|° الرصاصة الثالثة °|
● البارت طويل جداً .
●لا تصدقوا ما تقوله الشخصيات .
______________________________________
صوت صراصير الليل بين العشب على جانبي البوابة .. حيث ارتمى أرضاً مربعٌ من نور إثْرَ فتحها على مصرعيها ..
لقد أنهى توديع الزوار ،، وأرسل قلبه بعيداً إلى منزل الجد بين يدي إيملي ..
يغلق البوابة ،، بعد يومٍ طويل حافل ،، يتلاشى الزحام فجأة فيتركه وحيد الفكر .. بذهنٍ مشغول ،، لا صوت سوى صوت ضغطات على بعض الأزرار يتأكد من نظام الأمان ..
بين ظلمة وسكون ،، يمشي على طريقٍ من قطع الحجارة إذ يتخللها خضار العشي .. نحو منزلهم ذو النوافذ المنيرة .. قد تنازعت الأفكار في رأسه وشلت اتصاله بالواقع ،، فغرقت عيناه داخل عقله !!
^ مُذ وطأت هذا البلد ،، وسلسلة من الأحداث الغريبة تحدث ،، وأمور تسير بشكل مريب نحو المجهول !!
السم .. تلك الحادثة اللعينة التي بلا أي معنى ،، ومع كلِّ مدى أكتشف أنها ألعن وألعن .. ولربما هي لعبة للإستحواذ على شيءٍ ما .. ^
أغلق مياه النافورة هناك ،، وفور إطفائه أضوائها .. سقطت نجوم السماء بها ،، فاستند على حوضها ذو الحجارة البيضاء بكلتا يديه ،، حيث سوارٌ من حلقات الفضة يطوق رسغه الأيمن ،، ناظراً في قلب المياه إلى وجهه المهموم .. جميلٌ لكن ذو تجاعيد ..
يبدو في أواسط الثلاثين أو أواخرها .. لقد تلبسه ذاك الكِبَر في يومٍ وليلة ،، يكفي أنه كاد يفقد قطعة من قلبه اليوم .. لقد اخشنت ملامحه و نُحِتت التجاعيد قرب أطراف عينيه جراء ذلك الحادث ..
وماذا عن محاولة قتله ؟!
هل سيتجاهلها كما قال لتامر ؟!
^ ما الذي يجعلني أثق بكلامه ؟! وما الدليل ؟!
وفي نفس الوقت .. لمَ قد يكذب ؟!
جميعنا نعلم أن الثروة للأبناء لا للأحفاد ،، ولكن هل من الممكن أن الفاعل حاول إشعال الفتنة بين والدتي والجد مثلاً ؟!!! ^
هزّ رأسه ^ لا لا ... لا منطق فيما يحدث ،، إنها روح إنسان ،، والتفريط بها يكون لأهدافٍ أكبر .. ولكن لمَ قد يرغب أحدهم في موتي ؟! ^
تنهد يحاول قتل القلق الملح في قلبه .. يزين عبوسه محياه فيغدو كتمثال الجبس ،، قد أرسل عقله وروحه إلى عالم من الفرضيات ،، حيث يدير الأفكار في رأسه كدولاب دوار .. لتتقلب الأمور فيكتشف أن ..
^ هناك مجرم يتلاعب ،، وبقوة ..
شخصٌ يكرهني .. لأنني ،، أشكل خطراً عليه ربما .. أو لأنني أقف في طريقه أو أياً ما كان ..
ولكن .. ما سر اختطاف اختي اليوم أيضاً ؟!
أيعقل أن يكون بهذا الإجرام ؟!
في ماذا يفكر ؟! ^
هزَّ رأسه متضايقاً ..
^ لقد عجزت ...
كيف يمكن لعدة نقاطٍ مترامية أن تجتمع معاً لتكوين هدفٍ واحد ؟! مجدداً - تحرك من موضعه فقد جزم أنه لن يستطيع النوم اليوم دون منوم .. فتجاوزاً البوابة نحو الخارج إلى أقرب صيدلية - لقد سممني أحدهم بسم ما ،، وبالطبع حلل تامر العصير كما يقول وأخبرني بوجود خطر ...
