيها الحق : لا كان بسيط عليكِ و لا عليا ...
اغلقت عينها لثانيه و همست بألم غلف ملامحها و صوتها تلومه : انت بعدت .!
قربها اكثر ليهتف بلهفه : علشانك .
فتحت عينها لتتطالع عينه التى ترى بها صدق لا تدرى بأى امر و صرحت باستنكار : تقصد علشانَك .!
عقد حاجبيه متسائلا فابتسمت بوجع اطفأ بريق وجهها مردده بتأكيد : مقدرتش تستحمل ضعفك و بعدت علشان تسترد قوتك .
تحركت يده ليضعها على عنقها من الخلف مقربا اياها منه حتى لم يعد يفصل بينهما اى مسافه و استند بجبينه على خاصتها ليهمس و انفاسه تتحد مع انفاسها : انتِ قوتى .. ,
طبع قبله على جبينها بينما اغلقت هى عينها مستسلمه لهذه اللحظه ثم تبعها بقبله على جفنيها مستردا : عينيكِ زادى ...,
تبعها بقبله على انفها ثم داعبه بأنفه مردفا بشغف : كسوفك بيحرك رجولتى .. ,
ثم طبع قبلتين على وجنتيها و التى اصدرت تصريح خجلها بوضح تام و الدم يتدفق ليعطيها رونق ساحر خطف انفاسه , ابتعد مسافه اصبع بينهما و هو ينظر لشفتيها مع ابتسامه مشاغبه و همس بنبره ذائبه : عنادك بيجننى ...
اقترب منها حتى كادت شفتيهما تتلامس و اردف بكل عشقها بكيانه و نبرته تترجم لها ما عاناه فى غيابها و ما قساه قلبه فى حبها : حاولت اهرب كتير بس ملقتش مهرب , كل خطوه حاولت ابعدها عنك كنت بجرى قصادها مليون خطوه ليكِ , كل كلمه قولتها تنفى حبى كنت بكتب غيرها ألف تقسم انى ليكِ , كل مره عاندت و قولت بكرهك كان قلبى بيعاندنى و يصرخ ...
صمت و تنهد بقوه مرددا بخفوت شديد بنبره تائهه تماما فى عشقها : انه معرفش الحب الا بيكِ .
انتفض جسدها بين يديه لتتمسك يدها بقميصه لاشعوريا و تخرج منها آه خافته قبل ان تشعر بشفتيه تلامس خاصتها و لكن تجمد كلاهما فور ان وصلهم صوت حنين المحمحم بخجل : احم .. انا ..
زفر عاصم بقوه عائدا برأسه للخلف صارخا بأسى متحسر : تانى يا حنين .. تانى ! ... ,
ثم نظر اليها ليجدها تبتسم بمكر و خجل و هى تضغط شفتيها تحاول منع ضحكتها و هتفت ببراءه : انا مكنتش اعرف .. انا ..
قاطعها واقفا امام جنه مخفيا اياها خلفه فهو مدرك انها تكاد تموت خجلا الان و صاح بغضب : دى مش تانى يا حنين دى ثالث يا حبيبتى , و كده كتير .. ,
ثم جز اسنانه بقوه ضاغطا يديه قابضا اياها بقوه ثم رفعها و اشار للخارج هاتفا و هو يحاول تمالك اعصابه : اطلعى بره يا بنتى ..
و هنا لم تستطع كبح جماح ضحكتها لتضع يدها على فمها و تنفجر ضحكا و هى تتحرك مسرعه للخارج حتى تفاجئ الجميع بضحكتها و التى لم تزين وجهها منذ زمنا طويلا ..
بينما فى الداخل استدار عاصم لجنه محاولا السيطره على انفعاله الان فيبدو ان القدر سلط حنين عليه لتقطع كافه لحظاته الحاسمه , وجدها تتطالع الارض بهدوء ينافى الموقف تماما فاعتقد انه من اثر كلماته !!
فوضع يده على خصرها مجددا و قربها منه فرفعت عينها اليه لا يدرى أيتهيأ ام لا و لكنه شعر بها تتطالعه بقوه و عزم لا يعرف اسبابهم فهتف بجديه و حزم : النهارده هننهى صفحه قديمه , و هنبدأ صفحه جديده , هنكتبها انا و انتِ , سطر سطر و كلمه كلمه , انتِ مش هتبقى مراتى بس انتِ هتبقى شريكه فى حياتى كلها يا جنتى ..
ظلت تراقب صدق عيناه قليلا ثم اعادت يدها للخلف تُزيح يده عنها لتبتعد خطوه للخلف ناظره لعينيه بقوه ربما لاول مره يراها : بس انا مبحبش النهايات المبهمه و البدايات الغريبه ..
عقد حاجبيه متعجبا و ابتسم بترقب عاقدا ذراعيه امام صدره متسائلا بنبره جاده : يعنى ؟؟!!
اقتربت منه و وقفت امامه مباشره و رفعت اصبعها لتوجهه لقلبه هاتفه بثبات لم يعتاد رؤيتها به : انا حاولت قدر استطاعتى افهم قلبك , حاولت احتوى حبك ليا بكل الطرق , عافرت علشان افهمك و اشاركك نفسك , يمكن فى الاول غلطت بس بعدها حاولت و متأكده انى نجحت ... ,
ثم امسكت يده لتضعها على قلبها و كملت بحزن و آسف تعاتبه : لكن انت محاولتش تفهم قلبى , محاولتش تستوعب خوفى و ضعفى , و لا مره حسستنى انى قويه بنفسى و كان كل مره ترسم ضعفى قدامى بوضوح , قلبى ظلمك فى الاول بس انت ظلمته اكتر ..
تركت يده لتمحى تلك الدمعه الهاربه من مقلتيها و هى تردف بقوه و بنفس الجبروت الذى تابعه بدهشه : و انا لا يمكن ابدأ صفحه جديده و الصفحه القديمه لسه منتهتش يا عاصم , صفحتنا القديمه محتاجه توضيح , و صفحتنا الجديده محتاجه صراحه .... ,
ثم ابتسمت بخذلان و همست بتقطع و لكن بثقه : اذا كنت انت عجزت عن فهم قلبى و وجعه , انا مش هخبيه اكتر من كده , جوايا كلام كتير قوى و مش هقدر اسكت , و انت هتسمعنى ... ,
ثم نظرت اليه لتراقب عينه التى غامت ببحر وجع ماضى طريقهم معا و صرحت بجديه : لو حسيت انك هتقدر تتحمل كلامى هنقفل صفحتنا القديمه ... لكن لو مقدرتش .. ,
اخذت نفسا عميقا و انهت حديثها بصرامه : يبقى مفيش داعى لصفحه جديده ...
راقب اصرار عينها و ادرك جيدا ان ما بداخلها ليس بقليل و لكن فليكن , انخفضت ممسكه بحجابها و وضعته على خصلاتها تخفيها تماما و همت بالخروج عندما جذب هو ذراعها لتستدير بقوه مصطدمه بصدره و دون فرصه لاستيعاب ما يفعل وجدته يطبع شفتيه على خاصتها فى قبله عبرت عن اجابته و التى أكدها فور ان تركها هامسا امام وجهها و عينه تحاصر عينها بتحدى : فاكره جملتك ليا , " اللى اتعود على النصر مينفعش يقبل الخساره ".. و انا مش هقبل اخسرك يا جنه , و مش هسمح ليكِ بالبعد تانى ابدا , و دا وعد منى ليكِ , و انا متعودتش اخالف وعدى , و المره دى خصوصا هوفى بيه يا جنتى ..
************************
لعل المرء لا يهمه أن يحبه الناس بقدر ما يهمه أن يفهموه .
" جورج اورويل "
جلس الجميع بالصاله الخارجيه يتبادلون اطراف الحديث فيما بينهم حتى وقف عاصم فانتبه الجميع له , و نهض اكرم واقفا و جلس بجوار جنه محاوطا كتفها بذراعه و هى تتطالعه بدهشه و لكنها تخفيها بنظرات جامده ثم وجهت نظراتها لعاصم ببرود ثلجى .. رمقها هو بنظره مشتعله فلن يقف امامه احد الان و لن يمنعه عنها احد .. يكفيه موافقتها فقط !!
اقترب منها و وقف امامها مباشره و لكنها ظلت جالسه تنظر امامها لنقطه وهميه دون ان تنظر له , تعجب هدوءها و لكنه لم يمنحه اهتماما كبيرا و هتف بجديه : انا رميت عليكِ يمين الطلاق , لما هتنتهى عدتك , هتبقى حره , منى , من اسمى و من بيتى ... موافقه على كده ؟
ابتسمت بسخريه و نهضت واقفه قبالته تنظر امامها قليلا ثم رفعت رأسها اليه و عينها تحرقه بفيضان يبدو انه سيجرف كل شئ فى طريقه و هتفت بسخريه : بتسألنى بعد ما رميت اليمين اذا كنت موافقه على طلاقى او لأ ؟!!
لاحظ هو نبرتها الساخره فعقد حاجبيه يحدق بها ثوانى و لكنه تجاوز ذلك محاولا اخفاء ما يعتل بصدره جراء برودها الغير متوقع و قال متجاوزا اجابتها على هذا السؤال و هو يفتح امام عينها علبه مخمليه تحمل بداخلها خاتم الزواج الخاص بها و به : بلاش ده , تقبلى تتجوزينى تانى يا جنه ؟؟
نقلت بصرها بين العلبه المخمليه بيده و وجهه عده مرات متتاليه دون رد فنهض عبد الحميد و ياليته لم ينهض : قولى يا بت ولدى موافجه على الجوازه دى و لا لاااه ؟؟
ابتسمت بدهشه ثم تحولت ابتسامتها لضحكه ساخره ملئت المكان لتجعل الجميع يعقد حاجبيه استغرابا بينما صاحت هى بعدم تصديق : بت ولدى !!! و دا من امتى ؟!
تجاوزت عاصم و اقتربت من جدها , وقفت امامه مشيره لنفسها بدهشه مستنكره : انا جنه على فكره , انا اللى كنت عاوز تقتلنى , انا اللى نجلاء هانم ضربتنى قدامك و انت متحركتش , انا اللى اهنت اهلى قدامى و بدون ما تعمل اعتبار لحرمه الموت , انا اللى كنت عار عليك , ..
ثم اشاحت بيدها و هى تضحك باستهزاء ساخر : دلوقتى بقيت بنت ابنك ؟؟
جالت كل الالوان بوجهه و ابعد عينه عنها و هو يتمتم بأسف : كلياتنا انضحك علينا يا بتى ... انى مخبرش الحجيجه غير عن جريب و جوزك صمم نجفل خشمنا لحد ما يبجى زين و يعاود بصحته و بعديها ناخد بتارنا ..
ضحكت مره اخرى مشيره اليه باستياء ساخر : مفيش حاجه اتغيرت و لا هتتغير , نقتل دى لا بلاش .. يبقى نقتل حد تانى .!.
حاول عاصم التماسك حتى لا ينجرف خلف غضبه الذى اخفاه شهور طوال و لكنها تضغط بقوه على العرق الاسود لديه , اغلق العلبه بيده و وضعها على الطاوله فى منتصف الغرفه و اخذ نفسا عميقا يقترب منها واضعا يده على كتفها و هم بالتحدث و لكنها فاجأت الجميع عندما استدارت بغضب دافعه بيده عنها و صرخت بحرقه و دموعها تملئ عينها و هى تشير اليه باصبعها مهدده : محدش يكلمنى , و لا يقولى اسكتِ او اتكلمى , محدش منكم يفكر يقرب منى ابدا .
اضطربت الاجواء فى لحظه واحده و نهضت الفتيات واقفه تنظر كلا منهما للاخرى بقلق و كذلك الشباب ابتعدوا للخلف متوقعين الاسوء بينما تأهب اكرم لطوفان طالما اخفى نفسه بنفسه و لكن لهنا و لم يتحمل , حاول الهدوء فالكل غصبا سيحتاجه الان ...
