Chapter 4

《الفصل الرابع: عيد ميلاد قطة لعينة!》

¤¤¤¤¤¤

"هذا الثوب سيلائمكِ أكثر!"

"لا، هذا الثوب سيبدو أجمل عليكِ، كما أنه سيبرز لون عينيكِ الفضيتين!"

" لا أوافقكِ الرأي. أعتقد أن اللون الأخضر يناسب الآنسة أكثر. أنا واثقة من أنها ستبدو أجمل من في الحفلة!"

"ذلك ليس صحيحاً، الثوب الزهري سيبدو أجمل بكثير!"

"لا، الأزرق هو الأفضل!"

"بل إن الأخضر هو أجملهم!"

"هذا يكفي!! الأثواب الثلاثة تبدو جميلةً جداً ولا فرق بينها، لذلك توقفن عن هذا!"

كان علي أن أصرخ بذلك حتى تتوقف هؤلاء الخادمات الثلاث عن نقاشهن الذي استمر لأكثر من نصف ساعة الآن، حول الثوب الذي سيلائمني أكثر في الحفلة التي ستقام الليلة.

لقد كنّ متحمسات جداً لتجهيزي، وقد اقتحمن غرفتي حرفياً هذا الصباح من أجل مساعدتي في العناية ببشرتي وأظافري، وتسريح شعري أيضاً.

أقسم أنني لولا تعابير وجوههن المتحمسة، لاعتقدت أنهن يحاولن تعذيبي بطريقة ما. لا أفهم سر اهتمامهن المفاجئ بالمظهر الذي سأبدو عليه الليلة، رغم أن هذه الحفلة ليست بتلك الأهمية حقاً.
لكن عندما أخذن يتصرفن هكذا، تذكرت ما قاله لي إيريك يومها. أعتقد أنه كان محقاً في كلامه، فيبدو أنني صرت محبوبةً بين الخادمات حقاً، رغم أنني لا أفهم السبب بعد.

نظرت بين الأثواب الثلاثة التي كانت تحملها كل واحدة منهن، وقد كانوا جميعهم في غاية الجمال والروعة. لكنني ولكي أنهي هذا الخلاف بينهن، أحتاج لأن أختار واحداً منهاً جدياً.

لذلك أشرت لذلك الثوب الحريري الأزرق ذو الزخارف الذهبية، والذي كان عاري الظهر، بأكمام مسدولة أسفل الكتفين. لأقول منهيةً ذلك الخلاف بينهن" سأرتدي هذا اليوم، ثم سأرتدي البقية في يوم آخر، ما رأيكن بهذا؟"

تهلّلت أسارير الخادمة التي اختارت ذلك الثوب، بينما بدت الأخريتان محبطتان بعض الشيء. فقمت من مكاني على الكرسي، وسرت نحوهما لأضع يداي على كتف كل واحدة منهما وأقول بابتسامة هادئة "لقد أحببت الثوبين الذين اخترتماهما لي حقاً. سوف أتطلع لارتدائهما في الحفلات القادمة. ستساعدنني على ذلك حينها صحيح؟"

نظرت كلتاهما نحوي بدهشة لبعض الوقت. ثم بدتا محرجتين فجأة، وقد خفضن رأسيهما ليقولا معاً بشيء من الخجل "أ..أجل، بالتأكيد آنستي"

جلست على الكرسي الصغير أمام المرآة الطويلة، ليبدأن في تجهيزي، ووضع مساحيق التجميل وزينة الشعر وما إلى ذلك..

اليوم ستقام حفلة كبيرة في القصر بسبب عيد ميلاد قطة الامبراطورة.

آه أجل، أنتم لم تسمعوني بشكل خاطئ. إنهم حقاً يحتفلون بسبب ولادة قطة!!

إذا ما كان الأمر بيدي، فأنا لن أخطو داخل هذه الحفلة السخيفة أبداً. لكن وبما أن الأمر متعلّق بالامبراطورة اللعينة، فليس بوسع أي شخص التغيّب أبداً. سوف يحضر العديد من النبلاء والشخصيات المهمة فقط من أجل تملّقها، وتقديم الهدايا لتلك القطة التي يبدو أنها أكثر حظاً من الكثير من البشر في هذه الامبراطورية.

تلك الحفلة جعلتني أدرك مقدار الفساد الكامن داخل القصر الإمبراطوري. أن يتم صرف أموال طائلة من خزينة الدولة على شيء تافه كهذا، بينما تعاني نسبة كبيرة من الشعب الفقر والجوع، هو أمر مريع حقاً.

العديد من النبلاء قد اتخذوا جانب الامبراطورة بالفعل بعد خطوبة إيميليا وآرون، لأنهم يعتقدون أنه لا فرصة لآرون في الحصول على العرش بعد الآن.
بالنسبة للكثيرين، فالمرشح الأول الآن لمنصب الامبراطور القادم هو الأمير الثاني ريموند ابن الامبراطورة الأول. وإذا ما بقي العرش في يد هؤلاء، فلن يحدث أي تغيّر حقيقي داخل الإمبراطورية أبداً، وسنستمر فقط في النزول إلى الحضيض بين الممالك الأخرى.

لقد سمعت أنه تم احتلال الكثير من الأراضي الحدودية بالفعل من قبل بعض الممالك المجاورة، كما أن الوضع الاقتصادي للإمبراطورية هو الأسوأ الآن منذ بداية تأسيسها قبل مئات السنين.
أنا لا أهتم كثيراً لما ستؤول إليه الأوضاع سياسياً. لكن التفكير في أن من سيعاني في النهاية هم الشعب فحسب يشعرني بالغضب حقاً.

أخذت نفساً عميقاً قبل أن انظر إلى نفسي في المرآة. بدوت جميلةً حقاً بذلك الفستان الأزرق، وشعري الذي قمن بتصفيفه بشكل جميل جداً، حيث تركنه مفتوحاً بتموجات في أطرافه، بينما جعلنه منسدلاً على كتفي.

شكرتهن وأنا أشعر بالرضا تماماً من مظهري، وقد أغرقنني بعبارات الإطراء والمديح بينما ينظرن إليّ بإعجاب شديد. ولأكون صادقةً، فقد شعرت بالخجل نوعاً ما.

بعد دقائق قليلة، سمعت صوت طرق خفيف على الباب. لابد أن إيريك قد أتى لاصطحابي، فبالطبع لن يكلّف آرون نفسه عناء الحضور ومرافقتي إلى الحفلة كما يفترض أن يفعل.

فتحت الخادمة الباب لتأذن للشخص الواقف خارجاً بالدخول.

ولكن لدهشتي، لم يكن الشخص الذي وقف إلى جانب الباب هو إيريك، بل إنه فارس آخر من الفرسان التابعين لآرون.

ذلك الشعر البرتقالي، والعينان الارجوانيتان. إنه بحسب ما أذكر الفارس إيفان هاديسون.

قال بفظاظة وهو ينظر نحوي بتلك العينان الباردتان اللتان تحملان عدائيةً واضحةً اتجاهي "الفارس إيريك مشغول بأمر ما، لذلك جئت لاصطحابك بدلاً عنه. فلتسرعي، لا وقت لدي لأضيعه."

عقدت حاجبيّ بانزعاج لما تكلّم معي بتلك الطريقة الوقحة. لكنني نهضت من مكاني وقلت بحدة بينما أعقد يداي أمام صدري "أيها الفارس المحترم. ألا تعلم أنه من الوقاحة أن تتحدث معي بهذه الطريقة؟ حتى لو كنت تكرهني، فلا يحق لك عدم احترامي هكذا."

خفض رأسه وقال معتذراً ببرود، ومن الواضح أنه لا يعني ذلك على الإطلاق" اعذري وقاحتي يا آنسة، لكن ما العمل؟ لا أستطيع احتمال النظر إليك أبداً."

أرادت إحدى الخادمات قول شيء ما، وقد بدت غاضبة جداً. لكنني أشرت لها بيدي لأن تتوقف وقلت بهدوء "لا بأس، سوف اهتم بهذا وحدي."

وابتسمت لهن لأقول "شكراً لكنّ حقاً على مساعدتي. يمكنكن الانصراف الآن"

لم تبد الخادمات مقتنعات بذلك تماماً، لكنهن غادرن على أي حال بينما يرمقن إيفان بكره واضح.