لم أصدقه .. ولكن ذلك الخطر تأكد اليوم التالي مباشرةً ،، حين تم اختطاف أختي وقد أدلى الرجل بقسمه أنه فعل ذلك بُغية المال ولم يؤذها !! ^
أدرك إياد أن الشيء الوحيد المشترك في الحدثين ،، ليس أموال الجد أبداً .. بل إنها محاولة جادة في إيذائه !!
^ وإيذائي أنا فقط وليس أفراد أسرتي ،، وإلا لمَ تعرضت للموت بينما لم تتعرض له أختي ؟!! الشخص الفاعل هو أحدٌ من أفراد العائلة .. فقد تم تسمسمي في منزل الجد ،، ولم يتم اغتصاب أختي - والحمد لله - بل إخفاؤها فقط لإستدراجي .. ^
ظل رأسه يعمل على حل اللغز ،، يفتش في ملفات الماضي السحيق .. في حين يخطو الشارع الإسفلتي .. من قد يُكِن له كل هذا البغض ؟!
ولأنه لم يجد الإجابة ،، قرر عكس السؤال ..
من أُكن أنا له الكراهية ؟!
▪■□■▪■□■▪■□■▪■□■▪■□■▪■□■▪
لقد أُجيبَ عن سؤاله في نفس اللحظة ،، لكن في مكان آخر ..
حيث تَلُفُّ سلك الهاتف اللولبي حول إصبعها بتوتر داخل منزلها ،، بينما تتسرب حروف رجلٍ غريب من سماعات الهاتف .. مجهولُ الهوية ،، معلومٌ كونه أحدَ أفراد العائلة .. يقف على رصيفٍ حجري ،، واضعاً سماعة الهاتف العمومي الضخمة على شحمة أذنه ..
تمعنت كثيراً محاولةً تحديد هويته من نبرة صوته ،، لكنه غيرها تماماً مستعملا مضخم الصوت في هاتفه الخلوي ...
عمق وتشويش ،، وتذبذب ممزوج مع ضجيج مرور السيارات ..
تلبست كلماته الغموض رغم وضوح أحرفه كالشمس ..
" لقد اتفقنا أن تخلصيني من إياد لأضمن لكِ التخلص من والدته ،، لكني فشلتي ...
قدركِ الآن أن تتنحي عن محاولة امتلاك ثروة والدك وإلا فضحت أمرك "
كشفت سلمى والدة مي عن أنيابها بكراهية " أنت حقير "
ضحك ينتقص عقلها " ما لا تعلمينه يا عزيزتي ،، أن الكاميرات ذات البث المباشر هي ورقتي الرابحة دوماً ..
... فلقد رصدتك مُذْ أعطيتي السُّم للخادم وكيف كنتي مختفية في نهاية الرواق بثوبكِ الفضفاض ،، بل وكانت كلماتكِ أوضح من صورتك "
تجمدت عروق سلمة خوفاً ... أيعقل أنه قد علق الكاميرات دون علمِ أحد ؟!
" كيف ؟ "
" كيف ؟ ههه لن تعرفي أبداً كيف .. كل ما ستعرفينه هو أن كل شيء موثق عندي .. وفي أي لحظة يمكنني فضحك ،، خاصةً أنَّ تامر قد علم بحقيقة المادة "
أمالت على الجدار بثقة ..
" بالتأكيد أنت من وضعت السم في ذاك الكوب أيضاً .. "
" لا ،، بل إنها خطتكِ الفاشلة .. "
ابتسمت ابتسامة جانبية ،، موقنة بكذبه .. تؤمن بخيانته ... فقد اطمئن لموت إياد ،، فقرر فضحها والتخلص منها للوصول إلى أموال والدها ..