ظل عاصم بجوارها يتطلع لنظراتها الحارقه و تيقن ان ما قاله اكرم سيحدث , جنه صمتت و لكن ما فعلوه بها انار الظلام بداخلها و حان الوقت لينكشح الظلام و يعم النور و لن يحدث هذا سوى بانفجارها و لكن يبدو انه لن يكون بهين ...
نقلت جنه نظرها بينهم و هتفت بذهول متسائل و هى تنظر لعاصم باستنكار : انت بتاخد رأيى بجد ؟؟!! ... انت من امتى بتفكر تاخد رأيى ؟!
رفعت يدها امام وجهه تعدد على اصابعها بغضب : اتجوزتنى غصب , حصرت اقامتى فى بيتك غصب , لما هربت رجعتنى غصب , لما طلبت تبعد عنى قربت غصب , لما مفهمتش خوفى اضطريتنى اوجعك غصب ,
اختنق صوتها بمعاناتها و اردفت و مازالت القائمه ممتلئه : لما قربت منك وجعتنى غصب , لما طلبت تسامحنى اصريت على البعد غصب , لما لجأت ليك اهملتنى غصب ,
ثم صرخت بقوه و هى تدفعه بعيدا : و فى عز حاجتى ليك , طلقتنى غصب ..
صمتت ثم حركت رأسها بدهشه متألمه و هى تهمس بصوت مبحوح متسائل : دلوقتى بتسألنى عن رأيى ؟؟!!!
احتدت عيناه بشده و هو يتابع كلماتها و التى تخرج من قلب يعانى وجعا ربما لن يتحمله هو , و كأنها ادركت تفكيره فرفعت يدها و وضعتها على قلبها و صاحت بعجز : جوه هنا وجع محدش فيكم فهمه , قلبى تعب و محدش فيكم حاسس , كلكم وجعتونى فوق وجعى اضعاف و محدش فرق معاه ..
شهقت بعنف و صدرها يعلو و يهبط كأنها تحارب لتلتقط انفاسها و غمغمت بحسره : محدش فيكم عرف جنه و لا حاول يفهم ايه جواها .
تقدم اكرم خطوتين منها و لكنها رفعت يدها امامه و صرخت بحده تنافى كسره عينها التى اغرقتها دموعها تتهمه : حتى انت , حتى انت ... مفهمتنيش يا اكرم .
ثم مررت اصبعها على جميع الحضور متمتمه و الجميع فى نظرها مذنب : كلكم دورتوا على جنه القويه , جنه اللى هتسعد سياده النقيب و تفرحه , جنه البنوته الجميله اللى اخيرا وجدت عيلتها ,
ثم نظرت ارضا كانها تنظر لانعكاسها فى المرأه و اردف بضياع لم يشعر به احد سواها : لكن محدش فيكم لاحظ انكم بتدورا فى بقايا متحطمه , عاوزين ماسه حقيقيه من شويه زجاج متكسر ..
اقترب عبد الحميد منها محاولا تجاوز ما شعر به مهزله فى اعتقاده و تفكيره الذى يتنافى تماما مع واقع ان تقف امرأه مثلها فى حضره رجال ليعلو صوتها حتى و ان كانت محقه فوضع يده على كتفها و هتف بصرامه : جصرى الكلام عاد , جولى موافجه على الجوازه دى و لا لااه ؟؟
دفعت يده عن كتفها بحركه جعلت ليلى تشهق و اعين الجميع تنتفض بصدمه و هتفت به : و انت مين علشان تقولى اسكت او لأ ؟؟ مين انت علشان تاخد موافقتى او رفضى ؟ تبقى مين بالنسبه ليا علشان تفرض عليا اقول ايه و اسكت عن ايه ؟؟
نظر اليها بغضب و فى فوره غضبه رفع يده و كادت تسقط على وجنتها و لكن لم تصل , تقدم عاصم ليقف بجوارها و فعل المثل اكرم ليقف بجوارها من الجهه الاخرى و لكن كلاهما التفت اليها بتعجب عندما سبقت كلاهما يدها و التى اوقفت يد جدها و هى تصرخ و ما كان بها من ضعف سابقا اضحى قوه لن يستطيع احد كتمها او التحكم بها : انا لا يمكن اسمح لاى حد كان انه يدفنى تانى , لا انت و لا غيرك , لانى دلوقت بس فهمت ازاى اكون بنت ماجد الالفى و انى لو عاوزه هقدر استحق لقب حرم عاصم الحصرى ..
لم تحيد بعينها عن عينه التى اشتعلت غضبا بينما لم تحيد اعين الجميع عنها بدهشه كبيره و خاصه من رأوا ما حدث لها من نجلاء فى اللقاء الاول و كيف احتمت بعاصم هروبا و خوفا منهم اما الان ... فيبدوا ان من عليه الخوف هم و ليس هى ...
دفعت يده مبتعده خطوه للخلف و لم يشعر عاصم و اكرم ان وجودهم بجوارها يشكل فارق الان , فجنه وقفت , وقفت بمفردها و لم يرف لها جفن , لم تتردد او تتزعزع بل واجهت و بمفردها .. تراجع كلاهما و نظرا كلا منهما للاخر بابتسامه مدركين ان الان حان وقت جنه للتحدث .. حان وقت القوه و على ما يبدو لقد زال الضعف ..
نظر عبد الحميد لها ثم نظر لمن حولها لعل احدهم يثنيها او يعاقبها عما فعلت و لكن لم يتحرك احد فانسحب غضبا تملك منه و خرج من المنزل مسرعا .. و لان الامر لا يتحمل الكثير انسحب الحضور و لم يبقى سوا العائله .
ظلت جنه صامته و هى واقفه مكانها فاقترب عاصم منها و رفع وجهها اليه متحدثا بقوه يدفعها لها دفعا : احكى كل اللى جواكِ , قولى كل حاجه وجعاكِ , احكى يا جنه انا سامعك .. و هفضل اسمعك ..
فاضت دموعها مع اهتزاز شفتاها لتغلق عينها جالسه مكانها ارضا بحركه مفاجئه جعلت حنين تشهق و همت باقتراب منها و لكن اكرم اوقفها , تاركين اياها تُخرج كل ما يعتل بصدرها لعل جروحها تلتئم و لعل خوفها يتبدد و آلامها تتبعثر .. فكل من صمت يوما له حق بالانفجار فما بالها صمتت طوال عمرها ,
انخفض عاصم على ركبتيه امامها و حاوط وجهها بكفيه رافعا وجهها اليه و عيناه حاوطتها بأشعه مطمأنه و اردف مجددا مشيرا على صدرها موضع قلبها : افتحى لقلبك باب نور ..
نظرت لوجهه قليلا ثم رفعت يدها و وضعتها على وجنته تُصرح بصوت مذبوح : انا شوفت فيك كل اهلى , بابا و ماما و اكرم ....
ثم ابعدت يدها عنه و صوتها يختفى تدريجيا : بس كمان شوفت فيك كوثر ..
ضمت يدها لصدرها و حياتها تمر امامها بالتفاصيل التى ارهقتها سابقا و باتت تدمرها الان : انت فاهم يعنى ايه اخسر اهلى و ابقى لوحدى , فاهم يعنى ايه نفسى اقول كلمه ماما بس مش عارفه , عارف يعنى ايه اشوف بابا بيموت قدام عنيا و هو بيحضنى علشان اعيش ..
اخذت انفاسها بصعوبه و هى تضع يدها على عنقها و دموعها تغرق وجهها و عيناها تغيم فى قسوه الماضى و ما عانته و اردفت بصوت ضائع مشتت و وجع اتلف روحها : اول ما فوقت يوم الحادثه كوثر قالتلى انتِ السبب , قالتلى انتِ اللى قتلتيه , مامتك ماتت بسببك و باباكِ انتِ قتلتيه ..
رفعت عينها له و همست و عنيها تتطالعه بلهفه و صوتها يستنكر بضعف و ألم حارق : انا كان عندى عشر سنين يا عاصم , عشر سنين بس !
وضعت يدها على فمها لتدخل فى نوبه بكاء حاده و عاصم امامها لم يتحمل و سقط عن ركبتيه جالسا ارضا و هو يتمزق لاجلها و لكن يكفى فلتُخرج ما يؤلمها , فالتواجه نفسها به حتى تستطيع مواجهه الالم ..
جلس اكرم على الاريكه و هو يلوم نفسه كثيرا , ليته لم يبعد , ليته ظل بجوارها , ليته استطاع حمايتها و مداوه وجعها , ليته استطاع ان يكون اخ كما يجب , هو لا يستحق هذا حتى ..
رفعت عينها التى فقدت كل ملامح الحياه لتتوه فى متاهات القسوه و الصراع التى عانت منه بداخلها سنين و ليست بقليله امسكت يده و هى تجاهد لتتحدث حتى استطاعت بصوت متقطع : كان نفسى فى حضن بس وقتها , كان نفسى حد يطمنى و يقولى انا جنبك , كان نفسى حد يمسح دموعى و يقولى كل حاجه هتبقى تمام .. !
ثم تركت يده و صرخت بحرقه و صوتها به نبره ممزقه : بس ملقتش يا عاصم , ملقتش غير اتهام كوثر ليا و سخريه بناتها منى , ملقتش غير فراغ ملى حياتى و قتل قلبى ...
اشارت لاعلى و صاحت باستنكار : فاهم يعنى ايه كنت اقعد ليا نهار ادعى ربنا يحن عليا و ياخدنى ؟!
فاهم يعنى ايه اتكلم مع صورتهم كأنهم قدامى و اشتكيلهم ؟!
ثم ضحكت وسط دموعها لتهتف تردد : و انا عندى عشر سنين .
و صمتت تذهب بجسدها للامام و الخلف و دموعها تتساقط بلا صوت و انتفاضه جسدها تزداد حتى لم تعد مها تتمل فاحتضنتها لتتعالى شهقاتها و صراخها بكل وجه اضنى روحها , و بكل اشتياق قتلها , و بكل اتهام مزق طفولتها حتى ابتعدت جنه عنهما و نظرت لحنين التى اقتربت منها تمسد ظهرها بحزن و اردفت تخبرها عن اقصى امنيات طفولتها : كان نفسى اضحك و العب مقدرتش , كان نفسى الاقى حد يسرح شعرى و يعملى ضفيره و مقلتش , كان نفسى اصحى الصبح على صوت ماما او دلع بابا بس مكنش حد جنبى , كان نفسى اشاغب و مروحش المدرسه و ادلع عليهم ...!
ثم انفجرت باكيه و بضياع صرخت : بس حتى المدرسه اتحرمت منها , يعنى مش كفايه طفولتى لا كمان حتى تعليمى اتحرمت منه ,
ضمتها مها بقوه مجددا تخفى وجهها بصدرها , بينما لم تستطع حنين التماسك لتبتعد , اخذت مها تنتفض مع جنه و هى تفقد نفسها رويدا رويدا ... , ابتعدت عن مها و اردفت متسائله و هى لا تعرف الاجابه , لا ترعف الصواب و الخطأ : كان شعور ايه هيفضل معايا غير الخوف يا مها ؟؟ احساس ايه كان هيلازمنى غير الضعف و العجز ؟؟ و فعل ايه اللى كنت هعمله غير الهروب و الاستسلام ؟؟
نظرت لعاصم الذى ادمعت عيناه و هو ينظر لها بذهول و قلبه يكاد يفارق صدره ألما نقل نظره لمها باشاره منه لتبتعد , فطاوعته و عادت للخلف و لكن عينها وقعت على اكرم الذى كان فى حاله يرثى لها , دموعه تتراقص على رموشه السفليه , عيناه شاحبه و ملامحه تقفد الحياه تدريجيا و هو ينظر لجنه بأسف و ندم كاد يفتك به , شعرت بقلبها يفارقها و للحظه مجنونه شعرت بنفسها تكاد تركض له لتحتضنه , يدها تهفو للربت على كتفه و عيناها تهفو لتمنحه الدعم و لكنه لم يكن واعٍ سوى لتلك المتمزقه امامه ...
