الفصل الأول: زخاتٌ من مطرٍ ودموع.


-مدينة ماروليس، شهرُ آذار، اليومُ الثاني والعشرون، عام ٢٠١١.

بيديها الهزيلتين تدفعُ عجلات كرسيّها المتحرك متجهةً بهِ ناحية النافذة الضخمة، متأملةً ريبةَ الأجواء في الخارج، إنها أواخِرُ الشتاء وبدايةُ الربيع، لكن الحر شديدٌ للغاية، ورغم هذه الحرارة المنبعثة من الأرض ومن الرياح الساخنة التي تجوب الأرجاء؛ إلا أنها تمطر، تمطر بغزارةٍ مطرًا ساخنًا.

تأملت الليل الحزين المبلل بغيمهِ الداكن، وكذا أضواء الشارع التي تُغمِضُ تارّة وتعود مضيئةً تارّةً أُخرى، تأملت كل ما يقبع خارج النافذة، كل شيء، كُل شيءٍ إلا حالتها الراهنة، وكأنها تتهرب من النظر في نفسها، ولا تدري، أُكرهًا كان هذا أم إشفاقًا؟

لم تكن مُقعدةً لتجلس على كرسيٍّ كهذا، لكنها أيضًا لم تكن قويةً بما يكفي لتقف على قدميها بمفردها، فمؤخرًا؛ بات الوهن جُزءًا لا يتجزأ منها.

انغمست في تأمل المحيط القابعِ خلف النافذة، غارقةً في سكونٍ خيّمَ عليها وعلى الأرجاء، لم يُنغصه سوى صوت زخات المطر التي لا ترحم. وانغماسها هذا جعلها لا تسمع صدى الخطوات التي تقترب منها، إذ لم تسمع إلا النداء الحنون الذي أرادَ لفت انتباهها: آديت!

التفتت ناحيته، بوجهها الهادئ الرقيق، والذي لم تستطع إخفاء مسحة الحزن فيه؛ إذ كانت ظاهرةً جليّة، مُرحبةً به: لقد عدتَ مبكرًا اليوم باريل.

ابتسم لها، وعيناه العسليتان مركّزتان عليها، إذ كان يرأف بحالها كثيرًا، ربما أكثر مما يرأف بحاله، إلا أنهُ أجابها بصوتهِ الهادئ: الطقس سيءٌ جدًّا هذه الأيام، لذا صُرفنا مبكرًا اليوم من العمل، فهذا المطر إنذارٌ لأجواءٍ قد لا تحمد عُقباها لاحقًا.

أرخى ربطة عنقه مستكملًا حديثه: يكفي ما حدث لطلاب المدارس، فهم لا يريدون مزيدًا من الخسائر.

همهمت متفهمةً هذا، ولم تقوَ على الرد، لا صوت يخرجُ منها إلا صوتٌ مهزوزٌ فيه رعشةُ بكاء، لم تكن تريد أن تبدو مثيرةً للشفقة إلى هذا الحد، فالتزمت صمتها.

لكن الآخر لم يعجبه هذا الصمت، فهمَّ آخذًا أحد الكراسي من حول طاولة الطعام الموجودة في ذات الغرفةِ الواسعة والمظلمة، إذ لم يكن يضيئها سوى نورٍ خافت من أضواء الشارع المُقابل والذي يتسلل من النوافذ إليهم.

خلع معطف البذلة الرسميّة تخففًا، إذ أن الجو لا يُساعد على البقاء طويلًا فيما يخنقه، قرب كرسيه منها وجلس، ينظر حيث تنظر، وبصوتهِ المرهف الحنون همَّ يسألها أكثر سؤالٍ تخشاه: آديت، كيف حالكِ اليوم؟ هل تشعرين بتحسن؟

لم تجد آديت ما تقوله، بل لم تقدر على قول شيء، كانت تعلم أنها إن تحدثت؛ فستنهار حصونها الهزيلةُ فتبكي، وهي لم تُرِد هذا، إنها لا تريد مزيدًا من الدراما لتضيفها للجو الكئيب.

لذا لم تتفوه بشيء، مما جعل الآخر ينظر لها مباشرةً، بعينيه القلقتين، وربما الخائفتين: عزيزتي آديت، يجب أن تكوني بخير، أليس كذلك؟

رسم ابتسامةً هشّة متابعًا حديثه الذي فكر فيه طويلًا وهو في الطريق إليها: أعلم أن الأمور صعبة، وأن لا شيء يساعدك على التحسن هنا.