ما إن أغلقن الباب، حتى جلست على أحد تلك الكراسي الفردية الوثيرة وقلت بشيء من السخرية "واو. أنت لا تحاول إخفاء كرهك لي حتى. ما الذي فعلته لك حتى أستحق هذه المعاملة من قبلك؟"

نظر نحوي بكره وقال وهو يضغط على أسنانه بسخط " لا تدّعي الغباء آنسة هاميلوت. إن السيد الوحيد الذي أعترف به في هذا العالم هو سموّه فحسب. وبما أنكِ تقفين في طريقه، فلن أسامحكِ أبداً. أنتِ تعرفين أنكِ السبب في تضاؤل فرصه للحصول على العرش، ومع هذا ترفضين الابتعاد عنه.
لكن لا تقلقي. فعندما يحين الوقت المناسب، سأكون أنا أول من يقضي عليكِ حتماً. لذلك لا تتوقعي مني أن أتصرّف معكِ بودّية ولو للحظة!"

ابتسمت لكلامه بسخرية. في العادة يفترض بي أن أكون غاضبة، وأن أرد عليه بكلام يخرسه تماماً كما أفعل دائماً. لكنني أعلم جيداً أن هذه الطريقة لا تنفع مع فارس قوي جداً مثله. إنه لن يخاف مني أبداً، وبالتأكيد لن يشعر بالإهانة حتى لو استعملت أسلوبي الساخر معه.

فقلت وأنا أنظر إليه بمكر "على العكس، إنني ممتنة لك جداً على كونك صريحاً معي. أعني كما تعلم، سيكون الأمر مزعجاً أكثر إذا ما تصرفت بودّية معي، بينما تكنّ لي مثل هذه المشاعر الحاقدة. الآن أنت بالنسبة لي عدو واضح علي الحذر منه دائماً، وليس صديق أقلق بشأن خيانته لي في أي لحظة. أظن أننا متفقان الآن على مشاعر العداوة المتبادلة فيما بيننا صحيح؟"

بدا متفاجئاً جداً لما قلت هذا، ويبدو أنه لم يتوقع كلامي أبداً.

لكنه قال وهو ينظر نحوي بغيظ " ما الذي تهدفين له تحديداً؟ أن تتغيري فجأة، وتستمري بإثارة الضجة في القصر بسبب تصرفاتك. إنني لا أفهم حقاً ما الذي تحاولين فعله بالضبط. هل تخططين لإيذاء سموّه بأي طريقة؟"

وضعت رجلاً فوق الأخرى، قبل أن أقول وأنا أنظر نحوه بغرور " عزيزي الفارس إيفان. إذا ما أمعنت النظر في تصرفاتي، فسوف تدرك أنها كلها تصبّ في مصلحة آرون. ربما نكون عدوّين، لكن شخصيتي السابقة كانت هي العائق الأول أمامه. وبما أنني تغيّرت، فإن فرصه للحصول على العرش أصبحت أقوى بكثير. ألا تعتقد هذا؟"

ضغط على أسنانه وهو يدرك جيداً أن كلامي صحيح تماماً.

في الواقع، أنا لم أكن أخطط لفعل هذا أبداً حينما بدأت بفرض نفسي على الآخرين. لكنني سمعت الكثيرين يهمسون بهذه الحقيقة مؤخراً. وسواء كنت أنا وآرون على وفاق أم لا، فلا شيء سيغيّر حقيقة أن تغيّر شخصية إيميليا، ستكون هي العامل الرئيسي في تغيّر وضع آرون ولو قليلاً.

لكنه نظر نحوي بكره وقال " هل تعتقدين أنني سأصدق أنكِ ستتغيرين فجأة هكذا بلا دوافع خفية؟ أنتِ تخططين لشيء ما حتماً. وأياً كان ما تسعين له، فلن أسمح لكِ بالوقوف في وجه سموّه أبداً ولو كلفني ذلك حياتي!"

ياه، إنه يكرهني حقاً!

لكن بالنظر إليه، يبدو أنه مخلص جداً لآرون. ذلك التصميم الذي رأيته في عينيه جعلني أدرك جيداً كم هو جاد في كلامه. إذا ما شعر أنني سأشكل تهديداً حقيقياً على سيده، فهو سيقتلني دون تردد.

قمت من مكاني وسرت باتجاه الباب، لأقول ببرود دون أن انظر نحوه "سواء كنت أخطط لشيء ما أو لا، فذلك ليس مهماً. يمكنك الاستمرار في مراقبتي، ولتأتي لقطع رأسي إذا ما شككت في أنني أنوي إيذاء سيدك حقاً"

ثم نظرت نحوه لأردف بثقة " لكن أتعلم إيفان؟ إنني لست خائفةً منك أبداً. لستَ طيباً ومتساهلاً، وبالتأكيد لن تحاول عقد هدنة معي مثل إيريك، لكنك لن تقتلني بلا سبب. أعلم أنك لست من النوع الذي سينتظر أوامر آرون حتى تنهي حياتي. لكن ولهذه اللحظة، أنت لا تفكر بي كمصدر خطر أبداً. ليس بعد على الأقل."

بدا متفاجئاً جداً لما قلت هذا، لكنه حاول الإنكار بقوله " ذلك ليس صحيحاً، أنا__"

قاطعته لما قلت بثبات "إنكارك لن يغيّر الحقيقة أبداً."

لكنني ابتسمت وأردفت بفتور "إنني أحترم جداً ولاءك الشديد لسيدك. ولأكون صادقةً معك، أشعر بالغيرة قليلاً من آرون لأنه يمتلك شخصاً مثلك إلى جانبه. فلتستمر في حماية ظهره كما تفعل الآن"

قلت هذا لأغادر الغرفة دون أن انظر إليه، وأستطيع أن أشعر بنظراته المتفاجئة نحوي. لكنني توقفت واستدرت نحوه لأقول باستدراك " أوه صحيح! علينا الذهاب إلى غرفة الأميرة ماريانا أولاً، فهي سوف ترافقنا إلى الحفلة أيضاً."

بدا مستغرباً جداً لما قلت هذا. لكنني تابعت طريقي باتجاه غرفة ماري التي صرت أذهب إليها باستمرار مؤخراً، دون أن التفت نحوه مرةً أخرى.

لا أستطيع القول أننا صرنا صديقتين فعلاً، فلا أزال غير قادرة على الوثوق بها تماماً. لكننا مع هذا كنا ننسجم معاً حقاً.

في الأمس قمت بإقناعها بأن ترافقني إلى الحفلة.

كانت خائفةً جداً من ردة فعل والدتها إذا ما ظهرت للعلن، لكنني لم أسمح لها بالتراجع أبداً. عليها أن تدرك أن السبيل الوحيد لوضع حد لظلم والدتها، هو أن تقف في وجهها وألا تسمح لها بإهانتها مجدداً.
هي أميرة معترف بها في هذه الإمبراطورية، ومن حقها الشرعي أن تحضر المناسبات العامة، وأن يكون لها دور في الحياة الاجتماعية داخل القصر. ولا يوجد أي قانون يمنعها من ذلك، حتى وهي غير قادرة على رؤية أي شيء.

لما دخلت إلى غرفتها، كانت الخادمات قد ساعدنها على ارتداء فستانها بالفعل. لا يزال جمال هذه الفتاة البريء يبهرني كالعادة. بدت كالملاك في ذلك الثوب الفضي الطويل، والذي كان عاري الكتفين والظهر، ومصنوعاً من قماش الشيفون الناعم.

قلت وأنا انظر إليها بإعجاب شديد" واو ماري! تبدين جميلةً جداً! أنا واثقة من أنكِ ستكونين أجمل من الحفلة حتماً."

استطعت ملاحظة تورّد وجنتيها لما قلت هذا، وقد قالت في خجل بينما تعبث بأصابعها "أنتِ تبالغين إيميليا، إنني لست بذلك الجمال حقاً"

أردت الاعتراض على كلامها، لكنني توقفت ما إن لاحظت ارتجاف جسدها، وقد كانت تبدو خائفةً جداً.