رفعت جنه عينها بضعف لتسقط دموعها متتاليه و تلاقت بعين عاصم الذى مال برأسه غير قادرا على التفوه بكلمه واحده يزم شفتيه بقوه فقط يمنحها نظراته التى ربما تساعدها لتصمد ..
ابتسمت و هى تبكى لتهمس بعدها باستسلام : انا معرفش يعنى ايه طفوله يا عاصم , ملقتش حد يلعب معايا , ملقتش حد لما اعيط يحضنى , ملقتش حد لما اتعب يسهر جنبى , مكنش عندى عروسه لعبه و لا بسمع افلام كرتون , و اللعب اللى بابا اشتراها ليا لما كان عايش كوثر حرقتها و كسرتها قدامى , كان عندى 11 سنه و بتطبخ , اغسل , انضف , اكوى , امسح و اشتغل طول اليوم لحد ما انام من التعب , كنت بتفرج على بنات كوثر و هما بيذاكروا و اسرق كتبهم بالليل احاول اقراها و طبعا مكنتش بفهم غير القليل , كنت براقب العيال الصبح و هما رايحين المدارس من شباك اوضتى و اتمنى ابقى مكانهم , كنت بتابع اعلانات هدوم الاطفال و لعبهم و اتمنى البس و العب زيهم ..
اختنق صوتها و انهت و هى تجاهد للتتنفس : جنه ماتت يوم ما بابا مات يا عاصم .
شهقت بقوه و هى تضم جسدها بيدها و ذكريات وفاه والدها تحرق ذكرياتها الاخرى لينتفض جسدها بعنف و تفتح فمها تحاول التقاط انفاسها و لكن لم تستطع .. فزع عاصم و انتفض ممسكا بكتفها صارخا : حد يجيب مايه بسرعه ..
انتفض اكرم يسقط بجوارها ممسدا ظهرها هاتفا بلهفه خائفه : بالراحه , حاولى تاخدى نفسك بالراحه ... ثم ضم رأسها لصدره بقوه و تساقطت دموعه رغما عنه يردد بندم حقيقى : انا اسف حقك عليا , اسف انى مكنتش الاخ اللى احتجتيه , اسف انى بعدت ... حقك عليا .
مسح عاصم جانب فمه و انفاسه تضطرب بشكل لا ينم عن خير ابدا ثم رفع يده يشد على خصلاته و يده تتحرك بارتباك على وجهه غير مدركا لم يجب عليه فعله .. كانت نهال تستند على يد محمد و دموعها تنهمر و هى تشعر بتقصيرها فى حق شقيقتها و ابنتها و ربما لو بحثت عنها لاستطاعت تعويضها و ليلى لم تكن بحال افضل بل كانت فى حاله انهيار و عز يحاول جاهدا جعلها تتماسك , بينما امين كل كلمه منها جعلته يتوعد نجلاء اسوء عقاب و اشد عذاب عما لاقته تلك الطفله بسبب لعبتها الحقيره فى الماضى .
امسك عاصم يدها ليتركها اكرم و ساعدها على شرب قليل من الماء حتى هدأت قليلا و لكنها لم تعتق نفسها و اصرت على اكمال ما بداخلها رغم انه جزء ضئيل جدا مما عايشته فمهما وصفت و مهما قالت , من لا يعيش الامر لا يدرك وجعه .!
تعلقت عينها بعين عاصم قليلا قبل ان تبتسم بهدوء و ضعف تشرح له اسبابها , توضح نفسها و تخبره عجزها و الذى لم يفهمه ابدا : مكنش فى حياتى حد زيك , لا اتعودت اواجه و لا حد قالى واجهى , حتى داده زهره كانت بتخلينى اسمع كلام كوثر و استسلم علشان متعاقبش و ما ادراك ما العقاب ..!!؟!
اخذت نفسا عميقا و اردفت بتذكر : و عشت عشر سنين من عمرى كده لحد يوم المؤتمر و قلم كوثر اللى فوقنى , شويه , و يمكن جواب ماما اللى قرأته قبلها هو اللى دفعنى ان اهرب منها .. ,
امسكت يده ضاغطه عليها بقوه كأنها تستمد منه ما تحتاجه من قوه و بالوقت ذاته تعاقبه , تجلده و سياطها قاسيه : و جيت هنا ... كمربيه .!!
نظرت لليلى المنهاره فى البكاء و تماسكت لتنهض واقفه و اقتربت منها , جلست على ركبتيها امام وجهها ثم احتضنتها تحاوطها بيديها لضغيرتين ليصدع صوت ليلى عاليا فهمست جنه و دموعها تنهمر بقوه : متعيطيش , انتِ كنتِ السبب فى انى ابدأ حياه جديده , كنتِ المساعده اللى ربنا عوضنى بيها ..
ضمتها ليلى باعتذار , ندم و ألم و تحدثت و صوتها مختنق بالدموع : انا اسفه و الله , انا اسفه .
ظلت جنه بين يديها قليلا ثم ابتعدت عنها و وضعت يدها على وجهها تُزيل دموعها و هى ترد بامتنان : انا لازم اشكرك ..
التفتت بعدها لعاصم مره اخرى لتجد عيناه تفيض بحنان ملئ روحها فاقتربت منه و جلست امامه مجددا تردف و ما بقى من الكلام كثير و ما بقى من مشاعرها اكثر : كنت بخاف منك جدا , و كان كل هدفى ابعد عنك , كنت حاسه انى وقعت فى ايد كوثر تانيه بس اقوى و اصعب و هتوجعنى اكثر , انت اللى كنت بتبعدنى عنك يا عاصم ..
انهمرت دموعها اكثر و هى توجه له الان اتهام اهلك قلبه و احرق روحه اضعاف ما يعانيه الان : كنت بتزعق فيا , كل حاجه اوامر , اول ما شفتنى طردتنى , كنت السبب فى دموعى دايما , قطعت رساله بابا و كسرت برواز صورتهم , ....
اختنق صوتها بدموعها و هتفت بلوم صارم و متألم : اجبرتنى اعيش احساس موتهم مره تانيه , حسستنى ان مليش ظهر و انى بفقد اعز ما املك تانى , كنت موجوعه مره و انت خلتهم مرتين .. , صمتت لحظه ثم هتفت باستسلام : كرهتك ..
لتبكى بحرقه و هى تصيح بضعف نفسها , روحها او قلبها لم يعد يفرق : كرهتك بس غصب عنى حبيتك , كنت ببخاف منك بس بطمن جنبك , كنت بتمنى تختفى من حياتى بس كنت برتاح لما بشوفك ..
دفعته بكتفه صارخه : انا خلقت جوايا صراع لحد الان مش عارفه اخلص منه ...
انتفض جسده و سرت رعشه غريبه بأطرافه و هو يتجمد تحت كلماتها كأنها تضربه بسوط آلامها بدون رحمه , و اى رحمه و هو لا يستحق , اردفت هى و روحها تكاد تفارقها : كنت يوم بتضحك و تطمنى و أيام تعيشنى فى رعب , دائما تظهر قوتك اللى كانت بتحسسنى بضعفى , كنت دائما واقف قدامى لحد ما اتعودت اقف وراك , لقيت فيك السند , الظهر و القوه اللى لو خسرتهم فى يوم هتكسر تانى ..
شهقت عده مرات متتاليه و دموعها تتساقط بوجع احاط صوتها ليخرج مهزوزا مع انتفاضه جسدها : خفت من حبى و تعلقى بيك , خفت اخسرك و اخسر نفسى , خفت من فكره ان كل اللى بيحبنى بيبعد عنى ...
صمتت لحظه لتسقط عينها المرتعبه بظلام عينيه المتألمه و همست بعجز : خفت ابقى لوحدى تانى , خوفت افرح يا عاصم .!!!!
اقترب ليمسك يدها و لكنها سحبتها فورا و نهضت واقفه صارخه بنبره ذبيحه مزقت قلبه : محدش فيكم عرف جنه , محدش فهمنى و لا حس بوجعى , كلكم كنتم شايفينها تفاهات , شايفين انى بتدلع او بتقل بس و الله العظيم كان غصب عنى , انا عندى هاجس خوف مقدرتش اتخلص منه , كنت خايفه و محتاجه لحد يطمنى ...
اخذت انفاسها التى اختفت تقريبا و عينها تغيم بضبابات ربما تنقذها من هول ما تعيش من سوء ذكرياتها الان ثم ادرفت باتهام واضح و صريح زعزع نفسه و اهلكها : انت مقدرتش تحب جنه الضعيفه و دورت فيها على القوه , انت فكرت فى كرامتك و كبريائك و اتجاهلت خوفى و ضعفى , دورت دائما على جنه حرم النقيب عاصم الحصرى بس و لما مره حاولت تطمن جنه ماجد الالفى , حبتنى انا متأكده بس مستوعبتش عجزى , مكنتش مقتنع و لا هتقتنع انك غلط .. ليه لان عاصم الحصرى مابيغلطش , عاصم الحصرى مابيعتذرش , كل حاجه عاصم الحصرى و بس ..
تقدمت اليه مسرعه و هى تحرك يدها بعشوائيه متسائله تجعله يشعر و لو بذره مما عاشت عمرها فيه : فاكر يوم ما كوثر جات هنا و استغلت ضعفك , فاكر احساسك بالعجز وقتها عمل فيك ايه ؟؟ فاكر كسرتك و عدم قدرتك على انك تدى اى رد فعل ؟؟؟
اشارت على صدرها تضربه بعنف قبضه يدها تصرخ و تصرخ بوجع و نبره متهدجه : انا بقى كنت عايشه بالاحساس ده عشر سنين يا عاصم , فاهم يعنى ايه عشر سنين ؟؟ يعنى انت متحملتش يوم و سافرت علشان تسترد قوتك و تمحى عجزك بس انا مكنش عندى الفرصه دى حتى ..
نقلت بصرها بينه هو و اكرم و تحدثت و لكن اختفى صوتها ليخرج مبحوحا و لكنها لم تصمت و ادرفت مع اهتزاز نبرتها و دموعها المستمره : محدش فيكم فهمنى و لو مره , محدش فهم انى مكنتش محتاجه نصايح و لا تحكمات , انا كنت خايفه و محتاجه حد يطمنى , يمكن كان بالنسبه لكم تفاهه بس كان بالنسبه لى كابوس مش قادره اصحى منه ..
اتجهت لعاصم و وقفت امامه لتلجأ اليه بابريقها العسلى برجاء خالص و امسكت يده و هو مستسلم لها بالكامل رفعتها لتمسح دموعها بيده و هتفت بأسى : كنت محتاجه انك ترفع ايدك تمسح دموعى و تقولى انك مش قادر تتحملها .. ,
تركت يده لتحتضنه بقوه تضيف بتوسل : كنت محتاجه انك تحضنى و تقولى انا معاكِ اطمنى .. ,
ابتعدت عنه و امسكت بياقه قميصه تجذبه و هى تصرخ و صوتها يتهدج ببكائها : كنت محتاجه انك تفهم ضعفى مش تظهر قوتك , انا كنت محتاجه ليك ..
دفعته و نظرت اليه بأسف و عينها تُغلق و كتفاها يتدهلا بحسره كانت النهايه لروحه التى ابادتها كليا عندما همست بخيبه امل : بس انت مكنتش جنبى يا عاصم ... مكنتش جنبى .
فتحت عينها لتُرسل اسهم اتهام لاكرم ايضا متذكره ما فعله بها فى المشفى و بعدها حتى و ان كان محقا و هتفت بألم و هى تشير باصبعها على كلاهما : محدش كان جنبى كله هاجمنى .. محدش حس قد ايه انا بتألم و انا بقتل نفسى بنفسى , قد ايه بتعذب و انا بحرم نفسى منك و من حبك و قربك , يمكن كنت باجى عليك بس كنت بدوس على نفسى قبلك .
عادت بنظرها لاكرم تمنحه حصته من وجعها ساخره : كنت بتعاقبنى و بتاخد حق عاصم منى يا اكرم , بس انا مكنش حد شايف فين حقى !!.
