الفصل الثامن: هي والشيطان (part3)
كان الثلج قد بدأ بالهطول من جديد وقد أخذ يشتد شيئاً فشيئاً.
بين تلك الزقاق الضيقة التي غطتها الثلوج، كانا يركضان بسرعة إلى حيث سمعا صوت إطلاق النار..
تعثرت كايا فجأة فسقطت أرضاً. عندها توقف غري وسار إليها ثم مد يده نحوها ليسألها باهتمام:هل أنت بخير؟
أجابت كايا بخفوت:أجل أنا بخير.
ثم أمسكت بيده فساعدها على النهوض، ليقول بعدها بقلق: يجب أن نسرع! لقد توقف إطلاق النار، لكن لابد أنه ما يزال قريباً من هنا....آمل أن تكون شقيقتك معه حقاً!
سألته كايا بوجل:ماذا عن ذلك الشخص؟ هل سيؤذيها؟!
أجاب غري بهدوء:لن يقوم سايشو بشيء كهذا لا تقلقِ...
ثم سكت قليلا ليردف بخفوت:لن يؤذيها جسدياً على الأقل!
.
.
.
ركضا لبعض الوقت، حتى رأيا أمامها تلك الصناديق المبعثرة وحولها كان الكثير من الرجال الميتين.
دماؤهم، كانت قد لطخت كل مكان من حولهم.. على الأرض، الحوائط، وتلك الصناديق أيضاً.
أصابت أغلب الرصاصات رؤوسهم مباشرة، لذلك فقد مات أغلبهم على الفور، بينما البعض كان ما يزال يحتضر وسط دمائه.
تراجعت كايا خطوة إلى الوراء واضعة يدها على فمها، لتشهق بذعر وقد أخذت ترتجف من هول المنظر الذي تراه لأول مرة في حياتها!
اقترب غري من إحدى تلك الجثث، ثم ألقى نظرة سريعة على الجثث الأخرى ليقول بتفكير:كلها إصابات مباشرة في الرأس.. إنها طريقة سايشو بالتأكيد!
ثم نظر إلى الأمام وقال بثقة:علينا التقدم...لابد أنه هنا!
أومأت كايا بارتباك وقالت بينما تحاول تمالك نفسها بصعوبة: آه...أجل!
ركضا بسرعة حتى وصلا إلى مفترق الطرق ذاك، فوجد غري على اليمين جثة رجلين مصابين في رأسيهما. وقد كانت الأحشاء الداخلية لرأسيهما ظاهرة بسبب ذلك الرصاص المتفجر الذي استعمله سايشو لقتلهما...
لم تكن كايا قد رأت منظرهما بعد، عندها أمسك غري يدها وصاح بها قائلا:لا تنظرِ! اغلقِ عينيك!
ارتبكت كايا من كلامه، لكنها أدركت على الفور أن المنظر سيكون مروعاً بالتأكيد..
لقد تركها تنظر إلى ذلك المنظر الفظيع قبل قليل..لكنه منعها الآن! إذا فذلك يعني أنه شيء لن تستطيع احتماله أبداً!
لما فكرت في هذا، فعلت ما قاله لها دون تردد، وأغلقت عينيها بقوة. عندها واصل غري الركض وهو ما يزال ممسكا بيدها.
فلما ابتعدا كثيراً عنهم، التفت لها وقال:لا بأس... يمكنك فتح عينيك الآن..
وقبل أن ينهي كلامه، تعثرت كايا بشيء ما فسقطت أمامه.
عندها وقفت ببطء ونظرت إلى الأمام، لترى أمامها جثتان مقطوعتا الرأس، تتوسطهما جثة لرجل كان مصابا في أطرافه الأربعة. وجهه كان مشوها تماماً بعد أن انفجر فكه، لتظهر أسنانه المهشمة كاملة و كذلك بعض الأجزاء من جمجمته.
نظرت كايا خلفها ببطء، لترى تلك الجثة التي تعثرت بها قبل لحظات، وإلى جانبها جثتين أخرتين مضرجتين بالدماء...
ظلت أسنانها تصطك ببعضها بقوة، وعيناها تدوران. ثم أخذت تنتفض في ذعر.