تكلّمت بنبرة قلقة، ويبدو أنها كانت تحاول إخفاء خوفها بصعوبة "لا أظن أن الذهاب إلى هناك هي فكرة صائبة بعد كل شيء. أعني، ماذا لو أن ذلك سيغضب الامبراطورة؟"

سرت نحوها لأشد كلتا يديها، وأقول بثقة بينما أضغط عليهما وأنا أحاول تشجيعها " لا تكترثي لتلك اللعينة. فلتذهب هي وغضبها إلى الجحيم! أنتِ لم تفعلي أي شيء خاطئ حتى تكوني قلقةً بشأنها. سوف أدعمك، وسوف أبقى بجوارك طوال الوقت، لذلك لا تخافي من أي شيء. إذا ما أردتِ أن تعيشي حياتكِ كأميرة حقيقية بدلاً من الإختباء في الظل بسببها، عليكِ أن تكوني قويةً وتقفي في وجهها. حتى لو كان ذلك صعباً في البداية، أنا واثقة من أن الأمور ستتحسن بمرور الوقت، حينها لن يجرؤ أحد على التقليل من شأنكِ أبداً."

ابتسمت لكلامي وقالت بصوت متحشرج وهي تكبت دموعها بصعوبة" شكراً لكِ حقاً إيميليا. حتى لو لم يسر الأمر على ما يرام، فسأكون ممتنة لكِ جداً لأنكِ منحتني الشجاعة على الأقل حتى أخرج وأقابل العالم أخيراً."

طوّقت يدي حول عنقها، وقلت مشجعةً بنبرة مرحة بينما ادفعها معي باتجاه الباب " هيا، لا تكوني متشائمةً ماري، سوف يكون كل شيء بخير."

استطعت ملاحظة إيفان وهو ينظر نحوي بغرابة.

يبدو أن أحداً لم يتوقع أن أكوّن علاقةً جيدةً مع الأميرة ماريانا التي من المعروف أنها الحليف الأول لآرون. حتى إيريك كان متفاجئاً جداً عندما علم أننا صرنا صديقتين. لكنني بصراحة لا أهتم لرأي الآخرين أبداً.

سرنا معاً باتجاه قاعة الاحتفالات، وقد كنت أتحدث مع ماري حول مواضيع مختلفة لم تكن أي منها بتلك الأهمية. لكنني توقفت مكاني ما إن رأيت إحدى الخادمات تخرج أمامنا من أحد الممرات الجانبية، وقد كانت تحمل في يدها علبةً يبدو أنها علبة هدية ما. لكنها سارت بعيداً عنا دون أن تلاحظ وجودنا.

استطعت تمييز تلك الخادمة على أنها إحدى خادمات كريستينا. لكن ما الذي تفعله هنا؟ فغرفة كريستينا بعيدة جداً عن هذا الجناح.

نظرت إلى إيفان وسألته بينما أشير إلى ذلك الممر الذي خرجت منه تلك الخادمة "هيي إيفان، إلى أين يقود هذا الممر؟"

نظر إيفان إلى الممر قليلاً، ثم قال بامتعاض كما لو كان يجبر نفسه على الإجابة "إنه يقود إلى الجناح الخاص بسموّه."

همممم، ذلك مثير للريبة حقاً. ما الذي كانت تفعله خادمة كريستينا في الجناح الخاص بآرون؟

لكنني رغم هذا تابعت طريقي برفقتهما باتجاه القاعة.

ومع اقترابنا من الباب، صرت قادرةً على سماع أصوات ضجيج الحاضرين في الداخل. من المضحك حقاً التفكير أن كل هؤلاء قد حضروا فقط من أجل الاحتفال بمولد قطة!

لما دخلنا عبر ذلك الباب الكبير ذي النقوش الذهبية الفاخرة، استطعت أن ألاحظ أنظار الكثيرين باتجاهي. كنت أسير إلى جانب ماري، والتي كان إيفان قد أمسك يدها ليساعدها على السير.

يمكنني سماع همسات الحاضرين وهم يعلّقون على ماري التي يبدو أنهم قد لاحظوا وجودها الآن. إنها المرة الأولى التي يراها فيها الناس على الأغلب. لكن شعرها البنفسجي المميز، جعل من المستحيل بالنسبة لهم ألا يتعرفوا عليها كابنة الامبراطورة.

كونها ولدت وهي غير قادرة على الرؤية، هو أمر لا يعد سراً على أحد. ولكن بسبب أنها لم تكن تحضر المناسبات الاجتماعية، فقد خفّف ذلك من أحاديث الآخرين عنها، وهو ما أرادت الامبراطورة حدوثه.

يمكنني رؤيتها من زاوية عيني وهي جالسة على عرشها، بينما تجلس قطتها السمينة البيضاء تلك على فخذيها وهي تتثاءب بكسل.

كانت تضحك بتصنّع على شيء ما قالته تلك المرأة الواقفة أمامها، لكنها توقفت عن الضحك وقد تجهّم وجهها فجأة ما إن رأتني أنا وماري نسير باتجاهها.

كانت ماري خائفةً جداً، وقد تشبثت بذراعي من الخلف بعد أن تركت يد إيفان الذي لحقنا ببطء على بعد أمتار قليلة خلفنا.

توقفت أمامها دون أن أبالي بنظراتها الغاضبة تلك، لأنحني باتجاهها وأقول باحترام مصطنع " عمتِ مساءً يا جلالة الامبراطورة. أرجو لكِ ولقطتكِ العزيزة دوام الصحة والعافية، وعمراً طويلاً مليئاً بالفرح والسرور"

ياااه، لكم أرغب حقاً بالضحك في وجهي على ما قلته للتو! أعني بربكم، كيف يفترض بي أن أهنئ شخصاً ما على عيد ميلاد قطته؟! مهما فكرت في الأمر، أجده سخيفاً حقاً!

انحنت ماري أمام والدتها أيضاً وقالت باحترام شديد "عمتِ مساءٍ يا جلالة الامبراطورة. أتمنى لكِ__"

لكن الامبراطورة قاطعتها لما قالت بحدة وهي تنظر نحوي بعد أن تأكدت أنه لا وجود لأحد إلى جوارنا " ما الذي تفعله عديمة الفائدة هذه هنا؟"

انتفضت ماري بألم من كلمتها تلك، بينما عقدت حاجباي وأنا أنظر نحوها بانزعاج. إنها والدتها، فكيف تتحدث عنها بهذه الطريقة؟!
لكن حسناً، ليس وكأنني في الموضع الذي يسمح لي بالحكم عليها، فوالدتي العزيزة كانت أسوء بكثير!

ابتسمت لها بتصنع، لأقول بينما أنظر لها بتحدٍ من أن ترد على ما أقوله "لقد أرادت سمو الأميرة ماريانا أن تلقي عليكِ التحية، وتهنئكِ بعيد ميلاد قطتكِ الموقرة. فكما تعلمين يا جلالة الامبراطورة، إن من واجب سموها كأميرة شرعية في هذه الامبراطورية أن تكون متواجدةً في جميع المناسبات الاجتماعية."

ثم وضعت يدي على خدي وقلت مدعيةً القلق " ما الذي سيقوله العامة عن الأميرة التي لا تُري وجهها للناس أبداً؟ كما أنها ابنة جلالتك، وهذا يجعل الأضواء مسلطةً عليها بشكل أكبر. ألا تعتقدين ذلك؟"

إن ترجمة كلامي ونظراتي هي باختصار (من حق ماري الشرعي أن تحضر هذه المناسبات وتظهر في العلن كما شاءت، وحتى مؤخرتكِ اللعينة لا يمكنها منعها من ذلك أبداً، لذلك أغلقي فمكِ اللعين وتنحي جانباً فلا يحق لكِ قول أي شيء!)

أخذت تضغط على أسنانها بسخط، وهي تدرك جيداً أنها لا يمكنها الرد على كلامي أبداً.

فابتسمت بإشراق مصطنع وأنا أشعر بالانتصار، لأشد طرفي ثوبي وانحني مرةً أخرى قبل أن أقول برقة " والآن، استأذن جلالتك. أراكِ بعد قليل في وقت تقديم الهدايا. سوف انصرف الآن"

قلت هذا لأمسك يد ماري وأسحبها معي بعيداً عنها. طوال الوقت كنت أستطيع الشعور بنظرات إيفان الغريبة اتجاهي، لكنني لم أعره أي اهتمام في الواقع.

ما إن ابتعدنا عنها، حتى توقفت أنا وماري في جانب القاعة بعيداً قليلاً عن الحشود من حولنا. عندها قالت ماري بامتنان " شكراً لك حقاً على ما فعلته قبل قليل إيميليا. لقد كنت خائفةً جداً مما ستفعله، لكنكِ أخرستها تماماً. أنتِ مذهلة حقاً!"

