Chapter 14
《الفصل الرابع عشر: أنا لا أثق بكَ بعد》
¤¤¤¤¤¤
آه ذلك مؤلم جداً..
إنني أختنق..أشعر أنني سأموت!
كنت قد بدأت أفقد وعيي تدريجيا، وقد أدركت حينها أن النهاية ستحين حتماً..
لكن غريزة البقاء في داخلي قد حثتني على أن أقاوم، وأن أقاتل من أجل أن أعيش..
أنا لا يمكنني الموت هنا..لا يمكنني السماح لأحد بسلب حياتي هكذا. إذا ما تحتم عليّ أن أموت، فسوف آخذ قاتلي إلى الجحيم معي هو أيضاً!
كنت أرفع يدي تدريجيا وسط نظري المشوش، وأنفاسي التي كنت أصارع بشدة من أجل إيصالها إلى رأسي وبقية أجزاء جسدي..
وفي لحظة واحدة، استطعت رفع أصابعي أخيراً بصعوبة بالغة، لأحشر سبابتي بقوة في عينه المفقوءة تلك. ربما لم أملك القوة الكافية لأحدث له ضرراً كبيراً، لكن ذلك كان كافياً لإبعاده عني على الأقل.
"آآآآآآه اللعنة اللعنة اللعنة!"
أخذ يصرخ بها متألماً ما إن ابتعد عني متراجعاً عدة خطوات للوراء، بينما يضغط على عينه الدامية بقوة..
أما أنا، فقد كنت قد وضعت كلتا يداي على عنقي بينما سعلت بشدة عدة مرات لما شعرت بالهواء يعود إلى مجراي التنفسي أخيراً..
سرت عدة خطوات مترنحة في تلك الغرفة بلا أي هدف معين، ولم أكن قادرةً على رؤية أي شي أمامي في الوهلة الأولى. لكنني حينها تعثرت بأحد تلك الصناديق المبعثرة لأسقط على ركبتاي أرضاً، في حين اصطدمت جانب جبهتي بصندوق آخر كان مرمياً أمامي..
"اللعنة عليك يا ابن ال__"
كنت أفرك جبهتي بألم، وقد شعرت أنها بدأت بالتورم بالفعل.
آه تباً..لماذا علي أن أعاني كل هذا بحق الله؟ّ!
في تلك اللحظة لمحت من زاوية عيني ذلك الرجل وهو يسير نحوي مترنحاً بينما يمسك سيفه بيده وهو ينظر نحوي بغضب عارم..
وقف خلفي ليرفع ذلك السيف عالياً، قبل أن يهوي به في اتجاهي وهو ينوي قتلي بلا أدنى شك، لكنني استطعت تجنبه لما استدرت بسرعة واستلقيت أرضاً على ظهري في اللحظة الأخيرة..
في تلك اللحظة كان سيفه قد قطع جزءً من ذلك الصندوق الخشبي، لينسكب ذلك المسحوق الأسود ذو الرائحة الغريبة على الأرض إلى جانبي..
كانت رائحته خانقةً جداً، لذلك أخذت أسعل عدة مرات وأنا أفرك أنفي بقوة حتى أبعد تلك الذرات الصغيرة التي استنشقتها رغماً عني..
ذلك الرجل كان مصمماً تماماً على قتلي، لذلك لم يضيّع فرصةً أخرى قبل أن يرفع سيفه مجدداً وهو يعقد العزم على ما يبدو ألا يخطئني هذه المرة..
لكنني حينها قبضت بيدي بعضاً من ذلك المسحوق الغريب لأرميه عليه بكل قوتي..
تراجع عدة خطوات مترنحاً وهو يسعل بشدة، بينما يفرك عينه اللتي لم يعد قادراً على الرؤية بها بعد أن ملأتها بغبار ذلك المسحوق..
في تلك اللحظة قمت من مكاني بسرعة، لأندفع نحوه بكل ما تبقى لدي من طاقة حتى دفعته بكتفي بقوة فسقط على الأرض، بينما سقط سيفه إلى جانبه...
نظر هو للسيف على الفور، وكان على وشك التقاطه مجدداً..
"في أحلامك أيها اللعين!"
نطقتها بحقد بعد أن ركلت السيف بكل قوتي، فاندفع بعيداً عنه قبل أن يرتطم بالحائط ليستقر هناك أخيراً.
لم يكن هناك أي وقت لأتنفس حتى..فأنا أعلم جيداً أنه وفي اللحظة التي أتخاذل فيها ولو لثانية واحدة، سيعني ذلك موتي حتماَ..
آه..إنني متعبة..
أشعر أنني قد استنفذت طاقتي بالكامل. مظهري كان مزرياً بحق. ملابسي متسخة ومكسوة بالدماء. شعري فوضوي جداً، ورأسي متوّرم وينزف منه بعض الدم، كما أن جسدي يؤلمني بالكامل..
سيكون من الرائع حقاً لو كان بإمكاني النوم الآن فحسب.
لكن لا...ليس بعد. أنا لا يمكنني الاستسلام حتماً! سوف أعيش..سوف أعيش في هذا العالم القذر رغماً عن أنف الجميع!
كان ذلك الرجل قد نهض من مكانه وعيناه مرتكزتان على سيفه ذاك، وقد بدأ بالتحرك نحوه بالفعل..عندها ركضت أنا أيضاً لأسبقه باتجاهه..
وقبل أن أكون قادرةً على الوصول إليه أخيراً، دفعني من ظهري بعنف فاصدمت بقوة بالحائط قرب السيف..
"آآآآآه"
كان ذلك مؤلماً حقاً، لكنني لم أسمح له بأن يلتقط سيفه كما أراد..فقد ركلت السيف مجدداً ما إن انحنى حتى يلتقطه من جديد..
نظر نحوي بغضب هذه المرة، وقد شد شعري بقوة حتى شعرت أنه سيقتلعه من جذروه في أي لحظة..كان يقترب مني والغضب يكاد يفجر عروق وجهه، وربما كان يخطط لخنقي مجدداً وقتلي هذه المرة. لكنني في تلك اللحظة ركلته بقوة بين ساقيه، وهو الأمر الذي أردت حقيقةً أن أفعله منذ البداية...
تراجع عدة خطوات وهو يشد تلك المنطقة بينما كست وجهه الحمرة وهو يحاول بصعوبة ألا يصرخ متألماً..
أطلق عدة شتائم ولعنات بين أناته المتألمة، لكنني لم أكترث له أبداً..
ابتعدت عنه وأنا أسير بصعوبة، وأشعر أن الرؤية أمامي قد صارت ضبابيةً أكثر وأكثر.
أعتقد أنني سأفقد وعيي في أي لحظة إذا ما بقيت على هذه الحال ، لذلك جثوت على ركبتاي أرضاً لما لم أقوى على الوقوف أكثر..
كنت أتنفس بسرعة، والتعب قد نال مني تماماً.
لكنني التفت خلفي لأراه وقد التقط سكيني من على الأرض، ليسير نحوي بخطى سريعة والغضب قد أعمى بصيرته الآن...
ما إن صار واقفاً خلفي تماماً، انحنى نحوي بسرعة حتى يطعنني من الخلف، في اللحظة ذاتها التي استدرت نحوه على الفور بينما أوجه ذلك السيف باتجاهه لا إرادياً ويبدو أنه لم ينتبه له أبداً..
كانت هناك لحظة صمت قد عمّت أرجاء تلك الغرفة المظلمة، قبل أن يكسرها صوت ذلك الرجل لما بصق دماءه على وجهي..
كنت أنظر نحوه بذعر، بينما كان صدري يعلو ويهبط وأنا أتنفس بسرعة، في حين أن قلبي ينبض بقوة حتى شعرت أنه يكاد يخرج من صدري في أي لحظة.
كنت أشد السيف بقوة بكلتا يداي وأنا أنظر إليه وقد اخترق بكامله منتصف صدر ذلك الرجل، ومن المؤكد أن بقيته قد خرج من ظهره الآن..
السكين كان على بعد بضعة سنتمترات قليلة من وجهي، في حين أن وجهه المصدوم كان يحدق بي بعينين متسعتين أشعرتاني بالرعب حقاً...
ظل جسده يرجف عدة مرات فوق جسدي، وقد أفلت السكين من يده ليقع أرضاً إلى جانب وجهي محدثاً صوت قعقعة عاليةً ما إن ارتطم بالأرضية الخشبية للغرفة..
رفعت جسدي بكف ذراعاي اللتان أسندتهما على الأرض، قبل أن أسحب نفسي من أسفل جسده للخلف بيداي وأنا مصدومة تماماً..أخذت أحبو على تلك الحال حتى توقفت ما إن لامس ظهري الحائط من خلفي..
نظرت ليديّ الملطختين بدمائه، وقد كنت لا أزال أشعر بدمائه الدافئة على وجهي، لتتدفق ببطء على رقبتي وصدري ملطخةً ملابسي أيضاً...
إلهي...ما الذي يحدث لي؟
أهذا هو شعور أن تقتل شخصاً ما؟
كانت أسناني تصطك ببعضها بقوة، ولم أكن قادرةً على التحكم بجسدي الذي أخذ يرجف دون توقف..
ضممت نفسي بيداي وأنا أحاول أن أهدأ دون جدوى..أنفاسي تعلو وتعلو، وأشعر أن صدري يضيق بشدة حتى كدت أختنق تماماً..
لقد قتلت شخصاً ما...لقد قتلت إنساناً للمرة الأولى في حياتي!
تذكرت سؤالي له يومها..
"لماذا؟ أليس من الطبيعي أن أقتل من يحاول قتلي؟ كيف يمكنني حماية نفسي إذا ما وعدتك بشيء كهذا؟"
"ذلك ليس صحيحاً آنا...يمكنكِ حماية نفسكِ دون أن تكوني مضطرةً لقتل الآخرين. كم أتمنى حقاً ألا تجربي ذلك يوماً، لكن الشعور الذي سينتابك عند قتل شخص ما هو شعور فظيع حقاً. لا يمكنني وصف ذلك بالكلمات، لكنه أمر لن ترغبي أبداً بالمرور به ولو للحظة. مهما كنتِ قوية، ستشعرين كما لو أن روحكِ تُسحب منكِ، وأنكِ تتحطيمن من الداخل في اللحظة التي تشعرين بها بالدماء في يديك. إنه ثقل سيكون عليك حمله على كتفك للأبد، وكابوس سيطاردك إلى حين موتك. لا أريدكِ أن تحملي على كاهلك خطيئة كهذه. لا أريدك أن تعيشي ذلك الجحيم آنا.."
الجحيم..
لقد أسماه جيراي بذلك، ويمكنني القول أنه كان محقاً تماماً. شيء ما يعصرني من الداخل بقوة. إنه شعور فظيع..فظيع جداً..
كان علي الاستماع له..كان علي أن أحافظ على وعدي..كان علي أن___
"أيتها الساقطة اللعينة!...ستندمين على فعل هذا لي!!"
رفعت بصري بدهشة لأنظر نحو ذلك الرجل وهو ينظر نحوي بغضب عارم، بينما يزحف باتجاهي ببطء بعد أن أزال السيف، وسط دمائه التي أحاطت جسده بالكامل...
كان يبدو شاحباً جداً، بينما أخذ يسعل الدماء عدة مرات، لكنه كان حياً! أجل...أنا لم أقتله!
