Chapter 9
مش قادرة نصدق إني كملت الفصل هادا أخيرا..حسيت أنه استنزف طاقتي بالكامل!😵
13000 كلمة!!!
بصراحة رقم قياسي أو مرة نوصله في بارت واحد😂
بس عادي على خاطركم كل شي يهون❤ المهم نبي منكم تتفاعلو وتعلقو على الفصل..نبي نشوف تعليقاتكم حتى بين السطور👀
حتى لو مش على خاطري على خاطر آنا اللي راح تتبهدل في هذا الفصل فوق مما تتصوروا يلا عاد شجعوها مسكينة😂😂
نخليكم مع الفصل وان شاءالله يعجبكم❤❤
《الفصل التاسع: هيا بنا لنقف معاً آرون》
¤¤¤¤¤¤
نظرتُ إلى مِيا التي كانت نائمةً على فخذ والدها لأعلّق قائلةً بتهكم وأنا أسند ظهري على الجدار البارد خلفي "يااه، كم أحسدها حقاً على كونها قادرة على النوم في وضع كهذا!"
لن أبالغ أبداً إذا ما قلتِ أنني أكاد أفقد وعيي من التعب الآن. لم أكن أحظى بنوم كافٍ في الفترة الأخيرة من الأساس، وعدم قدرتي على النوم الآن قد زادت الأمور سوءاً فحسب. هذا دون الإشارة إلى أنني جائعة للغاية!
الشيء الوحيد الذي تناولته منذ أكثر من ثلاثين ساعة كان كوب الشاي، وكعكة الشوكولا التي أكلتها في مقهى لا ديوفان، بعد أن فوّت وجبة الفطور هذا الصباح كالغبية!
تنهد والدها بضيق قبل أن يجيب بملامح كئيبة على وجهه استفزتني كثيراً "لا يمكنكِ لومها. إنها محض طفلة فحسب، لكن كان عليها أن تواجه كل هذا دون أي ذنب"
نظرت نحوه بانزعاج لبعض الوقت وقلت بعد أن ضقت ذرعاً من تذمّره الذي لم يتوقف أبداً "للمرة العاشرة دونافان، سيكون كل شيء بخير، لذلك أبعد هذه التعابير المتجهّمة عن وجهك! لقد بدأت تزعجني أتعلم؟"
ضغط المستشار على أسنانه وقال بنفاذ صبر، بينما يحاول جعل صوته منخفضاً قدر الإمكان حتى لا يوقظ مِيا "كيف سيكون كل شيء بخير ونحن ما نزال عالقين هنا؟! بل كيف يمكنكِ أنتِ من بين جميع الناس أن تظلي هادئةً في وضع كهذا؟! ألا تعلمين أنكِ أكثر من سيتضرّر إذا ما انتهى بي الأمر بالوقوف إلى جانب ذلك الأمير الوغد؟!"
أغلقت عيناي قليلاً قبل أن أجيب بهدوء "لهذا السبب قلت لك أن تهدأ، فأنا حتماً لن أسمح بحدوث هذا. أعلم أنه من الصعب الوثوق بي خصوصاً وأنا مقيدة هنا، لكنني أعلم جيداً ما الذي عليّ فعله."
زفر المستشار بضيق دون أن يعلّق على كلامي، وقد بدا يائساً تماماً .
في الحقيقة لا يمكنني لومه أبداً لكونه بدأ يفقد صبره هكذا، فقد تركت الأمر غامضاً ولم أوضّح له أي شيء. إنه لا يعرفني بعد، لذلك ليس مستغرباً كونه غير قادر على الوثوق بي كما هو الآن.
نظرت نحو النافذة الصغيرة في أعلى ذلك السقف المرتفع. كان ضوء القمر قد تسلل من خلالها إلى تلك الغرفة المظلمة بالكامل بعدما ذابت تلكما الشمعتين تماماً، لينشر ضوءاً خفيفاً في أرجاء المكان. وبالنظر إلى موقع القمر الآن، أظن أنه ما تزال تفصلنا عن الفجر أربعون دقيقة تقريباً.
أخذت نفساً عميقاً قبل أن أقول بهدوء "الأشخاص الذين قاموا باختطافنا هم رجال التاجر المعروف جيرالد رومان، والذي يعد من أبرز أتباع الأمير الثاني. إن رومان لديه تأثير كبير جداً في التجارة بالحدود الجنوبية لأريكاريوس، وأعتقد أنه قد قام برشوة حراس الحدود بالفعل حتى يسهّلوا إجراءات مرور العربة."
عندها ضغط المستشار على أسنانه وتمتم قائلاً بغيظ "تباً لأولئك الأوغاد! طالما أننا نتعامل مع ذلك الثعلب، فسوف يتجاهل الحراس أمرنا حتى لو رأونا داخل العربة!"
عندها ابتسمت بمكر وقلت بنبرة واثقة "لهذا السبب سنحضر إلى الحدود من سيجبرهم على تفتيش العربة وإخراجنا، وسنجعلهم يقبضون عليهم أيضاً."
بدا مستغرباً جداً لما سألني بعدم استيعاب "وكيف ستفعلين شيئاً كهذا؟"
سكتُ قليلاً قبل أن أسأله فجأة "هل سمعت من قبل بشخص يدعى غرايسون سيجفريد؟"
اتساع عينيه، وتعابيره المصدومة تلك جعلتني أدرك على الفور أنه يعرفه حتماً..
لأكون صادقة، أشعر بشيء من الذنب كوني مضطرةً لاستعمال اسم ذلك العجوز الأحمق، رغم إنني أعلم أنه لن يمانع حقاً.
أظن أن حدوث بعض الفوضى في البوابة الجنوبية بسببه سيدغدغ قلبه قليلاً، بما أنه لم يعد يفعل أي شيء الآن غير جلوسه على تلك الأريكة الجلدية المهترئة بينما يُغرق غرفته بدخان السجائر، وهو يراقب الفتيات في الشارع عبر نافذة الغرفة بانحراف كالعادة.
أوه وبالمناسبة...ربما علي التفكير جدياً في رؤيته..هذا طبعاً إذا ما لم يمت بعد بسبب كمية الكحول والسجائر التي يستهلكها جسده كل يوم!
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
صوت خطوات الأقدام التي أخذت تقترب شيئاً فشيئاً جعلتني أدرك أنهم على وشك دخول الغرفة أخيراً. لا أنكر أنني بدأت أشعر بشيء من التوتر الآن، لكن علي أن أظل هادئةً قدر الإمكان من أجل مِيا والمستشار دونافان أيضاً.
كنت قد شرحت له هو ومِيا التي أيقظتها فيما بعد تفاصيل الخطة، ومع ذلك أستطيع الشعور بمدى قلقه واضطرابه، والسبب بلا شك هو خوفه الشديد على ابنته. ربما لهذا السبب هو في فوضى الآن، ولا أظنه قادراً على التفكير بشكل صحيح أبداً.
حتى بالنسبة لي أنا الغريبة عليها، كنت قلقةً جداً من أن تتأثر ولو نفسياً بما حدث..لو لم تكن هي موجودةً في المعادلة لكان هروبنا أسهل بكثير. لكن علي أن أضمن أنها لن تتأذى أبداً، وهو الجزء الأصعب من الخطة بالكامل.
كانت ملتصقةً بي، ويمكنني أن أدرك مقدار الرعب الذي تعيشه الآن من ارتجافة جسدها الصغير، وعينيها اللتين أغلقتهما بقوة ما إن سمعت صوت فتح الباب..
رفعت بصري لانظر نحو أولئك الرجال الثلاثة الذين دخلوا إلى الغرفة، وقد كان قائدهم الذي اختطفنا في البداية معهم الآن..
كان واقفاً في منتصفهم بثقة، ليقترب منا بخطوات مدروسة ويقول بينما ينظر إلى المستشار دونافان باستصغار "انهض، سنذهب الآن"
نظر نحوي المستشار لوهلة، ثم نظر إليه وقال بثبات، وفي عينيه نظرة قوية وحازمة "لن أتحرّك من مكاني ما لم تكن ابنتي برفقتي. لا يمكنني السماح لها بالبقاء وحيدةً مع أوغاد مثلكم في مكان كهذا!"
ضغط أحد الرجال على أسنانه وقد اقترب منا بينما يحدق بالمستشار في غضب، عندها أوقفه قائده بأن وضع يده أمامه ليقول بينما ينظر إلى المستشار بابتسامة خبيثة على شفتيه "هل كنت تظن أنني سأعترض على طلبك هذا، وبذلك سيكون بوسعك كسب الوقت عندما تظل مصراً على ما تريده؟ لا تقلق، فلن أجادلك على طلباتك الغبية أبداً، لأن ذلك لن يشكل أي فرق"
ثم نظر إلى رجاله وقال آمراً بينما يهمّ بمغادرة المكان "خذا الطفلة والمربية أيضاً."
حسناً، هناك كلمة واحدة تدور في رأسي الآن، وهي تصف تماماً ما أفكر به اتجاهه..
غبي..
لما اقتادنا أولئك الرجال إلى الخارج، شعرت برعشة سرت في جميع أنحاء جسدي ما إن اصطدم بي هواء الفجر البارد، وربما قد سال أنفي قليلاً أيضاً.
هؤلاء الأوغاد لم يكلّفوا أنفسهم عناء إعطاءنا بعض الأغطية حتى! لا أهتم بنفسي كثيراً فأنا معتادة على هذا البرد، لكن أرجو حقاً ألا تمرض مِيا بسبب هذا..
نظرت إلى الأسفل، لتستقر عيناي على ذلك الحجر المتوسط الحجم، والذي كان مرمياً على الأرضية الترابية أمام ذلك المستودع..
جيد، أظن أنه مناسب تماماً!
تظاهرت بالتعثر فجأة، لأسقط أرضاً على ركبتاي وقد اتسخ فستاني بالوحل، والذي كان في حالة يرثى لها من الأساس بعد أن جلست طوال الليل على تلك الأرضية الباردة والمتسخة..
في تلك اللحظة صاح بي أحد أولئك الرجال قائلاً بغضب عارم "انهضي أيتها اللعينة!"
انتفضت في مكاني بفزغ وقلت وأنا أرتجف ذعراً "أ..أجل سيدي! أنا آسفة!"
وقد بقيت قليلاً وأنا أتظاهر بتعديل ملابسي قبل أن أنهض بسرعة..
التظاهر بأنني محض عبدة غبية وجبانة جعل التحرك بسرية أمراً سهلاً جداً بالنسبة لي، فهم لن يتوقعوا مني القيام بأي شيء أبداً. فحتى الآن، لم يلاحظ أي من هؤلاء الأغبياء ما فعلته للتو..
سرنا قليلاً قبل أن نتوقف أمام العربة. ليفتح أحدهم الباب، ثم يدفعنا الآخر إلى الداخل ويجلسنا على تلك الكراسي المغطاة بالكشمير الأحمر..
إنها عربة ركاب فاخرة كما توقعت تماماً. أعلم جيداً ما يفكرون به، فهم في أسوء الأحوال سيتظاهرون فقط بأنهم يقومون بمرافقة المستشار ليحضر مراسم الحصاد برفقة عائلته إذا ما اكتشف أي شخص وجوده في الداخل. رغم أنني أعلم أنهم متفقون مع حراس الحدود منذ البداية، لذلك فاحتمال كشف أمرهم هو شبه معدوم بالنسبة لهم.
ظلت العربة تسير لعدة دقائق، وقد كان ذلك الصمت المتوتر هو سيد الموقف.
أحدهم كان قد ركب حصاناً منفردا بينما يقوده بمحاذاة العربة، وقد جلس القائد برفقة السائق في الكرسي الأمامي، في حين بقي واحد منهم برفقتنا والذي بدا أكثرهم توتراً واضطراباً..
توقفت العربة فجأة، وقد سمعت صوت السائق لما تساءل قائلاً بينما ينظر نحو البوابة التي كانت تبعد عنا مسافة كيلو متر واحد تقريباً "ما الخطب؟ لماذا هناك تجمّع كبير أمام البوابة؟"
أبعد الرجل الجالس معنا إحدى الستائر التي كانت تغطي جميع نوافذ العربة، وقد استطعت حينها أن أرى من بعيد ذلك العدد الكبير من أفراد الشرطة الداخلية الذين تجمّعوا هناك، وهم يحومون حول المكان بانفعال واضح..
وما إن رآهم حتى بدا ذلك الرجل شاحباً جداً، وقد اختفت الألوان من وجهه تقريباً، في حين ظل يتململ في مقعده بتوتر وهو ينتظر أوامر قائده..
أخيراً تكلّم القائد لما خاطب الرجل الجالس على حصانه وأمره قائلاً بحدة " زيرام، اذهب وتفقد ما الذي يحدث!"
لم يمض الكثير من الوقت حتى عاد ذلك الرجل زيرام مجدداً ليقول بنبرة مضطربة "إننا في ورطة سيدي! هناك عدد كبير جداً من أفراد الشرطة الداخلية، وهم يقومون بتفتيش جميع العربات والمسافرين الذين يمرون من وإلى العاصمة!"
ما إن قال هذا حتى هتف القائد بغضب عارم "لماذا لم يخبرني أولئك الخنازير في الحدود أي شيء عن هذا؟! هل يظنون أن السيد رومان يقوم بملئ بطونهم كل يوم من أجل المتعة فحسب؟ لماذا هم بلا فائدة هكذا؟!!"
فأجاب الرجل وهو يشدّ لجام حصانه بوجل" يبدو أنهم قد أتوا فجأة، وقد منعوا الحراس من التحرك من مواقعهم. الظاهر أنهم يبحثون عن شخص مهم جداً. ومن خلال تحركاتهم، فهو على الأرجح مجرم من الرتبة (S) سيدي"
سكت قائدهم قليلاً بينما يفكر في حل ما على ما يبدو..
الوقت يداهمهم، لذلك هم بحاجة ماسة للعبور الآن، وإلا سيكون اختطاف المستشار بلا معنى من الأساس. ولكن في الوقت ذاته، إذا ما صادفنا واحداً من الشرطة الداخلية الآن فسيكون بوسع المستشار بكل بساطة أن يقوم بتبلغيهم عن أنه مختطف من قبلهم، ولاشك أنهم سيتعرّفون عليه فوراً بما أنه مشهور جداً داخل أريكاريوس.
أمامهم الآن ثلاثة خيارات فقط إذا ما أرادوا الفرار من هذا الوضع، ولقد أعددت نفسي جيداً لكل واحد منها..
لن أسمح لهم بهزيمتي، وسأتأكد من أنهم سيدفعون ثمن ما فعلوه غالياً!
فُتح باب العربة ليدخل القائد وعلى وجهه نظرة متجهّمة، ويبدو أن التفكير حتى في أن خطته قد تفشل فشلاً ذريعاً قد أغضبه كثيراً.
كان على وشك قول شيء ما، لكن ما إن استقرت عيناه على مِيا حتى ابتسم فجأة بخبث، ليقول مخاطباً المستشار بحقارة "هل ظننت أن الحظ يقف إلى جانبك الآن؟ لا تقلق، فلن تكون قادراً على الفرار من هذا أبداً"
ثم شدّ ذراع مِيا ليجذبها نحوه ويقول بتهديد وهو يحملها بيد، بينما يضع سكيناً أسفل عنقها بيده الأخرى "حاول القيام بأي تصرف أحمق، ولن ترى ابنتك بعدها أبداً!"
