البداية

     إنها تلهث، أطرافها ترتعش خوفا وسط الرياح الباردة، حنجرتها قد جفت وتحجرت عطشا، معدتها تتضور جوعا، كانت تركض لساعات متواصلة؛ تحاول الهرب من تلك الأجساد السائرة. لطالما كانت تفعل ذلك، لكن هذه المرة ازدادت سوءا، هؤلاء الهائمين التهموا جميع أصدقائها، كل من كانت تعرف يوما.

ابتعدت عن أنظارهم الميتة، محاولة الاختباء تحت جرف ما، بينما تجوب عيناها المكان باحثة عن مخرج من مأزقها. كانت لا تزال ممسكة بسكينها الحاد، الذي ورثته عن والدها، كان مغطى بدماء تلك الجثث النتنة، قبضتها أيضا امتلأت بالدماء القذرة.

لمحت زرقاوتيها ضوءا، وجدت طرف طريق على المدى، التقطت نفسا عميقا شعرت ببرودته في عروقها، عقدت رباط حذائها ثم انطلقت كرصاصة مسرعة إلى ذلك الطريق المجهول. توقفت عندما وجدت سيارة أمامها، كانت هي مصدر الضوء، ومصدر صوت قد حفر في رأسها.

أطلت بنظرها لترى ما وراء الزجاج، كانت إحدى تلك الجثث، تغرس بأسنانها في جسد شخص ميت، وتمزقه لتأكل لحمه الدافئ. توقفت الجثة عما كانت تفعله، لتلتفت إليها وقد سمع صوت عظامها تطرقع. قبضت بيدها على سكينها بقوة، أخذت نفسا عميقا وفتحت الباب فتخرج الجثة إليها، تقدمت نحوها وغرزت سكينها في رأس الجثة السائرة، لتسقط الجثة أرضا وقد ماتت أخيرا.

اتجهت نحو السيارة لتخرج بقايا ذلك الميت، جلست على المقعد خلف المقود، ضغطت دواسة الوقود بينما انطلقت بسرعة من المكان.

وصل منتصف الليل، وهي لا تزال تقود سيارتها بكل ثبات، لم تغف عيناها منذ الأمس، ولا حتى الآن. خرج شخص ما من جانب الطريق، يلوح للسيارة كي تتوقف، أوقفت السيارة منتظرة قدوم ذلك الشخص، إنه ذلك الفتى ذا الشعر الطويل وقبعة نائب الشريف.

     - شكرا لك... إيفا؟

     - كارل؟ أنت على قيد الحياة!

أردفت بينما عانقته، هو صديق طفولتها وقد كبرا معا، تربيا معا في ذات المجموعة، التي لم ينج منها أحد سواهما. عاودت القيادة بينما أغلق الباب خلفه.

     - كيف هربت منهم؟

     - بأعجوبة! لم أتخيل أنني قد أخرج من وسط هذا الحشد!

     - أنا آسفة.

     - علام تتأسفين؟

     - أنا سبب هجومهم منذ البداية، كان علي الاستماع إلى والداي.

     - أجل... لقد رحلوا الآن، والداي ووالداك، الجميع رحلوا.

     - يؤلمني الأمر كلما تذكرت أنني سبب موتهم، أنا حقا حمقاء.

     - جميعنا يرتكب الحماقات، لكن أنت تفوقت علينا بجدارة.

أردف مطلقا ضحكة عالية، لا مباليا بردها، ظلت صامتة وهادئة. ضغطت دواسة الفرامل بقوة، توقفت لتضع رأسها على المقود، لتبكي بحرقة شديدة، شعر ببروده فحنا عليها ليهدئ من روعها.

     - أنا فاشلة بكل شيء، أنا لا أستمع لأحد، أنا حمقاء كبيرة!

     - لا... ليس كثيرا. في الواقع، لم تكن غلطتك وحدك، كانت غلطتنا جميعا، أنا كان علي المناوبة على البوابة والآخرين كان عليهم التصدي للسائرين، جميعنا كنا مخطئون في هذا.

رد بنبرة هادئة، لتعدل عن بكائها وتستند إلى ظهر المقعد، ماسحة ما تبقى من دموعها. عادت لتقود بهدوء، زرقاوتيها تدوران كرادار باحث عن ملجأ جديد، بينما تجول عينه اليسرى باحثة عن أي شخص مفقود؛ لقد فقد عينه اليمنى منذ فترة ليست ببعيدة بسبب طلق ناري طائش.

وضعت قدمها على الفرامل بخفة حين وصلت إلى ملجأها المرتجى، منزل صغير في أعلى التلة، أزفرت معبرة عن قلقها وخوفها الشديدين. أمسك بيدها ليطمئنها، أردفت بابتسامة صغيرة بينما تفتح باب السيارة، خرجت مشعلة كشافها المعلق على حقيبة ظهرها، ممسكة بسكينها بترقب، بينما خرج حاملا مسدس والده، شابكا أيديهما متقدمين نحو الكوخ الصغير. ينصتان إلى تلك الأصوات، يحاولان تحديد مكانها، يتأهبان لأي حركة مفاجئة.