لسبب ما كنت سعيدةً للغاية. أعلم أن علي التصرف الآن، لكنني لم أقو على الحراك أبداً في حين ظللت أنظر نحوه للحظات قبل أن أشعر بشيء دافئ يبلل خدي ببطء..
وضعت يدي على خدي، لأستشعر حينها دموعي التي أخذت تنهمر من عينيّ ببطء..
أنا كنت أبكي...
لا أعلم أبداً ما معنى تلك الدموع، لكنني بالفعل كنت أبكي!
وبدلاً من التحرك من مكاني، أخذت أراقبه وهو يزحف نحوي بصعوبة ممسكاً ذلك السكين في يده..
كان قد اقترب مني للغاية، لكنه توقف عن الزحف فجأة، ليرجف جسده عدة مرات بينما يشهق بقوة مصارعاً سكرات الموت قبل أن يتوقف جسده عن الحركة تماماً في النهاية.
رفعت بصري ببطء، لتستقر عيناي على آرون الواقف أمامي فوق جثة ذلك الرجل، بينما يمسك سيفه الذي غرسه بقوة في أعلى ظهره من الخلف، مخترقاً قلبه تماماً.
كانت الدموع ما تزال تنهمر من عيني دون توقف، لكنني رغم ذلك لم أقل أي شيء..
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يراني أبكي فيها..وبقدر ما كرهت نفسي في السابق لما سمحت له برؤيتي على تلك الحال، لم أكن أشعر بأي من هذا الآن. بل بصراحة، لم أكن أعرف ما الذي أشعر به من الأساس!
سمعته وهو يصرخ قائلاً بغضب "هل تريدين الموت أم ماذا؟ لماذا تجلسين عندك دون حراك؟ هل تدركين أنه كان يمكن أن يقتلك؟! هل__"
لكنه توقف عن الكلام ما إن لاحظ مظهري، وملابسي الملطخة بالدماء..فاندفع نحوي تاركاً سيفه في مكانه، ليجلس أمامي ويشدني من ذراعاي قبل أن يسألني بانفعال وذعر "هل أنتِ بخير؟!"
رفعت بصري نحوه..كانت الرؤية لدي ما تزال مشوشةً قليلاً، لكن في اللحظة التي بدأت أستعيد فيها وعيي بما حولي مجدداً، نطقت بصوت واهن ما إن رأيت وجهه تحت تلك الإضاءة الخافتة المنبعثة من شقوق النافذة..
"آرون؟"
ضغط على أسنانه بقوة، قبل أن يصرخ قائلاً بعصبية وهو غير قادر على تمالك نفسه أبداً "هل تريدين الموت لهذه الدرجة؟ ألم نتفق على أن نلتقي أمام تلك الزنزانة اللعينة؟! لماذا تصرفتِ من تلقاء نفسكِ وأتيتِ إلى هنا وحدكِ؟!"
لكنني لم أبالي بأي مما قاله..تمسّكت بملابسه بقوة وسألته بانفعال "هو لم يكن ميتاً...أنا لم أقتله صحيح؟"
وأخذت أهز جسده قليلاً قبل أن أسأله مجدداً برجاء "قل لي ذلك..أنا لم أقتله..أنا لم أخلف وعدي..أنا لم أقتل أحداً صحيح؟!!"
هو ربما لم يفهم كلامي بالكامل، لكنه أدرك أنني كنت بحاجة ماسة إلى من يؤكد لي تلك الحقيقة..
لم يسألني عن أي شيء، ولا عن معنى ما قلته، بل إنه أجاب بهدوء شديد بينما ينظر لعيناي مباشرةً "أجل..أنتِ لم تقتلي أحداً..لقد رأيتِ ذلك بنفسكِ للتو، أنا من قتلته بسيفي."
تنفست الصعداء ما إن قال هذا، وقد أسندت رأسي على كتفه بعد أن شعرت أن قواي قد خارت تماماً..
لم أتصور في حياتي أن مثل هذه الكلمات ستشعرني بالراحة هكذا..إنني سعيدة للغاية...
ذلك جيد..جيد جداً..
لم يقل آرون أي شيء، وقد سمح لي بالبقاء هكذا لبعض الوقت.
لكنه أبعدني عنه قبل أن يسألني بقلق وهو ما يزال يشد كتفاي برفق، بينما ينظر إلى الدم في جانب كتفي "أهذه دماؤك؟ ما الذي حدث؟ هل أصبتِ؟!"
اكتفيت بإيماءة بسيطة كإجابة على سؤاله، ثم قلت بوهن وأنا لم أقو على فعل أي شيء "إنني بخير...الجرح سطحي ولا يدعو للقلق. لقد خنقني ذلك اللعين بقوة، كما أنني مصابة ببعض الكدمات والرضوض في عدة أجزاء من جسدي لذلك أحتاج لبعض الوقت حتى أستعيد عافيتي..سأكون على ما يرام بعد بضعة دقائق فقط."
نظر آرون حوله، قبل أن يشدّ يدي برفق ويقول بهدوء "فلتجلسي في مكان ما أولاً. علينا إيقاف النزيف الآن قبل كل شيء."
ساعدني آرون على النهوض، ثم سار بي إلى أحد تلك الصناديق المبعثرة وأجلسني على إحداها بهدوء..
كنت أتنفس بثقل، والألم في رقبتي لم يخف بعد، هذا غير الألم الفظيع الذي أشعر به في كتفي وظهري وجسدي بالكامل..
أخرج آرون سيفه من جسد ذلك الرجل، وقد تفاجأت كثيراً لما رأيته وهو ينزع معطفه ويقطعه إلى نصفين، ثم أخذ القماش وظل يضغط به على الجرح بشيء من القوة. كان ذلك مؤلماً جداً، لكنني أعلم أنه الحل الوحيد الآن حتى لا أفقد الكثير من الدم..
ظل هادئاً لعدة دقائق، لكنه قطع ذلك الصمت لما قال بشيء من الغضب "بدايةً في حادثة اختطاف ابنة المستشار، والآن أيضاً...أنتِ حتماً تحبين توريط نفسكِ في أمور لا طاقة لك بها!"
ماخطبه فجأة؟
لا أستطيع أن أفهم..لماذا واللعنة هو غاضب هكذا لأجل شيء كهذا؟!!
تكلّمت بينما أنظر نحوه بعصبية وقد استفزتني كلماته كثيراً "لا أفهم لماذا أنت غاضب حتى! سواء في تلك المرة أو الآن، لقد أنقذت نفسي بنفسي ولم أزعج أي شخص آخر.. لا يحق لك أن تلومني على هذا، فأنا لم أطلب منك المساعدة ولم أنتظر منك أي شيء..يمكنني تدبر أموري بنفسي، ولا حاجة لك لأن تزعج نفسك بشؤوني الخاصة. سواء مت أو نجوت، لا شأن لك بهذا!"
عندها رد آرون بانفعال وقد بدا أنه قد فقد أعصابه تماماً "إذا ما كنتِ تريدين الموت لهذه الدرجة فلتفعلي ذلك في مكان حيث لا أراكِ أبداً..لا تجعليني أشعر بهذا الغضب مجدداّ عندما أراكِ هكذا!"
صرخت في وجهه بنفس انفعاله دون أن أكون قادرةً على كبح نفسي إطلاقاً "ولماذا تهتم؟! سواء فعلت ذلك أمامك أم لا فلا يجب أن يكون الأمر مهماّ بالنسبةلك!"
"إنني لا أعلم حسناً؟!! لا أعلم لماذا أهتم بذلك، ولا أعلم لماذا أنا غاضب الآن أصلاً! لذلك توقفي عن عنادكِ هذا ولا تورطي نفسكِ في شيء لا يعنيكِ مجدداً!"
سكت تماماً لما صاح آرون بذلك بعصبية. أما هو، فقد سحب نفساً عميقاً قبل أن يخلل أصابعه في أطراف شعره ساحباً إياه للخلف ثم شده بشيء من القوة في محاولة لتهدئة نفسه ربما..
لماذا هو غاضب إلى هذا الحد؟ لا يمكنني فهم ما يفكر به هذا الرجل إطلاقاً!!
أشحت بصري عنه دون أن أعلق على كلامه، وقد عم الصمت بيننا لبعض الوقت قبل أن يقطعه لما سألني بجفاء دون أن ينظر نحوي ويبدو أنه قد هدأ الآن إلى حد ما"هل عرفتِ ما الذي تحويه تلك الصناديق؟ لقد كان ذلك الفارس مدرباً بشكل جيد، ولا أظنه مجرد بحار أو حارس عادي أبداً. بما أن شخصاً مثله هنا، فذلك يعني أن تلك الشحنة هنا بلا ريب."
"أجل، أنا أيضاً أعتقد ذلك."
عندها تذكرت ذلك المسحوق الأسود الذي انسكب من أحد تلك الصناديق، لذلك نظرت إليه وقلت بشك "في الواقع، لقد تضرر أحد الصناديق قبل قليل وانسكبت محتوياته. لقد كان عبارة عن مسحوق أسود برائحة غريبة وقوية. لم أره من قبل، لذلك لا يمكنني أن اجزم بعد ماذا يكون."
نظر آرون إلى المسحوق المسكوب لبعض الوقت، وأنا واثقة من أنه أراد أن ينهض الآن ويتفقد ماذا يكون. لكنه لم يتحرك من مكانه أبداً، بل استمر بالضغط على جرحي دون أن يضيف أي كلمة أخرى.
عندها قلت وأنا أحاول سحب القماش من يده "لا بأس، يمكنني التكفل بالأمر من هنا..أشعر أنني أفضل حالاً الآن، وقد خف تأثير الاختناق كثيراً. فلتحاول معرفة محتويات الصناديق، ثم لنرسل الإشارة إلى البقية. يجب ألا نتأخر أكثر من هذا."
بدا آرون متردداً بعض الشيء في قبول ذلك، لكنه استسلم في النهاية ونهض من مكانه ما إن أخذت قطعة القماش وأخذت أضغط بها على الجرح بنفسي.
جلس على إحدى ركبتيه قرب ذلك الصندوق، ثم رفع القليل من ذلك المسحوق نحو أنفه ليشمه بنظرة مشككة في عينيه.
نهضت من مكاني بصعوبة، ثم سرت نحوه وأنا ما أزال أضغط على الجرح في كتفي لأقف بجانبه وأنظر إلى المسحوق أنا أيضاً.
بدا غير واثق تماماً مما يراه في البداية، لكنه فجأة بدا كما لو أنه تأكد من شكوكه تماماً، ليتمتم بشيء من الصدمة "ذلك..إنه هو بلا شك!"
سألته باستغراب وأنا أنظر بينه وبين ذلك المسحوق الذي أراه لأول مرة "ماذا؟ ما هذا الشيء؟ أهو نوع من المخدرات؟"
حرّك آرون رأسه نافياً وقال بضيق "سيكون الأمر أسهل إذا ما كان مخدراً ما، لكن لا...إنه أسوء من المخدرات بكثير...ذلك الشيء...إنه بارود!"
بارود؟! أهذا ممكن حتى؟!
لقد سمعت عن البارود بالفعل، لكنني لم أره من قبل أبداً. أعني إنه ليس من الشائع إطلاقاً رؤية شيء كهذا هنا في سترافينيسكا!
إنه نوع من المواد التي تستخدم من أجل صنع أسلحة يمكنها أن تحدث انفجاراً قد يقتل العديد من الأشخاص في وقت واحد..