كانت مِيا ترتجف بذعر بين يديه، لكنها أغلقت عينيها بقوة وهي تحاول كبت خوفها بصعوبة..
أحسنتِ ميا..بقي القليل فقط يا عزيزتي!
أخذها ليفك وثاقها، ثم أجلسها على الحصان أمام ذلك الرجل زيرام الذي قال له بنبرة آمرة "خذ الطفلة معك. فلتعبر الحدود أولاً، وتظاهر بأنها ابنتك."
تردّد زيرام قليلاً قبل أن يسأله بوجل "لكن سيدي، ماذا لو قامت الطفلة بفضحنا؟"
فردّ القائد قائلاً بعصبية "ذلك مستحيل، فهي لا يمكنها التحدث"
ثم وضع سكينه أسفل عنقها ليقول بتهديد "أنتِ تحبين والدك كثيراً أليس كذلك يا صغيرة؟ إذا ما أردتِ رؤيته مجدداً، فلتكوني طفلةً مطيعةً والزمي مكانك دون أي حركة، أهذا واضح؟"
أومأت مِيا رأسها وهي ترتجف في خوف شديد، في حين ظلّت تتجنب النظر إلى عينيه الباردتين طوال الوقت..
عندها ابتعد عنها وقال برضا عن نفسه الآن "جيد..ابقي هكذا وسينتهي كل شيء قريباً."
ثم عاد ليقف أمام باب العربة، وقال محذراً وهو يخاطب المستشار دونافان "إذا ما سألتك الشرطة الداخلية عن أي شيء، فقل لهم أنك ستتوجه إلى نارتيليا من أجل حضور مراسم احتفالية الحصاد. أهذا واضح؟"
ضغط المستشار على أسنانه قبل أن يحذّره قائلاً بسخط "سأقتلك إذا ما لمست شعرةً واحدةً من مِيا!"
أجاب القائد ببرود بينما ينظر نحوه بحدة مخيفة "الأمر يعتمد عليك دونافان..لا تحاول فعل أي شيء قد تندم عليه لاحقاً."
لم يردّ المستشار عليه، وقد أشاح بصره عنه وهو يحاول بصعوبة إخفاء تلك الابتسامة المنتصرة التي كادت تشق شفتيه في تلك اللحظة..
لا ألومك دونافان، فأنا أيضاً أرغب في الضحك في وجوههم الآن!
بدأت العربة بالتحرّك مجدداً، وقد سبقنا زيرام برفقة مِيا متظاهراً أنه لا علاقة له بنا على الإطلاق.. وما إن وصلنا إلى ذلك الصف القصير من العربات، تباطأت حركة العربة مجدداً حتى توقفت تماماً بانتظار مرور العربة في بداية الصف..
بما أن الوقت ما يزال مبكراً جداً، فلم تكن هناك حركة مرورية كبيرة كما هي العادة في البوابات الحدودية. وأظن أنهم لهذا السبب أرادوا التحرك في الفجر.. خصوصاً أنه سيحدث قريباً ازدحام شديد جداً في البوابة الجنوبية بسبب بداية موسم الحصاد في نارتيليا، حيث سيأتي التجار وبائعوا الخضار والفواكه من أجل الحصول على بضاعة نارتيليا التي تعتبر أنها الأعلى جودةً في الامبراطورية كلها..وذلك بالطبع بعد انتهاء الاحتفال الرسمي الذي سيحضره النبلاء فقط..
نظرت نحو ذلك الرجل الجالس إلى جانبي، وقد بدا أن توتره قد خف قليلاً.
لقد حان الوقت الآن!
أخذت نفساً عميقاً قبل أن أخفض رأسي وأقول بنبرة قلقة ومضطربة "هل ستكون الآنسة الصغيرة بخير؟ إنني قلقة عليها كثيراً.."
ثم اقتربت من ذلك الرجل، لأشد ملابسه وأقول بينما انظر نحوه برجاء، في حين تعمّدت الالتصاق به بلا داعي "أرجوك سيدي أن تخبره ألا يؤذي الآنسة الصغيرة، إنها رقيقة جداً، وسوف تتأثر كثيراً بسبب هذا"
دفعني عنه قليلاً وقال وهو ينظر نحوي بشيء من الغضب "ابقي في مكانكِ وأغلقي فمكِ أيتها العبدة الوضيعة!"
ما إن قال هذا حتى ضممت يداي إلى صدري، وقلت برقة بينما أنظر نحوه بعينان تلمعان من الدموع، في حين أخذت أقرب وجهي منه ببطء"أرجوك، أعلم جيداً أنك رجل شهم جداً، ولن تدع أحدأ يقوم بإيذاء شخص ضعيف جداً مثلها."
أستطيع ملاحظة ارتباكه ما إن نظرت نحوه هكذا. ليس الأمر أنني أحب ذلك على الإطلاق، لكنني أعلم منذ وقت طويل أنني امتلك تأثيراً كبيراً جداً على الرجال..
هم يعتبرونني جميلةً ومثيرةً جداً بحسب ما سمعت منهم أكثر من مرة. وبالرغم من أنني لا أهتم بذلك كثيراً، فلا يمكنني إنكار تلك الحقيقة المقيتة التي لطالما جعلتني أعاني كثيراً في طفولتي..
لقد لاحظت منذ البداية أنه كان يسترق النظر نحوي أكثر من مرة منذ أن قاموا باختطافي. ومثله مثل أي رجل آخر قابلته في حياتي، أعرف جيداً ما الذي يفكر به، وأعرف جيداً كيف يمكنني التعامل معه أيضاً..
اقتربت منه أكثر، ثم وضعت يداي المقيدتان على صدره لأهمس قرب أذنه ببطء وقد كانت أنفاسي الساخنة تلفح عنقه مع كل كلمة أقولها "أتعلم؟ لقد كنت أراقبك طوال الوقت، وأعلم تماماً أنك لست مثل أولئك الهمجيين الذين معك...أنت أفضل منهم بكثير."
الآن أستطيع الشعور به وهو يلف يديه حول خصري متحسّساً جسدي بشهوة، قبل أن يجيبني وهو يتنفس باضطراب واضح "ما الذي تحاولين فعله بي يا امرأة؟"
اقتربت من وجهه أكثر، قبل أن أهمس أمام شفتيه بنفس تلك النبرة البطيئة والمغرية "أنت تعلم جيداً ما الذي أفعله الآن..."
ثم سكتُ قليلاً وقد تغيّرت تعابير وجهي فجأة، لأردف بينما انظر نحوه باشمئزاز "فلتذهب إلى الجحيم أيها الخنزير!"
وقبل أن يكون قادراً على استيعاب أي شيء ، كان المستشار واقفاً خلفه بالفعل وقد رفع ذلك الحجر ليضرب به رأسه بقوة، وفي الوقت ذاته ضغطت يدي على فمه بقوة حتى أكتم أنينه المتألم، في حين أخرجت السكين الذي كنت قد خبأته تحت كم فستاني لأضعه قرب عنقه وأقول على الفور بتهديد "سأقتلك إذا ما أصدرت أي صوت"
كان ما يزال مشوشاً بفعل تلك الضربة التي كادت أن تفقده وعيه تقريباً، لذلك أومأت للمستشار بإشارة فهمها على الفور. فقام باستعمال الحبل الذي كان مربوطاً حول معصميه، وقد ربط به يديه خلفه ظهره، في حين أزال ربطة عنقه ولفها حول فمه حتى يمنعه من إصدار أي صوت..
حاول المقاومة قليلاً رغم أنه ما يزال لم يستعد توازنه بعد، في حين كان ينظر نحوي بغضب شديد في عينيه وهو يحاول التكلم دون أن يكون قادراً على إصدار أي صوت باستثناء ذلك الأنين المكتوم..
ابتسمت بخبث قبل أن اقترب منه وأضع ذلك السكين أسفل ذقنه، ثم رفعت به رأسه حتى صار وجهه مقابلاً لوجهي وقلت بمكر "انظر إلى نفسك كيف صرت بهذا الوضع المثير للشفقة...أنت لم تتوقع ذلك من تلك العبدة الوضيعة والجبانة صحيح؟ لكن حسناً، دعني أخبرك شيئاً ما يا عزيزي...لسوء حظكم، فقد حكمتم على أنفسكم بالخسارة في اللحظة التي قمتم فيها بأخذي برفقة مِيا."
ثم ابتعدت عنه واستقمت واقفةً وأنا انظر نحوه بخبث بينما أضع ذلك السكين أمام شفتاي..
نظر نحو السكين بصدمة، وقد بدا غير مستوعب بعد لما يحدث الآن..
فنظرت إلى السكين وقد أدركت ما يفكر به الآن، لذلك ابتسمت وقلت بنبرة مستفزة "أوه! لابد أنك تتساءل كيف وصل هذ السكين إليّ بالرغم من أنكم قد قمتم بتفتيشنا صحيح؟ دعني أجيبك إذن.."
ثم ابتسمت بمكر وأردفت قائلةً "لقد قمتُ بسرقته من رفيقك قبل قليل..لقد كان الأمر سهلاً جداً أتعلم؟ كل ما كان علي فعله هو أن أتظاهر أنني أتوسّله من أجل إبقاء مِيا برفقتي..أنتم أغبياء حقاً يا رفاق! لا أصدق أن تمثيلي قد انطلى عليكم بتلك السهولة.."
في الواقع من الصعب أن ألومهم لكونهم لم يلاحظوا ذلك، فقد كانت مهاراتي في السرقة والتمثيل مختلفةً جداً عن أي شخص عادي، فهي واحدة من المهارات الكثيرة التي توجّب عليّ تعلّمها من أجل أن أعيش..
ليس الأمر أنني افتخر بهذا، لكنني كنت من أمهر النشالين في أريكاريوس في الماضي.
في ذلك الوقت، كنت محض طفلة صغيرة عندما قام ذلك الشخص بتعليمي كيف أسرق، وكيف أدافع عن نفسي أمام أي خصم كان..
لا يمكنني أن أنسى ذلك أبداً. تلك العيون الصفراء كعيون القطط البرية، تلك النظرات الخاوية والخالية تماماً من الحياة، ملمس ذلك السكين الحاد قرب عنقي، والذي تفوح منه رائحة الدم، وتلك الكلمات التي كانت بدايةً لمرحلة مختلفة جداً من حياتي..
"ذلك مثير للشفقة، أتسمين نفسكِ لصةً حقاً؟ على هذه الحال سينتهي الأمر بكِ ميتةً فحسب!"
حرّكت رأسي وأنا احاول طرد تلك الذكريات من عقلي..ليس هذا وقت التفكير به آنا!
أستطيع الشعور بالمستشار وهو ينظر نحوي بصدمة وانبهار في الآن ذاته..
تمتم قائلاً وهو غير مصدّق لما يحدث "لا أصدق أن كل شيء قد سار كما خططتِ له تماماً!"
عندها نظرت نحوه وقلت بجدية "لم يحن وقت الاسترخاء بعد دونافان. لقد تخلصنا من واحد، ولكن ما يزال أمامنا الكثير لفعله"
بدا المستشار جاداً جداً لما قال بحزم وهو ينظر إلى عيناي مباشرة "دعيني أفعل هذا آنسة هاميلوت، لا يمكنني ترككِ تتعرّضين للخطر أبداً"
فابتسمت لكلامه وأنا أشعر بشيء من السعادة لما رأيت تعابيره المهتمة تلك، لكنني وضعت يدي على كتفه وقلت بهدوء "لا يمكنك فعل ذلك دونافان، إنني واثقة من أنني أفضل منك بكثير حينما يتعلق الأمر بهذا. لقد أخبرتك بالفعل أنني لست ابنة الدوق المدللة التي لا تعرف شيئاً عن هذا العالم، فقد واجهت ما هو أسوء من هذا حتى. عليك أن تركز فقط على الابتعاد من هنا وحماية مِيا حينما يحين الوقت."
سكت قليلاً دون أن يبعد عينيه عني، لكنه أغلقهما قليلاً قبل أن يقول بابتسامة فاترة "حتى لو لم يسر الأمر بشكل جيد، أريدكِ أن تعلمي أنني مدين لكِ بحياتي."
ضغطت على كتفه وقلت بنبرة مشجعة "لا تكن متشائماً هكذا دونافان. أعدك أنني سأعيد لك ابنتك، ولن أسمح لأولئك الأوغاد باستغلالك أبداً."
فاكتفى المستشار بإيماءة بسيطة دون أن يعلّق على كلامي. بدا قلقاً جداً، وهو ما لا يمكنني لومه عليه أبداً...
اقتربت من النافذة بحذر، ثم أبعدت جزءاً من الستائر ونظرت من خلالها باتجاه البوابة التي لم تكن ظاهرةً لي بشكل جيد. لكن كان بوسعي أن أعرف أن ذلك الرجل زيرام سيكون هو التالي في التفتيش بعد أن تغادر تلك العربة التي كانت في مقدمة الصف، ثم سيحين دور هذه العربة بعد ذلك..
بقي القليل فقط، ثم سيكون كل شيء بيد مِيا..
ما إن غادرت العربة وتقدم ذلك الرجل بحصانه، حتى أوقفه حراس الحدود برفقة أحد أفراد الشرطة الداخلية. أستطيع ملاحظة مدى توترهم من خلال نبرة صوتهم وهم يتحدثون معه. يااه، إن تمثيل أولئك الحراس الأوغاد هو الأسوء حقاً!
ويبدو كما لو أن عضو الشرطة الداخلية قد استشعر وجود خطب ما، فقد سأل زيرام قائلاً وهو ينظر بينه وبين مِيا التي بدا واضحاً أنها خائفة للغاية "لماذا تغادر أريكاريوس برفقة طفلة صغيرة في هذا الوقت من الصباح؟"
ضغطت على الستائر في يدي وقد بدأت أشعر بالتوتر حقاً.. الآن مِيا، أرجوكِ أن تفعلي هذا..إنه سبيلكِ الوحيد لتكوني قادرةً على التحدث مجدداً!
أجاب زيرام بشيء من الارتباك " إ..إننا ذاهبان إلى نارتيليا من أجل الحصول على بعض المحاصيل من هناك. كما ترى، إنني محض بائع خضروات فقير، وليس لدي سوى هذا العمل حتى أعين أسرتي..إن زوجتي مريضة، لذلك كان علي أخذ ابنتي معي من أجل العناية بها."
"أ...أ...أ.."
ارتجف صوت مِيا المتحشرج وهي تحاول إخراج الكلمات من جوفها بصعوبة..
كانت ترتجف في مكانها بذعر، لكنها رغم ذلك أخذت تفتح فمها وتغلقه وهي تحاول قول شيء ما دون جدوى..
زيرام بدا مرتعباً جداً، لكنه رغم ذلك ضغط على كتفيها بقوة لم يلاحظها الشرطي وقال بابتسامة متوترة "ما الأمر عزيزتي؟ هل أنتِ جائعة؟ هل هناك شيء ما؟"
فأغلقت مِيا عينيها بقوة وحرّكت رأسها نافية..
كان الشرطي ينظر نحوها بشيء من الاستغراب، وقد شعرت بمدى توتر الأجواء في ذلك الصمت المربك الذي حلّ فجأة، حيث كان الجميع يترقبون بحذر ما سيحدث..