لم يكن غري قد لاحظ تلك الجثث بسبب الثلوج، لذلك ضغط على أسنانه وهمس بغيظ:تباً!!
اقترب منها ووقف خلفها ليغطي عينيها بيده ويقول بهدوء: لا تنظرِ! لست بحاجة لأن تري مثل هذه المناظر...
ثم نظر إلى تلك الجثث مرة اخرى وقال بحزن:لا يفترض لفتاة بريئة مثلك لم تتلوث بعد بهذا العالم، أن ترى شيئاً فظيعاً كهذا!
ثم أمسك بيدها بإحكام وقال بلطف:أنت بأمان...ليس عليك التفكير بهذا أبداً، عليك أن تنسِ هذا فقط وستكونين بخير...
صوته الدافئ أشعرها بالهدوء. ارتخت بين يديه وقد هدأت أنفاسها المضطربة تماماً، ثم أخذت عيناها تدمعان.
عندها قربها إليه وقال بهدوء بينما يضغط على يدها:لا بأس... يمكنك البكاء بقدر ما تشائين....فلتبكي الآن، وبعدها عليك نسيان ما رأيته تماماً. هذه الطريقة الوحيدة التي ستمكنك من العيش في مكان كهذا!
رددت كايا وسط دموعها:ما هذا؟ أنا لا أفهم! لماذا يجب أن يحدث شيء كهذا؟ ما الذي يحدث في هذا العالم؟ أنا لا أستطيع أن أفهم أبداً!!
تنهد غري بضيق ثم قال بألم:إن هذه هي حقيقة هذا العالم الذي نعيشه. الأمر نفسه يحدث في كل مكان! إذا لم تكن قوياً بما فيه الكفاية لتحمي نفسك، فإنك ستموت...هكذا تسير الأمور هنا!
سألته كايا بحزن:هل عاش تاكيرو طفولته في مكان كهذا؟
أجاب غري بهدوء:عندما كنا أطفالا كنا مثلك تماماً. نعيش داخل الأسوار في سلام مزيف، دون أن نعرف أي شيء.
لكن الظروف اضطرتنا للخروج من هناك، ومواجهة هذه الحقيقة في سن صغيرة جداً. كل ما كنا نفكر به هو البقاء على قيد الحياة فقط...وكذلك الانتقام ممن جعلونا نتحول إلى ما نحن عليه الآن!
ثم سكت قليلا واستطرد بهمس هادئ:ابقِ عينيك مغلقتين. سوف نصل إلى سايشو قريباً جداً على الأرجح!
أومأت كايا رأسها بالإيجاب وقالت:أجل...فلنذهب.
سارت برفقة غري الذي أمسك يدها، وقد أغلقت عينيها بقوة.
بعد أن سارا قليلا، توقف غري فجأة بينما ينظر إلى ناتسومي التي كانت واقفة بالقرب من الجدار، وفي عينيها نظرة واثقة. وإلى سايشو الذي كان ينظر إليها بابتسامة غريبة.
همس غري بقلق:سايشو...؟
ما إن قال هذا، حتى فتحت كايا عينيها بسرعة لتنظر إلى ذلك الشاب الأشقر الواقف بالقرب من شقيقتها...
تفاجأت كثيراً من جماله الساحر..هتفت في نفسها بذهول:أهذا هو من يدعونه بشيطان رونايدا؟ لا أصدق هذا...إنه مختلف تماماً عما تصورته!
لكنها لما رأت ناتسومي هتفت قائلة:ناتسومي!
نظرت إليها ناتسومي قليلا دون أن تقول أي شيء، عندها قال غري بارتباك:آه حسناً...كل شيء بخير صحيح؟ أعني...
سار سايشو باتجاهه وعلى وجهه نظرة باردة، ليقول بلامبالاة: لنذهب الآن إلى كريس.
سأله غري بقلق:انتظر لحظة! أعني...هل حدث شيء ما؟
فرد سايشو ببرود:لابد أنك رأيت كل شيء في طريقك إلى هنا...لقد تخلصت من بعض الحشرات التي كانت تحوم حول المكان. كانوا مجرد هواة لا أكثر، أعتقد أن الهجوم الحقيقي سيحدث بعد قليل...