هي مادة فتاكة وخطيرة جداً، لكنها سلاح قوي أيضاً في مواجهة أي عدو محتمل. لذا وحتى رغم خطورتها، سيبدو من المنطقي جداً أن تستخدم الامبراطورية سلاحاً فعالاً وقوياً كهذا..
لكن لا..فحتى حيازة البارود هنا تعد جريمةً يعاقب مرتكبها بالموت المحقق. ليس بسبب خطورته أو قدرته التدميرية، ولكن بسبب الطريقة التي يُصنَّع البارود من خلالها..
يتكون البارود أساساً من الكبريت والفحم ونوع خاص من الأملاح التي يتم تصنيعها بطرق خاصة..
ولتلخيص الأمر، فإنه يُصنّع اعتماداً على علم حديث يعرف بعلم الكيمياء..
الكيمياء هي أحد العلوم الواسعة التي تتناول جوانباً عديدة من الحياة. ويمكن من خلال هذا العلم تصنيع مركبات عديدة جديدة من مواد موجودة أساساً في الطبيعة من حولنا.
المواد المتنوعة التي تم تصنيعها بذلك العلم أحدثت ثورةً ضخمة، ونقلةً نوعية في مجالات عديدة متنوعة. والدول التي تستخدم الكيمياء الآن تعد من أكثر الدول تطوراً وحضارةً في العالم.
وفي قارتنا، الدولة الأشهر التي تستخدم الكيمياء الآن هي إمبراطورية ألكاليا المزدهرة..
لكن هنا في سترافينيسكا، تُحرّم ديانة المعبد استخدام الكيمياء بشكل قاطع. وقد اعتبرتها من العلوم الشيطانية التي تعبث بخواص المواد والطبيعة، وترفع الإنسان البسيط إلى درجات لم يكن مقدراً عليه بلوغها.. وقد وضعوا قانوناً ينص على اتهام كل من يستخدم الكيمياء أو يتحصل على أي شيء مصنوع منها بالخيانة العظمى للدين باعتبارهم أتباع الشيطان، وعقوبتهم الإعدام لا محالة..
لهذا السبب، المعرفة العامة بوجود علم الكيمياء من الأصل لم تكن أمراً شائعاً هنا بالنسبة لعوام الشعب.. لكن مجدداً، لقد أخبرني جيراي بأمور كثيرة بالفعل، لذلك كنت قادرةً على معرفة أشياء لم يكن يفترض بي معرفتها أبداً. هذا بالإضافة إلى قراءتي للعديد من الكتب المهربة من دول أخرى، والتي كنت قادرةً على الحصول عليها بشكل أو بآخر..
"كيف يمكن أن يكون ذلك معقولاً حتى؟! أعني..أن يقوم بتهريب هذه الكمية من البارود بكل بساطة هكذا.. أليس من المفترض أن يكون ماكسفيلد من المؤيدين لفصيل الامبراطورة؟! كيف يمكن أن يقوم بشيء معادٍ للمعبد مثل هذا؟!"
نظر نحوي آرون لبعض الوقت قبل أن يقول بشك " توقعت أنكِ ستسألينني ماهو البارود، لكن يبدو أنكِ تعرفينه بالفعل. وتعرفين عن الكيمياء أيضاً."
"أنت أيضاً تعرف عن هذا..بل أكثر من ذلك، يبدو أنك قد تعاملت مع البارود من قبل بما أنك تعرفت عليه بسهولة هكذا. لكنني لن أسألك كيف، لذلك من الأفضل ألا تسألني أنت أيضاً"
ابتسم بسخرية من كلامي ويبدو أنه قد توقع ردي هذا بالفعل، لذلك علق بهدوء "أنتِ محقة، من الأفضل ألا نسأل بعضنا حول مصدر معلوماتنا في الوقت الحالي، لكن من الأفضل أن نتشارك كل ما نعرفه حتى يمكننا التعامل مع الموقف بشكل أفضل."
عقدت يديّ أمام صدري وسألته قائلةً بجدية "إذاً في تلك الحالة...كيف استطاع برأيك الحصول على كل هذه الكمية من البارود؟ إنه لا يقوم باستيرادها، بل إنه يصدّرها للخارج. وهذا يعني أن أصل هذا البارود من هنا..من سترافينيسكا!"
"الأمر كما تظنين تماماً. هناك كميات كبيرة جداً من الكبريت والفحم الغير مستهلك موجود في مناطق جبلية متفرقة في الإمبراطورية، لذلك يقوم العديد من المهربين باستخراج ذلك المخزون بشكل غير شرعي وبيعه للخارج بمبالغ طائلة."
ثم سكت قليلاً قبل ان يسألني بحذر "هل سمعتِ من قبل بجماعة هايديس؟"
استغربت كثيراً من سؤاله، لكنني أجبته رغم ذلك بشيء من التردد "أجل..نوعاً ما."
"إلى أي حد تعرفين عنهم حتى أعرف مقدار ما علي شرحه لك؟"
بدا جاداً جداً في كلامه، لذلك أدركت أن الأمر يعني شيئاً ما بالتأكيد. لذلك أجبته بكل ما أعرفه بينما أنظر إلى عينيه بحزم "أعرف انهم جماعة ينسبون أنفسهم إلى أوغوست هايديس، أول كيميائي اشتهر في سترافينيسكا قبل قرن من الآن. ذلك الشخص أحدث ثورة صغيرة برفقة عدد من الأشخاص، طالبوا فيها بالسماح بدراسة الكيمياء واستخدامها في الإمبراطورية بشكل قانوني. لكن سرعان ما تم قمعهم وإعدامهم. جماعة هايديس هم مجموعة سرية لا يُعرف عددهم ولا أماكن تواجدهم، يحملون نفس المطالب التي نادى بها أوغوست هايديس ورفاقه قبل قتلهم. يقومون بتدريس الكيمياء وتناقل علومها فيما بينهم، كما يقومون بتصنيع العديد من المواد الكيميائية واستخدامها في الخفاء. "
أومأ آرون موافقاً على كلامي وقال بهدوء "أنتِ تعرفين كل شيء تقريباً، لذلك لا حاجة لي بشرح الكثير. لقد كانت هناك إشاعة أن سامويل ماكسفيلد قد يكون فرداً من تلك الجماعة، وهو الأمر الذي كنت أحقق بشأنه بشكل أساسي. وبالنظر إلى قدرته على الحصول على هذا البارود المُصنَّع، فذلك يعني أنه إما أن يكون منهم فعلاً، أو أنه يتعامل معهم بشكل مباشر. وفي كلا الحالتين هو متورط معهم بالفعل."
لا أصدق هذا حقاً..إنه بعيد كل البعد عن توقعاتي تماماً! لكن في تلك الحالة، أظن أن تعاملنا مع الأمر يفترض أن يكون مختلفاً الآن..وبالنظر لتعابير آرون، أظن أنه يفكر فيما أفكر فيه تماماً..
"بما أن المعطيات قد تغيرت بشكل جذري الآن، لدي خطة مختلفة تماماً عن خطتنا الأصلية."
بدا آرون مستمتعاً لما قال بمكر "توقعت أنكِ ستقولين هذا.."
ثم نظر نحوي متفحصاً وسألني بشيء من الاهتمام "هل أنتِ بخير الآن؟ علينا الذهاب للسطح أولاً قبل كل شيء."
كنت ما أزال أشعر ببعض الألم في كامل جسدي، لكنني رغم ذلك اشعر أنني أفضل حالاً بطريقة او بأخرى. لذلك قلت بثقة "أجل، أنا بخير..لا وقت للراحة الآن، علينا إنهاء كل شيء أولاً."
هو لم يبد مقتنعاً تماماً، لكنه رغم ذلك لم يجادلني في شيء، بل رافقني إلى خارج تلك الغرفة باتجاه سطح السفينة.
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
إذا كنت قد انبهرت بأسلوب إيريك في القتال بالأمس، فأنا الآن أعتقد أنه لا شيء إطلاقاً بالمقارنة مع مهارات آرون في استخدام السيف..
الأمر فقط مذهل للغاية..كيف يمسك السيف بثبات وبرود، كيف يصيب خصومه دون أن يرف له جفن، وكيف يراوغ ويتحرك بأريحية بينما يقاتل كما لو كان سيفه جزءً من جسده تماماً.
لا عجب أنه عرف دائماً بالسياف الأقوى في الإمبراطورية، والذي فاقت مهاراته كل خصومه..
كنا نركض باتجاه الدرج، بينما يقوم آرون بإبعاد كل من يعترض طريقنا. هو لم يقتلهم في الواقع، وأظن أنه لم يكن يرى داعياً لفعل ذلك.. لكن هذا لا يغير حقيقة أنه أحدث لهم ضرراً سيجعلهم غير قادرين على الحركة في الوقت الحالي على الأقل..
بالنظر إلى الوضع الآن، يمكنني القول أنهم قد تمكنوا من القبض على أغلب العبيد على الأرجح. ومن خلال تحركاتهم فهم يبحثون عن إمكانية وجود بعض المختبئين هنا وهناك فحسب..
وقف أمامنا أحد الحراس، ويبدو أنه لم يرني بسبب أنني كنت واقفةً خلف آرون، لذلك كلّمه قائلاً على عجل "الربان يطلبك أيها الملاح..علينا التحرك من بين الصخور بسرعة بما أن الشمس قد بدأت تشرق بالفعل.."
لكنه في تلك اللحظة لمحني وقد بدا متشككا مما يراه، لذلك مد رأسه حتى يرى من خلف آرون الذي لم يفسح له المجال ليستوعب الأمر حتى..
انقض عليه ليشده من عنقه، ثم ضرب رأسه بقوة على الحائط بجانب الدرج حتى فقد وعيه وسقط بقية الدرجات نزولاً إلى الأرض حيث استقر هناك..
واه..ذلك كان مؤلماً حتماً!
لكن آرون لم يبد متأثراً بذلك..نظر نحوي وحدثني قائلاً ببرود "فلنتحرك الآن..لابد أن البقية في انتظارنا."
لما وصلنا إلى الباب الذي كان مؤدياً لسطح السفينة، وقفت أنا وآرون على جانبيه بينما نظر هو إلى الخارج بحذر، في حين كان يمسك سيفه في يده متأهباً للهجوم..
لا أظن أن عدد الحراس وطاقم السفينة كان يمثل أي مشكلة بالنسبة له. هم ربما كانوا مهربين، لكنهم ليسوا قراصنةً رغم ذلك. لذلك باستثناء الحراس الذين لم يكونوا بذلك العدد الكبير، لم يكن طاقم السفينة بالقوة الكافية التي تجعلهم يصمدون كثيراً أمام قوة آرون.
ربما لم يرد ماكسفيلد إثارة الشبهات حول محتوى الحمولة بجلب عدد كبير من الحراس الأقوياء برفقته، لكن ذلك قد انعكس عليه بالسلب في النهاية..
قلت له بينما أنظر بحذر نحو سطح السفينة "تقدم أنت أولاً وقم بإشغالهم لبعض الوقت. في ذلك الحين سأتسلل أنا وأقوم بإرسال الإشارة."
لم يبد متأكداً تماماً لما سألني بشيء من الشك "هل أنتِ واثقة من أنكِ تستطيعين فعلها؟"
حركت كتفي بلامبالاة وأجبت ببساطة "ربما لا أعرف الكثير عن السفن بالفعل، ولا أعرف الطريقة الصحيحة لإنزال الأشرعة. لكنني رأيت مخطط السفينة، لذلك لدي فكرة حول الطريقة التي سأستعملها حتى لو لم تكن صحيحةً تماماً. ولا أظن الأمر بتلك الصعوبة في جميع الأحوال."
