■ نهاية المقدمة ■
كثير التجاعيد ...
دقيق الحركة وكأنما يرسم حركاته بدقة قبل افتعالها ...
لديه من الشيب الكثير ،، ولو أنك أطلت النظر في حدقاته الملونة ؛؛ لرأيت جروح الذكريات قد افتعلت ذلك الغشاء اللامع على عينيه، وتركت بقايا من ابتسامة متألمة ..
إنه السيد (أيمن) أكبر ابن للسيد أوس .. ورغم أنه في بداية الخمسين ،، إلاّ أن الكبر لم يأخذ نصيبه منه كاملاً ..
فالسيد أيمن مزوح ،، حنون وكثير البشاشة .. حركيْ، يهتم بصحة ..
ورغم قلبه الذي ذاب حزناً لفراق زوجته البريطانية الراحلة منذ سنتين إلا أن لديه رغبة كبيرة للحياة ..
كانت زوجته الحبيبة رفيقة دربه ،، وأنيسة مضجعه البارد ..
أنجبت له شابين يفخر بهما. أكبرهما (تامر) ذو التاسعة والعشرين عاماً ،، وهو شاب وسيم طويل القامة ،، قد أخذ عن والدته بياضها وشعرها الأملس ..
أنيق شديد الأناقة ،، وملامحه وكأنما رسمت بدقة متناهية .. حادة منطقية قد كسرت حدتها عيناه الفيّاضتان بالمودة ..
ثيابه وحيدة اللون ذات خامات فاخرة وألوانٍ واضحة.
هو طبيبٌ كوالده ،، وُلد في بريطانيا وعاش كبريطاني .. يعشق الشاي المنكّه والدقة والنظافة، ويظهر ذلك بجلاء في مظهره فكل شيءٍ هاديء وجديد.
كان مع والده ، ينظر إلى ساعته البرونزية بينما يجاوره شقيقه (مروان) في الجلوس ،، ذو الست والعشرين ربيعاً ..
هو خلافه، قصير القامة ذو ملامح عاطفية هيّاجة، شتّ عن نهج والده وشقيقه واختار من التصوير الفتوغرافي عالماً له ...
تسير سيارة الأجرة بهم بين طرقات عمّان ،، قد جاؤو للتو من المطار منهكين من التعب، يغرقهم الصمت ويغطيهم السكون.
ولأن الأخبار في عائلة السيد أوس تنتشر كدوخان الغاليون ورائحته في الهواء .. فقد علم مروان للتو من محادثته مع ابنة خالته ما ينوي جده فعله ..
فارتفع حاجباه تعجباً وهو ينظر إلى هاتفه .. ليخترق صوته الصمتَ فجأة هاتفاً :
" جدي!! جدي يريد أن يهب في حياته !! "
" المعذرة !! "
قالها والده أيمن وقد كاد يقفز من مقعده الأمامي بجانب السائق .. بينما تامر اكتفى بالنظر اتجاه شقيقه ...
سأله الوالد وقد استدار للخلف من المقعد الأمامي مخاطباً إياه ...
" من أخبرك بهذه المصيبة يا ولد !! "
" ابنة خالتي سلمى "
قالها وقد أدار شاشة هاتفه إلى والده ... فنظر والده إلى المحادثة يقرأها بهمهمة ..
" .... أتعلم يا مروان لقد سمعت من والدتي التي علمت من جدتي اها اها امم أجل ... يال الهول يااال الهول "
وعاد إلى وضعيته في صدمة تامة ،، وقد تلون وجهه وكأن سيارة الأجرة تقتادهم إلى فخٍّ محتوم.
أرجع ظهره للخلف ورأسه للأمام مبتسماً ابتسامة صفراء ..
تعجب ابنه الأكبر تامر ..
" ولكن، نحن لا نحتاج المال يا ابي .. "
رفع والدهم صوته ...
" ليس المال يا حبيب أبيك ،، إنها الحرب "
فجر مروان ضحكة عالية شوشت هدوء شقيقه تامر الذي بدوره القى نظرة استنكار !!
" حرب !! "
أردف الوالد أيمن
" أنتم لا تعرفون أعمامكم .. لسنا جميعاً من نفس الأم ،، الكراهية تفوح بيننا ... أنا بدوري أحاول الهروب من مثل هذه المواجهات ..
فمثلاً سلمى عمتك لديها ابنة واحدة تدعة مي .. تلك التي تحادثك يا مروان ..
ورغم أن سلمى قد تزوجت من رجل دولة وتعيش فوق الجميع ،، إلاّ أنه لا يهدأ لها بال ان اشتمت رائحة المال ... كالأفعى تنفث السم في كلامها ..