ثم سكت قليلا ونظر إلى كايا ببرود، ليقول وعلى وجهه نظرة خاوية: عليك أن تأخذهن إلى الملجأ، لن يصمدن طويلا إذا ما بقين في الخارج.
أومأ غري بفهم وقال: أجل بالتأكيد...سآخذهن إلى الملجأ وألحق بك على الفور.
لم يرد سايشو على كلامه وسار مبتعدا عنه.
لما ابتعد عنهم، التقى في طريقه آي وريو اللذان قد وصلا للتو بعد أن تتبعا صوت إطلاق النار...
نظر إليهما ببرود. عندها سألته آي بحذر:أين ناتسومي؟
فرد سايشو بلامبالاة:إنها مع غري هناك...
في تلك اللحظة، وقف ريو بينه وبين آي متخذاً وضعية الدفاع، بعد أن أمسك خنجره بقوة وقد كان ينظر إليه بحدة وحذر..
نظر إليه سايشو باستهزاء ليقول ساخراً: ماذا؟ هل أنت خائف من أن أطلق عليك مرة أخرى؟
صر ريو على أسنانه وقال بكره:لن أسمح لك بلمس آي مجدداً! في ذلك الوقت كنت مصاباً لذلك لم أستطع فعل شيء، أما الآن فأنا قادر على قتلك إذا ما اقتربت من آي مرة أخرى!
ابتسم سايشو بسخرية وقال بهدوء مخيف: أنت ستقوم بقتلي؟! لا تجعلني اضحك!
تقدم خطوة نحوهما، عندها انتفض ريو وتمسك بخنجره أكثر ليهتف بذعر: توقف مكانك أيها الوغد! سأقتلك إذا ما اقتربت أكثر!!
ما إن رآه سايشو يرتجف هكذا، حتى وضع يده على مقدمة رأسه ليضحك بقوة ساخراً منه..
نظر إليه بوحشية جمدت الدم في عروقه، ليقول بهدوء مخيف: لا تقل شيئاً لا تعنيه أيها الصغير..هذه الثقة الزائدة ستقتلك..أتفهم كلامي؟
في تلك اللحظة وضعت آي يديها على كتفي ريو وهمست له قائلة حتى تهدئ من روعه:ريو اهدأ..لا تقلق، لن يقوم بإيذائنا!
أخذت نفساً عميقاً ثم نظرت إليه وقالت بهدوء: لقد التقيت ناتسومي صحيح؟
لم يرد سايشو على كلامها، واكتفى بنظرة باردة خالية من المشاعر.
فقالت آي بينما تنظر إليه بثقة:إن ناتسومي تحب كريس حقاً... حتى لو قالت أنها تكرهه، فهي لا تعني هذا حقاً!
رد سايشو ببرود شديد:لماذا تقولين هذا الكلام لي؟
تنهدت آي وقالت بضيق:أردتك أن تعلم هذا فقط. أعني... ناتسومي لن تكون مصدر خطر على كريس أبداً!
لم يرد سايشو على كلامها، وسار مبتعداً عنهما حتى تجاوزهما دون أن يقول أي شيء..
فلما ابتعد عنهما، قال ريو وهو يصر على أسنانه: تباً لذلك الوحش! لماذا أصبح مثيراً للشفقة عندما يكون موجوداً؟!
ابتسمت آي بلطف وقالت بهدوء بعد أن وضعت يدها على رأسه: لا بأس ريو...ليس عليك أن تلوم نفسك، إنه ليس شخصاً عاديا فحسب..
قبض ريو يده في قهر شديد بينما ينظر إلى الأرض..هو لم يكن يخاف أي إنسان مهما كان. لكن سايشو كان الوحيد الذي أشعره بالذعر والعجز هكذا!
استطاعت آي أن تتفهم غضبه..لكنها اقتربت منه وهمست قرب أذنه: ريو لا بأس..مهما كان ذلك الشخص مريعاً، إنه حليفنا..لا تنس هذا!
فرد ريو بحقد: حتى لو كان حليفنا..إنني أكرهه حقاً!
تنهدت آي بضيق وقالت:لا بأس..لا يمكنك إجبار نفسك على تقبّله..