أومأ آرون بصمت دون أن يعلق على كلامي، لكنني أستطيع أن أرى أنه يصدقني فعلاً.
كان هناك اثنان من طاقم السفينة واقفين بالقرب من المدخل، لذلك باغتهما آرون لما اندفع باتجاههما قبل أن يطعن كليهما بقوة..
كان الوضع مضطرباً جداً في الخارج لما راح يقاتل كل من حوله دون أن يتوقف أبداً..
"ما خطبك أيها الملاح؟ لماذا تقوم بمهاجمتنا فجأة؟!!"
حتى تساؤل الربان الذي بدا غير مستوعب أبداً لما يحدث لم يلق آذاناً صاغيةً إطلاقاً. أظن أنه أدرك أن آرون لن يجيبه، ولم يحتج للتفكير مطولاً قبل أن يأمر أتباعه قائلاً بغضب عارم
"لابد أنه وراء الفوضى التي حدثت! قوموا بقتله حالاً!"
استغليت انشغال الجميع بقتال آرون لأخرج من مخبئي وأركض مسرعةً باتجاه سارية السفينة.. في تلك اللحظة وقف أمامي أحد البحارة ليقول بحدة بينما يقترب مني "إلى أين تظنين نفسكِ ذاهبةً أيتها العبدة الوضيعة؟"
كان فتى في السادسة أو السابعة عشرة، وقد كان نحيفاً وقصيراً نوعاً ما بالنسبة لرجل.
تراجعت خطوة للوراء قبل أن أحذره قائلةً بحدة "لا أنصحك بالاقتراب يا فتى.."
لكنه لم يبالي بكلامي أبداً. ولما كاد أن يمسكني، شددت ذراعه بقوة قبل أن ألويها خلف ظهره حتى صرخ متألماً وهو يحاول فك نفسه مني..
لكنني حينها أدخلت قدمي بين ساقيه لأجذب ساقه للخلف بينما دفعت جسده للأمام في حركة خاطفة حتى سقط أرضاً على وجهه تماماً..
كنت غاضبةً ومتعبةً جداً على أن أتساهل مع شخص في مثل سنه، ولست أبالي في الحقيقة حتى إذا ما كسرت له ذراعه أو شوهت وجهه الآن..
"لقد حذرتك!"
هذا ما قلته له بانزعاج قبل أن أواصل طريقي باتجاه السارية، ثم شددت ذلك السلم المصنوع من الحبال بينما أهم بصعوده..
في تلك اللحظة شعرت بأحدهم يجذبني من شعري بقوة إلى الخلف، قبل أن أسمع صوت ذلك الفتى وهو يقول بحقد "كيف تجرئين على فعل هذا بي أيتها اللعينة!!"
"آآه!! اترك شعري يا ابن العاهرة! ما خطبكم مع شعري اليوم بحق الله؟ اتركني أيها الوغد اللعين!"
لكنه لم يبالي بصراخي الغاضب أبداً، بل اقترب مني ليشد كتفي بقوة وهو يحاول محاصرتي تماماً هذه المرة..
كنت أستطيع رؤيته من زاوية عيني لما التفت نحوه وأنا أحاول الإفلات من قبضته بصعوبة..هذا الحقير يمتلك يدين قويتين حتى رغم حجمه الضئيل!
كان أنفه ينزف دماً، ويمكنني الجزم أنه مكسور حتماً بعد أن سقط عليه مباشرةً.
لكن فجأة، استطعت رؤية ظل شخص قد وقف خلفه، قبل أن يضرب رأسه بقوة بشيء ما..
ارتخت قبضته القوية تلك من جسدي، ليسقط أرضاً وهو فاقد للوعي تماماً..
كنت أنظر بصدمة نحو نينا الواقفة أمامي، بينما تمسك بكلتا يديها برميل الكحول الخشبي ذاك، والذي ضربت به رأس ذلك الفتى بقوة للتو..
كان جسدها يرجف بالكامل، وأكاد أجزم أنه كان بإمكاني سماع صوت اسنانها وهي تصطك ببعضها بقوة..لذلك اقتربت منها قبل أن أضع يدي على كتفها وأسألها بقلق "هل أنتِ بخير؟"
نظرت نحوي وقد تجمعت الدموع في عينيها، لترمي البرميل جانباً وتتشبث بذراعي دون أن يتوقف جسدها عن الارتجاف للحظة..
تكلمت بشفتين مرتعشتين، وبصوت أخرجته بالكاد "لقد قاموا بإمساك الجميع..حتى شيون..لم أستطع مساعدته! لقد كنت مختبئةً بين الصناديق، وغطيت نفسي بذلك اللحاف هناك حتى لا يروني..إنهم كثر يا آنسة..لقد قاموا بضرب الآخرين بالسوط..قالوا أنهم سيقتلوننا! نحن سنموت حتماً!!"
نظرت إلى تلك الصناديق المصفوفة على جانب السفينة حيث أشارت نينا الآن، ثم نظرت نحوها مجدداً قبل أن أشد كلتا كتفيها بيديّ وأقول بينما أنظر إلى عينيها بثقة "لا تخافي نينا، فهم يقومون بتخويفكم فحسب. لا يمكنهم قتلكم حتى لو أرادو ذلك، لذلك لا تهتمي لما قالوه أبداً. لقد قدمتم لي مساعدةً كبيرة بالفعل، لذلك يمكنكم ان تستريحوا الآن وتتركوا الأمر لي من هنا. سأتأكد من أن أنقذكم جميعاً..ثقي بي..سأفعل ذلك حتماً!"
لا أظن أنها لم تعد خائفة الآن، لكن أظن أنها قد صارت أكثر هدوءً وراحةً على الأقل. لم أنتظر أن أسمع تعليقها على كلامي، بل إنني قلت لها بينما أدير رأسي باتجاهها وانا أسير باتجاه ذلك السلم مجدداً "ستصبح الأمور أكثر فوضوية قريباً. عليكِ إيجاد مكان لتختبئي فيه الآن. "
قلت ذلك لأبدأ في تسلق ذلك السلم دون أن ألتفت نحوها مرةً أخرى..
استمريت في الصعود عبر تلك الحبال حتى وصلت لأول عمود خشبي مستعرض، حيث ثبت بالساري بواسطة حبال كثيرة أخرى، والذي ربطت عليه الأشرعة أيضاً..
كانت هناك أشرعة كثيرة مثبتة على عدة سرايا وأعمدة متوزعة في السفينة. لكن بالنسبة لي، يكفيني فقط إنزال شراع واحد حتى أرسل الإشارة للبقية..
تذكرت كلام آرون في ذلك الوقت لما شرحت لهم الخطة، بعد أن تساءلت عن ماهية الإشارة التي يمكننا استعمالها ما إن نعثر عن السفينة المحملة بالبضاعة المطلوبة. كان من الصعب التفكير في طريقة معينة قي ظل الظروف الراهنة، وتسللنا داخل السفينة سيمنعنا من ان ندخل معنا أي غرض يمكننا استخدامه من أجل إرسال شيء ما للبقية. لذلك قال آرون بجدية بعد أن فكر لبعض الوقت
"هم لن يعبروا من بين تلك الصخور في الليل، لذلك استخدام النار أو أي إشارة ضوئية لن يجدي نفعاً. على الأرجح سينتظرون حتى شروق الشمس قبل التحرك مجدداً. وبالطبع لن يعتمدوا على حركة الرياح في دفع الأشرعة، بل إنهم سيرفعونها في ذلك الوقت من أجل استعمال المجاديف والدفة في التحكم بالسفينة بدقة من أجل تجنب الاصطدام بالصخور. في تلك الحالة لدينا طريقة واحدة يمكننا أن نستعملها كإشارة. أول من يجد تلك البضاعة عليه ان يقوم بإنزال الأشرعة في السفينة التي هو فيها..شراع واحد فقط يكفي، ولن يكون هناك خطر من أن تتحرك السفينة بفعل الرياح وتصطدم في الصخور بما أنه شراع واحد فقط ولن يقوم بتثبيته على كل حال."
كنت قد وقفت على ذلك العمود المستعرض بينما ما أزال أتشبث بالساري حتى أحافظ على توازني..المسافة بين الأرضية وهنا تعد كبيرةً نوعاً ما، ووقوعي من هنا يعني أنني سأصاب ببعض الكسور دون أدنى شك، لذلك علي أن أكون حذرةً للغاية..
نظرت حولي لبعض الوقت، نحو تلك الصخور أمام السفينة،ثم المسطح المائي الأزرق على الجانب والممتد إلى مالانهاية.
رياح البحر الهادئة المصحوبة برائحته المالحة القوية كانت تلفح وجهي برفق، بينما كانت أصوات النوارس، وصوت تلاطم الأمواج بتلك الصخور العملاقة يبعث الراحة والطمأنينة حقاً..
لو كنت في ظروف أخرى، كنت سأقف مكاني لأتأمل ذلك المنظر الساحر لشروق شمس الصباح في الأفق، معلنةً عن بدء يوم جديد أخيراً بعد عتمة الليل المظلم..
لكن لا وقت لهذا الآن. كان علي التحرك بسرعة حتى ينتهي كل شيء، ونكون قادرين على العودة أخيراً..
إنني متعبة بحق..ورغم كرهي الشديد للحياة داخل القصر الإمبراطوري، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها بحاجة شديدة للعودة إلى هناك والبقاء لأسبوع ربما في غرفتي دون أن أفعل أي شيء عدا النوم فحسب..
آه، تلك تبدو فكرةً جيدةً آنا..ذلك السرير المريح، الغرفة الدافئة، و__
توقفت عن التفكير في اللحظة التي فقدت فيها توازني ما إن بدأت التحرك بعيداً عن الساري، لكنني تمسكت بتلك الحبال الكثيرة من حولي في آخر لحظة..
جسدي أخذ يتأرجح للأمام والخلف لبعض الوقت، وقد شعرت برعشة سرت على طول عمودي الفقري ما إن نظرت للأسفل ورأيت تلك المسافة الواسعة التي تفصلني عن الوقوع أرضاً..
وااه..كان ذلك وشيكاً!
ربما أنا لن أتعرض لعدة كسور فحسب إذا ما سقطت من هنا، فأن تكسر رقبتي وأموت في الحال هو احتمال وارد أيضاً..ربما بدلاً من التفكير في العودة لغرفتي والنوم، الأجدر بي أن أفكر الآن في كيف أنهي كل هذا بينما ما أزال قطعةً واحدة!
أخرجت سكيني من جيبي لأطبق على مقبضه بين أسناني، قبل أن أنزل ببطء وحذر حتى صرت جاثيةً على ركبتاي ويداي..أخذت أحبو بحذر شديد وأنا أتمسك بذلك العمود الخشبي بكلتا يداي حتى أحافظ على توازني، إلى ان وصلت إلى حيث رُبطت تلك الأشرعة..
كانت هناك ثلاثة عقد متباعدة على كل جانب من الساري، أي بمجموع ستة عقد حبال علي قطعها قبل أن أكون قادرةً على إنزال الشراع أخيراً..
ما إن وصلت إلى حيث العقدة الأولى، أخذت السكين من فمي وقطعت تلك الحبال بسرعة فسقطت إلى الأرض، وكذا الأمر مع الحبلين الآخرين..