هيا مِيا...يمكنكِ فعلها! عليكِ فعل هذا من أجل والدك، ومن أجلكِ أيضاً!
ضغطت مِيا على أسنانها، قبل أن تغلق عينيها بقوة وتشد ملابسها محاولةً تجميع كل ما لديها من شجاعة..
وفجأة، صرخت قائلةً بصوت منخفض ومتحشرج، لم يكن يناسب طفلةً رقيقةً مثلها على الإطلاق "أنقذني! هذا الرجل قام باختطافي!!"
اتسعت عينا الشرطي بصدمة، في حين بدا زيرام مرعوباً تماماً.. لكنه شدّ لجام حصانه لاعناً تحت أنفاسه بسخط "اللعنة!"
وقبل أن يكون قادراً على الهرب، استل الشرطي سيفه على الفور ليضعه أمام عنقه ويقول آمراً بحدة "توقف مكانك! لقد شككت في أمرك منذ البداية، ويبدو أن شكوكي كانت في محلها. ارفع يديك خلف رأسك وانزل من فرسك بهدوء.."
ضغط زيرام على أسنانه بقوة، لكنه لم يكن أمامه خيار آخر غير الامتثال لأوامره رغماً عنه..
فنظر الشرطي إلى الحراس وقال آمراً بعصبية "ما الذي تنتظرونه؟! خذوا الطفلة حالاً!"
انتفض الحارسان بوجل وقد قام أحدهما بإنزال مِيا من على الحصان على الفور..كانت ما تزال ترتجف في مكانها، وقد تجمّعت الدموع في عينيها وهي على حافة البكاء.. لكنها رغم ذلك بدت سعيدة جداً..
أخيراً تكلّمت..أخيراً تحرّرت من تلك القيود التي كانت تمنعها من أن تطلق العنان لصوتها!
حتى لو بدا صوتها فظيعاً جداً الآن، فأنا أعلم جيداً أنها ستتحسن كثيراً بمرور الوقت.. لقد كسرت الحاجز الأول والأكثر صعوبة، والبقية ستأتي لاحقاً حتماً!
في تلك اللحظة صاح القائد آمراً سائق العربة بانفعال "ما الذي تنتظره أيها الأحمق؟! تحرّك بأقصى سرعتك!"
عندها ضرب السائق مؤخرة الخيول بسوطه بقوة لتنطلق راكضةً بسرعة باتجاه البوابة التي كانت بعيدةً قليلاً عن العربة، وقد ابتعد عنها الحراس الواقفون أمامها على الفور خوفاً من أن تدهسهم تلك الخيول..
"أوقفوا تلك العربة حالاً!"
استطعت سماع صوت أحد رجال الشرطة الداخلية وهو يصرخ بذلك بانفعال، لكنني أعلم جيداً أنهم لن يكونوا قادرين على اللحاق بها ما لم يمتطوا خيولهم الآن.. وإندفاع العربة المفاجئ كان قد شتّت صفوفهم فحسب..
رفعت طرف ثوبي من الأسفل لأمزق جزءاً منه بذلك السكين، ثم أكمل الباقي بيدي حتى صار الفستان يصل إلى أسفل ركبتاي بقليل..
جيد، الآن صار بوسعي التحرك بحرية!
ركلت باب العربة بقدمي لأتمسك بحافة قفص الباب من الأعلى، ثم تسلّقت وجلست على ركبتاي فوق تلك العربة التي كانت تسير بأقصى سرعة..
عندها تمايلت في مكاني بعد أن فقدت توازني للحظة بسبب سرعة العربة، وتلك الرياح القوية التي دفعتني للخلف..لكنني رغم ذلك تشبثت بسطح العربة بقوة بينما أطبق على ذلك السكين بين أسناني...
كانت الرياح القوية تلفح وجهي، وقد انفكّت ربطة شعري لتتطاير خصلاته الذهبية الطويلة خلفي دون أن آبه أبداً لما أبدو عليه الآن..
أخذت أحبو ببطء وحذر باتجاه مقدمة العربة إلى أن وصلت إلى حافتها، حيث جلس الرجلان اللذان بدا أنهما لم يلاحظا وجودي أعلاهما.
ثبت نفسي بالعربة بيد، بينما شددت السكين بيدي الأخرى لأقفز إلى الأسفل حتى جلست في منتصفهما.. عندها دفعت السائق حتى سقط وأخذ يتدحرج على الأرض بعيداً عن العربة، ثم شددت اللجام بقوة قبل أن أقطع بسكيني ذلك اللوح الذي ثبت الخيول بالعربة..
أخذت العربة تتمايل في مكانها بعد أن فقدت توازنها. عندها انطلق أحد الخيول مبتعداً عن العربة، ليكسر بقية الألواح بعد أن انقطعت الخيوط التي ربطته هو والحصان الآخر بالعربة، شاقاً بذلك صفوف أولئك الحراس الكثر الذين اصطفوا أمام البوابة بخيولهم حتى يمنعوا العربة من التقدم أكثر.
وقبل أن تنهار العربة تماماً ونسقط جميعاً، رأيت القائد يقفز باتجاه الحصان الآخر، ثم شدّ لجامه بقوة حتى يوقفه ويمنعه من الركض باتجاه البوابة هو الآخر..
أخذ الحصان ينتفض في مكانه بعض الوقت حتى ظننت أن الرجل سيسقط من فوقه، لكنه كان قد تمسّك به بقوة إلى أن توقف تماماً..
لقد حدث كل شيء بسرعة دون أن استوعب ذلك حتى..
كنت قد قفزت من العربة إلى الجانب لأحمي نفسي من السقوط بعد أن أخذت عجلاتها تتدحرج لبعض الوقت حتى بعد أن انفصال الخيول عنها، وقد انقلبت في النهاية رأساً على عقب على بعد أمتار قليلة جداً من البوابة..
أصبت بالعديد من الخدوش في جسدي خصوصاً في كفيّ وركبتّي، لكنني رفعت بصري باتجاه المستشار دونافان الذي كان قد قفز من العربة من البداية، وقد بدا أنه بخير لحسن الحظ..
في تلك اللحظة استقرت عيناي على مِيا التي كانت قد ابتعدت عن الجنود، لتنطلق راكضةً باتجاه والدها..
"أبي!! أبي!!"
صراخها المبحوح ظل يتردد في أذني دون أن استوعب الأمر للحظة، لكن عيناي اتسعتا ما إن رأيت ذلك الرجل الراكض باتجاهها فوق حصانه وقد انخفض بجذعه باتجاهها مستعداً لالتقاطها بتلك النظرة الغاضبة على وجهه..
"مِيا، ابتعدي!!"
لكن وقبل أن تفهم مِيا سببب صراخي ذاك، كان الرجل قد التقطها بالفعل ليركض بها بأقصى سرعة باتجاه المدينة في الداخل، متجاوزاً الحراس والشرطة الذين حاولوا إيقافه دون جدوى..
نظرت إلى الحراس الذين كانوا مصطفين بخيولهم أمام البوابة بينما ينظرون إلى ما حدث بعدم استيعاب، لأصرخ قائلةً بانفعال "ما الذي تنتظرونه؟! إلحقوا به بسرعة!"
ارتبك الحراس لوهلة لما قلت هذا، لكنهم رغم ذلك انطلقوا راكضين بسرعة..
اللعنة اللعنة اللعنة!!!
ذلك سيء...سيء جداً!
تلك النظرة التي رأيتها في عينيه دقّت كل نواقيس الخطر في داخلي. إنه غاضب للغاية، وأخشى أن يصب كامل غضبه على مِيا ما لم نستعدها منه في الوقت المناسب!
قمت من مكاني بسرعة وسرت بخطى مترنحة باتجاه بقية الحراس والشرطة الواقفين على بعد أمتار قليلة من البوابة..
كنت في حالة يرثى لها حقاً..ملابسي ممزقة وملطخة بالدماء، شعري في فوضى عارمة، وقد امتلأ جسدي بالخدوش والرضوض بعد سقطت بقوة على الأرض..
لكنني رغم ذلك لم أبالي بذلك ابداً..
وقفت أمامهم وقلت بنبرة آمرة بينما انظر نحوهم بقوة "أحضروا خيولكم حالاً! سوف نطارد ذلك الوغد حتى لو أخذنا ذلك إلى أعماق الجحيم!"
بدا الارتباك على وجوههم للحظة، لكن يبدو أن نبرتي الآمرة رغم مظهري المريع قد استفزتهم كثيراً.
تباً...كيف يمكن لهؤلاء الأوغاد أن يفكروا في شيء كهذا الآن؟!
ضغطت على أسناني بقوة وقلت صارخةً بانفعال بعد أن فقدت أعصابي تماماً "ألم تسمعوا ما قلته للتو أيها الحمقى؟! فلتحرّكوا مؤخراتكم اللعينة واتبعوني حالاً! لن أغفر لأي واحد منكم إذا ما أصاب مِيا أي مكروه!"
تقدّم أحدهم بتجاهي وقال بشيء من الغضب "هيي، فلتلزمي حدودكِ يا امرأة! كيف تجرئين على التحدث معنا بهذه الطريقة الوقحة؟!"
دهشت كثيراً ما إن استقرت عيناي على ذلك الشاب الطويل الواقف أمامي الآن..لقد رأيته من قبل بالتأكيد، فهذا الشاب هو داريوس فيرنهارت، أحد الفرسان التابعين لآرون..

لكن ما لا أفهمه هو ماذا يفعل فارس تابع للحرس الامبراطوري هنا في الحدود برفقة الشرطة الداخلية؟! أتباع آرون لا يتحرّكون إلا بأوامر مباشرة منه، فلماذا يتواجد هنا في هذا الوقت بالذات؟!
أسئلة كثيرة كان ينبغي عليّ التفكير بها وقتها، لكن باستثناء إنقاذ مِيا، كان عقلي غير قادر على التفكير في أي شيء آخر..
لن أسمح له بأن يؤذيها..حتماً لن يؤذيها ولو على جثتي!
سرت نحوه بخطى سريعة قبل أن أقف أمامه وانظر نحوه بغضب عارم. كان أطول مني بكثير، لكنني رغم ذلك رفعت بصري باتجاهه في تحدي وقلت بغضب وعيناي تقدحان شررا "لا تتجرأ على الرد على كلامي أيها اللعين! قلت لك أن تتحرك...لا تجعلني أكرر ما قلته! ستبعد مؤخرتك من هنا وتحضر حصانك اللعين، ثم ستقوم أنت ورفاقك بإطاعتي الآن!"
شدّ يدي بقوة ليدفعني باتجاهه ويقول وهو ينظر نحوي بغضب أكبر "من أنتِ حتى تأمريني هكذا؟!"
ما إن قال هذا حتى احتدّت ملامحي، وقد نظرت نحوه بحدة قاتلة.. ارتخت قبضته حول معصمي، وقد بدا مضطرباً جداً وهو ينظر إلى تعابيري الغاضبة تلك..
لم أهتم بنظراته أبداً، بل إنني أبعدت يده عني ببطء، ثم قلت بثبات بينما أشدّ معصمه بقوة "ألم تعرف بعد من أكون يا هذا؟! أنا إيميليا هاميلوت، خطيبة سيدك آرون، وأنا من ستصير حاكمة هذه الامبراطورية اللعينة!"
بدا الجميع مصدومين تماماً ما إن قلت هذا، وقد بدوا غير قادرين على قول أي شيء..
في تلك اللحظة صاح بهم المستشار قائلاً بحدة "ألم تسمعوا ما قالته؟! كيف تجرؤون على عصيان أوامر الأميرة المتوّجة؟!"
ثم جلس على ركبته أمامي بانصياع، وأستطيع ملاحظة جسده وهو يرجف بقوة.. لكنه قال رغم ذلك بثبات "إننا طوع أمركِ سيدتي.."
التفت الجميع نحوه وقد بدوا مصدومين تماماً، وقد تمتم أحدهم قائلاً بعدم تصديق "أليس هذا هو المستشار دونافان؟!"
لم يكترث الفارس داريوس بأي شيء من حوله، فقد كان ينظر نحوي أنا فقط دون أن يبعد عيناه عني ولو للحظة.. ورغم نظراته المربكة، فلم تتزعزع تعابير وجهي على الإطلاق..
تمتم باندهاش بعد برهة وقد خرج صوته راجفاً ومضطرباً، على خلاف نبرته الحادة قبل قليل"إذا فهي أنتِ...المرأة التي تحدّت سيدي، والتي ظلّت حديث الجميع في الامبراطورية!"
لم أردّ على كلامه، لكنني اقتربت منه بخطوات واثقة قبل أن أشدّ ياقة قميصه، لأنزل رأسه باتجاهي حتى صار وجهه مقابلاً لي، ثم قلت بقوة بينما أنظر إلى عينيه مباشرة "فلتخضع لي حالاً أيها الفارس داريوس فيرنهارت!"
بدا مصدوماً تماماً ما إن قلت هذا، لكنني شعرت به وهو يرتجف في مكانه لبعض الوقت، قبل أن ينفجر ضاحكاً فجأة..
مرّر يده بين خصلات شعره الأزرق بانفعال، ثم قال وهو ينظر نحوي بحماس "لقد كنت أتساءل طوال الوقت ما الذي رآه إيريك وإيفان في امرأة ضعيفة مثلك، لكن أعتقد أنني أفهم الأمر الآن!"
ثم نظر إلى الرجال الآخرين وصرخ قائلاً بنبرة آمرة "فلتستمعوا إلى أوامر السيدة حالاً! أي شخص يمتنع عن الاستماع إليها سيتهم بالتواطؤ مع أولئك المجرمين!"
امتثل الجميع لكلامه على الفور، وقد انطلقوا راكضين لإحضار خيولهم بسرعة..
عندها سرت باتجاه واحد منهم قبل أن ينطلق بفرسه باتجاه المدينة، وامرته قائلةً بحدة" فلتنزل حالاً!"
بدا مستغرباً لما قلت هذا، لكنه استمع إليّ على أي حال ونزل من على حصانه بتردد، منتظراً ما سأقوله ربما. عندها ركبت أنا الحصان دون تردد، وقلت بينما أشدّ اللجام بقوة "اتبعوني."
"مهلاً، ماذا؟"
تجاهلت ذلك المسكين تماماً، ولم انظر إليه حتى..
كان الجميع ينظرون نحوي بعدم استيعاب، وقد ركض المستشار باتجاهي ليقول بذعر "ما الذي تفعلينه آنسة هاميلوت؟! فلتتركي الجنود يتولون الأمر!"
"لا يمكنني ذلك دونافان..إنني الوحيدة هنا التي يمكنها أن تعرف إلى أين سيتوجه ذلك الوغد..انتظرني هنا فحسب، سوف أعيد لك ابنتك حتماً!"
أراد أن يعترض مجددا، عندها قاطعته مرةً أخرى وقلت بينما انظر نحوه بجدية "لن أتراجع عن قراري دونافان..إنني أحتاج إليك للبقاء هنا. فلتقم بتبليغ جميع الجنود عما حدث. وأيضا.."
ثم سكتُ قليلاً لأردف بغموض "فلتفعل الشيء الذي أخبرتك به قبل قليل."