" لم أكن هناك يومها لأرى فشل خادمكِ الوضيع في تبديل الأكواب .. "
" ههه وماذا عن اختطاف أخته !! ،، ألمَ تفشل أنت أيضاً ؟! ولمَ اجتررت الرجل المسكين لفعل ذلك ؟ "
بصوته العميق أجاب " لنفس الغاية .. " اكفهر وجهه عندما تذكر فشله الذريع في خطته " ... غايتي هي قتل إياد ..كنت سأرسل روحه إلى قيعان الجحيم مقابل حصوله على أخته .. " أخفض رأسه قد غطى الظلام كل وجهه " لكن إيملي كشفت كل شيء .. "
نظر الرجل المجهول إلى ساعته ،، فأدرك أن منتصف الليل قد حل .. بينما يتذكر ما سجلته الكاميرا الموضوعة أمام المتجر ... تنقل بصعوبة ما وراء زجاج بابه ..
كيف قامت إيملي بركلة قوية ،، وكيف شهر تامر مسدسه في وجه الرجل ... ثم فتح ما قد سجلته الكاميرات ..
عودة إياد ..
وإنقاذ أخته ،، ليهمس " تباً "
يتذكر كيف تتابعت اللعنات على لسانه لحظتها ،، قد أغلق البث المباشر ومن فرط غضبه قرر وبكل جرئة أن ...
" لم تحقد على إياد هكذا ؟! "
أفاقه سؤالها من كابوس الأحداث .. إلى كوابيس الماضي .. فصمت وطال صمته ..
يكفيه أن يتذكر لمحات وجه إياد ليصاب بالغثيان .. إنه حدث قديم ،، ولربما لم يعطه إياد أيَّ أهمية ...
ظنت سلمى أنه ذهب ،، فنظرت إلى الشاشة الرقمية للهاتف .. لترى الدقائق تعمل !!
" ألو !! "
" اسمعيني يا امرأة ،، كون ابنتكِ سألتكِ اليوم عن ذهابكِ ذاك المساء .. وكون تامر اكتشف أصل المادة وبكل سهولة ،، هو بحد ذاته فشل ذريع في التخطيط .. ولا أعلم ك- "
" سأدفع لك .. "
أطبق شفتيه ..
فأكملت ترجوه " سأدفع لكَ لكن يجب أن تساعدني في ابعاد الشكوك عني .. "
لم تعتد سلمى الذل ،، لقد قبضت يدها حتى كادت أظافرها تنغرس في قلب كفها ..
لكنها أخرجت تلك الكلمة رغماً عنها بصعوبة تشق الأحرف كربيائها شقاً ..
" أرجوك .. "
ابتسم بكبر ،، أسعده تذللها فامتلأ غروراً ،، إنتفخ .. تهلل في نفسه وأيقن خسارتها ،، هوَ لا ينكر حبه المُلِحْ للملك والمال .. لكنها ..
" ورقة محروقة .. فلتغرقي في ال*** "
يضرب السماعات بقوة مكانها ويرحل من موقفه أمام الهاتف ،، لتسمع سلمى صوت انتهاء المكالمة وانقطاع الأمل ..
بين المشاة يسير بنظرات إجرامية ،، مقلتان طافيتان إلى فوق مع شفاه مستقيمة عابسة ... قد اختار في عقله الطريقة الأصعب للتخلص من نده ..
على عكس سلمى التي شعرت فوراً بدوار الخوف ،، فارتمت بجسدها بين أذرع الكرسي جاحظة العينين ،، وكأنها طُعِنت طعنة الغدر ظهراً ..
تنهار آمالها وسمعتها أمام عينيها .. تتبخر أحلامها وتحترق أفكارها بحمم خوفها ..
^ يستحيل أن أدع هذا يحدث .. ^
سُمعتها ،، زوجها ومكانته .. ماذا سيفعل إن علم كونها لم تقابل الجد رغم ذهابها ؟! ... سيتسلق الشك عقولهم حتى تُكشَفَ فَعْلَة السُّمِّ ،، فَتُوَجَّه إليها أصابع الإتهام ويعترف الخادم خوفاً بكونها العقل المدبر ...
ورغم أن ذاك المجهول أقر بفشل جُلِّ خططها ،، إلا أنها لم تتوقف عن رسم الخطط الفاشلة .. فرسمت بخوفها اخر خططها ،، تنسجها من أكاذيب الرعب الضعيفة ..
فأمسكت هاتفها الخلوي .. تبحث بين الأسماء عن شخصٍ ما قد يساعدها - كما تدعي - .. ومن هو أنسب من أن ينقذك ؛؛ أكثر من الضحية ذاتها !!