الآن بعد أن انتهيت من الحبال في الجانب الأول بسلام، سيكون علي أن أنهي الجانب الثاني أيضاً، حينها سينتهي كل شيء أخيراً..
حبوت نحو الساري مجدداً،قبل أن أنهض وأتجاوزه لأجثو من جديد وأحبو نحو تلك الحبال الأخرى..
قطعت الأول، فالثاني، وقد كنت أمسك الآن بالحبل الثالث حتى أقطعه هو الآخر....أخيراً سأنتهي من الخطوة الأصعب، وسينتهي كل شيء بعد ذلك حتماً!!
"ماذا تظنين نفسكِ فاعلة؟"
في تلك اللحظة كنت قد قطعت الحبل بالفعل، لينسدل الشراع إلى الأسفل قبل أن يرفرف إلى الخلف بقوة بفعل تلك الرياح التي هبت فجأةً..
تمسكت بالعمود بإحكام حتى أتجنب السقوط، قبل أن أنظر خلفي ببطء لأرى ربان السفينة واقفاً خلفي بينما يوجه سيفه نحوي مباشرةً..
كان واقفاً بأريحية بينما يتمسك بالحبال وهو ينظر نحوي بحدة..يمكنني أن أعرف من وقفته كم هو معتاد على الوقوف هنا، ولم تبد أن تلك الرياح قد أثرت فيه البتة..
تكلم بتهديد وهو يلوح بسيفه أمامي "انهضي."
كان قريباً جداً، وكان من المستحيل بالنسبة لي أن أقاومه أيضاً، فحركة واحدة خاطئة تعني سقوطي حتماً!
لذلك بدأت بالوقوف بحذر وبطء، بينما أتمسك بتلك الحبال وأنا أحاول الحفاظ على توازني بصعوبة..
نظرت نحو الأسفل وأنا أفكر في حل للخروج من هذه الورطة. لا أمتلك مهارات بهلوانية حتى يمكنني القفز هنا وهناك لأجد نفسي قد وصلت للأرض في النهاية، ولا يمكنني أن أضربه الآن دون أن أسقط أرضاً على وجهي.. أعني بجدية..لست إنسانةً خارقة او ما شابه، وهناك حدود لقدراتي سواء أحببت ذلك أم لا!
إذا ما اتجهت نحو حافة العمود الخشبي وقفزت من هناك، فسأقع في الماء بدلاً من سطح السفينة..إنه أقل خطورة، لكن هناك مشكلة واحدة..
أنا لا أجيد السباحة!!
أعني أنا حرفياً لم أقترب من مياه البحر في حياتي، ولم أسبح أبداً بالتأكيد، لذلك أشك في أنني سأكون قادرةً على النجاة إذا ما سقطت الآن..
لكنني ظللت أتراجع على أي حال حتى توقفت ما إن صرت على بعد خطوة واحدة من الوقوع من ذلك العمود. هل علي أن أغامر؟ لقد أرسلت الإشارة بالفعل، ويفترض أنهم سيتحركون الآن..
هل أقفز للبحر وأنتظر من أحدهم إنقاذي؟ لكن ماذا لو لم يصلوا في الوقت المناسب؟!
اغغغغ أنا لا أعرف أبداً!!
تكلم الربان بينما ينظر نحوي بمكر "أنتِ لستِ واحدةً من العبيد حتماً..لقد كان ينظر نحوك بقلق واهتمام طوال الوقت، لا يمكنكما خداعي..أنتما شريكان بالتأكيد!"
آرون كان قلقاً علي؟ ما الجحيم الذي يهذي به هذا العجوز ؟!
لكنه قال ذلك بينما يستمر في الاقتراب مني، ولما صرت محاصرةً تماماً، شدني من يدي وجذبني نحوه بقوة قبل أن يضع سيفه على عنقي ويقول بتهديد "تقدمي أمامي!"
لم يكن أمامي خيار سوى الاستماع له في الوقت الحالي.. ولكن ما إن نصبح على الأرض، فسأركل مؤخرته حتماً!
أمال جسده للخلف قليلاً حتى يسمح لي بأن اتقدم أمامه.. أهو مجنون أم ماذا؟ كيف يمكنني أن أتجاوزه في مساحة ضيقة كهذه؟!
لكنني رغم ذلك اقتربت منه أكثر وأنا أشد الخيوط بقوة، ثم مددت قدمي متجاوزةً جسده، لأدفع نفسي بعد ذلك وأنا أحاول ألا أقع أرضاً.. لكنني في اللحظة التي وضعت فيها قدمي الأخرى على الجانب الآخر، انزلقت لما وضعتها خطأً على حافة العمود فكدت أسقط حقاً لولا أنه شدني من ذراعي في آخر لحظة ليرفعني باتجاهه كما لو كنت كيس دقيق أو ما شابه..
قربني منه أكثر، ثم وضع سيفه على عنقي مجدداً وتراجع خطوة للخلف ليصير قريباً جداً من حافة العمود..
كيف يمكن لهذا اللعين أن يحافظ على توازنه هنا بكل سهولة هكذا؟!
تكلم بصوت عالٍ مخاطباً آرون الذي كان قد هزم أغلب طاقم السفينة تقريباً، وقد كان يقف الآن على مقربة من الساري بينما يتقاتل مع أحد الحراس بشراسة..
"توقف مكانك! خطوة أخرى وسأقتل هذه الفتاة ثم أرمي جثتها في البحر للأسماك!"
ما قاله شد انتباه آرون على الفور، فقد توقف ونظر للأعلى قبل أن يضغط على أسنانه بغضب ما إن أدرك الوضع الذي أنا فيه الآن..
تقدم خطوة للأمام وهو يشد سيفه بقوة، فقرب الربان سيفه من رقبتي أكثر حتى شعرت بشفرته الحادة وهي تلامس جلدي في تلك اللحظة.
تكلم بحدة أكبر، وقد بدا جاداً للغاية "أحذرك أيها الشاب..لن أتردد أبداً في قتلها ما لم تضع سيفك أرضاً وتسلم نفسك الآن!"
أراد قول شيء آخر، لكن صوت الضجيج والاضطراب الذي حدث فجأة قد أخرسه تماماً..
رفعت بصري لانظر بعيداً حيث كان ينظر الربان الآن، فوقعت عيناي على تلك السفن الحربية الكثيرة التي خرجت من مخبئها من بين تلك الصخور العملاقة لتصطدم أربعة منها بالسفينتين الأخرتين اللتين كانتا تنقلان البضائع الأخرى..
يمكنني من هنا سماع صوت صراخ الجنود وهم يقتحمون تلكما السفينتين، بينما يتقاتلون مع طاقمهما الآن..
الوضع كان مضطرباً للغاية، وصوت قعقعة السيوف وتساقط الأجساد كان مسموعاً من هنا..
"ما اللعنة التي تحدث الآن؟!!"
ابتسمت بخبث ما إن سمعت تمتمة الربان الذي بدا مصدوماً للغاية مما يراه الآن..جيد..لقد أدى كل من إيريك والفارسة شارون عملهما على أكمل وجه!
تكلمت بمكر بينما أنظر أمامي نحو تلك السفن باستمتاع "أنصحك بأن تستسلم بهدوء إذا ما أردت الحفاظ على حياتك أيها الربان..لابد أنك سمعت بالأسطول الرابع صحيح؟ إنه واحد من أقوى الأساطيل البحرية في القارة والذي يتبع الأمير الأول بشكل مباشر..قائد الأسطول هو الجنرال البحري المخضرم فالغون فارميليون الملقب بأسد البحر..هل تعلم أنه موجود على أحد تلك السفن شخصياً؟ لقد حسمت نتيجة هذه المعركة منذ اللحظة التي وقعتم فيها بفخنا وقدتم سفنكم بأنفسكم إلى هذه الصخور حيث كان أسطولنا بانتظاركم..إنها مسألة وقت فقط قبل أن يسيطر الجنود على سفنكم بالكامل!"
"تباً لكم! كيف يمكن أن يكون ذلك معقولاً حتى؟! منذ متى صار أسطول حربي مهم كهذا يطارد سفن المهربين في عرض البحر؟! أنتِ تكذبين حتماً أيتها اللعينة!"
ضحكت على كلامه وقلت بسخرية "أوه أنت محق تماماً. من غير المنطقي أن يتحرك أسطول كهذا لأجل محض مهربين حمقى مثلكم..لكن للأسف، لقد وقعتم في مؤامرة أكبر من أن تتحملوها بكثير..البضائع التي تحملونها هي ليست ما تظنه أبداً عزيزي الربان..بل هي شيء سيطاردكم الأسطول لأجله بصدر رحب حتماً! أنصحك بأن تسهل الأمر عليك وعلينا وتسلّم نفسك دون مقاومة...ربما سيتم تخفيض عقوبتك إذا ما فعلت هذا."
"تسليم نفسي؟! أنتِ تمزحين حتماً! لقد عشت في البحر لما يزيد عن ثلاثين عاماً حتى الآن..إنني بحار، ومكاني في البحر فقط! لن أسمح لأحد بأن يجرني إلى اليابسة ويسجنني هناك.. أفضل الموت على أن أفعل هذا!"
قال ذلك ليصرخ مخاطباً آرون بينما يشدني نحوه بقوة أكبر "سأقتل رفيقتك إذا ما حاول أي منكم الإمساك بي!" ثم أشار بسيفه نحو قارب النجاة وأردف بعصبية "فلتجهزه لي حالاً! لن أسمح لكم بأخذي ولو عنى ذلك موتي أيها الاوغاد!"
ضغط آرون على أسنانه بحنق، بيد أنه لم يكن قادراً على فعل أي شيء فقد كان يمكنه قتلي حقاً إذا ما أراد هذا، ولا أظنه سيتردد في فعل ذلك، فالواضح أنه قد فقد صوابه الآن..
رجاله كانوا مضطربين للغاية، لكن آرون أمرهم قائلاً بينما عيناه مرتكزتان علي وعلى ذلك العجوز اللعين "فلتجهزوا القارب كما قال..تحركوا حالاً!"
لا..لا يمكنك فعل ذلك آرون! هو حتما سيصطحبني معه على متن ذلك القارب اللعين، فلن يتركني حتى يضمن أنه صار آمناً تماماً!
لا أظن أن آرون لا يدرك ذلك، لكنه لم يكن لديه خيار غير مسايرته الآن وفعل ما يريد حتى يحصل على الفرصة المناسبة للإمساك به وإبعاده عني..
بدا الربان أكثر راحة الآن وهو ينظر إلى رجاله الذين كانوا ينزلون ذلك القارب الصغير إلى البحر..كانوا خائفين حتماً وهم لا يدرون كيف سيكون مصيرهم الآن..الأمر بات محققاً، فلا أحد منهم يمكنه الفرار من كل هذا العدد من الجنود!
في تلك اللحظة وقعت عيناي على حاملة السهام التي أسندت إلى سور السفينة، وذلك القوس المرمي بجانبها بإهمال.. عندها صرخت مخاطبةً آرون بينما أنظر نحوها بانفعال "آرون القوس!!"
لم يستوعب آرون كلامي في الوهلة الأولى، لكنه نظر إلى حيث أنظر لتقع عيناه على القوس هو الآخر.. بدا متردداً فيما عليه فعله، لكنني صرخت مجدداً بينما أستعجله قائلة "لا وقت للتفكير! فلتفعل ذلك بسرعة الآن!!"
