1

17/05/2023

أضغاث أحلام

يقال بأن أكثر الناس شقاءا هو مفرط التفكير، و قد كان ذلك سبب تعاسته، كونه يفكر في كل التفاصيل حتى تلك التي لم تحدث بعد، كان يدرس الاحتمالات مركزا على الجانب السلبي فحسب، و يكتئب و هو يتخيل نتائج ذلك و وقعها على حياته، رغم كونه ناجحا عمليا و يتخذه الكثيرين قدوة إلا أن حياته الشخصية كانت مملة و تعيسة، و كأنه يعيش نفس اليوم كل يوم، يحاول ملأ وقته حتى لا يسحبه الفراغ و فرط التفكير إلى الهاوية، لكن حياته تظلم مجددا ما أن يضع رأسه على الوسادة ليلا، لأنه كان الوقت الأمثل لعمل الذاكرة بجد، كان لا ينام أكثر من أربع ساعات، حتى الأحلام قد هجرته، فلم يكن يرى شيئا في منامه. لا يذكر متى كانت آخر مرة ضحك فيها من أعماقه، و لا آخر مرة خرج فيها مع أصدقائه، و في إحدى ليالي ديسمبر الممطرة خرج من منزله و لم يعد بعدها أبدا، و رغم كونه قد عاش في وحدة قاتلة طوال الثلاثين سنة من حياته إلا أن بعد اختفائه تظاهر الكثيرين بتأثرهم و بذلوا مجهودا مزيفا في سبيل العثور عليه، لكن لا أحد وجد أثرا له، مرّت أيام ثم أسابيع ثم شهور و سنوات و لا أحد سمع عنه شيئا، و بما أن والدته قد انفصلت عن والده في مرحلة طفولته المبكرة و تخلت عنه فقد قال الكثيرين بأنه انتقل للعيش معها، و قال آخرون بأنه قد تعرف على امرأة و سافر لمقابلتها ثم لم يعد.. الكثير من الإشاعات لكن لا دليل على وجوده في أي مكان. نسي الجميع أمره بعد بضع سنوات، الجميع باستثناء مدبرة منزله، تلك المرأة التي تعد له الطعام منذ ثماني سنوات، و التي تنظف بيته و ترتب أغراضه، كانت آخر شخص قد يتوقع أن تهتم به، و تأبه لغيابه، لكنها كانت الوحيدة التي فكرت به، لأنها كانت تعرف أن شخصا صمد كل تلك السنوات لن يستسلم بسهولة و لن يغادر ببساطة تاركا خلفه كل شيء، كانت مؤمنة بأن خلف اختفائه المفاجئ سر كبير، أكبر من أن يتخيله عقلها، أو عقل من يحيط بها من أقرباء رب عملها، و قررت بأن تغوص باحثة عن ذلك السر رغم العواصف التي قد تعيقها، فهي مدينة له بعد إنقاذه حياتها.

مرت ثلاث سنوات على اختفائه، و ما زالت نور تحاول العثور على رب عملها شهاب، لكن لا أثر له. أدركت في طريق بحثها بأنه كان تعيسا أكثر مما يبدو عليه، و شعرت بالحزن الشديد لأنه كان وحيدا رغم كل المحيطين به، ما زالت تذكر معالم الخيبة على وجهه عند عودته من العمل في أحد الأيام، حيث جلس إلى طاولة الطعام و شرد ممسكا بكأس ماء فارغ، ثم قال بهدوء مريب و كأنه يخاطب نفسه
" هل تعتقدين بأنه سيحزن لوفاتي أحد ؟ "
فكرت كثيرا في سبيل إيجاد إجابة، لكنه غادر تاركا إياها خلفه، لتدرك أنه لم يكن سؤالا.

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top