تراخى جسدها و اسبلت جفنيها بضعف فاقترب عاصم مسرعا يسندها لصدره فألقت برأسها عليه و همست بضعف و ملامحها تشحب بشده و ما بات لديها قدره : كان نفسى حد يحس بيا يا عاصم , كان نفسى احب نفسى علشان اصدق ان انت حبتنى , كان نفسى اطمن .!
فتحت عينها ناظره اليه و ارتجف ذقنها و شفتاها و هى تهمس باكيه : يوم ما كوثر خطفتنى و كنت هخسر حياتى و شرفى مكنتش خايفه على نفسى قد ما كنت خايفه عليك , خفت كوثر تقدر تكسرك بيا , خفت تلطخ شرفك و تحنى رأسك بيا , خفت ابقى سبب فى عجزك او ضعفك و خزيك بعد كده , خفت عليك بس انت سبتنى يومها و بعدت يا عاصم و متقولش علشانى انت بعدت علشان نفسك , كسرتنى و انا مكنتش حمل كسر جديد .
ضمها بقوه لتشهق باكيه و هى تتمسك به بينما هو دفن وجهه بثيابها لتتساقط دموعه بين طيات حجابها لم يراها و لم يشعر بها احد سواها فازداد تمسكها به حتى رفع رأسه و نظر لوجهها و هو يحاوطه بكفيه : انا كنت مغفل , مقدرتش افهمك او افهم وجعك , اذيتك و ربنا عاقبنى , انا بحمد ربنا انى فقدت بصرى و الا كان ممكن اخسرك انتِ , انا مش بس غلطت , انا مذنب بحقك ..
احنى رأسه امامها و هتف بندم خالص و توسل يرجو عفوها : انا اسف على كل حاجه عملتها و وجعتك , اسف انى مقدرتش اقف جنبك , انى مكنتش العون و السند اللى انتِ محتجاهم .. اسف انى ساعدتك بوجهه نظرى لكن مفهمتش وجهه نظرك , اسف على كل كلمه اندفعت و قولتها , اسف على كل مره احتجتينى و مكنتش معاكِ , اسف انى فكرت فى وجعى و نسيت وجعك , اسف و لو قولتها من هنا لاخر عمرى مش هتكفى ..
ثم اضاف بجديه مفرطه و حزم قاطع و بات متيقن من ان ما تحمله من قوه كانت بقدر المها و ضعفها اقوى منه : انتِ عمرك ما كنتِ ضعيفه , اللى تتحمل كل اللى جواكِ دا اقوى من اى حد , اقوى منى و من عشر رجاله زيى ..
انهمرت دموعها و هى لا تصدق ما تسمعه اذنها و لم يكن هذا حالها بمفردها و لكن كل الحضور تعجبوا عاصم فهو لم يكن يحنى راسه امام احد و لم يكن يعتذر و بفضل هذا تعرض لمحاكمه عسكريه من قبل , و لكن الان لم يفكر فمن امامه ليست مجرد زوجه بل هى كل ما يملك ..
يقولون العشق معضله .. صدقوا ,
و لكن ان اجتمعت دقات القلب و اندمجت الانفاس ف لكل معضله حل ..
ستظل دقاتها تتراقص و سيظل قلبه يعزف لها لحنا لا يليق سوى بعاصم و جنته !
استعادت قوتها الجديده و كأنه رواها بها مجددا و همست بجوار اذنه : مش ببساطه كده يا سياده النقيب .
ابعدها عنه مسرعا , يصيح و لم يجد بها ضعف , خنوع او ذل لعزه نفسه و هو ينظر لعينها بعشق و بنبره مشبعه بخالص عشقه لها : معاكِ حق , طيب تسمحيلى بفرصه تانيه اعوضك بيها عن كل اللى فات من حياتنا , لما احس بضعف جوه حضنك استخبى , احكى و اشتكى و من قوتك استقوى , تسمحيلى احبك و انسى عمرى كله بين ايديكِ , اسعدك و يمكن اكون طمعان فيكِ علشان سعادتى , اتجوزك و امسك ايدكِ لحد ما شعرى يشيب , تسمحيلى اشوف ولادى نسخه منك , من حنانك , من قوتك و حتى ضعفك !
ثم سألها بترجى منتظرا الاجابه بلهفه : تقبلى تتجوزينى و تشاركينى باقى حياتى يا جنه ؟؟ تقبلى بالراجل العصبى , الغضبان و الهمجى دا زوج ليكِ ؟؟
نظرت لعينه قليلا و سرعان ما ارتسمت ابتسامه سعاده على شفتيها لتنير وجهها باشراقه و يبرق ابريقها العسلى بفيض عشقها له مجددا ظل يحاصرها بأسهمه التى استعادت هى الاخرى شغبه , شغفه و اصراره و الاجمل انها اخيرا اعترفت بحبه و هتفت بضحكه عاليه : موافقه ..
ضحك الجميع فانتبهت لنفسها و تراجعت عنه قليلا و هتفت فى محاوله لاصلاح ما خربته بموافقتها السريعه هذه : سيبنى افكر .
جذبها من يدها ليضمها فوضع اكرم يده على كتف عاصم قائلا بسخط يمزح : كانت بتعيط و زعلانه فسكتنا لكن مش كل شويه احضان كده مينفعش , عيب .. صدقنى عيب .
ضحك الجميع مره اخرى و ازاح عاصم يد اكرم يرمق مها خلفه بنظره ثم عاد بصره لاكرم هاتفا بمشاغبه : انا لسه موافقتش على فكره , و ليك يوم ..
دفع اكرم جنه لعاصم حتى اصطدمت بصدره هاتفا بمرح و هو يرمق مها بنظره جانبيه : احضنها براحتك يا اخى دى مراتك اصلا و انت حر .... , ثم مال عليه هامسا بخبث : هتوافق امتى بقى ؟؟؟
ضحك عاصم بينما جنه تتابعهم باستغراب ثم قربت رأسها منهم هامسه معهم بخفوت : فيه ايه ؟؟
همس عاصم فى اذنها بعيدا عن مسمع اكرم : بحبك .
احمرت وجنتها بخجل و ابتعدت عنه و لكنه امسك يدها مقربا اياها منه و لكنها دفعته عنها هاتفه بحزم : احنا يعتبر مطلقين يا سياده النقيب , عدتى لسه منتهتش اه بس انت لسه مردتنيش لعصمتك !
ابتسم بخبث ناظرا اليها بابتسامه لم تفهم معناها و لكن سرعان ما ادركت مقصدها و هتفت بعدم تصديق بائس : تانى ... غصب تانى !!!.
ضحك بصوت عالى و الجميع يراقبهم بسعاده حتى حرك كتفه هاتفا ببراءه : اللى فيه طبع !
وضعت يدها على وجنتها متسائله بحسره و هى تنطق اسمه بغيظ واضح تجز على اسنانها بقوه : ردتنى لعصمتك امتى يا سياده النقيب ؟
اتسعت ابتسامته يصمت لحظه ثم اجابها : يوم ما سافرت .
شددت قبضتها صارخه بغضب منه : يعنى انا كنت بعد فى الايام و الاسابيع و اقول عدتى هتخلص , و احسب و انا خايفه و انا مش مطلقه اصلا !!
اومأ برأسه و هو يجاهد ليكتم ضحكته حتى صرخت غاضبه و تحركت من امامه مسرعه للاعلى و صعدت البنات ركضا خلفها ..,
اختفت ابتسامته و ظل يتابعها و قلبه يتألم اشد الالم لاجل ما عانته ثم نظر لاكرم لتحتد عين كلاهما ثم نظر لوالده و جده هاتفا بنبره لا تقبل النقاش و قد عاد للقرصان الاول سطوته و عضبه : و رب الكعبه ما هرحمها , نجلاء الحصرى هتموت على ايدى .
هتفت ليلي بخوف : الله يكرمك يا عاصم اقفل الموضوع ده ..
صرخ عاصم بغضب حارق , فخلف ابتسامته وخلف طمأنته روح تشتعل لن يطفأها اى شئ كان سوى اذلال تلك " نجلاء " : انت ماسمعتيش جنه غالبا يا ماما , كل اللى حصل لها بسبب نجلاء هانم , خروج خالى و مراته من وسط العيله بسببها , غضبى من كوثر مقدرتش افرغه فهيبقى من نصيب نجلاء هانم ..
اخذ عز نفسا عميقا و قال محاولا امتصاص غضب عاصم و فى الوقت ذاته منع تهوره : انت معاك حق بس مينفعش نتصرف الا و فى ايدينا ادله ضدها اكيد وراها حاجه كده او كده تسجنها ..
اقترب اكرم قائلا بتفكير : جوزها قصجى طليقها لازم ينزل مصر , انا متأكد انه معاه الورقه التايهه عننا ..
صمت عاصم قليلا ثم ابتسم بخبث يجيبه بتوعد : و انا عندى فكره .
نظر اليه الجميع فنظر لاكرم يوضح ما جال بفكره : قال لمها انا هنزل على فرحك !
نظر الجميع اليه بتعجب و ترجمه عز فورا : و احنا هنجوز مها من غير عريس يا عاصم ؟؟
ابتسم اكرم مدركا ما يُلمح اليه عاصم و لكن لم يروقه كثيرا فاعترض يمنعه الجموح بأفكاره : انا مش هتجوز مها لسبب يا عاصم غير لانى بحبها و عاوزها شريكه حياتى .
ربت عاصم على كتفه هاتفا بتقدير متدارك : انا متأكد من ده , و انا مش بقول كده علشان تستغلها انا بقول كده علشان اضرب عصفورين بحجر واحد , الاول انك تتجوزها و نستركم فى بيت بقى , و التانى انى اعجل بنزول الراجل ده بدل ما امشى فى الموضوع بدماغى و اخربها .
رفع امين يده مقاطعا بتعجب : دجيجه دجيجه ... مين رايد يتجوز مها ؟
وقف اكرم شامخا و هتف بقوه محاولا اخفاء حرجه : انا .
ضرب امين بعصاه الارض و هتف بقوه : و مين جالك انى هوافج على الجوازه دى !
ابتلع اكرم ريقه بصعوبه و هو يطالع وجه امين الجاد حتى ابتسم امين قائلا و قد كان يمازحه او ربما يوقف قلبه : الاصول اصول يا ولدى و لازمن تطلبها من كبيرها مش اخوها !
ابتسم اكرم شاعرا بنفسه كشاب فى الثانويه و قد وافق والده على قصه حبه العابثه , ربت عاصم على كتف اكرم مصرحا : معاك اسبوع تظبط الموضوع ده , علشان نتفق على الفرح او على الاقل كتب كتاب و كده نكسب وقت و فى نفس الوقت منضيعش وقت ... تمام ؟؟
ثم شرد ببصره متذكرا مسأله سياده اللواء و التى لم يستطع اخبار اكرم عنها ففى النهايه الموضوع متعلق بمقتل ابيه و اضاف بحده : و انا فى الاسبوع ده عندى شغل ضرورى لازم يخلص ..
***************************
يا ليتنى يوما اعود لقلبها ,
يا ليتها يوما تعود لحبها ,
يا ليتنى ,
يا ليتها ,
و هل عبارات التمنى سوف تأتينى بها ..!
فلقد اضعت بقسوتى
حبا نقيا كان فى الافااق طيرا
كان فجرا
كان طهرا
كان فى ماضىّ نورا
تاه منى و انتهى ..
" اقتباس "
استعدت هبه للنوم و جلست على الفراش لتقرأ رسالته المسائيه و لكنه لم يمنحها الفرصه اذ وجدت باب الغرفه يُفتح و هو يدلف ليغلقه خلفه , وضعت الرساله جانبا و اعتدلت جالسه اقترب منها جالسا امامها و صمت قليلا وهى تنظر اليه تنتظر ما سيقول , و لكنه لم يقل شيئا و لكن يده امتدت لتحتضن كفها حاولت جذب يدها و لكنه لم يتركها و تحدث بأسى : انا مش قادر اتحمل اكتر من كده , مش قادر اتحمل بعدك عنى يا هبه .. كفايه لحد كده انا بجد تعبت .