عندها شد الربان عنقي وقال بغضب بينما يضغط عليه بقوة "ما الذي تظنين نفسكِ فاعلةً أيتها العاهرة! سأقتلكِ قبل أن يتمكن رفيقك من فعل أي شيء!"
قال هذا ليرفع سيفه باتجاهي مجدداً ويصرخ مخاطباً آرون بينما يحرّك السيف نحو جسدي حتى يطعنني به "توقف مكانك! سأقتلها إذا ما فعلت شيئاً أيها اللعين!"
في ذلك الوقت كان آرون قد ثبت السهم في القوس وشد خيطه بقوة مصوباً نحونا بينما تعلو وجهه تعابير حادة مخيفة..
أستطيع الشعور باضطراب ذلك الرجل الآن، ويبدو أنه صار متردداً في قتلي. فإذا ما فعل، ستضيع فرصته الوحيدة للنجاة!
تكلم باضطراب واضح وهو يحاول إقناع آرون بالتوقف "هل جننت؟! هل تظن حقاً أنك ستكون قادراً على إصابتي من هذه المسافة دون أن تؤذي رفيقتك؟! حتى لو سقطت الآن ستسقط معي هي أيضاً!"
لكن آرون لم يكترث لكلامه البتة، وكان مركزاً فقط على التصويب نحوه دون أن يهتم لأي شيء آخر..
صاح الربان مخاطباً رجاله الواقفين قرب آرون بانفعال وتوتر "ما الذي تفعلونه أيها الحمقى؟! أوقفوه حالاً!"
نظر الرجال لبعضهم بشيء من الاضطراب، لكنهم أشاحوا بصرهم عنه دون أن يستجيبوا له أبداً..وما إن رأى نظراتهم الخائبة تلك، بدا مصدوماً تماماً..
ابتسمت بخبث وقلت وأنا أنظر نحوهم بشيء من السخرية "لابد أنك أكثر من يعلم مدى حاجة طاقم السفينة إلى الثقة ببعضهم البعض..هنا في عرض البحر، لن ينفعهم سوى ثقتهم بقدراتهم، وثقتهم بكفاءة ربانهم وقائدهم بالدرجة الأولى. السفينة ستغرق إذا ما قادها الرجل الخطأ..وقد غرقت سفينتك في اللحظة التي قررت فيها الهروب وحدك وترك رجالك وراءك..الآن لم يعد رجالك يثقون بك، ولن يهتموا لما سيحدث لك أبداً."
"تباً لكم! تباً لكم! تباً لكم!"
قال ذلك ليدفعني بعيداً عنه قبل أن يركض لحافة العمود ويقفز باتجاه البحر..
كنت أهوي نحو الأرض، ويمكنني رؤيته على بعد عدة أمتار عني وهو يجهز نفسه للسقوط في البحر والسباحة ربما.
هي ثوان قليلة فقط..لحظات مرت كما لو كانت دقائق طويلة لما رأيت ذلك السهم المندفع باتجاهه وهو يخترق رأسه مباشرةً، قبل أن يندفع جسده للأسفل محدثاً صوت ضجيج عالٍ في اللحظة التي اختفى فيها داخل مياه البحر المالحة..
ظننت لوهلة أنني سأقع أرضاً وأموت، لكنني شعرت حينها بتلك الذراعان الللتان أحاطتا بي قبل أن أسقط وأُسقط معي ذلك الجسد الذي احتضنني في آخر لحظة..
رفعت نفسي ببطء، وقد كانت جروحي كلها تصرخ من الألم جراء سقوطي المفاجئ..نظرت بوهن نحو آرون المستلقي تحت جسدي وقد أغلق عيناه متألماً في اللحظة التي اصطدم فيها رأسه بالارضية الخشبية لسطح السفينة.. عندها سألته بقلق دون أن أتحرك من مكاني فوقه "هل أنت بخير؟"
أخذ يفرك مؤخرة رأسه بشيء من الألم، لكنه فتح عينيه لينظر نحوي الآن دون أن يقول شيئاً لعدة ثواني..
الوضع الآن كان غريباً حقاً...كنت شبه جالسة فوقه بينما أحيط رأسه بكلتا يداي، وقد كان شعري منسدلاً على رقبته وجانب وجهه. في حين أن وجهي قريب جداً من وجهه حتى شعرت أنني أكاد أشعر بأنفاسه وهي تلفح جلدي برفق..
عيناه الزرقاوان كانتا تحدقان بعيناي مباشرةً، وقد ظننت أنه لن ينطق بأي شيء أبداً..
لكن صوت ضجيج الجنود كان قد كسر تلك التعويذة الغريبة التي أبقتنا هكذا لتلك الثواني القليلة جداً، فقد احتدت تعابير وجهه فجأة ليعاتبني قائلاً بشيء من اللوم "هل جننتِ أم ماذا؟! كان يمكن أن أصيبك أنتِ بدلاً منه!"
ابتعدت عنه لأجلس إلى جانبه الآن، ثم قلت بينما أنظر نحوه بثقة "لم أشك ولو للحظة في أنك قد تصيبني إطلاقاً..ربما أنا لا أثق بك بعد، لكنني أثق بقدراتك آرون، وأعلم جيداً أنك ما كنت لتواجه أي مشكلة في التصويب حتى من تلك المسافة وفي ذلك الوضع."
وضع آرون ذراعه على جبينه وأخذ يضحك ما إن أدرك أنني قد استعملت كلماته نفسها التي قالها لي في الأمس، ليقول وهو ينظر نحوي بابتسامة مستمتعة "أنتِ شيء آخر حقاً..أظن أنه علي ألا أكون متفاجئاً بعد الآن مهما كان ما تفعلينه!"
بصراحة كنت متفاجئةً للغاية..أعني من الغريب جداً رؤيته وهو يضحك هكذا حتى إذا ما استمر الأمر لثوانٍ فقط...
لكنني لم أقل أي شيء..أعني ما الجحيم الذي يفترض بي قوله في موقف كهذا من الأساس؟!
لكن في تلك اللحظة تجمّع من بقي من طاقم السفينة حولنا، ليخاطبهم أحدهم مشجعاً بينما يشد سيفه بقوة "إنه أعزل الآن! سنكون قادرين على الهرب في قوارب النجاة إذا ما أسرنا واحدا منهما!"
كان آرون ما يزال مستلقياً على ظهره، لكنه ما إن سمع كلامه ذاك تغيرت تعابير وجهه وهو ينظر نحوهم من تحت يده بحدة..جلس على الأرض، ثم مد يده أمامي ليدفعني خلفه برفق كما لو كان يحاول حمايتي بينما لم تحد عيناه عنهم إطلاقاً..
برأيي، من المضحك حقاً أن يظنوا أنهم قادرين على التغلب عليه حتى وهو دون سلاح. لكنهم بدوا يائسين للغاية، لذلك لا يمكنني أن ألومهم رغم كل شيء..
كانوا يتقدمون نحونا بحذر وخوف واضح، لكنهم رغم ذلك بدوا مصممين تماماً على الإمساك بنا..
أستطيع الشعور بآرون وهو يتأهب للاندفاع نحوهم ومباغتتهم على ما يبدو، دون أن يبعد يده من أمامي وهو يحجبني عنهم دون وعي منه على الأرجح..
وفجأة، اندفع اثنان منهم ليسقطا أرضاً بقوة..رفعت بصري على الفور لتستقر عيناي على إيريك وإيفان الواقفين أمامنا وهما ما يزالان يمدان ساقيهما بعد أن قاما بركل ظهري الرجلين المسكينين..
"نحن لم نتأخر صحيح؟"
بدا آرون أكثر راحة الآن، وقد ارتخت أعصابه المشدودة ليستكين جالساً أمامي ويقول بشبح ابتسامة في شفتيه، مجيباً على السؤال الذي طرحه إيريك للتو "ليس تماماً..فلتنهوا الأمر على الفور."
ولم يحتج لأن يضيف كلمة أخرى قبل أن ينقض كلاهما على من تبقوا من البحارة، لينالوا منهم جميعاً دون أي جهد يذكر، ثم تركوا الجنود الذين تبعوهم لاحقاً حتى يقوموا باعتقالهم وتقييدهم بتلك الحبال التي أعدوها سابقاً..
الأمر قد حدث بسرعة حقاً، لكنني أستطيع الشعور بالارتياح أخيراً بعد أن انتهى كل شيء..كنت ما أزال جالسةً في مكاني قرب آرون في الوقت الذي وقف فيه كلاهما أمامنا..أراد إيريك أن يستهل الحديث، لكنه توقف في اللحظة التي وقعت فيها عيناه علي ليقول بانفعال واضح "هل أنتِ بخير يا آنسة؟!"
أجبته بشيء من التعب "لا تقلق، إنها جروح سطحية فحسب. الأهم من ذلك، هل وجدتم ماكسفيلد؟"
لم يبد إيريك مقتنعاً تماماً بكلامي، لكنه استغرب سؤالي رغم ذلك وقال بحيرة "ماكسفيلد؟ أليس موجوداً على متن هذه السفينة؟"
في تلك اللحظة نظرت أنا وآرون لبعضنا بدهشة دون أن نقول شيئاً لوهلة، لكن آرون ضغط على أسنانه وقال بحنق "اللعنة! إنني واثق من أنني لم أقابله في أي مكان بهذه السفينة! هل يمكن أن تكون معلوماتنا خاطئة، وأنه لم يرافق هذه الحمولة في الواقع؟"
تردد إيفان قليلاً قبل أن يقول بحذر "وربما قام جيريميا بخيانتنا وأبلغه أننا سنهاجم الحمولة.."
عندها قلت وأنا انظر نحوهم بإصرار "ذلك مستحيل! جيريميا متعلق جداً بابنته، ولن يخاطر بحياتها من أجل ماكسفيلد إطلاقاً مهما كانت المصالح التي تجمعهما. أنا واثقة من أن ماكسفيلد يختبئ في مكان ما هنا، وبالنظر للوضع الراهن، فلن يكون قادراً على الهروب حتى نصل إلى اليابسة. أقترح ان نفتش جميع السفن جيداً ونبحث عنه في كل ركن فيها.."
لم يعقب آرون على كلامي، لكنه نظر لإيريك وإيفان وبقية الجنود ليخاطبهم قائلاً بلهجة آمرة "لقد سمعتم ما قالته..فلتتحركوا حالاً."
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
"هذا غير ممكن! هل أنتم متأكدون من أنكم بحثتم جيداً؟!"
"أجل يا آنسة..لقد فتشنا كل زاوية من السفن الثلاثة، ولم نجد أي أثر لماكسفيلد أبداً...أظن أن الأمر كما قال إيفان، فقد خاننا جيريميا على ما يبدو."
عدت للجلوس مكاني وعلقت على كلام إيريك بإصرار بينما أنظر للأرض وأنا أفكر في تفسير لما يحدث "ذلك مستحيل.. ابنته ما تزال في حوزتنا. غياب ماكسفيلد عن المكان سيجعلنا نفترض تلقائيا أنه خاننا وأخبره عن العملية، ولا أظن أن جيريميا بهذا الغباء أبداً. إلا إذا كان لا يهتم بابنته، وهذا مستبعد جداً وفقا للمعلومات التي لدي..هناك شيء آخر حتماً. ربما هناك شيء ما قد حدث فجأة وجعله يمتنع عن الالتحاق بالسفن."
"أو أنه ما يزال مختبئاً هنا في هيئة غير التي في بالنا.."