قلت بانزعاج بينما أضع كلتا يداي على خصري "لقد أخبرتكِ بذلك ألف مرة ماري. إذا ما أردتِ إيقاف تلك اللعينة عند حدها، عليكِ أن تتصرفي بثقة، فما تفعلينه ليس خاطئاً أبداً. وحتى لو كانت هي الامبراطورة، فلا يمكنها منعكِ من فعل ما هو حقك."

أرادت قول شيء ما، لكن ذلك الصوت الأنثوي الحاد الذي صار بالنسبة لي مثل سيمفونية مزعجة لفنان فاشل، قاطعها لما قالت بسخرية "ماذا لدينا هنا؟ الغبية صاحبة الترتيب الأول في الامبراطورية، رفقة المعاقة عديمة الفائدة؟ يا له من مزيج مثالي حقاً!"

أعقبت كلماتها صوت ضحكات تلكما الفتاتان الواقفتان خلفها، واللتان بدتا مثلها تماماً في ذلك المظهر الذي يشبه العاهرات.

استطعت ملاحظة تصلّب جسد ماري، ويبدو أنها كانت تحبس أنفاسها في شيء من الخوف. هل حقاً تخاف من هذه الحمقاء التي لا تمتلك شيئاُ سوى لسانها ومظهرها الجيد فحسب؟

بالنسبة لي، قلّبت عيناي بضجر بعد أن مللت حقاً من محاولاتها الفاشلة لإهانتي.

قلت ببرود وأنا انظر إليها بلامبالاة "آه، لابد أنكِ تتحدثين عن نفسكِ صحيح؟ فبحسب ما أرى، أنتِ المعاقة الوحيدة هنا يا سمو الأميرة"

ثم أشرت إلى رأسي بإصبعي وأردفت بسخرية "عقلياً كما تعلمين"

ما إن قلت هذا حتى توقفت تلك الفتاتان عن الضحك وهما تنظران إليّ بصدمة، بينما اصطبغ كامل وجه كريستينا بالحمرة وهي ترتجف في مكانها من الغضب.

لكنني لم أكترث لنظراتها تلك، فقد عقدت يداي أمام صدري لأتابع وأنا أحرّك رأسي مدعيةً الأسف "إن حالتك مستعصية جداً يا عزيزتي. ربما عليكِ الجلوس في مكان قطة والدتكِ، فلا أستطيع أن أرى أي اختلاف بينكما من الناحية العقلية. ألا توافقينني الرأي؟"

الآن صارت غاضبة أكثر. قالت بسخط بين أسنانها التي ظلت تضغط عليها بقوة "كيف تجرئين على إهانتي هكذا أيتها اللعينة؟"

لم أبالي حقاً بذلك، فقد صار ذلك يمثل روتيناً بالنسبة لي.

في العادة، كانت ستحاول رد اعتبارها خصوصاً أن الأمر قد حدث أمام صديقاتها. لكن ولدهشتي، فقد تمتمت بغيظ وهي تسير مبتعدةً عني "تباً، لا وقت لدي لأضيعه على حقيرة مثلك!"

أحقاً هذا كل شيء؟ أعني جدياً، إنها المرة الأولى التي ينتهي فيها لقاؤنا بهذه البساطة! لكن حسناً، ربما علي أن أكون ممتنةً لها، فأنا صدقاً لا أرغب في أن أفسد هذا اليوم الكريه أكثر. يكفيني أنني أرتدي كل هذه الملابس المبهرجة، بينما علي احتمال نفاق النبلاء لليلة كاملة فقط من أجل عيد ميلاد قطة لعينة!

لكن ماري بدت متضايقةً جداً لسبب ما. ظننت أنها كانت خائفةً من شقيقتها، لكن تعابيرها جعلتني أدرك أن هناك شيء آخر يزعجها. وقبل أن أسألها، قالت لي بقلق شديد " الأمر ليس مطمئناً إيميليا. إن كريستينا لن تتجاوز عن إهانتكِ بهذه السهولة. إنها لا تكون هكذا إلا عندما تكون قلقةً من شيء ما، وقلق كريستينا يعني أنها تخطط لشيء ما وتخاف أن يتم إفساده. أستطيع الشعور بذلك، إنها تنوي القيام بشيء سيء جداً. وذلك يعني أنها على الأرجح..."

فتابعت عنها لما قلت بتفكير "تدبّر لمكيدة جديدة.."

وعندما تدّبر كريستينا لمكيدة ما، فلابد أن يكون للأمر علاقة بآرون بطريقة أو بأخرى. وكما لو أنه قد شعر بأننا نتحدث عنه أو ما شابه. فقد ظهر من العدم ليقف أمامي، وقد اعتلت وجهه نظرة متجهمة بينما ينظر نحوي.

قال بحدة وهو يضغط على قبضته بقوة"ما الذي تظنين نفسكِ فاعلةً بجعل ماري تأتي إلى مكان كهذا؟ إنني لا أهتم حقاً بما تفعلينه، لكنني لا أسمح لكِ بجرّها مع

والتسبب في المشاكل لها هكذا!"

تنهدت بتعب، وقد توقعت حقيقةً أنه سيأتي إلي ويقول ذلك حتماً. لكنني نظرت إلى عينيه بقوة، لأقول بنبرة واثقة دون أن أبعد عيني عنه ولو للحظة "وما المشاكل التي ستسببها أفعالي لماري بالضبط؟ الامبراطورة ستغضب، وستزيد تنمرها عليها؟
ذلك ليس صحيحاً أبداً، فماري لم تخطئ في شيء حتى تشعر بالخوف منها. إذا ما استمرينا في التصرف كما لو أننا الطرف المخطئ هنا، فلن يتغيّر أي شيء. ستستمر تلك اللعينة في معاملة ماري بظلم وإهانتها طوال الوقت، بينما تظل هي مجبرةً على الاختباء من الجميع، والعيش في الجحيم الذي فرضته عليها والدتها. عليك أن تدرك ذلك آرون. إذا ما أرادت ماري أن تتحرّر من قيود تلك المرأة، فعليها القتال في سبيل ذلك. لا الجلوس في الزاوية، والقبول بكل أفعالها الحقيرة بصمت هكذا!"

سكت قليلاً وهو ينظر في عينيّ كما لو كان يبحث عن شيء ما من خلالهما. وحتى رغم نظراته الحارقة نحوي، فلم أتزحزح من مكاني أبداً، ولم أقطع الاتصال البصري بيننا إطلاقاً.

أردته حقاً أن يفهمني. مهما كانت علاقتنا سيئة جداً، فعليه أن يدرك أنه حينما يتعلق الأمر بماري، فإنني أفكر في مصلحتها مثله تماماً.

أخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول بهدوء هذه المرة "لن أغفر لكِ أبداً إذا ما فعلتِ أي شيء قد يضر ماري بأي طريقة"

فأجبت على كلامه بثقة أكبر" لا تقلق، فأنا حتماً لن أفعل هذا. ربما لم نتعرف إلا قبل فترة وجيزة، لكن ماري مهمة جداً بالنسبة لي. ضع هذا في بالك جيداً"

أومأ بصمت دون أن يعلّق على كلامي، بينما عيناه لم تحيدا عني أبداً. لكنه نظر إلى ماري بعد برهة وقال بجمود "ماري، فلتأتي معي قليلاً. هناك شيء يجب أن نتحدث عنه."

ما إن قال هذا، حتى تكلّمت ماري على الفور مدافعةً عني "أخي، إن إيميليا قد فعلت ذلك من أجلي حقا! إنها ليست كما تعتقدها، فإيميليا__"

لكنه قاطعها لما قال بهدوء " إنه ليس متعلقاً بها ماري."

ويبدو أن ماري قد فهمت قصده على الفور. فهو ما إن قال هذا، حتى بدت أكثر هدوءً، وقد قالت لي باعتذار "أنا آسفة حقاً إيميليا. فقد وعدتكِ بالبقاء معكِ في الحفلة، لكن علي حقاً الذهاب مع أخي الآن."

ابتسمت من كلامها وقلت بعد أن ضربتها على ظهرها بخفة "غبية! لستِ في حاجة للاعتذار لي، فهناك دائماً المرة القادمة. وفي الحقيقة، لا أريد أن تكون حفلتنا الأولى معاً هي حفلة عيد ميلاد قطة!"