ابتسمت بسخريه و هى تغرقه بامواجها الهادره محركه رأسها بتتابع مع كلماتها الحاسمه : و انا مش قادره انسى , مش قادره اسامحك , مش قادره اتجاوز اللى خلتنى اعيشه يا معتز .. انا كمان بقول كفايه , انا كمان تعبت .. فا وفر تعبى و تعبك و ننفصل بهدوء بقى .
انتفض واقفا صارخا بغضب : لسه بتقولى ننفصل .... , ثم امسك كتفيها موقفا اياها امامه هاتفا بوجع : يا هبه انا محتاج ليكِ جنبى , بشتغل و بقتل نفسى شغل بس مش قادر انشغل عن التفكير فيكِ , قلبى و عقلى مشغولين بيكِ , تعبتِ روحى و مبقتش قادر ..
عقدت ذراعيها امام صدرها و صرحت بثبات : و انا مش هكمل فى علاقه انا متأكده انها هتفشل , انا مبقتش عاوزاك معايا و مبقتش مؤمنه بجوازنا , قصتنا انتهت يا معتز , لحد هنا و انتهت .
حاوط وجهها بلهفه و عينه تتوسل عينها لتشعر به و تمتم بألم صدر عن قلبه و روحه المرهقه : انا مستعد اعمل اى حاجه علشان تسامحينى , قوليلى عاوزه ايه و انا هعمله فورا ... بس سامحينى !!
نظرت اليه قليلا ثم اقتربت منه خطوه و وجهت امواجها الهائجه بسواد عينيه الهادئ و بتسائل ماكر تكلمت : اى حاجه ؟؟
تشبث بخيط الامل التى منحته اياه و وافق مسرعا و بلهفه : اى حاجه و كل حاجه , انتِ بس اطلبى .
رفعت يدها و وضعتها على قلبها لتسرد له طلباتها بخفوت و نبره تعانى : رجع لقلبى فرحته , ابنى ثقتك جوايا , ارحم عقلى من التفكير , امحى وجعى اللى بشوفه قدامى كل اما اشوفك ... رجع لهفتى بنظرتك , ضحكتك , هزارك و حبك ليا , دور معايا على هبه القديمه اللى انت قتلتها بايدك , ساعدنى اشوف فيك معتز اللى انا حبيته مش معتز اللى كسرنى .
نظر لعينها التى غرقت بأمواجها لتنهمر دموعها على وجنتها و هى تردف تخبره بمدى صعوبه نسيانها , تخبره انه فعل ما اعجزها عن مسامحته و قالتها من قبل ان خيرها ما بين قلبها و بين كرامتها ستسحقه دون رحمه : امحى من عقلى النظره اللى شوفتها فى عينك يوم ما شوفتها , امحى من قلبى احساسى بروحى بتتسحب منى يوم ما دخلت عليا و ايدك فى ايدها , امحى الوجع اللى عانيته و انا بحاول اكسبك منها , امحى احساسى بالذل و انا بدوس على كرامتى علشان مش قادره اسيبك على غفلتك و استسلامك , امحى شعورى بالحرق حيه و انا بشوف غيرى بتشاركنى فيك .
ارتد للخلف خطوه و عينه تغيم فى بحار يبدو انه لا قابليه له للخروج منها فالغرق فيها محتم بينما اقتربت منه هى هذه الخطوه لتواجه عيناه مجددا تصرح عما فعلته لتخبره انها لم تقصر فى حقه سواء سابقا او بعد ان مزقها فما الذى ينتظره منها اكثر : انا كنت بتوسل حبك , كنت بحاول ابنى لنفسى مكان فى قلبك , بس انت هدمته و مش من قلبك بس , انت هدمت قلبى باللى فيه .
اختنق صوتها و ازداد انهمار دموعها و تسائلت بحسره : انت عارف انا حسيت بايه لما رددت اسمها لما كنت تعبان ! , عارف قلبى اتحرق ازاى لما اتصطدمت و عينك لمعت بحبك ليها اول ما شفتها معاك ؟ .... ,
ثم هتفت باستنكار متألم : انت بصيت لها بصه عمرك ما بصتها ليا يا معتز , نظرتك ليها عمرى ما شوفتها ليا , نظرتك قتلتنى !
صمتت قليلا رافعه اصبعها امام وجهه هاتفه : جوايا اسئله كتير قوى و نفسى اعرف اجابتها !!؟
دفعت كتفه بغضب و صاحت بوجع : لما انت بتحب غيرى اتجوزتنى ليه ؟ , لما فى حد تانى فى حياتك بتدخلنى حياتك ليه ؟ , لما انت بتحن لها و دائما فى تفكيرك بتشغلنى بيك ليه , لما انت مقفلتش الصفحه القديمه بتفتح جديده ليه ؟؟
استمرت بدفعه و هى تصرخ بحرقه غاضبه و لكن خلف الغضب وجع اهلك روحها , وجع اخفته كثيرا و لكن لم يعد باستطاعتها التحمل ...
نظر لعينها بندم و اسف و همس باعتذار و لم يعد بمقدروه غير اسف ربنا تتقبله يوما ما : غلطت يا هبه , كالعاده استسلمت و غلطت , بس انتِ عارفه انى حبيتك , انا كنت بحس بتأنيب ضمير ناحيتها و دا اللى خلانى اتجوزها .. انا ..
قاطعته تصرخ بوجهه : انت مش شايف غير نفسك , عقده الاهمال اللى امك زرعتها و والدك رباها جواك خلتك مش شايف غير نفسك , المهم محدش يأذيك لكن انت تأذى عادى ..
عقد حاجبيه و هو يشعر بكلماتها كجمرات تحرقه حرقا و لكنها لم تتوقف و اشارت اليه باصبع اتهام لتقذف بكلماتها دون ان تأبه لما يشعر به : انت اتجوزتها علشان خوفت تخسرنى فقولت قبل ما اكسرك تكسرنى , اتجوزتها علشان ثتبت ليا و لنفسك و للكل ان معتز محدش بيلوى ذراعه و انه لما بيعوز حاجه بيعملها و ان مفيش حاجه ممكن تقف قدامه حتى لو حبه لمراته او حبها ليه , اتجوزتها علشان تقول لنفسك انا متاح ليا الاختيار و اقدر اختار اللى انا عاوزه , انت اتجوزتها علشان ترضى غرورك و تقوى نفسك .
ظل يتابع ملامح وجهها المهاجمه و ابتسم ابتسامه جانبيه , هى ليست مخطئه و لكن الحقيقه تؤلم ... تؤلم اشد الالم ..
انهت كلماتها بقسوه مشبعه بغضبها و حزنها و لوعه قلبها : انت اتجوزتها علشان عارف و متأكد انى بحبك و مش هتخلى عنك , علشان واثق من وجودى جنبك .
صمتت لحظات ثم نظرت اليه و اشارت على قلبها و صرحت بغضب من نفسها اولا ثم منه : و انا فعلا بحبك , كتبت قلبى باسمك , حفظتك جواه و قفلت عليك , لا قبلك و لا بعدك .. بس اذا كان قلبى مش كفايه , انا همحى اسمك منه يا معتز , همحيك من قلبى , من عقلى و من حياتى كلها , لا احساسك بيا كفايه و لا حبك ليا كفايه , و انا مش هرضى بالقليل يا معتز ,
اقتربت خطوه منه تنظر لعمق عينيه بقوه و هتفت منهيه كلامها : بحبك اه بس الغالى مش هيرخصلك يا معتز , و انا قلبى غالى قوى , غالى قوى عليك .
جاءت لتخرج و لكنه امسك يدها موقفا اياها و هو يتمتم بابتسامه و قد فضح سرها الصغير : وانتِ مغلطيش ؟!
التفت اليه ناظره بضيق فهى مازالت تكتوى بنار خطأها و اخفاء امر حملها عنه , مازالت تعانى من اخفاءها و عدم تنفيذ كلام ربها ..
جذبها لتقف امامه مجددا و هو يرفع يده ليحاوط وجهها بكلتا يديه متسائلا بحزن و ألم : مغلطيش لما خبيتِ عليا حملك ؟؟
شهقت بعنف مرتده للخلف بعيدا عن مرمى يده و عينها تتسع بصدمه بينما استند هو على الحائط و ملامحه تحكى بالالم الكثير و وجهه ينكمش من وجعه منها و عليها .. , ارتبكت و حركت يدها بحركه متوتره و تسائلت بتلعثم : انت ع...
قاطعها مقتربا منها ممسكا يدها المرتجفه ليضمها بحنان و هو يتابع بلوم خالص : مغلطيش لما معملتيش بكلام ربنا " وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا " ..
انتفضت و هى تخفض رأسها ارضا خزيا و ندم , فرفع وجهها اليه و ازال دموعها بهدوء و هو يردف و هو يجد لها آلاف المبررات : عارف انك كنتِ موجوعه , عارف انى اذيتك و وجعت قلبك .. بس و الله يا هبه ما عندى اغلى منك , و الله ما عاوز من حياتى كلها غير رضى ربنا و حبك .
مد يده لها و همس بترجى من قلب يعشقها و لا يستطيع بدونها , و نظر لعينها بتوسل من انسان لا يستطيع مهما حدث التفريط بها : امسكِ ايدى علشان نطلب سوا من ربنا يغفر لنا ذنوبنا , علشان يطمن قلوبنا و يساعدنا نعيش , علشان يرحمنا و يهون كل صعب .
نظرت ليده قليلا ثم رفعت عينها اليه و ظلت تنظر اليه ثم امسكت يده و وضعتها اسفل بطنها ثم وضعت يدها عليها و همست بتردد و هو تنظر بعمق عينيه الذاهله : ابننا لسه عايش يا معتز .!!!!
اتسعت عينه بصدمه و هو ينقل بصره بين يديه و وجهها ليهمس بتقطع مشتت : اب... ابنن... ابننا .. از..ازاى يعنى ؟؟!!
انهمرت دموعها و هى تخجل من اخفائها هذا ايضا و لكنها كانت تحاول فقط ان تلقنه درسا يؤلمه مثلما ألمها , كانت تريد ان تجعله يتمسك بها لا بطفلها , كانت تريد ان يقوى بمفرده لانه يريد و ليس لانه سيصبح اب , اجابته بخفوت : لما روحت المستشفى الدكتوره قالتلى ان الضغط و الارهاق اثر عليا و لازمنى راحه بس الجنين بخير , بس انا طلبت منها تخبى عليك و انت اكيد عارف السبب ..!
جذب يده ينظر لوجهها بصدمه و تمتم باستنكار : ليه ؟؟ ليه تخبى عليا ؟؟ ليه تحرمينى من الفرحه و تحرقى قلبى باحساس انى كنت السبب فى موت ابنى ؟؟ هو دا العقاب يا هبه ؟؟ كده بتاخدى حقك ؟؟ بتاخدى حقك بانك تخلينى اكتوى بنار خساره ابنى و خسارتك !!
حرك رأسه يمينا و يسارا بعدم تصديق مغمغما : عمرى ما توقعت ان قلبك يقسى بالشكل ده !! ازاى قدرتِ تكونى عديمه الرحمه كده , بأى حق تعملى كده ؟؟ بأى حق ؟؟
اخذت تبكى دون كلمه ثم تمتمت بصوت يخنقه الدموع : انت كنت قاتلنى و بتلومنى انى وجعتك , كنت حارق روحى و بتعاتبنى انى حسستك بالالم ! و لو انا معنديش حق , فأنت كمان مفيش اى حق يسمحلك انك توجعنى يا معتز ..
صفق بيده فى انبهار بقوتها التى لا يدرى من اين او كيف اكتسبتها حقا هى ليست بامرأه قليله ابدا : برافو عليكِ ... قدرتِ تردى القلم بعشره ... برافو .
تحرك خارج الغرفه صافعا الباب خلفه و استمعت هى بعدها لباب الشقه يُغلق فادركت انه خرج نهائيا من المنزل فاتجهت للفراش و استلقت عليه و هى تضم ركبتيها لصدرها تبكى بحرقه دافنه وجهها بوسادتها .