تمتم بها آرون وهو يقف إلى جانبي مسنداً ظهره على عمود الساري، بينما يكور يده أسفل ذقنه في تفكير..
وما إن قال هذا حتى التفت نحوه لأسأله بشك دون أن أفهم قصده تماماً "ماذا تعني بكلامك؟"
أجابني وهو ينظر نحوي بثبات "فكري في الأمر..إن كلانا نتنكر بهيئة مختلفة، والذي لا يعرف عن تنكرنا لن يعرف هوياتنا الحقيقية أبداً. وربما ماكسفيلد قد فعل نفس الشيء.. في اللحظة التي أدرك فيها أنه محاصر تماماً، قام بالتنكر بطريقة خدعنا بها وجعلنا نغفل عن مكانه في الواقع."
ذلك صحيح تماماً..كيف لم أفكر من قبل في شيء بهذا الوضوح؟!!
أخذت افكر في كلامه بينما أتمتم بصوت شبه مسموع "تنكر؟ تغيير الهيئة؟ شيء سيفعله في آخر لحظة وهو محاصر؟ تنكر لن يخطر في بالنا...إذا كنت في مكانه فأنا...فأنا...فأنا__"
عندها قمت من مكاني فجأة وهتفت قائلةً بانفعال "العبيد!! فلتتحققوا من العبيد بسرعة!"
ارتبك إيريك بعض الشيء من انفعالي المفاجئ، لكنه سألني رغم ذلك بشك "أتقصدين العبيد الذين سيتاجرون بهم؟"
"لا، فهم جميعا صغار في السن..إنني أتحدث عن العبيد الذين يحركون المجاديف أسفل السفن..إذا كان افتراض آرون صحيحا، فهو يختبئ بينهم بكل تأكيد!!"
ثم نظرت إلى آرون وقلت وأنا أسير باتجاه الباب المؤدي للداخل "سأتحقق من العبيد في هذه السفينة..سوف يكون هنا على الأرجح!"
ولم أكد أنهي كلامي حتى أمسك آرون بيدي وقال باعتراض "انتظري! لا يمكنكِ الذهاب وحدك."
لم أرد الجدال معه على شيء كهذا، لذلك سكت وسمحت له بمرافقتي هو وإيريك للطابق الأخير في السفينة، حيث جلس ما لا يقل عن مائة عبد ضخام البنية، بأجساد مفتولة العضلات على تلك الكراسي الخشبية المستعرضة الموزعة على الجانبين، والتي تحمل كل منها حوالي خمسة من العبيد وهم يمسكون بتلك المجاديف الكبيرة بينما ينتظرون ما سيحدث لهم في قلق وترقب..
اقترب منا أحد الجنود الذين كانوا يحرسون المكان، ليقول مخاطباً إيريك باحترام ويبدو أنه مثله مثل أغلب الجنود الآخرين الذين لا يعرفون أن صاحب الشعر الأحمر الواقف إلى جانبي هو في الواقع آرون، ولي عهد الامبراطورية، وسيد هذا الأسطول القوي..
"سيدي البارون..لم نجد التاجر ماكسفيلد في أي مكان هنا."
حسناً..لابد أنكم مستغربون كونه خاطب إيريك بصفة بارون صحيح؟ في الواقع أنا أيضاً كنت مندهشةً للغاية حينما علمت أن إيريك في الواقع ينحدر من أسرة نبيلة في الشمال..ربما كان ترتيبه السابع بين إخوته، ولم تكن أسرته معروفة كثيراً، لكن لا تزال حقيقة أنه من النبلاء أمراً غير متوقع أبداً بالنسبة لي.
لم أستطع سماع رد إيريك على ما قاله ذلك الجندي الشاب، فقد لحقت بآرون الذي لم يعره أي انتباه، وسار فوراً باتجاه العبيد الذين بدوا خائفين للغاية..
كان يسير بين صفوفهم وهو ينظر يمنةً ويسرة، متفقداً وجه كل واحد منهم ربما، في حين ظللت أسير خلفه وأنا أنظر نحوهم أيضاً. لكن بالرغم من ذلك، لا يمكنني تمييز شكل ماكسفيلد بعد أن أدركت للتو أنني لا أعرف وجهه في الحقيقة!!
أعني صدقاً...ما الذي كنت أفكر به عندما اندفعت كالغبية لأبحث عنه وحدي؟!
لم أنتبه لآرون الذي توقف فجأة، لذلك اصطدمت بظهره، وقد شعرت بألم فظيع بأنفي في تلك اللحظة..
"لماذا توقفت فجأة أيها ال__"
لكنني تراجعت عن رغبتي في شتمه الآن ما إن رأيت تلك النظرة الحادة في عينيه وهو ينظر إلى شيء ما أمامنا..
أو بالأحرى، شخص ما..
نظرت إلى حيث ينظر، لتقع عيناي فوراً على ذلك الجالس في الزاوية، بينما يحاول تجنب النظر نحونا حتى لا نرى وجهه ربما..
كان مثله مثل العبيد الآخرين الذين كانوا يرتدون بناطيلاً فقط، تاركين الجزء العلوي من أجسادهم عارياً تماماً. لذلك كانت عضلاتهم المفتولة ظاهرةً بوضوح، وتلك الندوب الكثيرة في ظهورهم جراء الجلد المتواصل لم تخفى على أحد..
لذلك حتى رغم أن جسده وبنطاله كان متسخاً تماماً، وشعره الأشعث والفوضوي جعله يبدو كواحد منهم حقاً، إلا أنه لم يكن قادراً على خداعنا البتة..
تلك البنية الصحية، واليدان الناعمتان اللتان كان واضحاً جداً أنهما لم تحملا شيئاً قط غير النقود ربما..وكذلك جلده الخالي تماماً من الجروح والندوب على خلاف من حوله. كل ذلك جعلني أدرك فوراً أنه ذلك التاجر المعروف سامويل ماكسفيلد دون أدنى شك!
وقف آرون إلى جانبه ليقول ببرود قاتل "ماذا حدث ماكسفيلد؟ هل أردت أن تجرب شعور العبيد ولو لمرة؟ يمكنني جعل الأمر حقيقياً من أجلك إذا ما أردت."
انتفض ماكسفيلد في مكانه، ليتوقف فجأة عن الحراك ما إن شعر بشفرة سيف آرون الحادة وهي تكاد تلامس أسفل حنكه، قبل أن يقول مهدداً بهدوء مرعب "لا أنصحك بالحراك..لست شخصاً صبوراً أبداً، لذلك لن أتردد لحظةً في قتلك إذا ما حاولت فعل أي شيء غبي."
ضغط ماكسفيلد على أسنانه بحنق، لكنه سأله بحذر شديد قبل أن ينظر بينه وبين السيف أمام عنقه "من تكون؟ وماذا تريد مني؟"
"لا تقلق يا عزيزي، سنجيب على جميع أسألتك حتماً، لكنك في حاجة للقدوم معنا أولاً حتى يمكننا التحدث بهدوء."
نظر ماكسفيلد نحوي بطرف عينيه ما إن قلت ذلك، لكنه لم يعلق على كلامي رغم إنه بدا مشوشاً للغاية. لا ألومه، فهو لا يمكنه التعرف علينا بمظهرنا الحالي أبداً..
لم أستغرب انصياعه لنا وسيره برفقتنا دون أي مقاومة تذكر، فالأشخاص مثله يقدرون حياتهم أكثر من أي شيء آخر، ولن يحاول التمرد في وضع يعلم جيداً أنه سيخسر فيه دون أدنى شك..
دخلنا إلى تلك الغرفة الصغيرة التي لم تحوي إلا على مكتب صغير بكرسي خشبي قديم، وأمامه كرسيان خشبيان آخران مكسوان بالجلد الأسود. وقد جلس ماكسفيلد على أحدهما في حين جلست انا أمامه بينما وقف آرون إلى جانبي دون أن يقول أي شيء..
رغم قلقه الواضح، إلا أن ماكسفيلد استهل الحديث بشيء من الرزانة والثبات بينما ينظر نحونا دون أن يرف له جفن إطلاقاً "من خلال تصرفاتكم، لا أظن أنكم تنوون قتلي أو تسليمي للحكومة لذا...هل يمكنني السؤال عما تريدونه بالضبط؟"
ابتسمت بخبث ما إن قال هذا لأعلق على كلامه وأنا أريح جسدي على ظهر المقعد خلفي "لن أتوقع أقل من هذا من شخص محنك مثلك. بما أننا واضحون تماماً هنا، دعنا ندخل في صلب الموضوع مباشرة دون أن نخوض في المقدمات المملة. أولاً لابد أنك تتساءل عن هويتنا صحيح؟"
سكت ماكسفيد قليلاً قبل أن يقول بهدوء "لا داعي لذلك، فقد عرفت من تكونان ما إن نظرت ألى ذلك السيف."
ثم نظر لسيف آرون المعلق على خصره، والذي جلبه له إيريك قبل قليل ليقول بشيء من الثقة "الذئب الأسود ذو الرأسين المنحوت على مقبض السيف هو الشعار الخاص فقط بالأمير الأول لهذه الامبراطورية الأمير آرون. بالإضافة إلى أن الجنود يحملون الشعار نفسه والمرفق بشعار البحرية الامبراطورية، لذلك استنتجت أنهم يتبعون الأسطول الرابع التابع لولي العهد. لا أعلم كيف تنكرتما هكذا، لكن لابد أنك سمو الأمير آرون، وأنتِ..."
ثم سكت قليلاً وأردف بشك "بالنظر إلى ثقتك وتعاملك مع الأمير معاملة الند، لابد أنكِ خطيبته إيميليا، ابنة الدوق هاميلوت التي تتحدث عنها الإشاعات."
"واو! أنت ذكي حقاً وقوي الملاحظة كما يقال عنك..تلك هي تماماً الصفات التي ينبغي أن تتواجد لدى التاجر الناجح!"
لم يعلق على كلامي، بل سألني بجدية تامة "إذا..ما الذي يريده شخصان بمثل مكانتكما من محض تاجر مثلي؟"
ضحكت على كلامه قبل أن أعلق بسخرية "محض تاجر مثلي؟ لا تمزح معي سيد ماكسفيلد..كلانا نعلم جيداً أن شركتك تعد من أكبر وأقوى الشركات التجارية المؤثرة في البلاد. في الواقع ليس في الإمبراطورية فقط، بل إن تعاملاتك التجارية تشمل العديد من الممالك المجاورة أيضاً، لذلك لا يمكنك أن تقول كلاماً كهذا في حق نفسك!"
تكلم بنفاذ صبر الآن، وقد بدا متضايقاً جداً من كلامي "فلتكوني واضحةً وأخبريني ما الذي تريدينه بالضبط. المال؟ القوة؟ السلاح؟"
نظرت إلى آرون بطرف عيني، فاكتفى بإيماءة بسيطة بينما ينظر نحوي بثقة..
لقد طلبت منه أن يسمح لي بأن أكون أنا من ستتحدث معه، لذلك أنا ممتنة له حقاً لأنه احترم رغبتي وترك لي المجال لأقول ما أريد..
هل يعني هذا أنه يثق بي ولو قليلا؟ لكن حسناً، لا أعتقد أن هذا ممكن بعد..
الأمر كما قال لي من قبل..هو لا يثق بي، لكنه يثق بقدراتي، وهذا وحده كافٍ تماماً في الوقت الحالي..