سكتت قليلا لتستطرد بعد برهة:على كل حال..دعنا نذهب الآن!
اومأ ريو برأسه مجيباً، لينطلق برفقة آي إلى حيث ناتسومي وكايا، وغري أيضاً....
.
.
.
.
كانت كايا واقفة بالقرب من غري بينما ترتعد ذعراً...
ضمت يديها إلى صدرها لتقول بصوت راجف:ما كان هذا؟ لماذا أشعر بالرعب هكذا؟ ذلك الشخص، من يكون حقاً؟!!
سارت ناتسومي باتجاههما وعلى وجهها نظرة واثقة..
خاطبت كايا ببرود قائلة:كايا...لنذهب...
نظرت إليها كايا لتسألها بقلق:ناتسومي...هل أنت بخير؟ أعني...لقد كنت طوال هذا الوقت مع ذلك الشخص الخطير!
ألم يقم بإيذائك؟!
أجابت ناتسومي بنبرة بدت أشبه بالسخرية:إذا ما قام ذلك الشخص بإيذائي، فلن أكون واقفة أمامك الآن!
ثم سكتت قليلا وأردفت مطمئنة:إنني بخير....لا تقلقِ علي...
ثم نظرت إلى تلك الزقاق التي سار إليها لما غادر المكان، لتقول في نفسها بتفكير:سايشو سانفورد إذا؟ تذكر ذلك جيداً. إنني لست خائفة منك أبدا!!
وبينما كانت تنظر إلى هناك بثقة اشتعلت في عينيها لما كانت تفكر به، ظهر أمامها ظل شخصين يركضان باتجاهها. أحدهما طفل صغير، والآخر فتاة بشعر أسود طويل..
ما أن اقتربت منها ورأتها، حتى صاحت آي قائلة:ناتسومي!!!
وقبل أن تستوعب ناتسومي الأمر، ارتمت آي بين يديها وحضنتها بقوة لتقول براحة:الحمد لله! لقد كدت أموت من القلق، إنني سعيدة حقاً أنك بخير!
عندها تمتمت ناتسومي مكذبة:أيامي؟
ابتعدت آي عنها بضع خطوات لتقول بابتسامة حزينة: أجل... إنها أنا...أيامي!
دمعت عيناها واحتضنتها بقوة ثم أخذت تبكي وتقول:لا أصدق هذا...لا أصدق أنك أمامي الآن، أيتها الحمقاء! كيف تفعلين هذا بي؟ ألم تعلمِ كم كنت قلقة عليكِ؟
مسحت آي على ظهرها وقالت بابتسامة حزينة:أنا آسفة ناتسومي....لقد جعلتك تقلقين كثيراً.
ثم سكتت قليلا وقالت بتردد: هناك الكثير من الأشياء التي علي إخباركما بها....أنا...أنا آسفة حقاً لأنني أخفيت عنكما الكثير..في الحقيقة أنا..
عندها قاطعتها ناتسومي وقالت برجاء:أرجوك أيامي ألا تقولي أي شيء الآن! إنني متعبة جداً...
ثم أردفت بحزن:ربما في وقت لاحق. إنني لست مستعدة لسماع أي شيء الآن، يكفيني فقط أن أعلم أنك بخير!
تنهدت آي بضيق وقالت بخفوت:حسنا، لا بأس. سوف نتحدث فيما بعد. علينا الذهاب الآن إلى الملجأ، سيصبح الوضع خطيراً قريباً جداً...
بدت آي محبطة جداً..أرادت حقاً أن تحدثها بكل شيء. لكنها أدركت أن ناتسومي لا تريد الاستماع إليها بعد..
إنها تحاول أن تتجاهل حقيقة أن آي واحدة من الروك آندروك.. تريد أن تفكر بها كأيامي..أيامي فحسب!
ابتعدت ناتسومي عنها لتقول بهمس مثقل:حسناً.
عندها وقف غري بقربها وسألها بقلق:آي...هل قابلت إيرين؟
أجابت آي باستغراب:كلا، لم أقابلها..