ظل هو يجول و يجول بسيارته فى شوارع القاهره المزدحمه ليصرخ على هذا و يتطادم من ذاك و يضغط بوق السياره بشكل مزعج حتى توقف على جانب طريق يخلو الا من السيارات , استند برأسه على المقعد خلفه و اغلق عينيه و الافكار تعصف بكيانه ...!
أهى محقه فيما فعلت .. ام أخطأت ؟؟!
أستحق هو هذا العقاب ام هى تمادت ؟؟!
أيغضب عليها الان او يمنحها العذر ؟؟!
لقد عاش اسوء اشهر من عمره الفتره الماضيه , كلما اقترب منها ابعدته ,
لاحظ هو تغيرها و ربما ازداد وزنها قليلا و لكنه لم ينتبه لشئ كهذا ,
لو لم تهاتفه تلك الطبيبه لتخبره انها كانت على علم بالطفل ربما لما فكرت فى ان تقول له يوما , و لكن لم اخبرته الطبيبه نصف الحقيقه فقط , لماذا لم تخبره ان طفله مازال موجودا حتى الان ؟؟
لماذا منعته هبه هذه الفرحه ؟!!
و لكن هو منحها من الالم ما يمنحها كل الحق فى ايلامه , ربما هى محقه فى كل ما تفعل .
هو لم يكسر قلبها فقط بل جرح كبريائها , حطم انوثتها و هدم حلم حياتهما معا ,
تجاهل حبها و استغل زلاتها ليبرر لنفسه ما فعل ,
هى مهما فعلت و مهما قالت محقه ... محقه تماما فى كل شئ .
ضرب بيده على المقود امامه ثم رفع يديه للاعلى : يارب اغفرلها و سامحها , يارب تسامحها و تسامحنى يارب ... يارب .. اللهم لا حول ولا قوه الا بك ...
صدع اذان العشاء فادار محرك السياره ليذهب للمسجد القريب من المنزل , ادى فرضه و اخذ يدعو الله بكل ما يجول بخاطره و كل ما يؤلم روحه .. بعد بعض الوقت اراح بها نفسه و قلبه نهض منتعشا و مصرا بداخله على ان يكسب قلب زوجته من جديد و يبنى لابنه اب جديد , سيكون زوجا تفتخر به و سيكون اباً يعتز به اطفاله , سيصبح انسانا اخر طالما تمنى ان يكون عليه ..
عاد للمنزل ليجد البيت ساكنا تماما اغلق الباب و اقترب من غرفتها بهدوء ليصله همهمات خافته من الداخل فعلم انها تبكى , دلف للداخل فشعر بها تكتم صوتها بالوساده و تدعى النوم ... فابتسم و بدل ملابسه و اقترب منها ليدخل الفراش معها و استقلى ملاصقا لها وجدها تضم ركبتها لصدره و تتخذ وضع الجنين فضمها اليه كما هى فقط احتواها بذراعيه لتنهمر دموعها و يعلو صوتها بنهنهات متعبه فشدد من ضمها له و همس بجوار اذنها : اوعدك كل حاجه هتبقى احسن , كل حاجه هترجع زى الاول و افضل , يمكن القصه القديمه بكل ما فيها من حلو و وحش انتهت و انا بوعدك هنبدأ قصه جديده ... قصه معتز و هبه ... معتز و هبه و طفلهم و بس .
استسلمت للامان بين يديه فلا قدره لديها الان على التحدث فقط لتنعم بهذه الراحه حتى و لو كانت لبضع ساعات .
**********************
شئ اليكِ يشدنى
لم ادرى ما منتهاه ؟
يوما اراه نهايتى ,
و يوما ارى فيه الحياه ..
" فاروق جويده "
كانت عائله مازن مجتمعه بأحد المطاعم , بعد الانتهاء من تناول الطعام .. نظرت حياه لساعه يدها هاتفه بتعجل : ممكن نرجع البيت بقى ؟؟
نظرت اليها نهال بتعجب مستنكره : بدرى كده , ليه ما لسه السهره طويله ؟؟ و بعدين احنا يعتبر بنحتفل لفرحه حنين بعاصم و مراته .
ضحكت حنين بسعاده متذكره كيف استطاع اخيها احتواء وجع زوجته و كيف استطاعت جنه ترويض غضبه , نظرت حياه لحنين ثم عادت ببصرها لنهال و صرحت بحزن : كان نفسى نقعد و الله بس انا عندى مناقشه بكره .
اختفت ابتسامه حنين تدريجيا فحياه رسميا اصبحت مجنونه عمل , تكاد تفقد عقلها اثناء السعى وراء تلك المنحه , فهى لم تعد تلتفت لاى شئ سوى هذا العمل و هذه الوظيفه فقط و لكنها تجاهلت تفكيرها و اجابت تُريح تلك المتلهفه : عادى يا ماما مفيش مشكله .
ضرب محمد على الطاوله بهدوء موافقا : انا كمان تعبت و محتاج ارتاح و لسه الايام كتير .
وافق الجميع و نهضوا رويدا رويدا و اثناء وقوفهم فى الاسفل حتى يحضر مازن سيارته و و السائق سياره محمد نظرت حنين لمياه النيل على مرمى البصر ثم شعرت برغبه عارمه فى الجلوس امامها الان , فقالت لنهال و حياه الواقفين بجوارها : انا هقعد على الكورنيش شويه يا ماما , تقدروا تروحوا انتم و انا مش هتأخر .
عبست نهال نافيه برفض : مينفعش يا بنتى احنا قربنا على نص الليل مينفعش لوحدك , تعوضيها يوم تانى .
نظرت حنين للمياه ثم نظرت امامها و اومأت موافقه و هى تجد كلامها منطقيا , صعدت نهال و محمد للسياره و قبل ان تصعد حياه لسياره مازن , ترجلت نهال وقالت و هى تنظر لوجه حنين و ضحكتها تختفى : حنين عاوزه تسهر كمان شويه يا مازن , خليك معاها و حياه هتيجى معانا .
نظر مازن لحنين بتعجب و رفع احدى حاجبيه متسائلا : تسهر فين ؟!!
تلعثمت حنين و هتفت مسرعه تحاول الاعتراض على فكره البقاء معه بمفردهم : خلاص يا ماما مره تانيه مفيش داعى .
اوقفهم مازن بيده قائلا بهدوء يحاول فهم ما حدث : فهمونى بس ايه الحوار بالظبط ؟؟
ابتسمت حياه و ربتت على كتف حنين قائله بتوضيح : حنين عاوزه تقعد على الكورنيش شويه و طبعا ماما رفضت لانه مينفعش لوحدها .. وصلت كده !!
اومأ مازن برأسه و نظر اليها يردد بنفس نبرتها : وصلت يا ست لمضه هانم .
ضحكت حياه بشغب و اومأت و صعدت للسياره الاخرى فمسدت نهال ظهر حنين و همست بحنان اموى : روحى ما جوزك يا حبيبتى , اعملى كل اللى نفسك فيه .
انتفض قلب حنين و عقلها اثر كلمتها و لكنها حاولت التماسك لترفض و لكن نهال لم تمنحها الفرصه و تحركت السياره من امامهم و بقيت هى و مازن خلفها , لاحظ تجهم وجهها و ادرك ان والدته لم تحسن الامر بل زادته سوءا , و لكنه صمم على تجاوز الامر بل و برغبتها ايضا وقف امامها و نظر اليها بابتسامه حاول ان تبدو طبيعيه فما فعلته والدته يعقد الامر بداخله اكثر و هتف بمرح : تقدرى تعتبرينى عسكرى حمايه , اخد بالى منك و بس , و اعملى اللى تحبيه بدون ما تفكرى انى معاكِ حتى .
ابتسمت من طريقه كلامه و اشاره عينيه و يديه العشوائيه و اومأت موافقه , تقدمته و بالفعل لم يزعجها حتى بالمشى بجوارها فقط يمشى خلفها و دون ان يعترض على اى شئ ابدا ..
توقفت امام احد المقاعد لتستند على السور امامها و تنظر للمياه بنظرات هادئه و الاضواء المحاوطه تندمج مع سكون ملامحها لتمنحها رونق خطف قلبه و علق عينه بها , بالاضافه لفضيه عينها و التى لمعت بشكل خاص مع ابتسامه خافته تزين وجهها لتمنحه لوحه فنيه مكتمله الجوانب تحمل من الجمال ما لم تراه عينه مسبقا ..
استند على السور بجوارها فنظرت اليه مبتسمه ثم نظرت امامها مجددا و همست بتذكر حالم : كان ده مكانا المفضل , مكنش بيحب المطاعم المتكلفه و لا الكافيهات الكلاسيكيه . كان دايما يحب يقعدنى هنا .. قدام النيل , كان بيقول انه شبهى .!
نظر لجانب وجهها متفحصا ملامحها متمتما بهدوء مأخوذا باحساسه بها و هو حتى لا يدرك : هادئ , بس لو ثار محدش هينجى من فيضانه , مهما شوفتيه بيوحشك و بتتمنى تشوفيه تانى , بيعكس كل جميل حواليه , بيدى رونق بيخطف العين و القلب , نفسك ترمى نفسك جواه بس خايفه انك ممكن تغرقى , جذاب بشكل متعب , لا هو قريب و لا هو بعيد و اللى بيتعلق بيه مبيقدرش يستغنى عنه , و تقريبا كل الناس بتحبه ..
تجمدت مكانها و كلماته تنبأها بخطر لا ترغب به ابدا , تسارعت دقات قلبها بقلق و التفت تنظر له بحده و لكنه احال وجهه للمياه قبل ان ترى تفحصه بها ثم نظر اليها ليجد نظره متسائله تتطالبه بتوضيح لكلماته فأشار على المياه امامه بمرح : النيل ... بتكلم على النيل .
هدأت قليلا ثم نظرت امامها مجددا و اردفت بهمس بنفس النبره التى اذابها عشق لم و لن تكتفى منه و هى تعود بذكرياتها لفارس : لما كنت فى بيت بابا النهارده كل مكان فيه فكرنى بفارس , اهمهم المطبخ و الثلاجه .
قاطعها مازن معتدلا ناظرا اليها بضحكه استغراب : الثلاجه ؟!!
نظرت اليه بتحمس و بدأت تسرد له ما حدث يوم ان اتاها قبل سفره فانفجر مازن ضاحكا و هى يتخيل مظهر فارس بهذا الوضع ... و استمر الوضع عده ساعات يتسامرون دون ان ينتبه كلا منهما للوقت حتى صمتت حنين و بدأت تعبث بخاتم زواجها بفارس بيدها ثم نزعته لتنظر لاسميهما المنقوشه بداخله و اوضحت بعشقها له : وحشنى قوى , محتاجه اشوفه او حتى اسمع صوته , صعب قوى غيابه عنى ... انا بحبه قوى ..
نظر اليها بحزن متذكرا اخيه و عشقه الجارف لها و لكن ألمه قلبه لنبته عشقه هو لها و تمتم بوجع : هو كمان كان بيحبك قوى .
نظرت اليه لتجد الالم يتجسد بعينه كأنها تؤازرها فامتلئت عينها بالدموع و ظلت تنظر للخاتم بيدها و فجأه انتبها على صوت مزمار بلدى يصدع بجوارهم فالتفت كلاهما ليجدا عروس بفستان زفافها تسير بجانب عريسها و خلفهم عدد ليس بقليل من الاشخاص و من بينهم عده اشخاص على ما يبدو يمثلون فرقه تعزف لهم ... فنظر كلاهما للاخر و ابتسم , استندت حنين على السور بمرفقها تتابع فرحه العروس و لسوء حظها بدأت الموسيقى الصاخبه و هيئه العروسين تغزو عقلها بذكريات يوم زفافها ففتحت كفها لتنظر للخاتم بيدها مع انتفاضه جسدها و بدأت دموعها بالانهمار رغما عنها ...