أخذت نفساً عميقاً قبل أن أتحدث بجدية "لا هذا ولا ذاك..ما نريده هو شيء مختلف تماماً."
بدا مستغرباً من كلامي، لذلك سألني بعدم ثقة "إذا ماذا؟"
سكت قليلاً قبل أن أقول وأنا أنظر نحوه بثبات "نريدك أنت ماكسفيلد.. دعمك الكامل واللامحدود لنا الآن وفي المستقبل كتابع وكحليف أيضاً. لا شك أنك تدرك جيداً حقيقة الصراع الحالي على العرش بين آرون والأمير الثاني ريموند، وربما الأمير الرابع جينوس أيضاً. لا نعلم بعد من هم أعداؤنا ومن هم حلفاؤنا، لكن كل ما يمكننا فعله في الوقت الحالي هو أن نضمن البعض بجانبنا بشكل تام. انضمام حلفاء أقوياء إلى صفوفنا سيجعل الكثيرين ممن هم في موقف متذبذب ينضمون لنا تباعاً إذا ما شعروا أننا في موضع قوة. وأنت واحد من هؤلاء الحلفاء الأقوياء المرشحين."
اعتدل ماكسفيلد في جلسته وقال بجدية وهو يعقد يديه أمام صدره "وما الذي سأستفيده من شيء كهذا؟ لابد أنك تعلمين جيداً أنني نأيت بنفسي عن الصراع الحالي على السلطة منذ البداية، ولا أجد سبباً يدفعني للوقوف في أي جانب. كل ما يهمني هو إدارة تجارتي وربح أموال أكثر، ولا يوجد طرف يمكنه أن يمنحني شيئاً يجعلني أنجذب نحوه إطلاقاً."
ابتسمت بمكر وأجبت قائلة "ماذا لو قلت لك أنك ستربح أكثر مما تتصور إذا ما انضممت لنا؟ وبالطبع ليس مكسباً عادياً فحسب، بل شيء بإمكانه أن يحدث ثورةً في اقتصاد الامبراطورية بالكامل."
بدا مستغرباً جدا من كلامي، لكنه سألني رغم ذلك بحذر "ما الذي تقصدينه بكلامك؟"
"مخططنا الأساسي من أجل الوصول للعرش هو الإطاحة بالمعبد الامبراطوري أولاً قبل كل شيء، وبهذه الخطوة يمكننا القضاء على جميع التشريعات اللامنطقية التي سنّها المعبد على مدار القرون الماضية. وأهم تلك التشريعات هي تحريم استخدام الكيمياء..يمكنك تخيل الأمر ماكسفيلد..إذا ما صار بإمكان الامبراطورية استخدام الكيمياء، فكم سيكون مقدار ما ستربحه حينها؟ لا تحتاج للتفكير مطولاً حتى تدرك الأمر.. وبالطبع لن أحتاج لتذكيرك بأننا وحدنا من نخطط لمعاداة المعبد وإبعادهم عن الصورة. فريموند والامبراطورة يتبعون المعبد بشكل مباشر، وهذا لا يخفى على أحد إطلاقاً."
بدا ماكسفيلد مصدوماً تماماً لما سمع كلامي، ويبدو أنه لم يتوقع ذلك إطلاقاً..
لكنه رغم ذلك تكلم بشيء من المكر، بعد أن بدا مرتاحاً أكثر الآن "وما الذي يضمن لي أنكما أنتما من ستعتليان العرش؟ اعذريني آنسة هاميلوت، لكن أعتقد أن علي أن أرفض عرضك.. إنني رجل عملي جداً، ولن أخاطر بثروتي بناءاً على افتراضات غير مؤكدة."
ابتسمت بلطف، قبل أن أقول متصنعةً اللباقة "أوه سيد ماكسفيلد، لابد أنك فهمت الأمر بشكل خاطئ. أنا لا أنتظر منك هنا رفض أو قبول عرضي..لقد أردت فقط أن أكون مهذبةً معك وأعرض عليك الأمر بشكل حضاري، لكنك في الحقيقة لا تمتلك أي خيار آخر..هذه السفينة بأكملها من شأنها أن تغلق شركاتك وتخسرك أملاكك بالكامل..هذا بالطبع إذا ما كنت محظوظاً بما يكفي حتى لا تخسر حياتك أيضاً. وحتى لو وافقت مجبراً الآن ثم حاولت اللعب بذيلك فيما بعد، فلدي من الأدلة ما يكفي للإيقاع بك وتدمير مستقبلك تماماً. لذلك دعني أعيد صياغة كلامي من البداية.."
ثم احتدت تعابير وجهي لأقول بجدية مخيفة "هل ستقبل الإنضمام لنا برحابة صدر، أم أنك تنوي جعلنا نسلك الطريق الأصعب؟ الخيار لك ماكسفيلد.."
سكت لبعض الوقت محاولاً استيعاب كلامي ربما، لكنه رغم ذلك أخذ يضحك فجأة بقوة..
ولما هدأ من نوبة الضحك تلك، نظر نحوي بمكر ليتحدث قائلاً باستمتاع "لقد سمعت الكثير من الإشاعات عنكِ آنسة هاميلوت، لكنني فهمت الأمر الآن بعد أن التقيت بكِ بشكل مباشر. واضحة وصريحة ومخيفة أيضاً...سيكون من الممتع حقاً أن أرى بعيني ما ستفعلينه لهذه الامبراطورية اللعينة..وأيضا.."
ثم سكت قليلاً قبل أن يقول بثقة وثبات "ربما لا تعلمين هذا، لكن هايديس هو جد والدتي الأكبر، ولطالما حدثتني عنه في الماضي. بالنسبة لي، عودة الكيمياء ليست شيئاً سيكسبني بعض النقود فحسب، بل هو تحقيق لحلم والدتي الراحلة. لذلك لا أعتقد انني سأشعر بالندم لمحاولة تحقيق ذلك الحلم طالما أن هناك أمل أخيراً مهما كان ضئيلاً جداً."
بصراحة، كنت متفاجئةً جداً عندما علمت هذه الحقيقة..ورغم أن ذلك لم يكن متوقعاً أبداً، إلا أنه مناسب تماماً بالنسبة لي..
تكلمت بثقة دون أن أبعد عيناي عنه أبداً "لا تقلق..سنثبت لك أن ذلك الأمل ليس ضئيلاً إطلاقاً..نحن لا نخطط لخوض حرب خاسرة، وسوف نفوز حتماً. إنها مسألة وقت فحسب قبل أن تصبح هذه الإمبراطورية ملكاً لنا في النهاية."
اكتفى ماكسفيلد بإيماءة بسيطة قبل أن يقول بهدوء "أرغب حقاً في مراقبتكما وأنتما تحققان ذلك..رجاءاً..فلتدخلا المتعة في حياة هذا الرجل الكئيبة."
فابتسمت لكلامه وقلت وأنا أمد يدي نحوه "لك ذلك. إذا.. فنحن متفقان الآن صحيح؟"
مد يده ليصافحني ويقول بعزم "أجل..يسرني جدا التعاون معكما..آنسة هاميلوت، سمو الأمير آرون.."
أبعدت يدي وقلت بهدوء "سنعود الآن إلى الميناء..يمكنك الراحة في غرفتك ريثما نصل."
فقام من مكانه وقال بامتنان "هذا لطف منكِ يا آنسة."
وقبل أن يغادر الغرفة، أوقفته بكلامي ما إن تذكرت شيئاً ما للتو "أوه وبالمناسبة! أريد أن أشتري منك جميع العبيد الذين كنت تنوي بيعهم في مملكة فيلونا."
بدا مستغرباً من طلبي، لكنه ابتسم بخفة وقال بهدوء "يمكنكِ الحصول عليهم دون مقابل. فلتعتبري الأمر هدية مني بمناسبة تحالفنا."
"شكرا لك..سأقدر هذا حتماً"
"فلتستعمليهم جيداً..والآن عن أذنك."
غادر الغرفة ليتركني وحدي أنا وآرون الذي ظل صامتاً طوال الوقت..لذلك نظرت نحوه قبل أن ترتسم ابتسامة عريضة على وجهي لاقول بمكر "إذا ما رأيك؟ هل بيننا اتفاق الآن؟"
ارتسمت على شفتيه شبح ابتسامة ليقول بهدوء "لقد علمت من البداية أن الأمر سينتهي هكذا، لذلك لست مستغرباً على الإطلاق. لكن حسناً..لسبب ما، لا أشعر أنني سأندم على هذا."
ابتسمت لكلامه دون أن أقول أي شيء..لكنني مددت قبضتي نحوه وعلى وجهي نفس تلك الابتسامة المرحة..
بدا مستغرباً من تصرفي، ويبدو أنه لم يفهم ما كنت أقصده. لذلك تذمرت قائلة وأنا أرفع قبضتي مجدداً "هيا آرون..فلترفع قبضتك أنت أيضاً!"
تردد قليلاً وهو يرفع قبضته نحوي هو الآخر دون أن يفهم ما أردت فعله، لكنني حينها ضربت قبضته بقبضتي بخفة لأقول بمرح "الناس يفعلون هذا عادةً عندما ينجزون شيئاً ما بنجاح. لقد انتهى كل شيء أخيراً..ألا تظن أننا نستحق أن نحتفل على ذلك؟"
نظر آرون لقبضته بغرابة لبعض الوقت، لكنه تنهد بعمق قبل أن يقول بجدية "بلى..لكن أولاً يجب أن نجد لك طبيباً ليعالج جروحك. عليكِ أن ترتاحي الآن ريثما نصل. سيأخذكِ إيريك إلى إحدى الغرف حيث يمكنك النوم والاسترخاء.."
قال هذا ليسير مبتعداً عني ويغادر الغرفة تماماً..
تأففت بضيق وتذمرت قائلة بعد أن أسندت خدي على طاولة المكتب "كم هو ممل حقاً، ألا يمكنه أن يرخي دفاعاته ولو قليلاً أمامي؟!'
ثم تنهدت بتعب بعد أن صرت قادرةً على الاسترخاء أخيراً الآن..
ربما علي ألا أطمع بالكثير، فنحن الآن صرنا عى الأقل قادرين على خوض محادثات لائقة فيما بيننا، وهذا وحده يعد إنجازاً عظيما في الواقع..
نحن الآن حلفاء، وسوف نخوض هذه الحرب معاً حتى النهاية..
لا أعرف كيف ستنتهي الأمور، وإذا ما كنا قادرين على تحقيق أهدافنا حقاً، لكنني أشعر مثله في الحقيقة..
أجل..لا أظن أنني سأندم على جعل آرون حليفاً لي..ربما لن أعرف الآن، لكنني سأنتظر الأيام القادمة لتثبت ذلك حتماً..
وحسنا..لا أعتقد أنني سأمانع الانتظار..
To be continued..
******
_
رأيكم في الفصل؟
_توقعاتكم للاحداث القادمة؟
_هل ستحافظ آنا على وعدها لجيراي بألا تقتل أحداً؟
_كيف سيستفيد كل من آرون وآنا من تحالفهم مع ماكسفيلد؟
_هل سيكونون قادرين على الإطاحة بالمعبد حقاً؟
_وآرون وآنا..كيف ستصبح علاقتهم الآن؟
أحداث كثيرة وشيقة بانتظاركم في الفصول القادمة فلا تنسو متابعتي ❤
أراكم على خير أحبتي..دمتم في أمان الله وحفظه🌷
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top