تجهمت ملامح وجهه لما سمع هذا وقال بضيق:إنني قلق عليها...سوف أذهب لأخبرها أننا وجدناها. هل يمكنك اصطحابهن إلى الملجأ؟ أنت تعرفين مكانه صحيح؟
أومات آي وقالت بهدوء:أجل لا تقلق...لقد أخبرتني ريبيكا عن مكانه من قبل.
فسألها غري بقلق:هل ستكن بخير؟
ابتسمت آي وقالت بعتاب:ما هذا غري؟! هل أصبحت تقلق كثيراً مثل روك؟ سنكون بخير، إن معنا ريو كما تعلم!
نظر غري إلى ريو وسأله بشك: هل معك سلاح؟
رفع ريو طرف قميصه من جهة الظهر ببرود ليُظهر له ذلك الخنجر الطويل، والمسدسين اللذان ثبتهما بحزام جلدي أسود. ثم قال ببرود: كما ترى..لدي ما يكفي.
ابتسم غري براحة وقال:حسنا...كونوا حذرين!
قال هذا ثم ذهب. فالتفتت آي إليهما وقالت باستعجال:هيا بنا، علينا الذهاب بسرعة!
.
.
.
.
لما ركض غري مبتعدا عنهن، رأى إيرين واقفة في إحدى الزقاق المتفرعة من تلك الطريق، وقد كانت تنظر إلى الأرض بحزن.
عندها قال غري بانفعال، بينما يركض نحوها بسرعة:إيرين! ما الذي تفعلينه هنا؟ لماذا لم تأتِ معنا؟
ابتسمت إيرين ابتسامة حزينة وقالت:لم أرد أن أزعج ناتسومي...قالت أنها لا تريد النظر في وجهي. لقد اطمأننت أنها بخير وهذا يكفي.
تنهد غري براحة، ثم وضع يده على رأسها وقال بينما يمسح على شعرها بعطف:لا تظهرِ هذا الوجه الحزين، أنا واثق من أنها ستقبل بك يوماً ما.
ابتسمت إيرين وقالت بامتنان:شكراً لك غري.
ثم سكتت قليلا وقالت بقلق:من الأفضل أن تذهب الآن...أخي في انتظاركم جميعاً...
أومأ غري وقال بهدوء:أجل..سأذهب، لكن يجب أن أرافقك أولا إلى الملجأ فالوضع قد يصبح خطيراً الآن.
.
.
.
كن يسرن معاً في صمت مطبق، رفقة ريو الذي تقدمهن وقد كان ينظر حوله في حذر شديد..
كانت آي تنظر إلى الأرض في حزن، بينما تفكر في كلام ناتسومي قبل قليل.. هل تراها سترفض الحديث معها؟ هل يعني كلامها أنها لن تتقبل حقيقة ما يحدث؟
آي كانت سعيدة حقاً عندما احتضنتها ناتسومي ولم تبعدها عنها. لكنها أرادت أن تقدم نفسها لهن كآي..إحدى أعضاء الروك آندروك. وأيضاً تاكيزاوا أيامي، الابنة الوحيدة لقائد أكبر الحركات الثورية في الشمال..تاكيزاوا شينوسكي..
تنهدت بضيق لما أدركت هذه الحقيقة..ناتسومي لن تتقبلها.. ستفكر بها كصديقتها فحسب، وهذا قد آلمها حقاً!
اقتربت منها كايا ووضعت يدها على كتفها لتسألها بقلق: أيامي ما الأمر؟ هل أنتِ بخير؟
كانت تبدو شاحبة جداً..تعلم أنها ما كان يجب أن تركض هكذا بينما ما يزال جرحها لم يشف تماما حتى الآن. لكنها لما سمعت أن ناتسومي قد تكون في خطر، اندفعت من دون تفكير لتبحث عنها.. وها هي الآن تشعر بألم فظيع في بطنها!
كانت ناتسومي تنظر إليها بوجل هي الأخرى، لكنها هتفت بذعر فجأة وهي تشير إلى بطنها: أيامي هناك دم!!
نظرت أيامي إلى جرحها بضعف، لترى بقعة الدم التي أخذت تلطخ كنزتها الصوفية البيضاء شيئاً فشيئاً..
نطقت بصوت واهن: لا تقلقا..إنني بخير..
أسرعت ناتسومي إليها وصرخت بانفعال: على أي أساس تقولين أنك بخير؟! هناك الكثير من الدم..ما الذي يعنيه هذا؟!!