انتبه مازن لها و من نظراتها ادرك انها تعيش فقدها مجددا فاقترب منها قائلا بحذر : انتِ كويسه ؟؟
و مع الصوت العالى لم تسمعه و ظلت تنظر لكفها بضياع حتى مر عده اشخاص من امامهم و دون ان ينتبه مازن اصطدم احدهم به اثناء مروره فمال على حنين عندما لم يستطع التوازن و لسوء حظه و حظها ارتجفت يدها فسقطت " دبلتها " لتصطدم بسطح الماء و تختفى داخله بينما هى شهقت بصدمه و هى تعتدل ناظره للمياه , تبكى بصوت عالى و لكن مازن لم يُدرك ما حدث فحاول تهدئتها و فهم ما صار و لكنها لم تهدأ , حتى انتهت الاصوات من حولهم فنظر اليه محاولا مجددا و قلبه يصيبه بالقلق : ايه اللى حصل ؟؟
ظلت تأخذ انفاسها و تشير على المياه و بصوت متقطع تكلمت : د..دبله .. دبله فارس ..
نظر ليدها ليجدها فارغه و اشارتها للمياه جعلته يدرك انها اسقطته فتلعثم و لم يدرى ما يجب عليه فعله , نظرت له باتهام قاسى و تحركت من امامه مسرعه : عاوزه اروح .... حالا .
وضع يده على وجهه هو لم يخطئ و لكن بنظرها هو الان الملام الوحيد , تنهد بخيبه امل لانتهاء ليلتهم بهذا الشكل , لحق بها حتى صعدا للسياره سويا فى طريق العوده للمنزل ..
ظلت صامته طوال الطريق و هو ينظر اليها بين حين للاخر حتى تحدث غير قادرا على الصمت اكثر : انا اسف مكنش قصدى تقع .. انا ب..
قاطعته و هى تمتم بحزم : انا اللى خلعتها من ايدى ... انا اللى غلطت .
نظر امامه و ساد الصمت بينهم مره اخرى , الظلام يحيط بهم و الطريق خالى نسبيا من الماره , و فجأه انتبه على مؤشر ما امامه ثم اوفق السياره فورا ..
اعتدلت حنين و عقدت حاجبيها تتسائل بتعجب : ايه اللى حصل ؟!!!
نظر اليها دون اجابه ثم عاد ببصره للمؤشر امامه و عقد حاجبيه بضيق هاتفا و هو يترجل من السياره : هى الليله مش عاوزه تكمل ..
فتح الغطاء الامامى و اخذ يفحصها و يحاول و لكن نفذت محاولاته , عاد اليها مستندا على نافذه الباب ناظرا لها هاتفا بأسف : العربيه حرارتها رفعت ..
رفعت حاجبيها بتسائل ساخر : بمعنى , قصدى يعنى هنعمل ايه ؟
فغمغم بسخريه و غلب عليه مرحه : هنعملها كمادات ...
اتسعت عينها باستنكار فضحك على هيئتها و هتف آمرا : انزلى هناخد تاكسى .
نظرت لساعه هاتفها لتجد الوقت قارب على الفجر فهتفت باستنكار قلق : دلوقتى ؟؟!!
اغلق نوافذ السياره و اخذ مفاتيحه قائلا يلعن حظه الارعن الذى وضعه و اياها فى مثل هذا الوضع بهذا الوقت : مضطرين اكيد مش هنقف على الطريق ..
ترجلت من السياره و وقفت بجواره و القلق يفتك بها و المكان من حولهم هادئا بشكل جعلها ترتبك اكثر , نظر اليه ثم حاول تهدئتها قليلا مستعيدا كل هدوءه و مرحه : ايه ده اوعى تكونى خايفه ؟!! هيبقى شكلى وحش قوى ..!
توترت و ضمت شفتيها كأنها تخبره ليس ذنبى و تمتمت بخفوت : شويه ..
اعتدل ناظرا لها واقفا امامها و عقد ذراعيه امام صدره متسائلا بمرح يقصد تهدئتها : خايفه ليه بس ؟؟ احنا مش معرضين لا للسرقه و لا خطف ... احنا فى امان تماما ..
عقدت حاجبيها بغيظ و خوفها يزداد : انت بتحاول تطمنى تقريبا !
حك جانب عنقه و هو يضحك هاتفا و كأنه لا يدرك : مش عارف شكلى فاهم الموضوع غلط .. !
ابتسمت على هيئته و اشاحت بوجهها جانبا فأخذ يدندن بكلمات و هو ينتظر ان تمر اى سياره اجره من امامهم و لكن المكان اشبه بالصحراء تماما ...
فالاستاذ المبجل فضل المرور من الشوارع الجانبيه الهادئه عوضا عن الطريق الرئيسى المزدحم و ها قد علق ها هنا لا يدرى ستمر سيارات اخرى ام لا ؟
انتبهت لما يقول فاستندت على السياره خلفها و الهواء يعبث بملابسها الواسعه و بحجابها و غمغمت بابتسامه : دا شعر ؟؟
استدار لها ثم اقترب مستندا على السياره هو الاخر و عقد ذراعيه امام صدره متنهدا بقوله : أينعم ..
ابتسمت ملتفته له منصته لما يقوله و غمغمت متذكره : فارس كان قالى قبل كده انك بتحب تقرأ كتب الشعر لدرجه انه كان بيستغلك علشان تساعده ..
ضحك متذكرا ما كان يفعله فارس به حتى يتنازل مازن و يختار له الاحدى الابيات الشعريه التى تلائم احساسه بها و قال ضاحكا بقوه : حصل .. كان بيطلع روحى ..
ابتسمت متذكره ما كان يقول فارس لها و رويدا رويدا اتسعت ابتسامتها حتى تحولت لضحكه عاليه و هى تائهه كليا فى ذكرياتها مع فارس , بينما هو تائه تماما فى ملامحها و ضحكتها التى اسرت قلبه ... حتى انتبه كلاهما على صوت سياره تقف بسرعه مصدره صوتا عاليا على بعد قليلا منهم ..
نظر كلاهما للاخر و اعتدل مازن متقدما قائلا و من قلبه يتمنى ان تمضى الله بسلام : هشوف كده يمكن يساعدونا فى الطريق المقطوع ده ..
اومأت برأسها فتقدم مازن من صاحب السياره هاتفا باستئذان : العربيه عطلت على الطريق ممكن توصلنا فى طريقك , لحد الشارع الرئيسى بس و تُشكر جدا .
نظر الرجل له ثم نظر للرجل بجواره و ابتسما ثم رفع نظره للمرآه لينظر لحنين من خلالها .. تعلقت عينه بها , وجهها الهادئ و الذى اكسبه الهواء احمرارا طبيعيا , ملابسها و التى تلتصق بجسدها بفعل الرياح الشديده و تحاول هى ازالتها بارتباك , مرر عينه عليها من اعلى لاسفل ثم عاد ببصره لمازن و تمتم موافقا : اكيد .. اتفضلوا ..
لم يشعر مازن بالراحه الكافيه و هم برفض الموضوع و انهائه و لكن حنين اقتربت منه هامسه بتساؤل : قولى انه وافق انا تعبت !
نقل بصره بينها ثم نظر للرجلين بالسياره ثم عاد ببصره لها بعدما انتبه لنظرات الرجل لها فدفعها للخلف قليلا و همس نافيا : الناس دى شكلها مش مظبوط انا مش مرتاح لهم ..
عقدت حاجبيها باستنكار : ليه بس ؟؟؟.. معاهم عربيه اكيد مش هيسرقوا يعنى و بعدين انت معايا فأكيد مش هيعملوا حاجه ..
نفى مره اخرى و قلبه ينبأه بخطأ ما : لأ , معلش هنستنى كمان شويه مش هيحصل حاجه .
زفرت بقوه و هتفت بضيق : اصلا الطريق زى ما يكون مقطوع .. هنفضل هنا للصبح ..
و عادت بخطوات سريعه للسياره و استندت عليها مره اخرى , اقترب مازن من السياره الاخرى قائلا ينهى قلقه و فكره : خلاص شكرا على المساعده ..
هبط الرجل من السياره مدعيا وجه البراءه : و الله ما ينفع حضرتك , الطريق ده شبه مقطوع و مش هتلاقى عليه موصلات , اتفضل معايا اوصلكم للطريق الرئيسى و تقدروا تركبوا مواصله من هناك ..
صمت مازن قليلا ثم اشار لحنين بالاقتراب فاقتربت منهم و عين الرجل تكاد تخترق جسدها و لاحظت هى و ندمت على موافقه مازن التى كانت تشجعه عليها منذ قليل .. صعدا للسياره و لاحظ مازن نظرات الرجلين المستمره لحنين فى المرآه فعقد حاجبيه و نظر للاسفل ليتفاجئ بصندوق يحتوى على عده انواع من الممنوعات الملفوفه .
شدد قبضته مدركا ان ما فعله بركوبه هذا اخطأ خطأ جاسما , نظر لحنين وجدها تعبث بيدها بتوتر فامتدت يده لتحتضن يدها فتمسكت به بخوف فشعر هو بارتجافتها فشتم تحت انفاسه , محاولا التفكير فى مخرج ما فعلى ما يبدو لن يمر الامر بسلام ..
تفاجئ مازن بالرجل ينعطف بالسياره فى طريق جانبى فوضع مازن يده على كتفه مانعا اياه التكمله : انا بقول ننزل هنا بقى و مش فاضل كتير على الطريق الرئيسى ..
اجابه الرجل الاخر و هو يلتفت له ليرمقه بنظره سريعه ثم يتركز نظره على حنين و التى اخفضت عينها خجلا و خوفا و شددت قبضتها على يد مازن : مينفعش طبعا لازم نوصلكم ..
فجز مازن اسنانه بغضب قائلا بنبره غاضبه آمره : انا قولت وقف العربيه و نزلنا .
توقف الرجل بالسياره على غفله فارتد الجميع للامام فترجل مازن من السياره مسرعا و جذب حنين خلف ظهره و رفع كفه شاكرا : متشكرين جدا على التوصيله .. , و امسك بيد حنين و تحرك بها من امامهم ..
فركض الرجلين امامهم و اخرج احدهم مديه حاده امام مازن فصرخت حنين متمسكه بذراعه تختبئ خلفه , اضطربت انفاسه و هى تشدد من تمسكها به لاعنا سيارته التى توقفت فى هذا الطريق فلقد حدث ما كان يخشاه , هتف بحده و عيناه تحتد بغضب و للاسف خوفا لا على نفسه بل عليها : عاوز ايه ؟؟
نظر الرجل لحنين بنظره جعلت الدماء تغلى بعروق مازن و قال بحقاره : طلع محفظتك و كل اللى معاك و الاهم الاموره اللى جنبك .
شدد مازن قبضته و عيناه تجول بالمكان ثم نظر للسياره قليلا بينما تساقطت دموع حنين و هى تتخفى خلفه هامسه بخوف : مازن ..
و فى هذا الموقف و الرجل الاخر يقترب منهم ليأخذ اشيائهم لم يجد مازن ان العنف سيجدى نفعا فاستدار لها بنصف وجهه هامسا بلهفه و هو يمسك يدها بقوه ضاحكا بسذاجه تعجبتها : بتعرفى تجرى ؟؟؟
رفعت عينها اليه بصدمه و تمتمت بذهول : اجرى !!!
دفع مازن الرجل بيده فاصطدم بالرجل الاخر ليسقط كلاهما ارضا فجذبها بقوه راكضا و هو يصيح بنفاذ صبر : انتِ لسه هتفكرى .. !!!
ظل يركض و هو يجذبها و هى تركض خلفه و الدهشه تكاد تشل حركتها , ظلا يركضا حتى خرجا للطريق الرئيسى , فوقف مازن و انحنى بجزعه يستند بيده على ركبتيه يأخذ انفاسه بصعوبه و بجواره حنين بالكاد تلتقط انفاسها .. حتى اعتدل و نظر لها فرفعت عينها اليه ظلا لحظه يحدقون ببعضم باستنكار متعجب ثم انفجارا فى نوبه ضحك جعلت من حولهم يلتفت لهم ..
لم يستطع مازن كبح جماح ضحكته و التى تحولت لقهقه عاليه حتى كاد يفقد انفاسه من شده الضحك و كذلك حنين التى جلست على الرصيف الجانبى و دفنت وجهها بين يديها و لم تستطع كتم ضحكتها بأى شكل كان ..