أومأ المستشار بانصياع، لكنه تردد قليلاً قبل أن يسألني بصوت راجف "ماذا لو...ماذا لو أنه قد قام بقتلها بالفعل؟"
فأجبت بينما انظر نحوه بثقة "لن يقوم بقتلها..إن ميا هي ورقة مساومته الوحيدة من أجل النجاة في هذا الوضع.. لن يجرؤ على فعل أي شيء لها حتى يضمن أنه بأمان..كن مطمئناً دونافان، فهو عليه أن يقتلني أنا أولاً إذا ما أراد أن يمسّ شعرة واحدة من مِيا!"
ثم التفتُ إلى الرجال خلفي وأمرتهم قائلةً بثبات، متجاهلةً تماماً تلك النظرات المصدومة في عيني المستشار
"اتبعوني!"
من خلال الطريق الذي سلكه، أنا واثقة من أنه متوجه الآن إلى الأحياء الفقيرة المحاذية للحدود الجنوبية..
لا يمكنني السماح له بالهرب مع مِيا مهما حدث.. لقد قابلت العديد من الأشخاص مثله في الماضي، لذلك أعلم جيداً أنه لن يهنأ له بال حتى يردّ اعتباره بأي ثمن، وذلك الثمن سيكون عن طريق مِيا بلا شك!
فكّري آنا..إلى أين ستتوجهين إذا ما كنتِ في مكانه؟
حانة بيشوت؟ ملهى هافيا؟ شارع بائعي المخدرات؟ طريق بايكا؟ المدخل الجنوبي؟ طريق السوق الشعبي؟ ال..
صحيح! هذه هي! لابد أنه يخطط للهرب من هناك!!
ابتسمت بمكر وقد بت أعلم جيداً كيف أحاصره الآن..عليك أن تندب حظك اللعين يا هذا، فقد اخترت بإرادتك أن تلعب داخل أرضي!
كنت أقود الحصان بسرعة جنونية وأنا أعدو من شارع إلى آخر متتبعة تلك الآثار الجديدة لحذوة الخيول بعد أن بدأ ضوء الفجر يضيء الطرقات شيئاً فشيئاً...وما إن دخلنا الأرضية الحجرية داخل الأزقة الفقيرة، صار تتبع تلك الخطوات أكثر صعوبة..
"أنتما، اسلكا أول طريق فرعي نمر منه من اليسار، ثم ادخلا أول زقاق على اليمين واستمرا في القيادة بمحاذاة الطريق الرئيسي."
"وأنتما، فلتفعلا نفس الشيء من ناحية الطريق الأيمن."
"أنت، عد للخلف وانتظر عند التقاطع الثاني قبل الطريق الحدودي. من خلال آثار الخيول، فقد قام ذلك الوغد بتضليل الجنود الذين لحقوا به على الأرجح. لن يمر الكثير من الوقت قبل أن يعودوا من تلك الطريق، لذلك أخبرهم بأن يتعاونوا معك على سد جميع مداخل الأحياء الفقيرة..سيقوم المستشار بإصدار تعميم لجميع الجنود بمطاردته، لذلك هو لن يغادر الأحياء الفقيرة في الوقت الحالي على الأرجح..سنضيّق الخناق عليه حتى لا يكون له أي مهرب!"
كنت أصدر الأوامر لهم بينما ما نزال نركض بين تلك الأزقة الضيقة وشبه الخالية من المارة..
القاطنون في الأحياء الفقيرة غالباً ما يعتمدون في عيشهم على الحياة الليلية في أريكاريوس، لذلك نادراً ما يكون هناك شخص مستيقظ في هذا الوقت من الصباح، وهو ما سهّل الأمر علي كثيراً..
الخيارات أمامه محدودة جداً، لكن السبب في اختياره سلوك هذه الطرق المعقدة هو لأنه اعتقد على الأرجح أنه لا أحد سيكون قادراً على تتبعه في مكان كهذا. لا يُسمح للأشخاص الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة بأن يكونوا من ضمن الحرس الحدودي ولا الشرطة الداخلية، بل إنهم يكونون فقط أفراداً عاديين في الجيش الشعبي إذا ما اختاروا الانضمام لإحدى القوات العسكرية في الإمبراطورية..والشخص الذي لا يعرف هذه الأحياء جيداً، سيكون من السهل جداً بالنسبة له أن يتوه داخلها..
في تلك اللحظة، صاح أحد الجنود من الخلف قائلاً بانفعال "سيدتي! لقد رصدنا الهدف في أحد الازقة من الناحية اليمنى، وهو يتجه إلى الأحياء الشعبية! إن جان وهاردن يقومان بمطاردته الآن"
جيد! قريباً جداً سيقع في فخي بالكامل!!
نظرت نحوهم وامرتهم قائلة "أنتم الثلاثة فلتنعطفوا يميناً عند أول زقاق، ثم توزعوا عند أول ثلاثة أزقة فرعية مختلفة من اليسار غير الذي يسلكه الهدف الآن، أما البقية فواصلوا المطاردة من هنا..سيكون عليه تجاوز سور الأسلاك الشائكة من أجل الوصول إلى الأحياء الشعبية، وذلك سيتطلب منه المرور عبر البوابة الرئيسية. بلّغوا حراس البوابة بعد أن تنقسموا إلى ثلاث مجموعات من اليمين واليسار وتوزعوا على طول السور حتى تمنعوه من الترجّل والهرب من إحدى الفتحات التي صنعها الناس هناك."
ثم نظرت إلى داريوس الذي كان قريباً مني وقلت له بصوت مرتفع "داريوس، فلتلحق بي"
وما إن أنهيت كلامي، حتى انعطفت ناحية اليسار ليلحق بي داريوس على الفور..
سألني باستغراب بعد أن أسرع أكثر ليكون قادراً على الركض بمحاذاتي "ما الذي تفعلينه يا آنسة؟ ألا يفترض بنا أن نلحق به من اليمين؟!"
"سوف ينعطف من هذا الاتجاه قريباً جداً، حينها سيكتمل فخي وسيقع بين فكي الكماشة التي صنعتها له.. سوف أتأكد فقط من أن أقطع أمامه أي سبيل للهرب!"
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
وكما توقعت تماماً، فقد كان ذلك الرجل يعدو بحصانه في ذلك الزقاق الضيق، وهو يفرّ من أولئك الجنود الذين استمروا في مطاردته باستماتة..
كان يعتقد أنه بوسعه الإفلات منهم وهو يتجه نحو نهاية ذلك الزقاق حيث السور الشائك، لكن أولئك الجنود الأربعة الذين ظهروا أمامه فجأة سدوا الطريق أمامه، فصار محاصراً تماماً الآن دون أي منفذ للهروب..
شدّ اللجام بقوة ليوقف حصانه الذي أخذ يترنح في مكانه لبعض الوقت حتى توقف تماماً، وقد كان الجنود على وشك الاقتراب منه لولا أنه أخرج سكيناً على الفور ليضعه أمام عنق مِيا، ويصيح محذراَ بينما ينقل بصره بين الجنود أمامه وخلفه
"سأقتل الطفلة إذا ما تجرأ أي واحد منكم على الاقتراب أكثر!"
توقف الجنود مكانهم وهم ينظرون نحوه بغضب، لكنهم لم يكونوا قادرين على فعل أي شيء..
عندها ترجّل من على حصانه ببطء وهو ما يزال يحمل ميا بين يديه، مشهراً سكينه أمام عنقها الصغير..
كانت خائفة جداً، وقد أخذت تبكي وتنادي بصوتها المتحشرج والمنخفض جداً "أبي..أختي آن."
عندها صاح بها ذلك الرجل قائلاً بغضب "اخرسي أيتها اللعينة! سأقطع لسانكِ إذا ما أصدرت أي صوت! بسببك..بسبب صوتكِ اللعين هذا انتهى كل شيء!"
انتفضت مِيا بفزع ما إن قال هذا، في حين تقدّم الجنود نحوه ببطء بعد أن استلوا سيوفهم. عندها صاح بهم قائلاً وهو يشدّ مِيا نحوه بقوة أكبر "لا تقتربوا أكثر!"
ثم التفت إلى الجنود خلفه وقال وهو يلوّح سكينه أمامهم بانفعال "سأقتل الطفلة إذا ما اقترب أي منكم!"
في تلك اللحظة نظر إلى ذلك الباب المطل على الزقاق من الجانب، ولابد أنه يعرف أنه إذا ما دخل إلى ذلك المنزل، فسوف يكون قادراً على الخروج من بابه الخلفي المطلّ على الشارع من الجهة الأخرى..
حي بيغاسوس.. إنه المكان الذي كنت أخطط لاستدارجه إليه منذ البداية..
على خلاف بقية الأحياء السكنية في الأحياء الفقيرة التي كانت تتميز بمبانيها العشوائية والأزقة الكثيرة بين تلك الأبنية، فقد كانت المباني في هذا الحي متلاصقةً ومتراصةً ببعضها. وباستثناء المدخل والمخرج في بداية ونهاية الشارع، لا سبيل لمغادرة هذه الزقاق إلا عبر المنازل ربما..

اقترب من الباب ببطء، قبل أن يجرح مؤخرة حصانه بقوة.. فانتفض الحصان بفزع وألم، وانطلق راكضاً بهيجان باتجاه الجنود أمامه..
عندها استغل الرجل الفوضى التي لحقت بالجنود بسبب ذلك الحصان، لينطلق راكضاً رفقة مِيا باتجاه ذلك الباب..
هي ثوان معدودة جداً.. حيث انفتح الباب فجأة، لأنطلق راكضةً نحوه بسرعة وأنا أوجّه سكيني نحوه مباشرة بينما اشدّه بكلتا يداي...
وقبل أن يستوعب أي شيء، كنت قد طعنته في بطنه بقوة، لاندفع باتجاهه وأنا أغرس السكين في أحشائه بقوة أكبر..
لم يكن بوسعي رؤية أي شيء، فقد كان غضبي وخوفي على مِيا قد أعمياني تماماً...
تراجع بضع خطوات للوارء بعد أن سقطت مِيا من بين يديه..
نظر إلى السكين المغروس في بطنه، ثم رفع بصره باتجاهي لينظر بعينين متسعتين نحو عيناي اللتان كانتا تقدحان شرراً في ذلك الوقت..
لم أكن أبالي بأي شيء وقتها...لا نظرات الجنود المذهولة، ولا عيون مِيا الخائفة، ولا تلك الدماء التي لطخت يداي و ملابسي آنذاك...
كانت غريزة البقاء التي تأصّلت في داخلي منذ سنوات هي ما تتحكم بتصرفاتي الآن..من المفترض بي أن أتصرّف كأميرة مدلّلة لا تفقه في القتال أي شيء. لكن تلك ليست أنا...ليست آناستازيا غيلبرت التي تربّت وحيدةً داخل هذه الأحياء نفسها هي من تستلم دون قتال..أنا ربما لن أجرؤ على قتله أبداً، لكنني رغم ذلك لست الفتاة المثالية التي ترفض إيذاء الآخرين من أجل نفسها ومن أجل من تهتم لأمرهم..
كنت ألتقط أنفاسي بقوة دون أن أبعد عيناي عن ذلك اللعين ولو للحظة..
ترنّح لبعض الوقت، وقد شحبت ملامحه بينما أخذ الدم يتدفّق من جرحه بغزارة، لتلوّث بعض قطراته الأرضية من حوله..
ظننت أن كل شيء قد انتهى في تلك اللحظة، وأنه لن يكون قادراً على المقاومة أكثر، ونسيت أن أسوء شيء يمكن أن أواجهه هو حيوان بري جريح..
استقرت عيناه على مِيا الجاثية على ركبتيها على مقربة منه، فاحتدّت عيناه بغضب عارم وقد بدا عقله مغيباً تماماً عن التفكير بأي شيء..
صاح قائلاً بجنون وهو يرفع سكينه باتجاهها "أنتِ السبب! كل شيء حدث بسببكِ يا ابنة العاهرة!"
انتفضت مِيا بذعر، وقد غطت رأسها بين ذراعيها محاولةً أن تحمي نفسها غريزياً من جسده الضخم الذي أخذ يقترب منها بخطوات مترنحة متعبة..
تنبّه الجنود لذلك على الفور وقد انطلقوا راكضين نحوه، لكن سكينه سيكون أقرب إليها من أولئك الجنود المندفعين نحوه..
وقبل أن يكون قادراً على طعنها كما أراد، وقفت أمامه لأشدّ يده بكلتا يداي بقوة وأرفعها إلى الأعلى مبعدةً السكين عن مِيا، وقد غرزت أظافري في جلد معصمه حتى سال الدم منه ملطخاً بذلك يداي وبقية ذراعه..
تأوّه بألم بعد أن سقط ذلك السكين من يده، لكنه نظر نحوي وقال لاعناً تحت أنفاسه بغضب عارم "تباً لكِ أيتها الحقيرة!"
في تلك اللحظة لم ألاحظ يده الأخرى التي سحبت سكيني الذي غرزته في معدته، ليوجّهه نحوي بيده المترنحة ويجرح به جانب خصري بقوة..
كنت أظن أنني سأشعر بالألم على الفور، لكن انفعالي وقتها كان قد أبعد عني أي شعور آخر..
بدا الأمر كما لو أن الدماء قد سحبت من عروقي تماماً، في حين تخدّر كامل جسدي دون أن أكون قادرةً على الإحساس بأي شيء..
لم أترك يده ولو للحظة، ولم أكترث لذلك السائل الساخن الذي بدأ يتدفق من ذلك الجرح العميق في خصري بغزارة الآن، بل إن كل همي كان إيقافه، ولا يهمني أي شيء آخر...
في تلك اللحظة شعرت بذلك السيف الذي مر بجانب رأسي، ليخترق عنق ذلك الرجل بقوة، دافعاً معه تلك الدماء الغزيرة التي لطخت وجهي وملابسي بالكامل..
وقد أتبعته سيوف كثيرة أخرى اخترقت أماكن متفرقة من جسده، كان غرزها أولئك الجنود الذين التفوا حوله دون رحمة..
انتفض جسده لعدة ثوان قبل أن تختفي منه الحياة، وما إن سحب الجنود سيوفهم حتى سقط أرضاً أمامي..وقد بقي جسده معلقاً في الهواء للحظات بسبب ذلك السيف الوحيد الذي خرج من مؤخرة عنقه، قبل أن يدفع وزنه الجزء المكشوف من السيف ليعبر عنقه من جديد، ممزّقاً بذلك أي أثر تبقى من الحياة في داخله..
أخذ جسده يخض بقوة لدقيقة أو أكثر، وصوت غرغرة روحه هو ما كسر ذلك الصمت الذي حلّ فجأة، إلى أن سكن جسده تماماً في النهاية، ودماؤه قد حوّلت كل شيء من حوله إلى لونها الأحمر القاني..
نظرت لثانية نحو داريوس الواقف خلفي بينما ينظر إليه بغضب، لأدرك أنه صاحب السيف الذي طعنه حتى الموت..
ثم نظرت إلى مِيا التي كانت على وشك رفع رأسها والنظر نحو جثته الهامدة المرعبة..
لذلك أسرعت نحوها لأضمها إلى صدري وأهتف وأنا أدفعها باتجاهي بقوة "لا تنظري!"