ولديكما شقيقتها فاتن الجميلة المسكينة ذات الحياة المتوسطة ،، لديها ابن فاشل وفتاة ذات احتياجات خاصة ،، ستتعفف لكن زوجها سيقتلها إن تعففت ... "
بُهت مروان " يا إلهي .. "
" وكأنها أول مرة أسمع بهم !! " قالها تامر وقد اعوجت شفتاه عجباً ..
" دعني أكمل القادم ألعن وألعن ... "
أكمل بأسلوب سردٍ مضحك وجذاب، يحرك يديه وكل ملامح وجهه بشيءٍ من الإشمئزاز ..
" ثمّ لديكما ...
شقيقهم الأكبر فاروق .
والذي يصغرني بأربع سنوات .. تاجر عظيم يحتكر الأسواق ،، يمتلك من الفطنة ما يجعله يقتنص اهدافه كالنسر ... لديه ابنة واحدة وحفيد واحد
وااااا يتظاهرون دوماً بأنهم لا يعرفوننا وقت الأزمات. "
ضحك مروان ضحكة أخرى بينما يكمل والده ..
" و إليكم أخي السمين الطيب ..
فارس مدرس بسيط ذو حياة متواضعة وزوجة فاضلة وابناء ذكور ثلاث كالقطط اكبرهم يبلغ من العمر عشر سنوات ،، إن فارس بائس قليل الحيلة لا يطيق والدي رؤيته لأنه متخاذل وبطيء كالسلحفاء ،، وهذا ما يجعله يدخل في نوبة من اليأس والغضب "
ابتسم تامر
" كلهم أشقاء .. وماذا عن ش - "
" شقيقتييي أجل ... وإليكم الملكة الإمبراطورة ال ال "
" الطاغوت ... "
" أجل أجل الطاغووت آمال ،،
تلك التي ورثت جمال أمي وغلظة والدي ... تعيش في اميريكا مع زوجها السوري الثري ..
وترى في عقلها الباطني أن أولادها - فقط - هم من يستحقون كل الخير ،، تعرفون ابنائها ... لا تعليق "
ابتسم مروان ..
" إياد الوسيم ..
و محمد الغشيم ..
.. شخصياً أنا أحبهم لأنهم بسطاء رغم ثرائهم " أردف مروان
وافقه تامر بابتسامة جانبية ..
" أجل إنهم عائلة لطيفة إذا غضضنا الطرف عن حدة والدتهم ومحافظتها الزائدة على ما تسميه ^كرامتهم^ .. ولقد نسيت ذكر اخوتك الثلاثة الألمان آدم وإيملي وهايدي "
" لأنهم ليسوا جديرين بالذكر "
قالها بإهمال زائد وانزعاج حزين متنهداً " أصبحت أعمارهم موازية لأعماركم ،، ولكن لا أظن أنهم سيأتون على أي حال "
توقفت السيارة أمام بوابة منزل الجد لتكتم الحديث ،، وأحس السيد أيمن فور إلقائه بنظرة إلى السور ،، أن خلف جدرانه ذلك الصوت المهيب .. الذي يحثه، أن يعود أدراجه.
ولكان قد عاد لولا لهفت أولاده لرؤية أهلهم .. فقد انقطعوا عنهم لسنوات وسنوات ...
يخرج من السيارة وينزل السائق الحقائب ،، بينما أيمن ينظر إلى البوابة العملاقة ..
ويأمل الخير .
¤●▪¤●▪¤●▪¤●▪¤●▪¤●▪¤
في تلك الأثناء ...
وتحديداً الساعة ٦:٤٣ مساءً ،، كادت فاتن أن تموت احتراقاً .. فقد اشتعلت النار داخلها وانبعثت من ناظريها وأنفاسها رائحة الرماد ...
تهمس ..
" لماذا يا إلهي ؟! "
قالتها بفكٍ مضغوط .. ترسم الحمرة أطراف عينيها ... قد قبحت الحسرة وجهها إذ تذكر أقرانها ،، وتذكر والدها وكلماته المميتة عندما رأى ابنها لؤي ذو الأربع والعشرين صدفة يعمل في أحد المقاهي المتواضعة ..
فصرخ والدها أوس آن ذاك " لو كنت مكانكِ .. لدفنت رأسيَ في التراب ،، ولتركت البهائم تطأها ... إذ أني أنجبت ذاك العالة العاهة الفاشل "
أو تلك المرة التي قال فيها ...
" ابنك هذا الذي لا طائل منه .. لم تنجحي في شيءٍ منذ صغرك ،، وتزوجتي بعاطل فاشل ... وأنجبتي النسخة الثانية "
دمعت عيناها أمام المرآة ،، وسقطت دمعة قرب أسنانها المصكوكة بقوة ... إنها تعيش حياة مختلفة عن بقية إخوتها ...