ضحكت ماري على كلامي وقالت موافقة " معكِ حق. الأمر سخيف جداً مهما فكرتِ به!"

أمسك آرون يدها ليساعدها على السير، في حين غادر إيفان الذي ظل صامتاً طوال الوقت برفتهما هو أيضاً.

وبينما كنت أعتقد أنني صرت وحيدة الآن، سمعت ذلك الصوت المرح الذي تكلّم من خلفي قائلاً "أخبريني مجدداً، هل حقاً أنتِ لا تنوين القيام بثورة من نوع ما داخل القصر؟ لا أصدق أنه من بين كل الاشياء التي يمكنكِ فعلها، فقد أحضرتِ الأميرة ماريانا معكِ إلى هنا رغم أنف الامبراطورة!"

التفت نحوه على الفور ما إن سمعت صوته لأهتف بسعادة " إيريك!"

لكنني رغم ذلك نفخت خدي باستياء وقلت بنبرة متذمرة متجاهلةً ما قاله "أيها الخائن! كان يجب أن تقوم أنت باصطحابي إلى هنا. لقد بدا إيفان أنه على وشك خنقي في أي لحظة. ربما تراودني كوابيس بسببه في الأيام القادمة كما تعلم!"

ضحك إيريك على كلامي وقال بمزاح "ربما أصدق أن الامبراطور سيتوقف عن العبث مع النساء، ولن أصدق أنكِ أنتِ -إيميليا هاميلوت- سوف تعاني من الكوابيس بسبب شخص ما!"

عقدت يداي أمام صدري وقلت مدعيةً الانزعاج" ولم لا؟ ما الذي تعرفه عني أيها الفارس الموقر إيريك بيسكرافت؟"

ابتسم إيريك وقال بهدوء " أعرفكِ بالقدر الذي يجعلني متأكداً من أنكِ لستِ بهذا الضعف أبداً"

لما قال هذا، شعرت بالخجل نوعاً ما. لكنني رغم ذلك قلت وأنا أحاول إغاظته بينما أخفي خجلي ببراعة " واو، قدراتك في استعمال لسانك تبرهني دائماً. لا عجب أن الخادمات يلقبنك بقاتل النساء!"

عندها أمسك إيريك بذقنه وقال متظاهراً الغرور "ماذا؟ هل وقعتِ في سحري بالفعل؟"

فمددت لساني نحوه وقلت بمزاح طفولي "في أحلامك!"

لكن تعابيره المرحة قد تغيرت فجأة لينظر نحوي بجدية، قبل أن يسألني بشيء من القلق" لكن...هل أنتِ واثقة حقاً أنه من الصائب تحدّي الامبراطورة هكذا؟ أخشى أن تقوم بردة فعل ما اتجاهك."

تنهدت بضيق قبل أن أقول" لأصدقك القول، لست واثقةً تماماً من أنها لن تفعل أي شيء. لكن ذلك ضروري جداً من أجل ماري. سوف تكون بأمان أكثر بعد أن تسلّط الأضواء عليها، فحتى الامبراطورة لن تجرؤ على الإساءة إليها أمام أعين الناس."

بدا إيريك غير مقتنع تماماً من كلامي. لكنه وقبل أن يقول أي شيء، قاطعنا صوت تلك الفتاة التي وقفت بالقرب منا بينما خاطبتني قائلة "لابد أنكِ إيميليا هاميلوت صحيح؟"

نظرت نحو تلك الفتاة الجميلة ذات الشعر البني الطويل، والعينان الزرقاوان الواسعتان.

كانت ترتدي فستاناً طويلاً أزرق بلا أكمام، وقد كان مشدوداً بحزام بنفس اللون. يفترض أن تكون هذه هي المرة الأولى نلتقي بها، لكن لماذا أشعر أنها مألوفة جداً؟!

رفعت طرفي فستانها لتنحني بتحية وتقول باحترام "يسرني لقاؤك ليدي هاميلوت. اسمي آيريس راينهارت، الابنة الوحيدة للبارون أدريان راينهارت"

ثم نظرت نحوي وأردفت بابتسامة "لا أعلم إذا ما كنتِ تتذكرينني أم لا، لكننا التقينا مرةً في أروقة القصر"

وسكتت قليلاً قبل أن تضيف بضحكة مكتومة "كان ذلك عندما حطّمتِ كرامة الأمير الثالث كوليو. أتذكرين؟"

اها، الآن تذكرت! لا عجب أنني شعرت أنها مألوفة بالنسبة لي. لقد كانت هي الفتاة الغريبة التي غمزت لي في ذلك الوقت!

فقلت باستدراك وقد بدوت متفاجئةً جداً " لقد تذكرتك! لقد كنتِ أنتِ من غمزتِ لي في ذلك الوقت صحيح؟ لقد كان ذلك غريباً جداً، لذلك يستحيل أن أنسى ما حدث!"

ضحكت آيريس وقالت موافقة على كلامي "معكِ حق. لابد أنكِ استغربت كثيراً لما فعلت هذا."

وسكتت قليلاً قبل أن تبرّر بابتسامة مستمتعة "لقد كان ما فعلته في ذلك الوقت رائعاً حقاً. أنتِ قد قلتِ الكلام الذي تمنيت أن أقوله له طوال الوقت"

ترددت قليلاً قبل أن أسألها بشيء من الجرأة "لكن، أنتِ واحدة من نسائه صحيح؟ أعني...حسناً. لقد كنتِ مختلفةً عن الأخريات بطريقة ما، لكنكِ كنتِ إلى جانبه لذا.."

أجابت آيريس على سؤالي بهدوء، في حين استطعت ملاحظة تلك النظرة الحزينة في عينيها "أنا لست واحدةً من نسائه، لكن هناك احتمال كبير جداً أنني سأصبح خطيبته قريباً. لقد أرسلتني عائلتي إلى القصر الامبراطوري حتى ألتقي بالأمير وأتعرف عليه. يبدو أن أمور الخطوبة تسير بسلاسة، لذلك من الممكن أن أقيم بشكل رسمي في القصر قريباً جداً حتى يكون بإمكاني تلقي تدريبات العروس المتعارف عليها لدى الأسرة المالكة"

درست تعابيرها قليلاً لأسألها بعدها بشك "لا أعتقد أنكِ سعيدة بهذه الخطوبة صحيح؟"

تنهدت آيريس بضيق وقالت باستياء "أليس ذلك واضحاً بالفعل؟ إنني أكره ذلك الأمير المدلل حقاً. إنه غبي جداً ومثير للشفقة، ولا شيء جيد به سوى وجهه. كل ما يجيد فعله هو التغزل بالنساء، والنوم معهن فحسب. إنه لا يصلح لأي شيء حقاً!"

واقتربت مني لتضيف بصوت منخفض "سأخبركِ بسر ما. في ذلك اليوم بعد أن قلتِ له ذلك الكلام، اختبئ ليومين في غرفته. وقد سمعت من الخادمات أنه قد بكى حتى! هل ترين؟ إنه عديم الفائدة ومثير للشفقة بهذا القدر!"

واو، لا أصدق هذا! ذلك الأمير المتعجرف هو في الواقع أقل شجاعة من الدجاجة حتى! لا عجب أنه كان يتجنبني طوال الفترة الماضية، فقد كان خائفاً مني!

لقد تساءلت كثيراً من قبل حول السبب الذي جعل الصراع على العرش محصوراً بين آرون والأمير الثاني ريموند، وهناك بعض الأشخاص الذين يتحدثون عن احتمالية دخول الأمير الرابع جينوس في الصراع هو الآخر. لكن الأمير الثالث كوليو، ورغم أنه أقرب من الناحية العمرية إلى آرون والأمير الثاني ريموند من الأمير الرابع جينوس، فإن أحداً لم يذكره أبداً كخليفة محتمل للعرش. لكن السبب بات واضحاً تماما بالنسبة لي، فهو لا يملك الشجاعة للدخول في ذلك النزاع أبداً.

يبدو أن آيريس لم تنهي حديثها بعد، فقد تابعت وهي تضع يدها على خدها قائلةً بنبرة حالمة "على الرجل أن يكون ذكياً ولطيفاً ومخلصاً جداً."

ثم نظرت إلى شاب بدا في نهاية العشرينات من العمر، كان واقفاً بجانب إحدى طاولات الأكل بينما يحمل في يده كوباً من الماء وهو يتحدث إلى رجل آخر.