كانت ترتجف في مكانها بخوف، لكنها ما إن تحسّست وجودي إلى جانبها حتى أخذت تردد قائلةً بذعر"سيقتلني! سيقتلني مثل أمي! أنا خائفة..خائفة جداً"
أجبت وأنا أحاول تهدئتها بينما أمسح على شعرها بحنان "ذلك لن يحدث...لن يحاول أحد إيذائكِ بعد الآن..إنكِ بخير يا صغيرتي، لقد انتهى كل شيء! أنتِ بأمان الآن مِيا!"
عندها أخذت تبكي بحرقة وهي تتمسّك بي أكثر وأكثر..
ظلّت تردّد وسط دموعها بصوت سمعته بالكاد "لقد كنت خائفةً جداً أتعلمين؟ ظننت أنني لن أراكِ أنتِ وأبي بعد الآن...ظننت أنني..."
"لا بأس، لا بأس مِيا، لقد انتهى كل شيء الآن!"
والآن فقط شعرت أن الدم قد عاد للسريان في عروقي مجدداً، لأشعر حينها بذلك الألم الفظيع الذي بدأ يتسلل في داخلي تدريجياً، حتى شعرت للحظة أن كل خلايا جسدي كانت تصرخ آنذاك..
لم أرد أن تشعر مِيا بذلك، لذلك عضضت على شفتي بقوة لأكبت رغبتي في الصراخ آنذاك، حتى صرت قادرةً على على الشعور بالطعم المعدني للدماء في جوفي..
إنه مؤلم حد الجحيم...تباً له، تباً له!
في تلك اللحظة أقبل نحوي داريوس ليفصلني عن مِيا ويقول وهو يشدّ كتفاي بانفعال "هل أنتِ مجنونة أم ماذا؟ لماذا اندفعتِ أنتِ باتجاهه؟ ألم نتفق على أن أقوم أنا بمباغتته؟"
ثم نظر إلى مكان الجرح، حيث غرق فستاني بدمائي.. فتمتم لاعناً تحت أنفاسه بانفعال "اللعنة! فقط لماذا؟ تباً! تباً!"
كانت مِيا تنظر بيننا بعدم استيعاب لوهلة، لكنها وما إن استقرت عيناها على وجهي وشعري الذي اكتسى نصفه بالدماء، وكذلك بقعة الدم التي تشكلت في خاصرتي، والتي أخذت تكبر شيئاً فشيئاً شهقت بصدمة..
لم يبالي داريوس بأمرها، بل إنه نظر إلى الجنود الذين تجمّعوا حولنا بينما ينظرون نحوي بقلق، وصاح بهم قائلاً بعصبية "ما الذي تنتظرونه أيها الحمقى؟! يجب أن نأخذ الآنسة إلى المشفى الامبراطوري حالاً!"
كان على وشك حملي، لكنني أوقفته بأن بعد أن وضعت يدي الملطخة بالدماء على ساعده، وقلت له بضعف "كلا...خذوني إلى المشفى الميداني قرب الحدود الجنوبية..لم ينتهي الأمر بعد، ما يزال هناك شيء علي القيام به!"
تفاجأ داريوس ما إن قلت هذا، لكنه قال باعتراض تام وقد بدا غاضباً جداً "ما الذي تتحدثين عنه؟! لا يوجد شيء يمكنكِ القيام به في وضعكِ هذا! علينا أخذكِ إلى المشفى حالاً و__"
"قلت لك أن تأخذني إلى المشفى الميداني واللعنة!!! إن الجرح لم يصب أياً من أعضائي الحيوية..المهم فقط هو إيقاف النزيف، وسأكون بخير !!"
كنت قد أخرسته تماماً ما إن صرخت بذلك بعصبية بينما انظر نحوه بحدة..عليه أن يدرك كم أنا جادة الآن! رغم إنني أعلم جيداً أنه قد تصرف هكذا من دافع خوفه علي، وهو ما جعلني أشعر بالذنب اتجاهه بعض الشيء..
في تلك اللحظة اقتربت مني مِيا وقالت بتلعثم بينما تبكي بحرقة "لا..لا..أختي ، أنتِ..أنا.."
عندها التفت نحوها ووضعت يدي على خدها لأقول محاولةً طمأنتها بابتسامة هادئة "لا تقلقي عليّ مِيا، إنني بخير. أتعلمين يا عزيزتي؟ لقد قمتِ اليوم بإنقاذي أنا ووالدك..إنني فخورة بكِ جداً..وأيضاً..."
ثم اقتربت منها بضعف وأنا أقاوم ألمي بصعوبة، لأطبع قبلةً على خدها وأقول بمرح "صوتكِ جميل جداً..أنا سعيدة لأنني استطعت سماعه أخيراً.."
ما إن قلت هذا حتى انهارت مِيا باكيةً وهي تحتضنني دون أن تكون قادرةً على قول أي شيء..أراد داريوس إبعادها عني، لكنني أشرت له بيدي بأن يتوقف..
أعلم جيداً كم تحتاج مِيا لهذا. لقد عاشت وهي تلوم نفسها لوقت طويل جداً، لذلك أن تفكّر في أنها كانت قادرةً على تقديم المساعدة لشخص مهم بالنسبة لها هو كفيل بأن يؤثر بها للغاية. لكم أرجو حقاً أن تكون هذه الصغيرة قادرةً على مسامحة نفسها بعد هذا..
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
انفتح باب تلك الغرفة بقوة حتى اصطدم بالحائط، فالتفتُ أنا وداريوس إلى المستشار الذي دخل إلى الغرفة بخطى سريعة متجهاً نحوي..
صاح بانفعال، وقد بدا مضطرباً للغاية "لماذا؟ لماذا عرّضت نفسكِ للخطر هكذا؟ لماذا لم تتركي الجنود يتولّون الأمر؟ هل تعلمين كم شعرت بالذعر عندما سمعت أنه تم نقلكِ إلى المشفى؟ أنا..أنا..."
ابتسمت لتعابير وجهه الخائفة والقلقة، لكنني رغم هذا قلت مخاطبةً داريوس بهدوء "داريوس...هلا تركتنا وحدنا لبعض الوقت؟"
خفض داريوس رأسه قبل أن يجيب بانصياع "أمركِ سيدتي.."
وما إن غادر داريوس الغرفة حتى سألت المستشار باهتمام دون أن أعلّق على ما قاله قبل قليل "هل مِيا بخير؟ لقد انفصلت عنها ما إن تم إدخالي إلى هنا.."
فضغط المستشار على أسنانه وقال باستياء وهو يكبت أعصابه بصعوبة "أهذا وقت سؤالي عن مِيا؟ أنا لا أفهم لماذا تخاطرين بحياتكِ هكذا من أجل طفلة بالكاد تعرفينها!"
ما إن قال هذا حتى أجبت على سؤاله بشيء من الحدة "لا أريدك أن تفهم الأمر بشكل خاطئ دونافان. لست تلك الفتاة اللطيفة التي تركض بالجوار وتنقذ كل شخص تراه أمامها. لقد ساعدت مِيا لأنني أردت ذلك.. ليس من أجلك، ولا من أجل أي شخص آخر، لذلك لست نادمةً أبداً على ما فعلته."
فخفض رأسه وقال وهو يقبض يده بقوة محاولاً كبت مشاعره بصعوبة "حتى لو قلتِ هذا..لقد تأذيتِ بشدة لأجلها...كان يجب أن أكون أنا من يلاحق ذلك الوغد..ما كان يجب أن تتعرّضي لكل هذا أبداً!"
ابتسمت لكلامه قبل أن أقول بنبرة مرحة وأنا أحاول إبعاد هذا الجو الكئيب عنه "لقد أخبرتك أكثر من مرة أن تبعد هذه التعابير الكئيبة عن وجهك دونافان! ما الشيء الكبير بشأن هذا؟ سأضيف فقط ندبةً جديدةً إلى جسدي المليء بالندوب بالفعل، لذلك لن يشكّل ذلك أي فرق بالنسبة لي.."
بدا متفاجئاً جداً من كلامي، لكنه سألني بشيء من الرهبة مما قد أقوله له "ما نوع الحياة التي عشتها حتى تعرّضتِ لكل هذا؟ مهما حاولت، لم أستطع فهمكِ أبداً!"
تنهدت بضيق من كلامه، لكنني رغم ذلك أجبت بهدوء "ليس مهما ما نوع الحياة التي عشتها في الماضي، المهم فقط هو ما أنا عليه الآن."
فسكت لبعض الوقت ويبدو أنه يفكر في شيء ما. لكنه سألني فجأة وهو ينظر نحوي بثبات "هناك شيء أريد سؤالكِ عنه.. طوال الوقت، أنتِ لم تكوني بحاجة إلى مِيا من أجل خطتكِ صحيح؟"
تفاجأت كثيراً لكونه أدرك هذه الحقيقة، رغم إنني حاولت إخفاء ذلك بقدر ما أستطيع..لكن حسناً، لا يفترض بي أن أتوقع غير ذلك من مستشار سترافينيسكا العبقري!
ابتسمت لكلامه بفتور، ويبدو أن ابتسامتي تلك كانت كفيلةً بالرد على سؤاله..
ذلك صحيح، فقد كان من الممكن جداً ألا تكون مِيا قادرةً على الكلام وقتها، لذلك ما كنت لأعلّق مصيرنا على شيء من الممكن جداً ألا ينجح، وكنت قد أعددت نفسي جيداً للتصرف وفقاً لما ستؤول إليه الأمور سواء تكلّمت أم لا..
لكنني فكرت في أنه إذا ما وضعت مِيا تحت ضغط كهذا، ستكون تلك هي الوسيلة الوحيدة لجعلها تتكلم مجدداً..
خفضت رأسي قبل أن أقول وأنا اتجنب النظر في عينيه "أنا آسفة لأنني اتخدت قراراً كهذا دون أن استشيرك."
حرّك دونافان رأسه نافياً، وقال بابتسامة حزينة "لستِ بحاجة للاعتذار آنسة هاميلوت. إنني ممتن لكِ جداً، فبفضلكِ كنت قادراً أخيراً على سماع صوت صغيرتي مرةً أخرى."
ثم سكت لثوانٍ قبل أن يبدو جاداً فجأة لما قال لي بنظرة واثقة في عينيه "بشأن ما طلبته مني في السابق...لقد حزمت أمري الآن آنسة هاميلوت.."
ثم جلس على ركبته أمام سريري، وقال وقد خفض رأسه بخضوع " إيميليا هاميلوت...لا، بل دعيني أقول..آناستازيا غيلبرت... إنني أعترف بكِ كسيدتي الوحيدة في هذا العالم..منذ هذه اللحظة وحتى آخر نفس أتنفسه، سوف أخدمكِ بكل ما لدي، ولن أتردد لحظةً في تقديم حياتي من أجلك!"
نظرت إليه لبعض الوقت قبل أن أسأله بتعابير باردة على وجهي "هل أنت واثق من هذا دونافان؟ قد لا أكون السيدة المثالية بالنسبة لشخص طيب القلب مثلك. يمكنني أن أكون قاسيةً وأنانيةً إلى أبعد الحدود. لست تلك المرأة اللطيفة التي ستدعو إلى الخير والسلام في هذا العالم، بل إنني سأحصل على كل ما أريده مهما كانت الطرق التي علي استعمالها في سبيل ذلك. لا أعرف أي نوع من الأعداء قد أواجه مستقبلاً، لكن لا تتوقّع مني أن أحارب بشرف أبداً. قد ألجأ إلى المكر والخداع، وإلى أحقر الطرق التي قد تخطر على بالك من أجل تدمير كل من يقف في طريقي..لن أندم للحظة حتى لو كانت الطريق التي سأسلكها ملطخةً بالدماء.. إنني هذ النوع من الأشخاص دونافان..لقد عشت الحياة بقسوة، ولن أتردد لحظةً في أن أعاملها بقسوة أكبر..هل مازلت سترغب في خدمة إنسانة مثلي حتى بعد أن عرفت كل هذا؟"
أجاب دونافان دون أن تكون هناك ذرة شك أو تردد في صوته على الإطلاق "أعلم أنكِ لستِ لطيفةً أو طيبةً على الإطلاق، وأعلم جيداً أي نوع من الطرق التي عليّ سلكها ما إن أقوم باختيارك. لكن ما أعلمه أكثر من أي شخص آخر أنكِ لن تظلمي أحداً، ولن تؤذي أي شخص لا يستحق ذلك..حتى لو عاملتِ أعدائكِ بوحشية، فأنا على يقين من أنكِ في المقابل مستعدة للتضحية بنفسكِ من أجل الأشخاص الذين تهتمين لأمرهم. ليس هناك شرف أكبر بالنسبة لي من أن أكرّس حياتي لخدمة سيدة مثلك. ليس بسبب أنني ممتن لكِ على ما فعلته من أجل مِيا، بل لأنني لا يمكنني سوى أن أكون مبهوراً بك..ربما لا تدركين ذلك بعد، لكنكِ تملكين سحراً خاصاً يجعل كل ما يراكِ يرغب في الوقوف إلى جانبكِ، وتقديم كل ما يستطيعه من أجلك. لذلك أرجوكِ أن تقبلي بي كحليف، وكتابع، وكصديق أيضاً."
ما قاله في ذلك الوقت حرّك مشاعر غريبة جداً في داخلي. لم أكن أعرف أنه من الممكن للمرء بأن يشعر بكل هذه السعادة بسبب كلمات قليلة فقط. ربما لأنه حليفي الأول، وربما لأنني كنت بحاجة إلى شخص مثله إلى جانبي في هذه البيئة القذرة، لكنني لسبب ما شعرت بأنني على وشك البكاء في تلك اللحظة. قد يبدو الأمر سخيفاً حتى بالنسبة لي، لكن ذلك قد أثر بي أكثر مما تصورت بكثير...
لكن ليس هذا هو الوقت الملائم للاستسلام لمشاعري، فقد نظرت نحوه بجدية قبل أن أسأله بثبات "أيها المستشار كاليس دونافان..أريدك ان تخبرني الآن ما الذي تشعر به اتجاه كل ما حدث."
نظر نحوي بحيرة لبعض الوقت، لكنه وبعد برهة خفض رأسه ليضغط على أسنانه ويقول بغضب مكبوت "إنني غاضب جداً. كل ما يمكنني التفكير به الآن هو أنني أرغب بسحق ذلك الأمير الحقير على ما فعله بابنتي. لا يمكنني أن أغفر له أبداً!"
أجل تماماً..ذلك بالضبط ما أردت سماعه!
وضعت قدماي على الأرض، قبل أن أنهض من فراشي بحذر وأنا أستند على الطاولة المجاورة للسرير..
ما إن رآني دونافان حتى انتفض في مكانه وهمّ بالوقوف من أجل مساعدتي، لكنني أشرت له بيدي بأن يتوقف، قبل أن أقول وأنا انظر إليه بقوة "في هذه الحالة، أريدك أن تمنحني كامل قوتك من أجل ردّ الدين لذلك الوغد..قد لا ترغب بذلك، لذا لن أسألك عن سبب تركك لعائلتك. ولكن إذا ما أردت أن تخدمني بصدق، وإذا ما أردت أن ندمر ذلك الأمير ووالدته وكل تلك الزمرة الفاسدة التابعة لهم، فعليك أن تقسم على الولاء لي ليس كمستشار سترافينيسكا العبقري الضعيف كاليس دونافان.. بل ككاليس آرمسترونغ ، الوريث الأول والوحيد لعائلة آرمسترونغ القوية. لا أعدك بأنني واثقة من أنني لن أخسر، لكنني أعدك بأنني لن أتوقف عن القتال حتى النهاية.. أخبرني...هل ستقف إلى جانبي لنخوض هذه الحرب الشرسة معاً؟"
بدا المستشار مصدوماً تماماً لما سمع كلامي، لكنه خفض رأسه وقال برجاء "لا..أرجوكِ أن تسمحي لي بإخبارك عن كل شيء."