إياد !!
كانت بين الإقرار بالذنب ،، والكذب .. لكنها وبجبنٍ أرعش حواسها ،، اختارت الكذب .. فلا أحد سيسامح أحداً في محاولة قتل ..
وفي غضون دقائق ،، حصلت على رقم هاتقه المرفق بصورة له على مجموعة العائلة ...
تضغت باصبع متردد على زر الإتصال ،، فيصفُر الإنتظار في أذنها ،، ويهتز هاتفه على لوح الزجاج السميك فوق مكتبه ..
____________________________
كان للتو عائداً من الخارج ،، وعلى كرسيه الجلدي الدوار جلس .. أمامه كيس ادويته ،، المسكنات والمهدئات وغيرها .. شديد العبوس ،، قد رمى بمقلتيه بعيداً نحو الرقم الظاهر على شاشة الهاتف هناك ..
^رقمٌ مجهول من الأردن ؟!! وفي هذا الوقت ؟! ^
لم يزده هذا سوى غضباً ،، فقد كان في طور الشروع بالحديث مع محمد ..
" تباً .." ضغط على مشغول ..
يقف شقيقه أمامه ،، قد أثقل شعوره بالذنب رأسه فطأطئها مما علم من أمر أخته ..
وتحت أضواء السقف البيضاء ،، يوجه إياد نظراتٍ اللوم القاتلة نحو شقيقه مسنداً خده على قبضة يده ..
ينظم كلماته بروية رغم صراخ الغضب في عدسات عينيه رافعاً حاجبه محدقاً .. " لقد عهدت نفسي ألف مرة ألا أغضب عليك .. وألا أصرخ في وجهك أو أعنفك ..
أتعرف لماذا ؟ "
سَكَتَ محمد وسحب بعض الهواء مبتلعاً ريقه ،، تلمع دموع الندم في عينيه ..
" لأنني .. وأنت تعرفني جيداً ،، عندما أغضب فلا يوجد حدودٌ لغضبي ...
وبما أنك لم تقم بمهامك -كرجل- .. فحريٌّ بِكَ أن تُسجن في المنزل كالإناث ،، تقوم بما يقمن به من خدمة .. فلعلك تجيد ذلك أكثر "
رنَّ هاتفه مجدداً .. ذاتُ الرقم يشتت أفكاره ،، لكنه تابع بتجاهل ..
" سلم مفاتيحك ومحفظتك ،، هاتفك ومشغل ألعاب الفيديو .. ولا ترني وجهك حتى يأتي والدنا فيتصرَّف معك"
توتر محمد وبدأ العرق البارد يعتلي جبينه ،، سيقع ما جال في عقله من مخاوف .. لكنه لم يستطع النطق بكلمة ..اكتفى بمحاولةٍ بائسة لتجنب سماع كلماته دون سد أذنيه ،، والهرب من ملاحقة نظراته دون إغماض عينيه ..
وإياد يختم حديثه بعروق الغضب البارزة على رقبته
" أنا إلى هنا سأتوقف .. فليس لي كامل الحرية في التصرف معك ،، فأنا لست من أنجبك ولفك في خرقة ودللك ليصنع منك ذكراً عديم الرجولة ..
أنا مجرد ^ نائبٍ ^ لسيد المنزل .. ولو تُرِكت ليَ حرية التصرف معك كإبن ،، لعلقت جثتك عارية أمام مدخل بيتنا لتشعر - بالعار - الذي كدت تصيبنا به .. "
أخذ نفساً يحاول تمالك نفسه مجدداً ..
" وأقسم بخالق الكون .. إن اجزت عتبة المنزل يا محمد ،، فلن يحدث خير بعدها في هذا المنزل ..
ستذهب ،، وتحضر ما أمرتك به حالاً "
يرفع محمد رأسه قد انتوى الإعتراض ،، ليرفع إياد في وجهه أربع أصابع " الهاتف ،، المفايح ،، المحفظة .. ومشغِّل ألعاب الفيديو " صارخاً في وجهه ضارباً بيده على سطح المكتب " هيا "
ذهب محمد من فوره يمسك دموعه أن تسقط فيبدأ إياد بإدخال جمرات كلماته في أذنيه من جديد .. لكنه يشعر بوخزات غيظ ،، إذ يعامله وكأنه مراهق عديم النفع ؛؛ رغم أنه في الرابعة والعشرين !!