مدّ كفيهِ ممسكًا بكفيّها، شادًا عليها، ومتشبثًا بها، مستكملًا: كل شيء ينبش الذكرى ويُحيّيها، والأجواء المتقلبة في ديارنا والتي لا نعرف لها سببًا ولا تنبؤًا ما زالت في تدهورٍ هنا، مما يعني أنه لا هواء جيدٌ للتنفس في الخارج، قد نبقى حبيسين للمنزل لفترةٍ طويلة، لذا ما رأيك أن نسافر؟ لتغيير الأجواء يا آديت! ربما نجد المتعة والهدوء في البلاد المجاورة، من يدري؟

بعد سماعها هذا، وسماع نبرته الخافتة والمتحمسة، أشاحت بوجهها عنه، لمَ يستمر باريل بجعلها تشعر بالذنب هكذا؟ لمَ هو طيبٌ جدًّا وحنون؟ حتى أنه لم يَلُمها، لم يقل لها شيئًا، بل ويحاول جاهدًا من أجلها.

شعرت أنها معطوبةٌ في هذه الأثناء، ولم تعد ذات جدوى، وكأنها عبءٌ يُثقله، تعجب الآخر من صمتها والتفاتتها هذه، فإذ به يمسك وجهها ويلفه ناحيته: آديت؟

سكت، ولم يجد ما يقول، تألم لحالها، ورأى الدمع يسيل من عينيها، تكتم أنفاسها حتى لا يخرج شيءٌ من شهقاتها المكتومة، إلا أنها في تلك اللحظة انفجرت، وتداعى كل التماسك الذي ادعته في كل اللحظات السابقة، وجوده هذه الأيام يزلزل شيئًا فيها.

توتر من اللحظة، فوقف وضمها إلى صدره مربتًا على شعرها المنسدل الداكن، نابسًا لها برقة: لا بأس عليكِ، لا تحزني على ما فات ومضى عزيزتي آديت.

إلا أن كلماته لم تصنع فرقًا لها، بل زاد نحيبها وتعالى، وكلما نظرت له؛ زاد بُكاؤها، لم يعلم الواقف بقربها ما يفعل، زاده الأمر توترًا وقلقًا: ما بكِ؟ هل هناك ما يؤلمك؟

حاولت آديت أن تسيطر على شيءٍ من شعورها، لكنها لم تقدر، حاولت أن تتحدث وتتأسف لأنها حزينة للغاية، ودراميةٌ جدًّا، لكن لا يخرج من فمها سوى الشهقات، لم يكن صوتها إلا نشيجًا.

رغم هذا، أبعدته بيديها وجففت شيئًا مما يجري على خديها، وحاولت التحدث بصوتها المرتعش: باريل! لمَ تتصرف وكأن شيئًا لم يكن؟

داهمتها شهقة بينما تحاول التعبير عما يجوبُ خرابًا في خواطرها، إلا أنها أكملت: أعلم أنني خيبت أملك! لا تتظاهر وكأنك لم تكرهني بسبب هذا!

قاطعها الآخر على وجه السرعة: لم أكرهكِ ولو للحظةٍ واحدة!

كانت تعلم هذا، وتعلم صدقه، لكنها كانت تبحث عن عذر ما لكي تكرهه، لكي تتوقف عن حبه وإفقاده كل ما يتمنى، لكنه لا يدع لها فرصةً لهذا.

في كل لحظةٍ تنظر له، تشعر بكم هي مخيبةٌ للآمال، تشعر بالذنب، الشخص الوحيد الذي أحبته؛ لم تقدم له شيئًا سِوى التعاسة، كانت تريد فقط أن تضع حدًّا لهذا الألم والحزن الناخرّ، وسلسلة المحاولات الموديةِ للتهلكة.

-كفاكِ تفكيرًا فيما مضى، لقد تخطيت الحادثة تمامًا! نستطيع السفر والتنزه في الخارج لنقضي وقتًا ممتعًا.

أردف بعدما وضع يديه على كتفاها: تذكري، إلم نقضي على هذا الوقت يا آديت فهو من سيقضي علينا، وأنا لا يهمني شيءٌ غيرك الآن!

كانت تعلم جيدًا أنه لم يتخطى هذا على الإطلاق، وهي كذلك لم تفعل، إلا أنها بعد جُهدٍ جهيدٍ مع نفسها المتمردة أومأت له موافقة.

آديت، إنها تشتاقُ للأرواح الصغيرة التي قُتلت في أحشائها لعديدٍ من المرات، حتى ما بقيَّ لها أملٌ في المزيد من الأمل، لن تسمع كلمة «ماما» في أي وقتٍ قادم، فقد انتهى كل شيءٍ فيما ولى من أيامٍ ماضية.

__________

٩٠١ كلمة💛.

وهذه بدايتنا الجديدة على خيرٍ بإذن الله يا أصحاب💘.

تقييمكم للبداية؟ يهمني جدًّا😔.

سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top