كان طويلاً ووسيماً باعتدال بشعر أسود طويل ربطه إلى الأعلى كذيل الحصان، وعينان خضراوان عشبيتان. وتلك النظارات الطبية التي ارتداها جعلته يبدو ذكياً بطريقة ما.

علقت آيريس وهي تنظر إليه بهيام "على الرجال أن يكونوا مثله...العبقري الأول في الامبراطورية، والمستشار الأصغر سناً في القصر الامبراطوري، المستشار كاليس دونافان!"

نظرت إليه أنا أيضاً بينما أتفحصه بفضول. لقد سمعت الكثير عن عبقريته بالفعل، رغم إنه كان يتم محاربته كثيراً من قبل المستشارين الآخرين نظراً لصغر سنه، وضعف مكانة عائلته. لكن حينما يتعلق الأمر بالكفاءة، أظنه الأفضل حتماً.

كانت تنظر إليه بإعجاب شديد. لا، بل ربما يكون حباً حتى. لا أعلم، فأنا لست خبيرةً بهذه الأمور أبداً.

سألتها بشيء من الفضول "هل يمكن أنكِ تحبين المستشار دونافان؟"

تنهدت بضيق مرةً أخرى وقالت بإحباط "لا أعلم إذا ما كان حباً أم لا، لكنني أعلم جيداً أنني معجبة به كثيراً."

ثم ابتسمت بمرارة وأردفت قائلة "لكن ما العمل؟ ليس لدي خيار سوى نسيانه والقبول بالواقع، فعائلتي تعتمد عليّ في الزواج من ذلك الأمير الغبي. ربما يكون أبي تاجراً غنياً جداً، لكن مكانته بين الأسر النبيلة ضعيفة للغاية. لذلك فزواج ابنته من أحد أمراء الامبراطورية سيرفع مكانته كثيراً."

لم أعرف حقاً ما الذي عليّ قوله حتى أخفف عنها. لم أعجب بشخص ما من قبل حتى أفهم شعورها تماماً، لكنني حتما لن أقبل بأن يجبرني أحدهم على الزواج بشخص لا أطيقه من أجل مصلحته الخاصة.

لذلك قلت مستنكرةً بعد أن عقدت حاجباي باستياء "هل حقاً ستقبلين شيئاً كهذا دون مقاومة؟ عليكِ أن تحاربي لأجل مستقبلك، لا الرضوخ بصمت لرغبات عائلتكِ الأنانية!"

ما إن سمعت كلامي حتى وضعت يدها على فمها وهتفت بدهشة" أوه يا إلهي! يبدو أنكِ فهمتِ الأمر بشكل خاطئ!"

ثم ابتسمت برقة وأردفت بفتور "إن عائلتي لم تجبرني على الزواج منه، فأنا من قررت ذلك بنفسي. إنني أحب أبي كثيراً، فقد كان الوحيد الذي اعتنى بي وضحى بالكثير من أجلي بعد وفاة والدتي. حتى إنه لم يتزوج مرةً أخرى خوفاً من أن يجرح مشاعري إذا ما أدخل امرأةً أخرى في مكان أمي. لذلك أنا مستعدة لفعل أي شيء من أجله. حتى لو عنى هذا التضحية بمستقبلي، فلن أتردد أبداً طالما أنني سأكون قادرةً على مساعدته."

أظن أنه حينما يتعلق الأمر بأشياء كالعائلة والتضحية، فأنا أسوء شخص يمكنه فهم هذه الأمور على الإطلاق. لذلك لم أعرف حقاً كيف أعلّق على كلامها. لكنني قلت على أي حال بينما أشعر بشيء من الضيق "أرجو أن تكوني واثقةً من قرارك. أنتِ تعلمين طبيعة ذلك الشخص. فبغض النظر عن كونه غبياً وجباناً، فهو محاط دائماً بالكثير من النساء، ولا أظن أن ذلك سيتغير حتى بعد زواجه."

ضحكت آيريس بخفة لتقول مدعيةً المرح، رغم أنني أعلم جيداً أنها أبعد ما تكون عن ذلك "أعلم هذا جيداً. سأتزوج به من أجل مكانته فحسب، وليس لأحظى بعلاقة رومانسية معه. لا تقلقي عليّ ليدي هاميلوت، فسوف أكون بخير حتماً."

أعلم جيداً أنها ليست بخير على الإطلاق، لكنني لم أرد أن أضغط عليها أكثر. لذلك ابتسمت وقلت بمزاح " لا تنسي أن تركلي مؤخرته كلما أتيحت لك الفرصة في ذلك!"

ضحكت آيريس على كلامي وقالت بمرح " بالطبع، سأحرص على ذلك حتماً."

ثم ابتسمت وأردفت بأدب" حسناً، استأذنكِ الآن ليدي هاميلوت. لنلتقي لاحقاً ونشرب الشاي معاً، فأنا أرغب حقاً في أن أتعرف عليكِ اكثر."

بادلتها الابتسامة وقلت بهدوء" أجل، سيكون ذلك من دواعي سروري."

ابتعدت آيريس عني وقد اختلطت مع حشود الحاضرين في القاعة. عندها علّق إيريك قائلاً وهو ينظر ناحيتها " لا يبدو لي أنها ستكون بخير كما تقول. أظن أنها تحب ذلك المستشار في الواقع، فنظراتها نحوه أكثر من نطرات معجب فحسب."

تنهدت بضيق قبل أن أقول بقلة حيلة "إنه قرارها هي وحدها، لذلك لا يمكننا فعل أي شيء."

▪▪▪▪▪▪

حسناً، لحسن حظي لم يحدث أن شيء مهم بعد ذلك.

بقيت برفقة إيريك طوال الوقت بينما أراقب الحاضرين، وأتحدث معه بين الفينة والأخرى حول مواضيع مختلفة محاولين إمضاء الوقت قدر الإمكان.

ظننت أنني سأقابل والدي اليوم، لكن يبدو أنه في رحلة عمل خارج العاصمة، ولهذا لم يحضر هذه الحفلة.

لقد مضى شهر بالفعل، وقد بدأ صبري ينفد حقاً. أريد أن أطمئن على لُوي، فانا لم أستطع رؤيته حتى الآن أبداً.

أقسم أنني سأذيق الويل لذلك العجوز اللعين إذا ما أصابه أي مكروه، أو إن أساء أحد معاملته حتى. لقد حاولت مراسلته أكثر من مرة، ويبدو أنه ظل يتجاهل رسائلي طوال الوقت. لا ألومه، فهو لا يعرفني بعد. لكنني ما إن أصل إلى حدودي، فلن يكون الأمر جيداً بالنسبة له أبدا!

لقد اقترب كثيراً وقت تقديم الحاضرين الهدايا للامبراطورة، ولكن قبل ذلك سيجتمع المدعوون في قاعات الطعام ليتناولوا العشاء، ثم تنتهي هذه الحفلة السخيفة أخيراً.

كنت أنظر لمن حولي وهم يتحدثون معاً ويضحكون بتصنع واضح، وقد بدأت أشعر بالمرض حقاً من هذه الأجواء الخانقة، والوجوه المزيفة وهم يتصرفون اتجاه بعضهم بود كاذب أشعرني بالغثيان. وفوق هذا كله، أشعر بالملل حقاً! كم أرغب في العودة إلى غرفتي والنوم الآن، وربما لن أستيقظ بعدها لأسبوع كامل!

تثاءبت بضجر قبل أن أنظر بعيداً، لتقع عيناي على آرون الذي وقف أمام فتاة ما كان واضحاً أنها تتغزل به بميوعة مقززة. لكن الأهم من ذلك، فقد كان ذلك الحقير يتصرف بود معها!

حسناً، قد تكون تلك الابتسامة التي يضعها على وجهه الآن مصطنعة لأبعد الحدود، لكنه على الأقل كان يحاول..لاحظوا كلمة (يحاول) هنا..

وفي المقابل، أنا -خطيبته العزيزة- لم يعاملني لمرة كإنسانة على الأقل!

لكن أياً يكن، ليس وكأنني أهتم حقاً.

نظرت خلفه حيث وقف إيفان بهدوء بينما يحمل علبة الهدية التي أفترض أنها هدية آرون للامبراطورة. لكنني حينما دقّقت في تلك العلبة المألوفة جداً، وضعت يدي على فمي وهتفت بصدمة بعد أن أدركت شيئاً ما للتو "يا إلهي! هل يعقل أن.."