لقد اخشنت يداها الرقيقتان ... ونحل جسمها الضئيل من خدمة بيتها وابنتها ذات الإحتياجات ،، وبينما اخوتها ووالدها في الترف والنعيم ،، فقد كان القدر أن تتزوج في السابعة عشر ذلك الرجل السمين النائم هناك ... تفوح رائحة الدوخان من ملابسه وأنفاسه ...
لا يكف عن التقليب في هاتفه ..
يتكاسل عن العمل ويصرخ في وجهها إن قلّت المؤونة ،، وابنها لم تساعده علامته في الإلتحاق بالجامعة ،، فتُراه جليس المنزل يأكل ويشرب وينام ... ويعمل أحياناً ،، أو يمد يده إليها طالباً المال ليستمتع مع رفاقه ...
في منزل بسيط ،، وبين أثاث بسيط ...
وتلك ابنتها زهرة المصابة بالبله ،، تصرخ فجأة وتهدأ فجأة ...
" أنا التي اخترت هذا الزوج ... كنت صغيرة وصارعت من أجل الحب ،، صارعت وصارعت كل أفراد عائلتي كي أعيش حياة بائسة!! ،، وها هو والدي ينوي ما نوى ،، وليس لي في القدر نصيب ... لست تلك الجميلة المحظوظة التي عاشت كما تريد ..
لست سوى جسد منسي .. الجميع يحتفلون ويمرحون تحيط بهم الألوان ،، وأنا قد بهتت ألواني وليس لي سوى الله من يرعاني .. "
ذرفت الدموع بشدة واحمر وجهها وأنفها الصغيرين ... تقبض بقوة على يدها ثم تبسطها لتمسح بعض تلك الدموع التي تزيد من كسرها ...
ولكن طرق الباب المفتوح قد أعاد لها ذلك قناع ،، قناع الرضى ...
" أمي .. " ناداها
أجابت بصوتها العصفوري تتقوى بنبرتها ...
" ماذا يا لؤي؟ "
قالتها تمسح دموعها بسرعة لعلها تدركها قبل أن تُرى وتُفضح ...
دخل ببطء وبخطوات منكسرة ... فقد سمع بكائها ورأى لإنكسار بادياً عليها ،، فخضع صوته وبصره ..
" أمي الحبيبة "
اقترب منها وضمها إلى صدره ...
" أعدكِ هذه المرة أن أتغير .. ستفخرين بي أمامهم أعدكِ بذلك ..."
لقد قالها بكل تفاؤل وكأنه يملك ذلك ..
ولكنها رفعت رأسها بنظراتٍ بائسةٍ جداً ،، فلم يزدها حديثه سوى حزناً ... عزفت كلماتها له على أوتار مهتزة ونغمة حزينة " لا يمكنك مجابهة الواقع يا بني ... أنت تتحدث عن أُناسٍ يُهدون أولادهم سيارات جديدة في أعياد ميلادهم ... ثراء ومكانة علمية واجتماعية ،، اهتدي فقط .. وأطلب من الله إصلاح الحال "
" أعلمُ .. أمي ...لكنني سأحأول على الأقل تغيير تلك النظرة التي ينظرها لي جدي "
سكتت وتنفست بهدوء .. أنفاس اليأس ،، ليذهب ابنها مغاضياً ...فقد عرف قيمته الآن أكثر.
∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆
إنه الشتات والتضاد في هذا العالم .. أي ،، كيف لك أن تنظر في مرءاتك فترى شخصاً يعاكس كل أحوالك و صفاتك !!
فداخل أحد المنازل الفارهة جداً قرب منزل السيد أوس ..
" قف باعتدال "
قالتها بلهجة آمرة وهي تعقد له ربطة عنقه ،، وسرعان ما استجاب لها ...
تتحرك أصابعها النحيلة بتناغم مع بعضها البعض ،، فتعقد الربطة السوداء بكل أناقة وإتقان ..
وها هي تمسك زجاجة عطر ^ One Million ^ بسعادة ..
" لو أنهم يعرفون أن عطرك فقط يضاهي راتبهم الشهري هههه ... "
ترش بعضاً منه على صدره .. والبعض الآخر على رقبته ولحيته الكثيفة البرونزية .. ثم تخلل أصابعها فيها ليتخللها العطر ويمس شعرة شعرة ...
تبتسم بثقة ناظرة بخشوع ..
" أنت ذلك الجمال اليوسفي بعينه .. "
ابتسم بخجل فتبدّى بياض نواجذه ،، مصفوفة تخطف بين الثنايا قلوب الناظرين ..