وصلا إلى قمة التل بأعجوبة، تحاول فتح الباب بينما يقف لحماية ظهرها، يراقب المكان بعين مترددة. فتح الباب فركضا إلى الداخل بسرعة البرق، أغلقا الباب ووقفا خلفه يلتقطان أنفاسيهما، أخذا بضع خطوات داخل المنزل لاستكشافه، إذ أنه من الممكن أن يكون خطيرا.

باشرا السير بظهرين متلاصقين وكشافين مضائين، يتنفسان بصعوبة بينما تلتفت أعينهما حول المكان، سمعا ذلك الصوت المقزز، بدآ في تعقبه على أمل الوصول إليه، لكنه تلاشى مجددا. بدأت دقات قلبيهما في التسارع حتى سمع لها صوت يدوي في الجدران، مع أنفاس مرتجفة مترقبة لنهايتها المحتمة، ممسكين بسلاحيهما ومستعدين لأية مفاجأة غير سارة.

هجمت عليهما إحدى تلك الجثث، أطلقت هي صرخة بينما سددت عدة طعنات في رأس الجثة، فسال دماؤها النتن على الأرض الخشبية القديمة الزلقة، انتفضا خوفا وتقززا للأمر، رغم مرور أعوام على تلك الكارثة التي ترعرعا فيها.

أكملا سيرهما بين الغرف، أثاث قديم رث، أجهزة كهربائية قديمة، علب طعام فارغة، بقايا ثياب وطعام، كأي منزل مروا عليه من قبل. كان القلق يسود قلبيهما كلما تعمقا في المنزل أكثر، شعور الخشية يتردد عليهما كطابة التنس، يتلقفهما كلما شعرا بالأمان قليلا.

عادا إلى غرفة المعيشة ليفترشا إحدى الارائك فيبدآ بالتنقيب عن الطعام داخل حقائبهما، لم يكن هناك الكثير من الطعام، لكنه سيسد جوعهما حتى الصباح. أشعل الفتى ذو العين الواحدة - النار في المدخنة؛ الجو بارد ويحتاجان للتدفئة، بدآ في تناول طعامهما الذي يتشاركانه، بعض قطع الدجاج التي صنعتها هذا الصباح، ورغيف من الخبز يقتسمانه.

بات الجو هادئا ومريحا، افترش كارل الأرض بينما تمددت إيفا على الأريكة، أنزل قبعة نائب الشريف عن رأسه ثم وضعها على وجهه متمددا على الأرض الخشبية، التي تغطت بسجادة رثة.

أصبحت الرياح تدق النوافذ كمن يحاول الهجوم على المكان، البرودة تعبر عبر الشقوق التي ملأت الجدران، لتنفتح النوافذ فجأة إثر الريح القوية، فتنطفئ النيران التي كانت تدفئ أجسادهما. نهضا من مكانيهما بفزع، هرعت إيفا لتوصد النافذة ليتبعها كارل في هذا، وقفا قليلا في مكانهما، ليتعرفا على مصدر الصوت؛ ذلك الصوت الذي يعرفانه جيدا.

تتبعا الصوت الذي بدأ يقترب من الاتجاه الآخر، ليتقابلا وجها لوجه مع جمع من السائرين، تلك الجثث الهائمة ذات الرائحة النتنة والأصوات المقززة، عادا مسرعين إلى غرفة المعيشة ليجمعا أغراضهما المتناثرة، يركضان بسرعة البرق إلى المخرج، الذي امتلأ الطريق إليه بتلك الجثث السائرة، ليعودا ادراجهما إلى تلك الغرفة، محاصرين من كل جهة، لا يجدون أي طريق أمل.

     - إيفا، النافذة

     - كيف لم أفكر بهذا؟!

قالت بينما تفتح قفل النافذة، فتحت النافذة وقفزت خارجها، أمسكت بيد كارل بينما يتبعها إلى الخارج، ركضا إلى أسفل التل، بسرعة كبيرة جعلتهما يتعثران على طول المنحدر، ارتطامات عدة إلى أن توقفت أجسادهما عن الدحرجة. نهضت إيفا لتجد هؤلاء السائرين يتبعونهما، ساعدت كارل على النهوض ثم هرعا إلى السيارة التي تركتها على طرف الطريق.

دخلا السيارة مغلقين الأبواب خلفهما، أدارت المحرك ثم قادت كطلقة خرجت من سلاح قناص، بالكاد تتدارك أنفاسها التي تخرج بسرعة من رئتيها. أخذت منعطفا بعيدا عن تلك المنطقة؛ تراوغ على قدر استطاعتها، محاولة التزويغ عن أنظار هؤلاء السائرين.

توقفت على جانب الطريق، بعد أن شعرت باسترخاء جسدها رغما عنها، يحاول اخبارها بأن قدرتها على الصمود قد نفذت. أنت تحتاجين إلى الراحة الآن؛ كان يردد عقلها كأنها منومة مغناطيسيا بتلك الجملة، أفلتت المقود بينما أعادت جسدها ليلتصق بظهر الكرسي، أمسكت رأسها فاركة عينيها لتحاول مقاومة النوم، لتبوء خططها بالفشل، وتغفوا عينيها وكأنما ألقيت عليها تعويذة ما.

-------------------------

( ٠١/٠١/٢٠٢٠ )

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top