يقف إياد على عجل فور خروج شقيقه ،، يلتقط هاتفه .. ويرد على ذاك الرقم المجهول ..
" ألو !! "
صوت امرأة !!
" إياد مراد ؟! "
"أجل "
" أعتذر عن اتصالي في هذا الوقت ،، أنا خالتك سلمى ،، والدة مي .. قد لا تعرفني لكنني .. "
" بلى .. أكملي " تتبع عيناه عودة محمد بالأغراض
" لا أعلم إن صدقتني أم لا ،، لكنني شهدت واقعةً كادت تودي بحياتك - حفظك الله - " أخذت نفساً تهمس " فعندما قدمت لرؤية أيمن ووالدي ،، سمعت في رواق مظلم رجلاً ،، يتحدث إلى الخادم ويأمره بوضع شيءٍ لكَ في العصير "
أمسك محفظة شقيقه بينما يستمع إليها ،، يسند هاتفه على منكبه الأيمن ليلتصق في أذنه بينما يخرج بطاقة هوية شقيقه من المحفظة ،، اشتراك الجامعة والرخصة ؛؛
يكسر ويمزق !!
جحظت عينا محمد ،، وعلا صوت سلمى من الهاتف
" ... لذا اختبأت من فوري لكي لا يراني "
" اها " ينتهي من بطاقاته الرسمية ،، ثم يعود لإمساك هاتفه بيساره ..
تكمل سلمى " لم أستطع التعرف على هويته ،، ولا أعرف سوى أنه أحد الأفراد وإلاَّ فكيف دخل ؟! "
" اها أجل .. أكملي " يجرد هاتف شقيقه من كل وسائل الحماية ..
ويضربه في الأرض !!
وبمضرب البيسيول يهشم !!
كم انذهل محمد بالغضب الكامن داخله والذي جعله يضرب الهاتف بمضرب ثقيل مستعملاً يمناه فقط !!
" ... ثم هربت من فوري قبل أنيلحظني و- ... ماهذا الصوت ؟! "
تتناثر قطع الهاتف " لا تهتمي ... أكملي "
" حسناً ... بالطبع لقد تجاهلت الأمر قلت أنه يكذب ،، ولكن ضميري لم يسمح لي بالنو- "
" اها ،، لمَ لم يشتعل ضميركِ ذاك اليوم وجعلكِ تحولين بيني وبين شرب ذاك العصير ؟!!! "
ارتبكت ..
لكنها أكملت " قلت لم أصدق في بادئ الأمر ما سمعته "
" إذاً لمَ هربتي ؟! لمَ لم تكملي اليوم على خير وتدخلي وتسلمي على الجميع بما أن الرجل يمزح أو يكذب ؟! "
لعنته سلمى في نفسها ..
" لأنني .. لأنني خفت أن يكون الحديث حقيقياً "
" ااها .. لقد عدنا لنفس النقطة إذاً " يمسك مشغل ألعاب الفيديو ،، وبنفس المضرب .. يحطم ويحطم ويحطم بهدوء ملامحه وكلماته ،، واشتعال ضرباته القوية غضباً بيد واحدة !!
" لم أعرف كيفية التصرف حينها .. "
" ومن هوَ ذاك القريب ؟ "
" لا أعلم .. لقد سمعت صوته فقط ،، ك- "
" اوو اوو اوو خالتي .. " انتهى والقى المضرب جانباً بلا مبالاة " بالتأكيد تعرفين اشقائك واخوتك .. كل فرد في هذه العائلة لديه لكنة خاصة ولهجة مكتسبة إثر البيئة التي نمى بها "
ترك الفتات متناثرة على أرضية الغرفة ،، من زجاح وبلاستيك وآمال محمد وكرامته ..
يكمل نظريته ..