ثم سكت قليلاً وتابع بشيء من الضياع "لقد أحببت آيريس منذ وقت طويل جداً، لكن عائلتي رفضت السماح لي بالزواج منها، وأرغموني بدلاً من ذلك على الزواج بناتاليا والدة مِيا. ليس الأمر أنني كنت أكرهها، لكنني لم أستطع أن أحبها أبداً، وقد بقيت آيريس في قلبي طوال الوقت..
لا تدرين مقدار الذنب الذي شعرت به دائماً وأنا أتخيل آيريس معي في الوقت الذي أكون فيه مع ناتاليا. أردت أن أحبها، ولم أرد أن أظلمها أبداً، لكن ذلك كان صعباً فحسب..لقد كانت امراة رائعة جداً..فحتى بعد أن قرّرت ترك عائلتي، بقيت هي إلى جانبي رغم كل شيء..هي أيضاً كانت تحب شخصاً ما قبل زواجها بي، لكن لم يكن لديها أي خيار سوى التخلي عمّن أحبه قلبها مثلي تماماً. كلانا كنا ضحيتان لظلم عائلاتنا، لكننا رغم ذلك كنا صديقين مقربين جداً.. ولكن بعد موتها، عاد أفراد عائلتي إليّ مجدداً بعد موت شقيقي الأكبر، وطلبوا مني أن أصير أنا الرئيس القادم للعائلة. لا، وليس هذا فحسب، بل إن والدي قد تجرأ على إخباري بأن أتزوج بشقيقة ناتاليا الصغرى بدلاً منها. الأمر فقط كان كثيراً لتحمله! حتى بعد ما فعلوه لي أنا وناتاليا، ما يزالون يريدون تكرار نفس الأمر مجدداً!"
إنني لست مؤمنة بالحب من الأساس، لذلك من الصعب علي أن أفهم تماماً ما الذي يعنيه أن يتخلى الإنسان عن شخص يحبه بالإكراه كما هو الحال مع المستشار وزوجته الراحلة. لكنني يمكنني أن أتصور كم كان الأمر صعباً جداً عليهما، وأظن أن مواجهة عائلته قد تعيد له تلك الذكريات من جديد..
ظننت أنه لن يوافق على ما قلته له، لكنه فاجأني حينما قال بثقة وهو ينظر نحوي بعزم في عينيه "لكنني لن أشعر بالندم بعد الآن أبداُ. حتى لو تخلّيت عن آيريس، وحتى لو كان علي الزواج مرةً أخرى من امرأة لا أحبها، فسأفعل ذلك من أجلكِ دون أي تردد"
ابتسمت لكلامه بخفة، لكنني اقتربت منه ووضعت يدي على كتفه لأقول بهدوء "ومتى قلت لك أن عليك الزواج من امرأة لا تريدها أيها الأحمق؟ هل نسيت ما أخبرتك به من قبل؟ أنت ستتزوج من آيريس حتماً..ليس لأجلكما فقط، بل من أجل مِيا أيضاً. لا يمكنني السماح لامرأة عشوائية بأن تصير أماً لها. وأنا على يقين من أن آيريس ستحبها وستعاملها كما لو كانت ابنتها الحقيقية..إنها ذلك النوع من الأشخاص كما تعلم.."
عندها نظر نحوي بشيء من الصدمة.. لكنه رغم ذلك خفض رأسه وقال بخضوع، رغم أنني أستطيع الشعور بارتجافة صوته، وربما هو على وشك البكاء فرحاً الآن "سأفعل كل ما تأمرينني به سيدتي!"
مددت يدي نحوه وقلت بابتسامة هادئة "والآن انهض..أمامنا الكثير لفعله"
سألته بعد أن استقام واقفاً أمامي، وقد عدت للجلوس على السرير بعد أن أتعبني الوقوف كثيراً "قبل كل شيء، هل فعلت ما أخبرتك عنه؟"
"أجل سيدتي..الطفلان بأمان الآن، وقد أخبرتهما أيضاً ألا يخبرا أحداً أنكِ أنتِ من أمرهما بنشر تلك الإشاعات حول سيجفريد."
جيد..الآن يمكنني الشعور بالارتياح، فقد كنت قلقةً على ياكيا ولينالي للغاية..هذان الصغيران يستحقان أن يعيشا بحرية، وهو ما سأحرص عليه حتماً...
لكن أولا، علي القيام بذلك قبل كل شيء..
"فلتعد لي ثوباً جديداً وفخماً...احتفالية الحصاد ستبدأ بعد ساعتين من الآن، لذلك علينا الانطلاق فوراً حتى نصل إلى هناك في الموعد."
نظر دونافان نحوي على الفور وقال باعتراض "لكن، لا يمكنكِ الذهاب إلى هناك في وضعكِ هذا! ماذا لو ازدادت حالتكِ سوءاً؟ ماذا لو__"
"قلت أنني سأذهب، ولن أقبل بأي اعتراض على هذا!"
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كنت أسير بخطى واثقة باتجاه تلك العربة الفاخرة التي تم إعدادها خصيصاً من أجلي..
من يراني الآن لن يصدق أبداً أنني نفس تلك الفتاة التي كانت تبدو بحالة مزرية جداً قبل قليل بملابسها الممزقة، وشعرها الفوضوي تماماً..كنت قد أخفيت الخدوش والجروح في يدي بتلك القفازات الحريرية التي ارتديتها، والتي كانت تتناسب مع ذلك الفستان المنفوش والفخم جداً..

ورغم نظراتي الواثقة، وملابسي الأنيقة ، ففي داخلي كنت أشعر بالألم يمزّق أوصالي مع كل خطوة أخطوها..كنت جائعةً ومرهقةً للغاية، وأشعر أنني أكاد أفقد وعيي في أي لحظة الآن.. فقلة النوم، مع كمية الدم التي فقدتها بسبب هذا الجرح قد زادت الأمور سوءاً فحسب..
ومع هذا، كان علي أن أضغط على نفسي وأفعل هذا الآن دون أن أتراجع لأي سبب كان.. دونافان كان قلقاً للغاية، وقد ظل يسير إلى جانبي وهو يراقبني بحذر، منتظراً ربما انهياري في أي لحظة..
وقبل أن أصعد إلى العربة، أوقفني صوت داريوس الواقف خلفي لما قال بعد أن خفض جذعه باحترام "سيدتي..اسمحي لي بمرافقتك في رحلتكِ إلى نارتيليا"
نظرت نحوه لبعض الوقت قبل أن أقول بشيء من القسوة وأنا أعقد يداي أمام صدري "ترافقني؟ حتى لو كنت أحد فرسان آرون، فلا يمكنني الوثوق بك داريوس..لا، بل ربما كونك تابعاً لآرون هو السبب الرئيسي الذي يدفعني لألا أثق بك من الأساس..إيريك وأنا بيننا ميثاق ما، لذلك أعلم أنه لن يخونني.. إيفان شخص متمسك جداً بمبادئه، وأعلم أنه لن يؤذيني طالما أنه لا يرى ضرورةً لذلك. لكن ماذا عنك؟ أنا لا أعرف عنك أي شيء بعد."
ابتسم باستمتاع لكلامي، لكنه فاجأني كثيراً لما جلس على ركبته أمامي قبل أن يقدم لي سيفه ويقول وهو ينظر نحوي بثقة "إذن...ماذا لو أقسمت لكِ بالولاء؟ هل سيكون الأمر مختلفاً حينها؟"
حسناً...لقد كان ذلك غير متوقع بالمرة!
ارتبكت كثيراً لما سألته بعدم استيعاب "مـ ما الذي تفعله؟! هل أنت جاد في كلامك؟! أعني ماذا عن آرون؟ هل سيكون موافقاً على شيء كهذا؟!"
أجاب داريوس بنفس تلك النبرة الواثقة واللامبالية في الآن ذاته "حسناً.. إنني مقتنع تماماً بأن ولائي لكِ لن يتعارض مع ولائي لسموّه أبداً..إن ولائي له نابع من قناعتي الخاصة بأنه الأصلح لأن يكون حاكم هذه البلاد، والشخص الذي أريد أن أخدمه لبقية حياتي. والأمر نفسه بالنسبة لك..منذ اللحظة التي تكلّمتِ فيها معي في ذلك الوقت، أدركت على الفور أنني لن أرغب بامرأة غيركِ بأن تصير سيدتي.."
ثم وضع يده على صدره ليشد ملابسه بقوة، ويقول وعيناه تلمعان من الحماس "تلك القوة، تلك الثقة، وتلك الهالة التي تحيط بك..إنني أرغب في رؤية ذلك مجدداً، أرغب في الشعور بذلك الحماس مرةً أخرى..لقد كنت مؤمناً بذلك في الوقت الذي كنت أركض فيه بخيلي ورائك.. أجل..كل ما فكرت به وقتها هو أنني أريد أن أخدم هذه المرأة لبقية حياتي...أرغب بأن أعيش وأرى كيف ستصبح هذه الامبراطورية إذا ما أصبحت امرأةً مثلكِ حاكمتها يوماً ما..."
ثم خفض رأسه مجدداً وقال بثبات مرةً أخرى "لذلك أرجوكِ أن تقبلي بي كتابع مخلص لكِ إلى الأبد."
ذلك الصدق والثبات الذي شعرت به في كلماته جعلني أوقن أنه لا يكذب أبداً. لقد كان ذلك آخر شيء توقعته في الواقع، رغم أن كلماته أشعرتني بشيء من الخوف..
هل أقبل به حقاً؟ هل سأكون قادرةً على أن أرقى إلى توقعاته بشأني؟ ليس الأمر أنني لا أثق بنفسي، ولكنني أشعر كما لو أن قبولي به يعني أنني سأحمل على كتفي عبء كلماته الثقيلة تلك..
لا أعلم ما الذي قد يحمله المستقبل لي، لكنني قرّرت حينها أنني سأقبل بهذه المخاطرة رغم كل شيء..
لقد كانت حياتي منذ البداية محض رهان كبير فحسب.. الجميع كانوا مؤمنين أنني سأموت مبكراً، لكنني وقفت وتحديتهم، وبرهنت لهم أنني قادرة على أن أفوز في النهاية..
وسواء في الأحياء الفقيرة أو في القصر الامبراطوري، سوف أقاتل دائماً دون أن أخسر رهاني أبداً..
سأعيش...وسأنتصر حتما!
أخذت نفساً عميقاً، قبل أن آخذ منه سيفه وأضعه على كتفه ثم قلت بثقة "حسناً...أيها الفارس داريوس فيرنهارت، أعلن أنني أنا إيميليا هاميلوت أقبل بك كفارسي وتابعي إلى آخر نفس من حياتك."
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
استطعت سماع صوت تلك الخادمة في داخل الغرفة وهي تخاطب سيدها قائلةً بشيء من التوتر"سـ..سيدي...لقد حضر السيد الشاب لرؤيتك."
ما إن قالت هذا حتى نهض من كرسيه وراء مكتبه ليهتف قائلاً بانفعال" ما الذي تنتظرينه؟! ادخليه في الحال!"
عندها عادت الخادمة لمرافقتي أنا والمستشار دونافان إلى الداخل، وقد رأيت ذلك الرجل العجوز واقفاً بانتظارنا وهو ينظر إلى المستشار بسعادة تكاد تنفجر من عينيه الخضراوين الضيقيتين...
سار نحونا بخطى سريعة ليقف أمام المستشار ويقول وهو يقترب منه بشوق صادق، وأقسم أنني رأيت عيناه تلمعان بدموع لم يشأ إخراجها "أهلاً بعودتك يا بني...لا يمكنني أن أصف مقدار سعادتي لرؤيتك هنا مجدداً، أنا.."
تراجع المستشار خطوة للوراء قبل أن يكون والده قادراً على احتضانه، ليقول بجفاف وهو يشير له بالتوقف "لا تفعل هذا..لا تظن للحظة أنني قد سامحتك على ما فعلته لي أنا وناتاليا!"
بدا الأب مكسوراً للغاية ما إن سمع تلك الكلمات القاسية من ابنه الوحيد..أظن أن إصلاح العلاقة بين هذين الاثنين ستأخذ وقتاً، رغم أن ذلك لا يبدو مستحيلاُ أبداً...على الأقل من جانب الأب...
بصراحة، كنت قد تصوّرت أنه سيكون من ذلك النوع من النبلاء المتعجرفين، والذين لا يهتمون سوى بأنفسهم فحسب..مثل والدي باختصار..
لكن كل ما آراه الآن هو محض أب عجوز يائس، يحاول فقط التماس العفو من ابنه الذي ظل يصدّه عنه لسنوات عديدة..
حمحمت بخفة حتى أشد انتباههما نحوي. ولما التفتا إليّ، قلت وأنا أمد يدي باتجاه والد المستشار الكونت جوزيف آرمسترونغ "أنا إيميليا هاميلوت، ابنة الدوق روجر هاميلوت، وخطيبة الأمير الأول آرون..سعيدة جداً بلقائك أيها الكونت."
بدا الكونت متفاجئاً جداً لما قلت ذلك، لكنه مد يده ليصافحني على الفور وقال مرّحباً بشيء من الارتباك "أوه أهلاً بك..لم أكن أتوقع حقاً قدومكِ يا آنسة..لم تكوني برفقة سموّه حينما وصل إلى هنا، لذلك ظننت أنكِ لن تحضري مراسم الاحتفال"
لا أدري لماذا أشعرني ذلك بشيء من الإهانة.
لكن حسناً، الملام هنا هو خطيبي العزيز الذي لم يطلب مني مرافقته كالعادة، رغم أنه من المفترض بنا أن نتواجد معاً في مناسبات كهذه..
تباً لذلك الحقير آرون، كم أرغب في ركل مؤخرته الآن!
لكنني ابتسمت بمجاملة وأنا أخفي غيظي ببراعة، وقلت بهدوء دون أن أبدو متأثرةً أبداً بما قاله "لقد كنت مشغولةً في اليومين الماضيين، لذلك لم أستطع أن آتي برفقة آرون إلى هنا..لكنني بالطبع لن أفوّت مناسبةً مهمةً كهذه. إنني ممتنة جداً لكم، فكل ما نتناوله في القصر هو من إنتاج خيرات نارتيليا العظيمة. أتمنى حقاً أن تظل نارتيليا مزدهرةً هكذا إلى الأبد."
بادلني الكونت الابتسامة وقال بود "يسرني جداً أن أسمع هذه الكلمات اللطيفة من سموّك.. سوف نسعى لأن نقدم لكِ الأفضل دائماً."