عندها قال ريو بغضب بعد أن وقف قبالتها: لقد قلت لي أنك ستكونين بخير، وأن جرحك قد شفي تماماً!
وضعت آي يدها على مكان الجرح وأخذت تضغط عليه في محاولة لإيقاف النزيف..ثم قالت بصوت واهن:أنا آسفة حقاً ريو...أرجوك عدني ألا تخبر روك والآخرين. سيغضبون بالفعل إذا ما علموا أنني هنا، فما بالك لو علموا أن جرحي قد انفتح من جديد! سأذهب الآن إلى الدكتور موريس لذا..
قبض ريو يده في غيظ شديد وقال بامتعاض: لا يمكنني هذا... إذا ما أخبرت روك، فربما تتوقفين عن تعريض نفسكِ للخطر من أجل الآخرين، عندما يقوم بتوبيخك!
تنهدت آي بضيق دون أن تقول شيئاً...تعلم أنه لن يقوم بإخباره في الحقيقة، لكن رؤيته متضايق هكذا بسببها أحزنها كثيراً..
مدت يدها نحوه في محاولة لاسترضائه، لكنه صرخ فجأة بانفعال: انبطحوا!!!
وقبل أن يقلن أي شيء، اندفع وابل من الرصاص حولهن بوحشية.
ناتسومي وكايا قد انبطحتا، وغطتا أذنيهما في ذعر، بينما قفز ريو باتجاه آي ودفعها حتى سقطت أرضاً...
كان صوت الرصاص عالياً جداً، فصرخ ريو بهن قائلاً بينما يشير إلى أحد الأزقة القريبة: فلنختبئ هناك..إنهم لا يستهدفوننا نحن، بل إن هناك رصاص يطلق من الجهتين..لابد أن هناك اشتباك بين قواتنا والقوات المهاجمة!
زحف الأربعة باتجاه تلك الزقاق، واختبؤوا خلف صناديق كبيرة كانت مصفوفة على جانب الحائط..
كانت كل من كايا وناتسومي يرتجفان في خوف...
قالت كايا بخفوت بينما عيناها تدمعان: ما الذي يحدث هنا؟ هل سنموت؟!
وقف ريو أمامهن بعد أن أخرج مسدسيه من تحت ملابسه وقال بثقة: لا تخفن..لن أسمح لأي أحد منهم بالاقتراب!
ثم نظر إلى الطريق مرة أخرى حيث كانوا يتبادلون النيران هناك وقال بهدوء: الكثافة النارية من الجهة الداخلية للمحمية أكبر بكثير..ذلك يعني أننا نمتلك اليد العليا هنا..
لابد أنهم بعض المتسللين الذين يحاولون التوغل إلى الداخل. بالنظر إلى القوة التي يواجهونها، لا يبدو أنهم سيصمدون كثيراً!
فقالت آي بوهن: أستطيع أن اجزم أن كريس سيأمرهم بمسحهم بالكامل..بما أن الكبار الاربعة هنا، فهم لن يدعوا الأمر يمر بسهولة..كل شخص يطأ أرض المحمية سيقتل بالتأكيد دون أن يتركوا له أي مهرب!
نظرت ناتسومي وكايا إليها بذهول...
سألتها كايا بصوت راجف: ما الذي تقولينه آي؟! كريس هو تاكيرو صحيح؟ كيف يمكن أن يفعل شيئاً كهذا؟!
تنهدت آي بضيق ثم قالت بينما تنظر إليها بحدة: كايا.. الحقيقة ليست كما تتصورانها أبداً. إذا ما كنا ضعفاء في هذا العالم فلن ننجو أبداً.. نحن نحارب من أجل العيش، ليس أمامنا حل آخر أبداً!
عندها تمتمت ناتسومي بشك: نحن..؟
نظرت إليها آي بألم، ثم قالت بغصة، بينما ما تزال تضغط على جرحها متألمة: أجل نحن! ناتسومي..إنني أيضاً عضوة من الروك آندروك! أنت لا تعرفين شيئاً..لا تعرفين كيف يعيش الناس هنا! نحن سنموت ما لم نقاتل، هل تفهمين ما الذي يعنيه هذا؟! أنا..روك..كريس..الجميع! كلنا كنا سنقتل منذ زمن، ما لم نكن أقوياء كفاية للوقوف في وجههم! ولأنني كنت ضعيفة من قبل، اضطررت لأن أعيش في ذل تحت رحمتهم لأربع سنوات!!!