هدأت قليلا فنهضت واقفه فنظر حوله و هو يبتسم بعبث قائلا : انا بقول بلاش تاكسى و لا عربيه ملاكى احنا ناخد مواصله عامه تحسبا للظروف ...
ضحكت موافقه و بالفعل صعدا لمواصله عامه حتى وصلا للمنزل بسلام .. دلفا ليجدا المنزل هادئا فأدركا ان الجميع ذهب فى نوم عميق نظر كلاهما للاخر فهمست بخفوت ساخر : شكرا على اليوم بمغامراته الكثيره .
ضحك معلقا على مزاحها الساخر فمرح : عفوا ... فى اى وقت تحتاجى مهزله زى اللى شوفناها النهارده اطلبينى عالطول ..
ضحكت هى الاخرى ثم كتمت ضحكتها بكفها لتتحرك بهدوء باتجاه غرفتها هامسه بابتسامه : تصبح على خير ..
و تحركت قبل ان يُجيبها حتى , اختفت ابتسامته و وضع يده على قلبه و الخوف الذى تملك منه اليوم يهلك قلبه , لم يخاف بحياته بقدر ما فعل اليوم , ان صار لها شيئا لم يكن ليتحمل ابدا ..
غمغم بخيبه و حسره و هو يراقب باب غرفتها يُغلق : و انتِ من اهلى ..
********************************
_ بتعملى ايه يا سلمى ؟؟!
هتفت بها مروه و هى تجلس على الاريكه بالخارج و يصلها صوت سلمى تعبث بالاطباق بالمطبخ , امالت رأسها للخارج و هى تجيبها بغيظ : بعمل كيك ، امجد بيحبه ..
ضحكت مروه بسخريه ، و هى تجلس مستمتعه بالمسرحيه الكوميديه التى تشاهدها و تمتمت بخبث : اممم , ماشى .
لحظات و استمعت لصوت الباب يُفتح و يدلف امجد و معه والده و الارهاق يبدو بوضوح على وجهه ..
نهضت مروه مستقبله اياهم و ساعدت زوجها على الجلوس بينما دلف امجد للمطبخ و هتف يفاجئها : متمردتى الجميله ..بتعمل ايه ؟؟
انتفضت , و استدارت له بغيظ ثم ابتسمت و طبعت قبله على وجنته هامسه بحب : وحشتنى ..
حاوط وجهها بكفيه ليطبع قبله على جبينها متنهدا بتعب : و انتِ كمان وحشتينى جدا ..
دفعته بمرفقها للخارج تأمره : غير هدومك و الاكل هيجهز حالا ..
اومأ برأسه مقبلا اياها مره اخرى ثم تركها و خرج , بدأت تُسرع اكثر حتى لا تتأخر عليه .. و لكنها فجاه شعرت بدوار غريب يلفها توقفت مستنده على الطاوله الرخاميه و وضعت يدها الاخرى على جبينها ...
نظرت امامها بشرود فما تشعر به منذ بضعه ايام يدل على شيئا واحدا , شيئا غير متوقع ابدا ... و لكن الان دوراها يزداد و بشكل سئ ..
سقطت بجسدها ارضا , عاد امجد اليها ليُفاجئ بها بهذا الشكل فجلس امامها : سلمى حبيبتى .. فى ايه مالك ؟؟
اسندها لتقف فيما تمتمت هى بضعف : مفيش انا كويسه .. شويه د..
قطعت كلاهما و عينها تُغلق و سقطت فاقده لوعيها بين يديه .. انتفض محاولا ايفاقتها و لكنها لم تستجيب له .. مر بعض الوقت حتى استعادت وعيها ...
فتحت عينها ببطء لتجد مروه جالسه قبالتها على الفراش و مصطفى واقف مستندا على الحائط المقابل لها بينما امجد يستند على باب الغرفه بكتفه عاقدا ذراعيه امام صدره ينظر اليها بنظره لم تفهمها ..
اعتدلت جالسه و هى تنظر لوجههم الذى لا ينم عن خير ابدا و تسائلت بتعجب : فى ايه ؟؟
اقترب امجد منها قليلا و انخفض ناظرا اليها بتفحص هاتفا بعدم تصديق : انتِ بجد بتسألى فى ايه ؟؟ المفروض انا اللى اسألك فى ايه ؟؟
عقدت حاجبيها متعجبه تسأله باستنكار : تقصد ايه يا امجد ؟؟ ايه اللى حصل ؟؟
شعرت مروه ان امجد على وشك فقدان اعصابه الان فوقفت امامه دافعه اياه للخلف و نظرت لسلمى بحده مصرحه بما لم يخطر على بال سلمى يوما : فى انك حامل , و عاوزين نعرف من مين يا سلمى ؟؟؟؟
***************************
_ صباح الخيرات ..
هتف بها اكرم صباحا وهى يدلف للشركه فنهضت هناء واقفه بضحكه واجابته : صباح النور يا بشمهندس ..
استند على مكتبها بابتسامه : ها جدولنا عامل ايه النهارده ؟؟
امسكت هناء بالمجلد الخاص بها لتبدأ بعمليه مفرطه : اجتماع مع شركه " " الساعه 10 .. و اجتماع مع عمال مصنع " " بعد الضهر ... وا..
قلطعها بيده هاتفا بغيظ : قلبك اسود قوى , شايفه مزاجى رايق تقومى تنكدى عليا كده ... ربنا يسامحك يا هناء .. ربنا يسامحك ..
تحرك مبتسما غامزا اياها لداخل مكتبه بينما وقفت هناء تتطلع للمكان الذى تركه فارغا هاتفه بذهول : ضحك ليا ... ثم ابتسمت ملتفته لعملها و هى تضحك ببلاهه ,
اقتربت مها منها و امسكت ورقه لتكتب لها فهناء مازالت لا تستطيع فهم لغه الاشاره خاصتها " فى ايه يا هناء بتضحكِ على ايه كده ؟؟؟ "
قرأت هناء الورقه و ابتسمت و اجابتها بحالميه : اكرم ...
احتدت عين مها و انتبهت كل اطرافها ناظره اليها بغضب فحمحمت هناء محاوله تصحيح ما فعلت : اقصد البشمهندس اكرم .. ضحك ليا .. يالهووووى .
رفعت مها احدى حاجبيها بدهشه ثم امسكت الورقه و وضعتها بحده على الطاوله فانتفضت هناء و انتبهت فكتبت مها " احنا فى الشغل يا هناء ... فى الشغل "
و تركتها مها و طرقت الباب و دلفت ... رفع اكرم عينه لها و ابتسم ابتسامه جانبيه فأى صباح اجمل من بحر الفيروز خاصتها , اقتربت و وضعت الملف بيدها بقوه على المكتب , فنظر اليها بتعجب متسائل و هو يبتسم بخبث فأشارت له " اخر صفقه و التصاميم المطلوبه علشان الاجتماع "
اومأ برأسه و نظر للملف امامه و هى واقفه تنتظر تعليقه , فتحدث بهدوء و هو ينظر للاوراق امامه : انتِ كويسه ؟؟ حاسس انك متضايقه مثلا ؟؟
و قبل ان يرفع عينه ليرى اجابتها حتى طُرق الباب و دلفت هناء و بيدها صينيه تحمل عليها عده اصناف من الطعام .. تعجب اكرم و كذلك مها فوضعت هناء الطعام امامه فنظر اكرم اليها متسائلا بدهشه و هو يشير باصبعه لما وضعته امامه : ايه ده يا هناء ؟؟
نقلت مها بصرها بينهم و شعرت بغضب يتملك منها لا تدرى سببه فعقدت ذراعيها امام صدرها منتظره الاجابه .. فابتسمت هناء بخجل و اجابته بدلال : حضرتك جاى بدرى عن العاده فأكيد مفطرتش فقولت اجيب لحضرتك الفطار ..
رفعت مها حاجبيها بسخريه ثم زمت شفتيها بغضب و همت بالتدخل و لكنها ألجمت نفسها بسؤال واحد " ما شأنك انتِ " فصمتت و ظلت على صمتها بينما تكاد تحرقه و تحرقها بالنيران التى تحرقها غضبا ..
نظر اكرم لمها و تعجب نظرات الغضب تجاه هناء و لكن على ما يبدو انها راقته كثيرا فنظر لهناء مبتسما ليزداد بحر الفيروز غضبا و غيره : متشكر جدا يا هناء والله .. تسلمى و كتر خيرك جدا يعنى .
نظرت مها اليه و هى ترفع جانب شفتها باستهزاء و ازداد غضبها وب دأت قدمها تتحرك بتوتر عندما تحدثت هناء بضحكه مبالغ فيها : انت تؤمر يا بشمهندس ..
نقل اكرم نظره بينهم و ابتسم بداخله و لكن كفى لهنا فلا يجوز التمادى لم يحن الوقت بعد و السكرتيره الحمقاء يبهرها الابتسام فقط فلابد من العبوس , رفع وجهه اليها و قد اخذ جديته المعتاده .. فاعتدلت هناء فى وقفتها مضطربه بينما ابتسمت مها اخيرا و هو يهتف بتوضيح : بس انا مبفطرش يا هناء , اطلبى لى القهوه بتاعتى .. و اتفضلى على شغلك ..
حملت الطعام من امامه و قالت بعمليه و لكن مازالت تحمل نبره مدللة : من عنيا يا بشمهندس هجيبها لحضرتك حالا ..
تابعتها مها بعينها و هى تغمغم بكلمات بدت لاكرم غير مفهومه و لكنه خمن مضمونها فابتسم و لكن اخفى ابتسامته فور ان التفتت له و تمتم بلامبالاه و هو ينظر للملف امامه : طيبه هناء .. هتبقى زوجه ممتازه ..
شعرت مها بدلو ماء بارد يلقى فوقها , عقدت حاجبيها و هى تشعر بقلبها يؤلمها .. كلمته ألمتها ..
اغلق الملف و ظل ناظرا امامه دون ان يرفع عينه لها ثوانى ثم على غفله رفع عينه ليقول متسائلا بخبث : انتِ ايه رأيك فيها ؟؟
لاحظ انطفاء بريق الفيروز ليلمع بحزن مس قلبه فنهض و امسك بالملف مبتسما ابتسامه جانبيه و اعطاها اياه متحدثا بخفوت مانحا قلبها الامان : بعتبرها زى اختى و اتمنلها احسن عريس .. البنت طيبه جدا و تستاهل كل خير ... مش ده رأيك برده ؟؟ ..
و دون ان تنتبه اشرقت عينها مجددا لتومأ برأسها مسرعه موافقه على كلامه فابتسم و اعطاها الملف مشيرا بعينه للباب : طيب يالا اتفضلى على شغلك ..
اخذت الملف و لكن قبل ان تخرج حمحم مناديا عليها : ثانيه يا بشمهندسه ..!
استدارت له فقال بجديه و عمليه رسميه : فى اجتماع كمان ساعتين ياريت تجهزى علشان انتِ اللى هتقدمى presentation و عايزه يتقدم بكفاءه , لازم الشركه التانيه تنبهر بيه .. انا معتمد عليكِ ؟؟
نظرت للثقه التى يغلفها بها فى عينيه و ابتسمت و اومات برأسها موافقه و خرجت من الغرفه ... و لكن قبل ان يُغلق الباب وجدها تضع الملف على طاوله هناء و ابتسمت لها و هى تحمل كوب القهوه منها و عادت اليه من جديد واضعه القهوه على المكتب امامه و اشارت ببراءه مبرره فعلتها " هناء عندها شغل "
اومأ برأسه مرددا بمكر : عارف عارف .... و انتِ معندكيش ؟؟
تجهم وجهها الذى حمل ابتسامه صفراء منذ قليل و اشارت " لا عندى .. عن اذنك "
و تركته و خرجت مغلقه الباب خلفها فأرخى جسده على المقعد ضاحكا بسعاده و تمتم بدراميه : يبدو انها مستحملتش جاذبيتى .. انا لا اقاوم انا عارف ..
*************************
انتهى البارت 😂
بحبكم فى الله 💜
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top