" لكنهم .. " تربت على صدره " سيقطعون أيديهم ويأكلونها أيضاً دون أن يشعروا ... "
" ههه أمي أ-" قاطعه شقيقه واقفاً خلف والدته بصوته المزعج ..
" وكأنه ابنكِ الوحيد هاا "
أغمضت عينها تحاول كبت جماح غضبها .. لكنها انفجرت -
" أنت مثيرٌ للمشاكل وغير مطيع ولا تريد الذهاب معه إلى جدك .. ليتك مثله .. "
غضب محمد .. فقد أحس أن أمه قد ذابت في محبة أخيه إياد دون باقي اخوته ،، فها هي ذي ترتبه وتعطره وكأنها ليلة زفافه ..
" ستشخص لك أبصارهم .. يا فخر أمك "
" سلمت يداكِ المباركة يا أمي .. "
وها هي تضع يدها الحنون على جبينه ،، ترفع بها بعضاً من خصلاته البنية .. وبصوتها المبحوح المنخفض ،، تقرأ المعوذات مغمضة جفنها الرقيق ... بينما هو واقف يتفحص بحب وجهها الحنون ..
إنه يشتاق إليها بمجرد خروجه من المنزل ..
إنه يحبها كما لو أنها الكرة الأرضية بأنهارها الصافية ومروجها الخضراء ...
" يااال السخف "
قالها محمد وذهب بخطوات غاضبة تضرب الأرض ..
أعطت والدة إياد له صندوقاً أحمر مذهب ،، بداخله شيء ثقيل ..
" أعطه لجدك .. ولا تنسى تقبيل يديه ورأسه "
نظر إياد للصندوق بفضول ..
" ماذا بداخله ،، أمي؟ "
" إنها هدية لجدك .. هيا اذهب وعد بسرعة لأن خالتك فاتن قادمة لزيارتنا .. "
همت بالخروج من الغرفة لكنها تذكرت شيئاً في غاااية الأهمية ..
" لا تفتح نافذة السيارة وأنت تقود لكي لا يبعثر الهواء شعرك ... فأنا لست هناك لترتيبه لك "
ابتسم إياد بثقل يحاول مسايرة عقلها .. وأحسن أيضاً بثقل في صدره مجهول المصدر .. كان ينظر إلى الصندوق ويتسائل لما كل هذا التبجيل الذي يحظى به الجد !!
لكنه لا يجد لسؤاله مجيب ..
" محمد هل ستأتي معي؟ "
قالها منحنياً يرتدي جزمته الجلدية السوداء ..
رد عليه شقيقه من بعيد ..
" لا لا أريد .. "
انتهى اياد واقفاً " تعال فلربما يقدمون الطعام "
خرج نحوه شقيقه من أحد الغرف ،، سماعات الرأس حمراء كبيرة تطوق رقبته ..
" أنت ذاهب إلى جدي يا إياااد جدييي إنه جدي ... ستعود إلينا باكياً وسروالك م- "
" محمااااااد "
صرخت باسمه من المطبخ ..
" ماذا يا أمي أنا أقول الحقيقة ،، إياد حبيبي أعلم أنك تبلغ الثامنة والعشرين ،، لكنك لا تزال أبله بعض الشيء ... إنها ليست رحلة خلوية "
" محماااد "
" حسناً أمي حسناً ... اسمعني " همس له " سيسبك وعليك أن تكون في غاية السعادة بينما يهين كرامتك ... وإلا ستكون قد أخطأت في حقه "
" سمعت أن خالي أيمن وابناه وصلوا للتو ،، بالتأكيد سيقيمون وليمة لذلك "
" إيااد أنت لم ترى جدي منذ خمس سنوات ،، أنا أراه كل عام تقريباً ،، إنه مجنوووو- "
" أيها الوقح ... "
أمسكت والده بسترته تشدها ..
" بدل أن تذهب معه تحثه على قطع رحمه وتسيء إليهم و - "
" أنا لم أسب أحداً لقد قلت الحقيقة وحذرته ،، سيبلل سروا- "
" لم تسب !! أيها الكذاب س - "
ترك إياد مشهد تعنيف والدته لشقيقه رغم أنه جزؤه المفضل في اليوم .. وخرج من المنزل .. بكامل أناقته وسؤدده ،، لا يشعر بوجود مشكلة إلاّ تلك
^ الغصة المزعجة ^ التي لازمته مذ همّ للذهاب ..
■¤¤■¤¤■¤¤■¤¤■¤¤■¤¤■¤¤■
- انتهت المقدمة -
*ملاحظة :
لا تتوتروا من تعدد الشخصيات إنه فقط للتلاعب بكم ،، سيتم التركيز على خمس شخصيات محددة .. وربما يكون المتلاعب سادسهم ..
- يتبع -
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top