ابتسمت بمجاملة لكلامه، قبل أن تتبدّل تعابير وجهي فجأةً لأنظر نحوه بمكر وأقول بثقة "والآن لنضع كل هذه المجاملات السخيفة جانباً ولنتحدث مباشرةً حول ما أتينا من أجله.. أنت تريد من وريث آرمسترونغ الوحيد أن يعود لك مجدداً صحيح؟"
اتّسعت عيناه ما إن قلت هذا، وقد أخذ ينظر بيني وبين المستشار دونافان بعدم استيعاب..
عندها تدخّل المستشار لما قال موضّحاً ببرود "الأمر كما سمعت تماماً. سأوافق على طلبك بأن أعود إلى أسرة آرمسترونغ مجدداً. لكن أولاً لدي شرط ما.."
ازدرد الكونت ريقه قبل أن يسأله بحذر "ما هو شرطك؟"
عندها نظر المستشار نحوي دون أن يقول أي شيء، لذلك تحدثت وتلك الابتسامة الماكرة لم تغب عن شفتاي أبداً. "حسناً، الأمر بسيط جداً..."
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
عدد الحاضرين هنا كان أكبر مما توقعت بكثير. يمكنني رؤية جميع الأمراء الشبان وقد حضروا إلى هنا بصحبة مرافقيهم والأسر الراعية لهم..
كان أبرزهم هو جينوس الذي التف حوله ثلاثة ممن ميزتهم على أنهم رؤساء إحدى أشهر الأسر النبيلة.. الأمير الثالث كوليو كان حاضراً أيضاً لسبب ما. وبدلاً من الأتباع، فقد كان مصحوباً بقطيعه الخاص من النساء كالعادة...
هناك أيضاً الأمير الأصغر كوريوس بتعابيره المتجهّمة مثل كل مرة أراه فيها، وقد كان برفقته بعض النبلاء الداعمين له هو الآخر. لم أتحدث معه من قبل، ولم أكن أسمع عنه الكثير في الواقع، فهو محض مراهق في الرابعة أو الخامسة عشرة تقريباً..
في ذلك الوقت استقرّت عيناي هناك، حيث وقف صاحب ذلك الشعر البنفسجي المألوف بتعابيره الغامضة، وحضوره المهيب الذي وجدت نفسي أكرهه بلا شعور.
هذا السافل هو السبب في جعل مِيا تتعرّض لكل هذا!
لكنه الآن وبدلاً من تعابيره الواثقة دائماً، بدا مضطرباً وغاضباً أيضاً..
لما رأيت تعابيره تلك، شعرت برغبة شديدة في أن أقف أمامه الآن وأمدّ له لساني كالاطفال، قبل أن أضحك في وجهه ملأ قلبي وأخبره كم هو تافه باعتقاده أنه يستطيع هزيمتي!
سخيف صحيح؟ لكن ما العمل، فتلك هي الفكرة الوحيدة التي كانت تدور في عقلي وقتها..
عندها اقترب مني داريوس ليقف إلى جانبي ويقول وهو يكتم ضحكته "عليكِ أن تري تعابير وجهكِ الحالية..من الواضح تماماً أنكِ تتشمتين به داخلياً!"
ضحكت على كلامه بخفة دون أن أعلّق على ذلك، وقد اكتفى هو بابتسامة بسيطة دون أن يضيف أي كلمة أخرى..
وبعد صمت قصير، أشار برأسه إلى زاوية بالقرب من إحدى الأشجار وقال بهدوء "إن سموّه هناك.."
التفتُ إلى حيث أشار لي داريوس لأرى آرون واقفاً هناك برفقة إيفان وفارسين آخرين هما الفارس كريستيان والفارسة شارون بحسب ما أذكر..


سرت نحوهم برفقة داريوس، لأقف أمام آرون وأقول وأنا أعقد يداي أمام صدري بغرور "هيي مرحباً."
نظر آرون نحوي بدهشة لثانية، قبل أن تتجهم تعابير وجهه ليقول وهو يعقد حاجبيه بشك" ما الذي تفعلينه هنا؟" ونظر نحو داريوس مردفاً بهدوء مريب "وما الذي تفعله أنت معها؟"
لقد اتفقت مع داريوس على أن يبقي أمر ولائه لي سراً في الوقت الحالي، فلا يمكنني أن أتنبأ كيف ستكون ردة فعل آرون اتجاه شيء كهذا..في الواقع لا يهمني أبداً ما يعتقده، لكنني لا اريد أن يُنظر لداريوس على أنه خائن أو ما شابه..
فأجبت على سؤاله بتهكم ساخر "ذلك لأن خطيبي العزيز قد نسيَ كالعادة أن يقوم بدعوتي، لذلك لم يكن لدي خيار سوى أن أدعو نفسي فحسب..
أوه وبالمناسبة، شكراً لك على محاولتك جعلي أبدو كالأضحوكة أمام الجميع في القصر وأنا أتجوّل كالحمقاء هناك، بينما يفترض بي مرافقتك إلى هذه الاحتفالية اللعينة."
أقسم أنني سمعت صوت كريستيان وهو يضحك، في حين حدّقت بي شارون بكره واضح جعلني أرغب في أن أقلِّب عيناي بملل..هذه المرأة لا تطيقني حقاً، وهو ما لاحظته منذ أول مرة رأيتها فيها قبل عدة أيام..
لم أبالي لهما أبداً، فقد كنت أنظر نحو آرون فحسب وأنا أتحداه بعيناي بأن يرد على كلامي. لكنه فاجأني حينما ابتسم بسخرية وقال بنبرة مستفزة مجارياً سخريتي تلك "لا داعي لشكري..ياخطيبتي العزيزة"
هذا اللعين، إنه يحاول استفزازي الآن!
ورغم أنني أرغب الآن في أن أردّ عليه بإحدى ردودي التي ستخرسه حتماً، إلا أنني عضضت شفتي السفلى حتى أمنع نفسي من ذلك..ليس هذا وقت الخلاف معه، لذلك عليّ أن أضبط أعصابي وأتجاوز الأمر..
"ها ها ها، أنت ظريف حقاً"
لم يعلّق على تهكّمي الساخر ذاك، بل إنه سألني بجدية الآن "ما الذي تخططين لفعله هنا؟ لن أصدق أبداً أنكِ قطعت كل هذه المسافة من القصر الامبراطوري إلى نارتيليا من أجل حضور احتفالية ليست بتلك الأهمية بالنسبة لك."
ما قاله صحيح تماماً في الحقيقة. صحيح أنه في الأسرة الحاكمة يتم اعتبار الثنائي كالكيان الواحد، وحتى رغم أن الوحيدين الذين تم دعوتهم اليوم هم الأمراء الشبان، فقد كان من الممكن لي المجيء أنا أيضاً. ليس كأميرة، ولكن كشريكة أزلية لآرون. ربما سيشكّل الأمر إهانةً كبيرةً بالنسبة لي إذا ما لم أحضر معه في مناسبة يتم فيها دعوة الأميرات أيضاً، ولكن في احتفالية مثل احتفالية اليوم، سيكون لمجيئي برفقته دلالة أخرى مختلفة تماماً، وهي أنه يعترف بي لكوني المرأة التي سترث اسمه، ومن ستشاركه كل شيء لبقية حياته. لذلك لا ألومه أبداً إذا لم يدعُ إيميليا التي لا يرغب الزواج منها أساساً إلى شيء كهذا..
لكنني حرّكت كتفي بلا مبالاة قبل أن أقول بابتسامة ماكرة "ربما من يدري؟ لننتظر ونرى ما إذا كنت أخطط حقاً لشيء ما..ألا تتفق معي؟"
أراد قول شيء ما، لكنه تراجع عن ذلك وقد تغيرّت تعابير وجهه فجأة، لينظر نحوي بحاجبين معقودين...
سألني بعد أن تفحّص وجهي لدقيقة ربما "ما خطبك؟ تبدين شاحبةً جداً."
اللعنة!
لقد أخبرت الخادمة بأن تطلي وجهي حرفياً بمساحيق التجميل حتى تخفي إرهاقي وشحوب وجهي، فكيف استطاع هذا الشخص أن يلاحظ ذلك رغم كل شيء؟
في تلك اللحظة شعرت أنني مكشوفة تماماً أمام عينيه الزرقاوين اللتين بدتا كما لو أنهما تخترقان دواخلي.
كم أكره هذا..كم أكره هذه النظرات الثاقبة في عينيه، وتعابير وجهه التي جعلته يبدو متأكداً تماماً من أنني أخفي شيئاً ما..
لكنني أجبت بتوتر بينما أتجنب النظر في عينيه "لا شيء، أنت تتخيل فحسب. وفي كل الأحوال ذلك ليس من شأنك صحيح؟"
وقبل أن يقول أي شيء، قاطعنا صوت الكونت آرمسترونغ الذي وقف إلى جانب رفيقه الكونت كلارك أعلى تلك المنصة الصغيرة التي تم نصبها أمام مدخل الحقول مباشرة، وبجانب شجرة الفاكهة العملاقة تلك..
"سيداتي سادتي، أرجو أن تتفضلوا معنا لنبدأ احتفالنا السنوي بموسم الحصاد في نارتيليا، مدينة السلام والنماء والخصوبة، والثروة الوطنية التي تفتخر بها امبراطوريتنا العظيمة "
تلك الشجرة كانت رمزاً للنماء والثروة في نارتيليا، والتي يفترض بآرون أن يقطف منها أول ثمرة من موسم الحصاد هذا..
سكان نارتيليا يقدّسون بشدة تلك الشجرة التي كانت تثمر بكميات كبيرة كل عام، حتى أن الحصاد لا يبدأ إلا في هذا الوقت تحديداً حينما يكون ظلها مشيراً إلى الحقول خلفها كعلامة وضعوها للإعلان عن بداية موسم الحصاد..
نارتيليا تنتج ثماراً مختلفةً في كل فصول السنة، لكن سبب اعتبارهم أن الحصاد يبدأ في هذا الفصل بالذات هو بسبب نضج محاصيل القمح والشعير، وغيرها العديد من الفواكه والحبوب التي تعد الأكثر إنتاجيةً وقيمةً غذائيةً بين بقية محاصيل العام..
استغلّيت تلك الفرصة حتى أتهرّب من سؤاله، وقد نظرت نحوه لأقول بابتسامة مصطنعة وانا أغيّر الموضوع "والآن..هلا ذهبنا؟"
ولم أعطه الفرصة لكي يضيف أي كلمة أخرى، فقد سبقته إلى أمام المنصة حيث اصطف بقية الأمراء ليستمعوا إلى ذلك الخطاب الافتتاحي الممل حول ثروات نارتيليا، وبعض الحقائق التاريخية بشأنها..
وقف آرون على يميني، وقد استطعت حينها الشعور بحضوره القوي دون أن انظر إليه حتى..
نظرت إلى بقية الأمراء الواقفين على يمين آرون، لأجد جينوس وهو ينظر إليّ بالفعل. وما أن التقت عينانا حتى ابتسم باتساع ولوّح لي بيده دون أن يقول أي شيء. كوليو بدا غير مرتاح أبداً، وأستطيع القول أن هذا آخر مكان يريد التواجد فيه الآن..
أما الأمير الثاني ريموند فقد بدا هادئاً للغاية، رغم إنني أعلم جيداً أكثر من أي شخص آخر أنه يغلي الآن من الداخل..
في تلك اللحظة سكت الكونت قليلاً بعد أن انتهى أخيراً من خطابه الطويل ذاك، ليقول فجأة مخاطباً الحاضرين بابتسامة واسعة " وفي هذه المناسبة العظيمة، يشرّفني جداً أن أقدّم لكم الرئيس الجديد لعائلة آرمسترونغ، ابني العزيز كاليس آرمسترونغ. وهو الذي سيستلم من هنا الإشراف على بقية مراسم الاحتفال."
ما إن قال هذا حتى تقدّم المستشار الذي كان قد اندسّ بين الحشود.. ليصعد تلك الدرجات القليلة، ثم يقف بشموخ إلى جانب والده والكونت إيدوارد كلارك، مواجهاً حشود النبلاء أمامه دون أي توتر أو خوف..
أستطيع سماع صوت همسات الحاضرين التي ملأت أرجاء المكان، وقد بدوا مصدومين تماماً مما حدث للتو.. فمن المعروف أن المستشار قد ترك عائلته منذ عدة سنوات..
حسناً..لا تنسوا أن تتجاوزوا فقط عن حقيقة أنني لم أعرف ذلك إلا مؤخراً..
ريموند كان ينظر إلى المستشار بعينين متسعتين، وقد حدّق المستشار به في المقابل لبعض الوقت، قبل أن يبتسم بخبث لثانية ثم يتحدث بثبات وثقة مخاطباً الحضور أمامه" شكراً لكم على حضوركم هذا اليوم المهم جداً بالنسبة لنا هنا في نارتيليا. نعدكم أننا سنبذل جهدنا لنظل عند حسن ظنكم بنا، وسنحافظ على نمو وازدهار هذه الأرض المقدسة إلى الأبد. وأنا كرئيس عائلة آرمسترونغ الجديد، وكوصي نارتيليا الأول، أعلن لكم عن بداية موسم الحصاد لهذه السنة. فلنرحب جميعنا بأمرائنا الأعزاء، وبولي عهد الإمبراطورية الأمير الأول آرون رودولف دي هاديس، وخطيبته ابنة الدوق روجر هاميلوت الآنسة الموقرة إيميليا هاميلوت اللذين سيشاركاننا هذا اليوم العظيم ليباركا بوجودهما المقدس ازدهار نارتيليا، وليكون سموّهما أول من يقطف خيرات شجرة نارتيليا العظيمة التي منحت هذه الأرض الخصوبة والنماء."
كان آرون ينظر إليه بعدم استيعاب للحظات، لكنني حينها قلت له بهمس دون أن انظر إليه، بعد أن شبكت ذراعي حول كوعه دون تردد "ارفع رأسك عالياً ولا تظهر دهشتك لأحد... لنقف هناك معاً آرون."
لم يحتج الأمر مني لقول أي كلمة أخرى قبل أن تتبدّل تعابير وجهه ليبدو بارداً وغير مبالٍ تماماً الآن. تقدّمنا معاً جنباً إلى جنب باتجاه المنصة، لينزل المستشار من فوقها بخطى مدروسة، وعلى جانبيه يقف والده والكونت كلارك..
جلس الثلاثة على ركبتهم أمامنا، ليتكلّم المستشار بثبات وقد خفض رأسه بخضوع وانصياع "عائلة آرمسترونغ وعائلة كلارك وكل شخص يعيش على تراب نارتيليا يباركون لكما زواجكما القريب، ويتعهّدون لكما بكامل الولاء والطاعة."
وما إن قال هذا حتى تبعه جميع أفراد أسرة كلارك وآرمسترونغ الواقفين خلف الأمراء مباشرةً، ليجلسوا جميعاً على ركبتهم بنبل، خافضين رؤوسهم في طاعة تامة..
يمكنني سماع بعض الشهقات هنا وهناك من بقية النبلاء الحاضرين، ومن الواضح جداً أن أحداً لم يتوقع أبداً حدوث شيء كهذا..
شعرت بآرون وهو يضغط على يدي كما لو كان يسألني بصمت ما الذي يحدث الآن، لكن كل ما أظهرته له هي ابتسامتي المنتصرة تلك وأنا أتخيل كيف هي تعابير وجه ريموند الآن..