نظر إيريك نحوي باستغراب وسألني مستفهماً" ما الأمر؟ ما الذي حدث؟!"

لكنني تجاهلت سؤاله وقلت وأنا أسير باتجاه آرون "يجب أن نذهب إلى آرون حالاً، أشعر أن شيئاً سيئاً سيحدث إذا ما لم نحذره بسرعة"

الآن بدا إيريك مستغرباً أكثر. لكنه لحقني دون أن يقول أي شيء، ويبدو أنه قد أدرك مدى جدية الأمر.

وقفت إلى جانب آرون متجاهلةً تماماً تلك الفتاة الواقفة أمامه، والتي لم انظر لوجهها حتى.

شددت معصمه وقلت بصوت منخفض" آرون، عليك مرافتي إلى خارج القاعة، فهناك أمر هام عليّ إخبارك به."

نظر إلى يدي التي طوّقت معصمه لبعض الوقت قبل أن يقول ببرود قاتل "من تعتقدين نفسكِ حتى تملي علي ما أفعله هكذا؟"

كنت لأشعر بالخوف من طريقة حديثه إذا ما خاطبني هكذا قبل شهر من الآن، لكنني بت معتادةً تماماً على أسلوبه هذا. لذلك بدلاً من أن أتأثر من كلامه، قلّبت عيناي بضجر وقلت بنفاد صبر بينما أنظر إليه بملل شديد "أوه بربك آرون! أعلم أنك تكرهني كثيراً، لكن اطمئن. أنا أيضاً لا أطيقك أبداً، لذلك توقف عن التصرف كما لو كنت أحاول التودد إليك أو ما شابه."

ثم تغيّرت تعابير وجهي قبل أن أقول بجدية "لكن صدقاً، إن الأمر هام جداً، ولن تندم أبداً إذا ما استمعت إليّ هذه المرة."

نظر نحوي بشك بينما أخذ يدرس تعابير وجهي لبعض الوقت. لكنني استطعت ملاحظة ارتخاء ملامحه بعد برهة، ويبدو أنه قد وافق على الاستماع إليّ أخيراً. لذلك أبعدت يدي عنه وهممت بمغادرة القاعة، عندها أوقفني صوت تلك الفتاة التي نسيتها تماماً لما اعترضتني بشيء من الغضب "ألا ترين أنني أتحدث إليه الآن؟ كيف تجرئين على أخذه مني بهذه الطريقة الوقحة؟!"

نظرت نحوها لأول مرة بعد أن كنت قد تجاهلتها تماماً.

لكنني عقدت حاجباي على كلامها وقلت بحدة لاذعة "آرون ليس غرضاً ما حتى آخذه منكِ، فهو يملك إرادته الخاصة. وسواء أراد البقاء معكِ أم لا، فهو شيء يرجع له. لذلك أغلقي فمكِ رجاءً ولا تحرجي نفسكِ بكلامكِ السخيف هذا."

قلت هذا وغادرت دون أن ألتفت نحوها مرة أخرى، وأظن أنني قادرة على الشعور بنظراتها القاتلة نحوي بينما تغلي من الغضب.

إنها المرة الأولى التي أراها فيها، ولم تقل لي السيدة ماتيلدا عن وجود امرأة أخرى في حياة آرون.

هل يمكن أن تكون عشيقته السرية أو ما شابه؟ أوه تباً! في هذه الحالة، أشك في أنه سيوافق على القدوم معي. بل الأسوء من ذلك، ربما يتخذ موقفاً ضدي بعد أن أهنت حبيبته هكذا.

التفت نحوه ببطء وأنا انتظر منه أن يثور علي أو ما شابه. ولكن عندما التقت عينانا، كان ينظر نحوي بغموض دون أن يبعد بصره عني حتى بعد أن أدرك أنني انظر إليه الآن.

هو لم يبدو غاضباً أبداً، والأدهى من ذلك أنه لحق بي دون أن يكترث لأمر تلك الفتاة، أو يستأذنها بالمغادرة حتى!

نظراته الغريبة تلك أربكتني كثيراً لسبب ما، لذلك التفت إلى الأمام وتابعت طريقي بعد أن تأكدت أنه هو وإيفان وإيريك يسيرون خلفي الآن.

سرت إلى خارج القاعة وتوقفت في أحد الأروقة الجانبية التي كانت خاليةً تماماً من المارة. نظرت حولي للمرة الأخيرة حتى أتأكد أنه لا وجود لأي أحد، قبل أن أسير نحو الشبان الثلاثة الذيم كانوا ينظرون نحوي بتعابير مختلفة في وجوههم.

إيريك كان قلقاً على ما يبدو، وإيفان كان منزعجا جداً. بينما لم أستطع قراءة تعابير آرون كالعادة.

وقفت أمامهم لأقول وأنا أمد يدي نحو إيفان " إيفان، فلتعطني تلك الهدية.."

قطّب إيفان جبينه وسألني بحدة "هل تظنين حقاً أنني سأعطيك هدية سموه هكذا ببساطة؟ لابد أنكِ تخططين لإتلافها وإحراجه أمام الامبراطورة!"

نظرت إليه بعد أن رفعت أحد حاجباي وقلت بسخرية لاذعة "واو، أنت عبقري حقاً إيفان! إنها لخطة عظيمة مني أن أقوم بإتلاف هدية أرون مباشرة أمام وجهه!"

اكتسحت الحمرة وجهه بعد أن أدرك مدى غباء ما قاله، في حين أخذ إيريك يضحك بقوة.

عندها وكزه إيفان على خصره بمرفقه بقوة فتأوه متألماً ضاغطاً بيده على خصره، بينما وضع الأخرى على فمه وهو يكتم ضحكته بصعوبة.

لكن آرون لم يبد متأثراً بذلك أبداً. بل إنه نظر نحوي مباشرةً وسألني بجمود "لماذا تريدين رؤية تلك الهدية؟"

أجبت بجدية بينما أنظر نحو تلك العلبة في يد إيفان "لقد رأيت إحدى خادمات كريستينا تخرج من جناحك وهي تحمل علبةً مشابهةً جداً لهذه العلبة. إنني أشك أنها قامت باستبدال هديتك بشيء آخر، لذلك من الضروري أن تتأكد من محتويات العلبة قبل تقديمها للامبراطورة."

عندها نظر آرون إلى إيفان وأمره قائلاً على الفور" فلتفتح تلك العلبة حالاً"

بدا إيفان مترددا جداً في فعل ذلك. لكنه وضع العلبة على الأرض وقام بتمزيق الغلاف المزركش الذي تم تغليفها به.

رفع بصره نحو آرون كما لو كان ينتظر منه تأكيداً على خطوته القادمة. ولما رأى ذلك التصميم في عينيه، رفع غطاء الهدية ببطء.

لم أستطع منع نفسي من إطلاق تلك الشهقة المصدومة ما إن رأيت ما احتوته تلك العلبة، في حين هتفت قائلة "يا إلهي ما اللعنة..؟!!"

لقد تصورّت أن تضع تلك اللعينة أي شيء داخلها، لكن هذا لم يخطر ببالي أبداً. فداخل تلك العلبة، كانت هناك قطة ميتة. ويبدو أنه قد تم تجفيفها وتحنيطها بطريقة متقنة حتى لا تصدر أي رائحة. كان منظرها فظيعاً جداً إلى الحد الذي جعلني أرغب في التقيؤ.

بدا آرون مصدوماً جداً لما رأى ذلك، وأظن أنها المرة الأولى التي أرى فيها مشاعر مختلفة في وجهه غير بروده وتعابيره المتجهمة دائماً.

أما إيفان الذي كان ينظر إلى العلبة بصدمة هو الآخر، فقد ضغط على أسنانه بقوة وهتف بسخط بعد أن لكم الأرضية إلى جانبه بقوة "اللعنة على تلك العاهرة! كيف تجرؤ على فعل شيء حقير كهذا؟!"