" ستجدينني أتحدث قليلاً كأهل حلب نسبة إلى والدي .. وقليلاً من لهجة والدتي ،، مع العديد من الكلمات والأحرف الأجنبية الدخيلة .. واللكنة السريعة الغير مفهومة في معظم الأحوال .. "
يكمل حديثه بروية .." أما أسرة أيمن يتحدثون الشامية الخفيفة ،، وحين نطق الأحرف الإنجليزية البريطانية يكونون في غاية الإتقان نسبة إلى والدتهم .. فكلماتهم عادة ،، واضحةٌ جداً ومرتية ومتباعدة في كلتا اللغتين ..
وسكان الأردن من أقاربنا يتحدثون الأردنية فقط .. بحروفها المشبعة ،، مختلفون تماما عنا ..
بينما إيملي واخوتها عربيتهم ثقيلة في عدة مواضع .. يصعب عليهم نطق الراء قليلاً فيدمجونها بالغين بنسبة ٣٠% ،، وهم سيئون في لفظ الشين "
أشار لمحمد بالخروج ... وتبعه مغلفاً الأضواء والباب .. ومتوجهاً نحو غرفته " لقد كنت أتمعن في أحاديث الكل ،، مستحيل ألا تميزي بين هذا وذاك .. أكرر ،، مستحييييل "
" لكنها كانت عدة كلمات فقط .. "
تفكر في نفسها ^ لمَ لمْ ألحظ ذلك ؟!!!! ^
" بالتأكيد لحظتي "
" كل ما لحظته أنه ليس أردنياً .. يستحيل أن يكون كذلك "
صمت إياد ،، ربما تحاول فقط إبعاد الشكوك عن أشقائها ، فلا شيء صادقاً قالته حتى الآن سوى وجودها ذاك اليوم ..
أكملت قد أفسد خوفها كل شيء " والآن يتسائلون هل كنت هناك أم لا ،، سيتهمني زوجي بالكذب أو الخيانة ... لأن سائقي الخاص أكد له إيصالي إلى كنف المنزل ..
رغم أن ابنتي قالت أن احداً لم يرني هناك .. "
" ما هو موقعي من الإعراب ؟ " يدخل غرفته ويعلق معطفه ..
" أريدك أن تقول أنك قد رأيتني .. "
" هههه " لا يصدق مستوى غبائها ..
" وماذا عن الباقين ؟ سيسألونكِ لمَ لم تسلمي عليهم ؟! "
ترددت احرفها وأيقنت أنها تزيد الطين بلة لا أكثر .. حتى قال لها .. " استمعي إلي .. سأساعدكِ بشرطٍ واحد ،، أن تعرفي الفاعل وتخبريني "
" كيف ؟! "
" كيف ؟!! ... " بتعجب " هذه ليست مشكلتي "
انتوى اغلاق المكالمة ،، قد ختم بجملته ..
" إن أردتي المساعدة ،، فأجعل الأمر كما لم يكن .. لكنني لا أمد يد بالمساعدة دون مقابل ،، هوية الرجل وفقط ..
انتهى . "
أغلق الخط .. تاركاً الباب مفتوحاً كعادته .. خلع ثيابه الرسمية الخنيقة ،، يحل ربطة عنقه ،، ويفتح الأزرة والحزام .. مكتفياً بسرواله فقط ..
صوتٌ من بعيدٍ يقترب بينما يتخير ثياب نومه ..
يتأفف في حين يرتدي بنطاله .. ويتحرك في الظلام هنا وهناك ،، يعرف مكان كل شيء رغم العتمة السوداء ..
اقترب الصوت أكثر من غرفته ..
^ يبدو أنني لن أنام اليوم ^
" أجل لقد نسيتي حقيبتكِ ... اهاا حسناً حسناً " تتجول بينما تتحدث في الهاتف بقناع الخيار والنعناع ،، وشعرٍ ملفوف بالمنشفة مرفوعٌ فوق رأسها كأحد نساء الجزر الإستوائية هايدي ذا الأربع والعشرين شقيقة إيملي ..
وقفت عند الباب تمد يدها بالهاتف نحوه " إيملي تريدك .."
تقدم نحوها ببضع خطوات ،، فأنارت شاشة الهاتف الموجهة صوبه بزرقة ضوئها جسده المفتول ووشم النسر على صدره !! ..