في تلك اللحظة، قطع حديثهما صوت تلك الرصاصات التي أطلقها ريو تواً، فنظرتا إليه على الفور..
سقط ذلكما الرجلين على الأرض، مضرجين بدمائهما بعد أن دخلا إلى تلك الزقاق للتو..
عندها صاحت آي قائلة: ريو! ربما يكونان من أتباع غري، أنت لا تعرفهم، لذلك لا تقتل احداً قبل أن تتأكد!
قال ريو وهو يعيد تعبئة أحد مسدسيه بالرصاص: لقد كانا سيطلقان النار علي! إذا ما كانا من أتباع غري جيسون، فمن المفترض أن يعتقدا أنني من المدنيين!
ونظر إليهن بعد أن أعاد مخزن الرصاص إلى مكانه ليقول باستعجال: يجب أن نبتعد من هنا بسرعة، أعتقد أنني أعرف أين ترتكز قواتنا..سنكون بأمان ما إن نصل إليهم!
ثم أردف مخاطبا آي بقلق: آي..هل تستطيعين السير؟
نظرت آي إلى جرحها، ثم أومأت بالإيجاب وقالت بحزم: أجل لنسرع..لا وقت لدينا..
ثم خاطبت ناتسومي وكايا بينما تنظر بعيداً متحاشية النظر إليهما:علينا التحرك الآن..هل يمكنكما ذلك؟
عندها ضغطت ناتسومي على أسنانها وقالت بغضب: انظر إلي! لا تتجنبيني هكذا!!
ثم خفضت رأسها وأردفت بامتعاض: ستشرحين لي كل شيء بعد أن ينتهي كل هذا..هل سمعت؟!
تفاجأت آي كثيراً لما سمعت كلامها..لكنها ابتسمت براحة وردت بخفوت: أجل..بالتأكيد!
.
.
.
كان الأربعة يسيرون بسرعة بين تلك الأزقة الكثيرة المتصلة ببعضها..آي كانت تتعثر في سيرها وهي تضع يدها على بطنها، في حين كانت تشعر بألم شديد.
اقتربت منها كايا، لتمسك يدها وتحيطها حول رقبتها ثم قالت: دعيني أساعدك على السير..
أومأت آي بهدوء، لتتابع السير مستندة على كايا..أما ناتسومي فقد كانت تسير إلى جانبهما، بينما تنظر تارة إلى ريو أمامها بوجل، وتنظر حولها تارة أخرى..
عندها توقف ريو فجأة، وخبأ مسدسيه تحت ملابسه بسرعة.
وقبل أن يقول أي شيء، ظهر ثلاثة رجال من طريق جانبي فجأة وقد كانوا يحملون أسلحة رشاشة..
انتفضت كايا وناتسومي في ذعر، بينما نظرت آي نحوهم بحدة..لكنها خاطبتهما بهمس:اهدءا..سيتدبر ريو الأمر.
نظر الرجال نحوهم بتعجب وقال أحدهم بسخرية: ثلاثة فتيات وطفل؟ ما هذا..أهم من المدنيين؟
عندها اقترب منهم رجل آخر وقال بينما ينظر نحوهم في خبث:لقد سمعت أن ذلك الوغد غري جيسون يهتم كثيراً بالأغنام التي يرعاها هنا...سيكون بوسعنا استعمالهم كرهائن!
خفض الثلاثة أسلحتهم، وقال أحدهم بدناءة بينما يسير نحو الفتيات ببطء: هيا يا صغيراتي..ابقين هادئات ولن أقوم بإيذائكن، اتفقنا؟
ثم مد يده نحوهن، عندها ركض نحوه ريو فجأة ليقطع يديه بسرعة بعد أن أخرج خنجره الطويل من تحت ملابسه. فاندفع الدم بغزارة ما إن سقطت يداه أرضاً، ملوثاً كل مكان من حوله..