لم يردّ آرون على كلامه. لكنني نظرت نحوه وقلت بجدية بينما أتجنب النظر إلى ذلك المنظر المقزز داخل العلبة "الأمر ليس بسيطاً هذه المرة آرون. إعطاؤك الامبراطورة شيئاً كهذا في عيد ميلاد قطتها كان سيحمل دلالةً خطيرةً جداً. قد يصل الأمر إلى اعتبارها رسالة تهديد، وإعلان لنية قتل اتجاه الامبراطورة. لقد تجاوزت كريستينا حدودها تماماً..ما الذي ستفعله الآن؟"

أخذ آرون نفساً عميقاً قبل أن يقول ببرود وقد أخفى مشاعره مجدداً "لن نفعل أي شيء."

ثم نظر إلى إيفان وأردف بنفس بروده "تخلصا من كل هذا ثم الحقا بي إلى القاعة"

ما إن قال هذا حتى هتف إيريك قائلاً بانفعال" ما الذي تقوله؟! أحقاً لن تقوم بأي ردة فعل اتجاه ما فعلته تلك الحقيرة؟! الأمر ليس هيناً أبداً، لا يمكنك السكوت على شيء كهذا أبداً آرون!!"

آرون؟! إيريك ينادي في آرون باسمه هكذا؟!

لكن آرون أجاب على سؤاله دون أن تتغير تعابير وجهه أبداً " الأمر كما سمعت. أظن أن كلامي واضح تماماً صحيح؟"

عندها قال إيفان وقد بدا واضحاً أنه يتمالك نفسه بصعوبة "كيف يمكن أن تتغاضى عن شيء حقير كهذا سموّك؟ إذا ما سكتنا الآن، فسوف تتمادى تلك اللعينة أكثر وأكثر!"

فقال آرون بحزم دون أن يترك أي مجال للنقاش "لقد قلت أن تنظفا هذه القذارة حالاً، ولا تضيفا أي كلمة أخرى. الحقا بي بعد أن تنتهيا من هذا."

"آرون انتظر!"

توقف آرون واستدار نحوي ما إن هتفت بهذا. لذلك استأنفت ما أردت قوله بهدوء "ليس من الحكمة أن تدخل إلى القاعة الآن بينما لا تملك هدية ما معك. فلتأخذ هديتي وتعطها للامبراطورة. إنها مع خادمتي الآن، سوف أخبرها أن تعطيها لك."

عندها سألني بينما ينظر نحوي باستغراب "ماذا عنكِ؟ لن يكون معكِ شيء تعطينه لها إذا ما أخذت هديتك!"

فعقدت يداي أمام صدري وأجبت بعد أن ابتسمت بثقة "لا تقلق بشأن هذا. لدي فكرة حول الشيء الذي سأعطيه لها مكان هديتي الأصلية. خذها ولا تطل الكلام...إنها عبارة عن طوق مزين بالياقوت من أجل تلك القطة السمينة. يمكنك التأكد من محتوياتها إذا ما كنت تعتقد أنني سأعطيك شيئاً غريباً قد يوقعك في مشكلة."

عقد آرون حاجبيه وقال بانزعاج "ليس هذا ما أفكر به، فلو أنكِ كنت تخططين لشيء كهذا ما كنتِ لتكلفي نفسك عناء إخباري عما فعلته كريستينا."

ثم سألني وهو ينظر نحوي بشك "لماذا تفعلين شيئاً كهذا؟ انتِ لا تحتاجين للوصول إلى هذا الحد من أجل مساعدتي"

عقدت يداي أمام صدري وأجبت ببرود "لا تفهم الأمر بشكل خاطئ، فأنا لا أفعل هذا لأجلك. إنني أكره أختك كثيراً، ولن أرغب حتماً بأن تنجح في مخططاتها بكل سهولة. كما أنها تمادت كثيراً هذه المرة، لذلك لا يمكنني الوقوف جانباً والاكتفاء بالمشاهدة فحسب."

أومأ آرون بصمت قبل أن يغادر المكان دون أن يعلّق على كلامي، أو يقول أي شيء آخر.

وما إن ابتعد عنا حتى هتف إيفان بعصبية بعد أن لكم الأرضية بقوة وسخط شديد" كيف يمكن ألا يكون غاضباً بسبب هذا؟!"

نظرت إليه لبعض الوقت قبل أن أقول بجمود"هل تظن حقاً انه ليس غاضباً؟ فبحسب ما أراه، الأمر عكس ذلك تماماً. إنه ليس غاضباً فحسب، بل إنه يكاد ينفجر الآن. لكنه يعلم أنه عليه أن يكبت غضبه مهما كلفه ذلك. لأكون صادقة، إنني أحترمه حقاً لكونه قادر على أن يصبر على أفعالهم حتى الآن. إن غرضهم الأساسي من استفزازه هكذا هو الحصول على ردة فعل منه. وما إن يحدث هذا، سيكون بإمكانهم تدميره تماماً. أعتقد أنه مذهل جداً كونه استطاع ضبط نفسه وإفشال مخططاتهم هكذا طوال الوقت."

تفاجأ الاثنان كثيراً من كلامي، ويبدو أنهما لم يتوقعا هذا أبداً. لكن إيفان عض على شفته السفلى بقوة وقال بقهر " لكنني لا يمكنني احتمال هذا أبداً. أن نستمر في السكوت هكذا دون أن نفعل أي شيء....إن ذلك يغيظني حقاً! عليهم أن يدفعوا ثمن إهانة سموّه هكذا..عليهم أن..."

ثم أخذ يلكم الأرض بغيظ عدة مرات حتى ظننت أنه سيكسر يده حتماً، بينما يتمتم بغيظ شديد

"تباً، تباً، تباً!"

عندها قلت فجأة وأنا انظر نحوهما بينما ابتسم بخبث "لكن أتعلمان شيئاً..إيفان..إيريك..."

توقف إيفان عما كان يفعله، ونظر إلي هو وإيريك بترقب.

فتابعت كلامي بعد أن وضعت إصبعي السبابة على ذقني وأنا أفكر بمكر " ما قلته للتو ينطبق على آرون فقط، وليس علينا نحن. نحتاج فقط لألا نسمح لأحد باكتشافنا، وعندها يمكننا فعل ما نشاء.."

سألني إيريك وهو ينظر نحوي بحذر "ما الذي تخططين له يا آنسة؟"

اتسعت ابتسامتي الماكرة تلك أكثر وقلت بشيء من الحماس "في وضعنا الحالي، قد لا يكون بوسعنا فعل الكثير. لكننا على الأقل سنكون قادرين على تلقين تلك الحقيرة درساً لن تنساه أبداً. لا يمكنني فعل ذلك وحدي، لذلك أحتاج لمساعدتكما..."

ثم سكت قليلاً قبل أن أسألهما بخبث "ما قولكما؟ هل تريدان مساعدتي في ذلك؟"

To be continued...

*******

_رأيكم في الفصل؟

_توقعاتكم للأحداث القادمة؟

_هل ستتغاظى الامبراطورة على ما قالته آنا أم أنها سترد اعتبارها بطريقة أو بأخرى؟

_تلك الفتاة آيريس التي التقت بها آنا..هل تظنون أنها سيكون لها دور في القصة؟ وإن كنتم تظنون ذلك..فما هو دورها تحديدا؟

_من تكون تلك الفتاة التي كانت برفقة آرون؟ وهل هي حبيبته حقا؟

_ هل سيؤثر ما حدث في نهاية الفصل على علاقة آنا بآرون؟ وما سر نظراته الغريبة نحوها؟

_وأخيراً...ما الذي تخطط له آنا؟ وهل سيساعدها إيريك وإيفان في ذلك؟

أحداث كثيرة ومشوقة بانتظاركم في الفصول القادمة فكونوا في انتظاري😍

لا تنسوا التعليق والتصويت على الفصل، وارجو أنه قد نال إعجابكم❤

سوف أغيب عن الواتباد لفترة ربما تكون طويلة جدا..لكنني سأعود باذن الله ما تستقر ظروفي وأصير قادرة على الكتابة مجددا..سأشتاق لكم حقاً، وأتمنى منكم أن تكونوا في انتظاري❤

أحبكم جميعا دون استثناء يا قرائي الاعزاء..وشكرا لكم حقا على قراءة روايتي😘

سأبذل جهدي لخلق فرص من أجل الكتابة، لكنني لا أعدكم بذلك..لكنني سأتطلع كثيرا للعودة في اقرب فرصة من أجل كتابة فصول جديدة وأحداث جديدة أتمنى أن تنال إعجابكم..

دمتم في أمان الله وحفظه💖

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top