كم أرغب في الالتفات إليه لأرى كيف يبدو، وربما ابتسامة مستفزة، وغمزة سريعة باتجاهه ستفي بالغرض..
لكن للأسف، لن يكون بوسعي فعل ذلك. حسناً، ليس الآن على الأقل...
حتى لو سار الأمر كما هو مخطط وتم اختيار آرون بشكل طبيعي، لم يكن ريموند ليتأثر بذلك أبداً. فسبب اختيارهم له حينها هو لأنه ابن الامبراطور الأول، لا أكثر ولا أقل.
لكن إعلان نارتيليا الولاء الكامل له هي بمثابة صفعة قوية في وجوه جميع أعداء آرون، وخصوصاً ريموند منافسه الأول على العرش.
نارتيليا هي القلب الزراعي للامبراطورية. المدينة الساحلية الأكثر ازدهاراً، والواقعة على حدود العاصمة بشكل مباشر. هذا دون الإشارة إلى مينائها الذي يعتبر من أكبر الموانئ التجارية في سترافينيسكا، حيث ترسو فيه يومياً عشرات السفن المحمّلة بالعديد من البضائع من دول وممالك مختلفة.
باختصار، من يسيطر على نارتيليا من الأسرة الحاكمة، هو من سيملك بيده أكثر من ثلث القوة الاقتصادية للامبراطورية، وهو ما كان ريموند ووالدته يسعيان لتحقيقه.
نظر آرون نحوهم لبعض الوقت قبل أن يقول بثقة وقوة "إنه لشرف كبير لي أن أحظى بثقتكم ودعمكم. سأنتظر منكم الكثير في المستقبل.."
سارت المراسم بسلاسة بعد ذلك، وقد قمت أنا وآرون بقطف أولى ثمار تلك الشجرة معاً دون حدوث أي مشاكل..
لم يقل لي أي شيء، رغم إنني أعلم جيداً أن في عقله آلاف الأسئلة التي يود طرحها الآن.
آرون ليس غبياً، لذلك أنا على يقين أنه يعرف جيداً السبب الذي دفعني لجعل الأمر يسير بهذه الطريقة.
إننا غير متفقان أبداً، وهو الأمر الذي لا يخفى على أحد. لذلك كان من المتوقع جداً أن أجعل المستشار وعائلته يقسمون بالولاء لي أنا فحسب، دون الحاجة لاقحام آرون في ذلك هو أيضاً..
لكن فعل هذا هو بمثابة الإعلان عن بداية انقلاب داخلي في الإمبراطورية عندما يحظى شخص لا يحمل دماء الأسرة الحاكمة بقوة ومكانة كهذه..
الأمر بالنسبة لي محض تبادل منفعة لا أكثر. فأنا سأستغل آرون حتى أرفع مكانتي في القصر الإمبراطوري، بينما يمكن لآرون أن يستغلّني من أجل تقوية فرصه في الحصول على العرش..لذلك لا أظن أنه سيعترض على ما حدث حتماً.
كنت واقفةً هناك بينما ألقي التحايا على النبلاء الذين أخذوا يتوافدون نحوي من أجل تملّقي أنا وآرون. أعرف أن ولاء أسرتي كلارك وآرمسترونغ لنا ستحدث تغيّراً كبيراً في موقف العديد من النبلاء اتجاه آرون، خصوصاً من كانوا يتخذون جانب الحياد في السابق.. وحتى لو لم يكن ذلك التغيّر جذرياً، فهو سيجعلنا أكثر قوة على الأٌقل..
الطريقة التي عاملني بها أفراد الأسرتين وخصوصاً المستشار، كانت كإعلان صريح ورسالة واضحة مفادها أن الأمبراطورة التي يعترفون بها هي أنا ولا أحد غيري. وهو ما جعل النبلاء الآخرين يتعاملون معي بحذر أكبر الآن. هذا دون الإشارة إلى الإشاعات الكثيرة التي سمعوها عني بالفعل.
أخذت ابتسم بمجاملة وأنا استمع بثبات إلى أحاديثهم المبتذلة، وعبارات التملّق التي أخذوا يتبادولنها فيما بينهم. ولكن في داخلي، كنت على وشك الانهيار في أي لحظة.
أشعر أن العالم يدور من حولي، وأن كل شيء أمامي قد صار مشوّشاً للغاية. وكل ما أردت فعله في تلك اللحظة هو أن أصرخ فحسب..
إنه مؤلم...مؤلم جداً! لم يعد بإمكاني الاحتمال أكثر من هذ!
لكن لا..ليس بعد آنا..
عليكِ أن تصبري أكثر...عليكِ ان تقاومي بقوة أكبر.. لن أسمح لأحد بأن يرى ضعفي. سأظل صامدةً ولن أنهار أبداً!
كنت أقف وحيدةً بالقرب من إحدى الأشجار لما وقف الأمير الثاني ريموند إلى جانبي وقال بنبرة باردة جداً أشعرتني بالخوف لوهلة "لا تظني أنني لم أعرف أن كل ذلك كان من تخطيطك. لقد استهنت بكِ كثيراً في السابق، لكن كل شيء سيتغيّر من الآن فصاعداً. سأجعلكِ تندمين على اللحظة التي قررتِ فيها الوقوف في وجهي!"
أردت أن أرد عليه، لكن عقلي لم يكن قادراً على تكوين أي عبارة وقتها.
إلهي..أشعر أنني سأموت!!
في تلك اللحظة، شعرت بتلكما اليدين على كتفيّ من الخلف، واللتان لولاهما لكنت قد سقطت الآن.. ثم سمعت صوت المستشار وهو يقول مخاطباً الأمير بابتسامة مصطنعة "مرحباً بك يا سمو الأمير ريموند..إنه لشرف كبير لنا أن تتواجد معنا في مناسبة كهذه. شكراً لك على حضورك معنا."
ضغط الأمير على أسنانه وقال وهو ينظر نحو المستشار بحدة قاتلة "ستندم على هذا دونافان."
عندها أجاب المستشار بابتسامة مستفزة، دون أن يبدو متأثراً أبداً بما قاله "في الواقع، إنه آرمسترونغ الآن سموّك..رغم إنني أعلم أن الأمر سيحتاج إلى بعض الوقت حتى تعتاد على ذلك"
وهنا لم يكن المستشار يقصد اعتياده على الاسم حتماً، بل اعتياده على خسارته لنارتيليا بالكامل!
ويبدو أن ريموند قد فهم قصده، فقد بدا أنه على وشك الانفجار من الغضب الآن. لكنه رغم ذلك لم يقل أي شيء، بل اندفع مبتعداً عنا وعيناه تقدحان شرراً..
استدرت نحوه قبل أن ابتسم وأقول بوهن "شكراً لك كاليس، لقد أنقذتني حقاً."
"كاليس؟"
ضحكت على تعابير وجهه المتفاجئة وهو ينظر نحوي بعدم استيعاب، ثم أجبته قائلةً بمرح "سيكون من الغريب أن أناديك بالمستشار، وآرمسترونغ اسم طويل كما تعلم. لذلك فأفضل شيء أفعله هو أن أناديك باسمك الأول كاليس..أنت لا تمانع هذا صحيح؟"
ابتسم كاليس لكلامي وقال بهدوء "أجل..سأكون سعيداً جداً إذا ما ناديتني بهذا."
ثم تغيّرت تعابير وجهه ليقول برجاء وقد بدا قلقاً للغاية "حسناً..ذلك يكفي سيدتي. لم يعد هناك حاجة لبقائكِ هنا أكثر، لذلك فلتذهبي إلى الغرفة التي أعددتها لكِ وارتاحي هناك، وسأخبر داريوس بأن يلحقكِ في الحال.. أرجوكِ ألا تعترضي على كلامي هذه المرة"
لم تكن لدي طاقة للحديث حتى، لذلك أومأت رأسي فحسب، وسرت وحدي عائدةً إلى قصر آرمسترونغ الذي لم يكن بعيداً جداً عن هذا المكان..
كان الألم يزداد مع كل خطوة أخطوها، وقد شعرت أن كل شيء أمامي قد صار ضبابياً الآن..
أريد أن أنام..
قد أبقى في الفراش لأيام ربما، ولن أمانع ذلك على الإطلاق..
جسدي سيتمزق، رأسي سينفجر، وقدماي لم تعودا قادرتان على حملي. لكن علي أن أقاوم، علي أن أصل، وألا أنهار أمام أحد..
أخذت أسير وأسير في أروقة القصر حتى تراءى أمامي باب تلك الغرفة التي اصطحبني إليها كاليس قبل قليل..
أخيراً سأصل، أخيراً سينتهي كل شيء!
لكن في تلك اللحظة أوقفني ذلك الصوت الذي خاطبني قائلاً بحدة "انتظري!"
توقفت مكاني دون أن التفت إليه، وقد شعرت أنني سأصرخ من الإحباط.. ما الجحيم الذي تريده الآن آرون؟!!!
سألني بإصرار وهو يقترب مني أكثر "ما الذي تريدين الوصول إليه من كل هذا؟"
ولما لم أجب على سؤاله، أمسك بمعصمي، قبل أن يديرني نحوه بقوة دون أن يدري ما الذي سببته حركته العنيفة هذه في كل خلية من جسدي..
"آآآآآآآآآه"
صرخت بها بلا شعور، وقد كانت الدموع تسيل من عيناي دون أن أكون قادرةً على إيقافها..
مؤلم! مؤلم! مؤلم!!!!
ما إن فعلت هذا حتى أفلت آرون قبضته على الفور وهو ينظر نحوي بصدمة.. يمكنني أن أتخيل عيناي اللتان بدتا مغيبتان تماماً. وجهي الشاحب الذي سُحبت الألوان منه، وذلك العرق الذي أخذ يتصبّب من جبيني وأنا أتنفس بصعوبة..
باختصار، كنت في حالة مزرية تماماً!
كان كل شيء أمامي يتحول للسواد تدريجياً، لكنني أخذت أقاوم بصعوبة. ليس الآن آنا، ليس أمامه هو بالذات!
وضع يداه على كتفاي ليسألني بانفعال، ولا أدري إذا ما كنت أتوهم أم لا، لكنني اعتقدت أنه بدا خائفاً جداً لسبب ما آنذاك
" ما الأمر؟! ما الذي حدث لك؟!"
لكنني حينها دفعته عني بكل ما تبقى لدي من قوة، قبل أن أتراجع عدة خطوات للخلف حتى اصطدم ظهري بالحائط..
كنت ألهث بشدة، وكل شيء من حولي أخذ يدور ويدور دون توقف..
لكنني أخذت أردد وأنا أحرّك رأسي نافيةً باعتراض "لا، ليس الآن! ليس أمامك..ليس أمام أي أحد..آآآه.."
ومن دون أن أشعر، انهرت جالسةً على الأرض وظهري مستند على الحائط خلفي.. عندها اقترب مني آرون ليجلس أمامي ويضع إحدى يديه خلف ظهري، والأخرى على خصري حتى يساعدني على النهوض.. وهذا ما زاد الأمر سوءاً فحسب، فقد ضغط على مكان الجرح مباشرةً!
صرخت من الألم، وأخذت أضرب صدره بقبضتاي دون أن أشعر، بينما أردد دون وعي مني وأنا أبكي من الألم "أحمق! لعين! وغد! فلتذهب إلى الجحيم! ابتعد عني! ابتعد عني!"
أبعد آرون يديه على الفور، لكنه بدا مصدوماً تماماً وهو ينظر إلى تلك الدماء التي غطت كفه بالكامل، فأعاد بصره إلى خصري على الفور لتقع عيناه على تلك الدماء الكثيرة التي راحت تبلّل ثوبي شيئاً فشيئاً..
عندها صاح بي قائلاً بانفعال " تباً!! ما معنى هذا؟! أخبريني واللعنة ما الجحيم الذي حدث لك!!"
حرّكت رأسي نافيةً دون أن أقوى على قول أي شيء. لا يمكنني هذا، لا يمكنني أن أنهار أمامه!
أكره هذا..أكره هذا!
أكره أن يراني شخص ما بهذا الضعف! لابد أنه يسخر مني الآن..لابد أنه يفكر كم أنا مثيرة للشفقة.. يجب أن أظل قوية..يجب أن أتحمّل حتى النهاية..
انهضي آنا..لا تسمحي لأحد بأن يرى ضعفكِ أبداً!
كنت أحاول دفعه عني بيأس، لكنه لم يتزحزح من أمامي ولو قليلاً. أمسك كلتا يداي وقال وهو يضغط عليهما بعصبية "توقفي عن هذا العناد ودعيني آخذكِ إلى الطبيب أيتها الغبية! تباً لهذا.. ستفقدين الكثير من الدماء على هذه الحال!"
الطبيب؟! لا! قطعاً لا!
سوف أفقد وعيي في أي لحظة، وإذا ما كشف عني الطبيب، فحينها سوف يرى ذلك بالتأكيد!
لقد سمحت للطبيب قبل قليل بأن ينظف جرحي ويخيطه من دون أن أنزع ملابسي، فقد ضمّدت الجرح بنفسي وقتها..لكن إذا ما فقدت وعيي الآن، فسوف يرون كل شيء!
حرّكت رأسي نافيةً وأخذت أردّد باعتراض وقد بدوت مذعورةً تماماً "لا، لا، لا!"
ثم أخذت أدفعه مجدداً لكن دون فائدة..
الرؤية أمامي صارت ضبابيةً أكثر، وكان آخر ما رأيته هو وجه آرون المضطرب وهو يضغط على أسنانه محاولاً كبت انفعاله بصعوبة..
ولسبب ما، كانت يداه اللتان تشدان معصميّ ترتجفان بقوة دون توقف..
ثم بعد ذلك، لا شيء سوى الظلام..
To be continued..
*****
_رأيكم في الفصل؟
_توقعاتكم للاحداث القادمة؟
_من يكون غرايسون سيجفريد؟ وهل هناك علاقة بينه وبين آنا؟
_لماذا كان الفارس داريوس التابع لآرون متواجداً هناك برفقة الشرطة الداخلية؟
_رأيكم في خطة آنا؟
_ما تأثير ولاء كل من المستشار والفارس داريوس لآنا في المستقبل؟
_هل تظنون أن علاقة المستشار بعائلته سوف تتحسن؟
_تحدي الأمير الثاني..هل كان ذلك خياراً صائباً في اعتقادكم؟
_هل سيكون لما حدث تأثير على علاقة آنا بآرون؟ وما رأيكم بما قامت بفعله؟
_ما الذي كانت تخشى آنا أن يراه الطبيب؟ وهل سيحدث ما تخشاه؟
_ما مصير آنا الآن؟ ولماذا بدا آرون منفعلاً جداً في رأيكم؟
احداث كثيرة ومشوقة بانتظاركم في الفصول القادمة فلا تنسو متابعتي..
ستبدأ امتحاناتي قريباً وسأنشغل كثيراً في الشهر القادم، لذلك سيكون هذا آخر فصل أنشره حتى شهر مارس ربما💔😭😭
وإلى أن أعود إليكم مجدداً احبتي، أرجو حقاً أن تكونوا في انتظاري مع أحداث جديدة وشيقة تحملها لكم الفصول القادمة❤❤
سأشتاق لكم..دمتم في أمان الله وحفظه😘
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top