لم يمنحهم مجالاً ليستوعبوا ما حدث حتى..أخرج أحد مسدسيه بيده الأخرى ليطلق على رأسه على الفور..
ثم اندفع باتجاه الرجلين الآخرين بسرعة جنونية، تعلو وجهه نظرة باردة خالية من الحياة..
وجه أحد الرجلين سلاحه نحوه بسرعة واخذ يطلق النار بسلاحه الرشاش دون توقف.
كان ريو يتفادى تلك الرصاصات بسرعة بينما يركض نحوه، حتى وقف أمامه ودفع السلاح بعيداً بفوهة مسدسه الحديدي، لتنطلق الرصاصات التي أطلقها ذلك الرجل في الهواء..
وفي نفس اللحظة، غرس خنجره في رقبته ثم أخرجه على الفور، لتتدفق دماؤه بقوة بعد أن قطع شريانه الرئيسي. فهوى أرضاً يصارع سكرات الموت..
لم يكترث ريو نحوه، ولا لدمائه التي لطخت وجهه وملابسه. بل إنه ركض نحو الرجل الآخر بسرعة. لكن ذلك الرجل، رمى سلاحه الرشاش وأخرج مسدساً في الوقت الذي قتل فيه ريو صديقه..فأطلق رصاصتين باتجاهه أصابت إحداها كتفه.
لكن ذلك لم يمنعه من الاندفاع نحوه.. غرس خنجره في ساقه، ليستعمل ذلك الخنجر كركيزة بعد أن شده بقوة بكلتا يديه، دافعاً جسده الصغير نحو الأعلى ليدور بكامل جسده في الهواء، ويركل رأس ذلك الرجل بساقه حتى سقط على الأرض، بينما عاد ريو للوقوف مرة أخرى..
وأخيراً، وجه مسدسه نحوه وأطلق عليه بكل برود..
عيناه الخاليتان من الحياة..وجهه وملابسه الملطخة بدماء من قتلهم للتو..وذلك البرود الشديد الذي أحاط به..
كل ذلك بث الرعب في قلب كل من كايا وناتسومي..
لكن آي قالت بانفعال على الفور: ريو هل أنت بخير؟!
عندها صاح بهن ريو قائلا: اركضن!! أستطيع سماع صوت المزيد منهم..إنهم يركضون إلى هنا! دس ريو خنجره ومسدسيه تحت ملابسه مرة أخرى، ثم رفع أحد الاسلحة الرشاشة ( كلاشنكوف) التي كانت مع أولئك الرجال الميتين وركض بسرعة بعد أن تأكد أنه به رصاص كافي.
ركضن ثلاثتهن خلفه...كان جرحه ينزف بشدة، لكنه رغم هذا شد الكلاشنكوف بكلتا يديه بقوة..
لما وصلوا إلى مفترق طرق، استطاعت ناتسومي أن ترى رجالاً يركضون نحوهم بأسلحتهم من كلا الطريقين يميناً ويساراً.
فصاح بها ريو قائلاً: اركض إلى الأمام ولا تنظرِ لأي مكان!
فاستمرت بالركض إلى الأمام رفقة آي وكايا وقد كانت عيناها تدمعان..لقد واجهت نفس الموقف قبل ساعة، ورغم أنها تكره الاعتراف بهذا، إلا أنها كانت تشعر بالأمان لما كانت مع سايشو.
صحيح أنها شعرت بالذعر..لكنها كانت متأكدة من أنها لن تصاب بأي أذى حتماً..
أما الآن، فهي تشعر أنها ستموت لا محالة!!
يتبع..
******
_رأيكم في البارت؟
_توقعاتكم للأحداث القادمة؟
_ما الذي سيحدث لآي؟ هل ستكون قادرة على الصمود أكثر؟
_هل سيتمكنون من الوصول إلى الملجأ بسلام؟
كل هذا وأكثر ستعرفونه في البارت القادم فانتظروني❤
ارجو ان يكون البارت قد نال إعجابكم..لا تنسوا رجاءاً التصويت على الفصل. وسأكون بانتظار تعليقاتكم اللطيفة😍
دمتم في أمان الله وحفظه🌷🌷
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top