يلتقط الهاتف ..
" خيراً يا آنسة إيمي " يضغط شفتيه ..
تتثائبت " لقد نسيت حقيبةً مهمة ،، ربما هي في غرفتك " بصوتِ فاتر ورقيق .. " إنها كبيرة ذات لونٍ تركوازي "
فتح الأضواء " اها .. ما هو التركوازي اتقصدين البنفسجي ؟! "
" لا .. إنه مزيجٌ من الأخضر والأزرق "
ظل يبحث قرب سريره .. هنا وهناك ،، بعينين ناعستين يكاد لا يميز بين الأحمر والأصفر ..
" وجدتَها ؟ "
" أنا أبحث .. "
وبينما يبعثر سريره .. تلحظها هايدي هناك فوق أحد الرفوف مفتوحة تكاد تُسقط ذاك الشيء منها !!
^ يا إلهي ^
" اها ايملي .. لقد وجدتها " يقترب منها هو أيضاً ،، يمد يده يكاد يلمسها ،، فتشدها هايدي .. قبل أن يصل إليها ،، لتترك انطباع الذهول والشك يبرق في عينيه الجاحظتين بشكلٍ مرعب !!
^ !!!! ما هذا التصرف !! ^
أغلقت الحقيبة بسرعة وبإحكام ..
ليقول لإيملي " لقد وجدتها اختك .. "
" حسناً .. " تتثائب مجدداً " أخبرها أن تحضرها معها غداً ،، سأنتظر رؤيتك "
أنزل الهاتف ببطء وذهول ،، قد أغلقت إيملي الخط .. فألقى نظرة روبوت إلى الحقيبة في يد هايدي ..
فأخفتها أكثر !!
" ماذا ؟! " بعينين مرتعدتين ..
تأفف ملتفتاً يمنة ويسرة .. يطرق الأرضية بقدمه ..
" هايدي " يمد يده " أعطني الحقيبة "
احتضنتها وبوجه شديد الخجل صرخت " أشياء خاصة بالفتيات .. عيب "
" وما الخاص ؟! كل شيء نعرفه ونراه في الإعلانات "
نظرت إليه بوحشة وخرجت من فورها بهرولة هاربة .. تضم الحقيبة بخوفٍ جنوني ،، وكأن بداخلها سراً !!
هامساً " تباً لكل من يخفي شيئاً عني "
_________________________
وكان تلك الجملة هي ختامُ اليوم ،، أطول يومٍ عاشه إياد .. لقد غطَّ في النوم كما لم ينم من قبل ،، غاص في فراشه السحابي ،، قد أراه عقله أضغاث الحلم من تسميم وقتل وخطف !!
----▪°▪°▪°▪°▪°▪°▪°▪°▪°▪°▪°▪°▪°▪°▪°▪----
وحتى صدح أذان الفجر العطر .. وانتشر في أرجاء عمَّان ناشراً الحب والأمان ،، يذكر العالم بيومٍ مهيب محتوم ليعملو من أجله ..
العصافير تستيقظ مع الشروق البطيء ،، إلى رحلة البحث عن رزقها ،، في جوٍ بارد ضبابي .. يرتفع في الأفق قرصٌ أحمر برتقالي ..
والسماء تنير الأرض ،، وشوارعها ..
لترفع قناع الليل ،، وتكشف كل ما كُتِمَ به من صرخات ..
ذكر الله ،، وتأهب بنشاط لعمله البسيط .. كجامع قمامة ،، كهل بسيط يسير في الطراقات فيكنس الشوارع .. بثيابه البرتقالية المنسقة ... عجوزٌ لم يرحموا عجزه .. بل تركوا له عملاً مهيناً يختم به سنوات الشقاء ..
بأسنانه الصفراء البشعة يبتسم برضى ،، لعل الله يرسل له شخصاً ثرياً يغدق عليه من كرمه ..
سيصعد البنايات ويجمع القمامة من أمام الأبواب .. حيث يضعونها في حاوياتهم الأنيقة الخاصة ،، إذ يحصل مقابل ذلك على بعض المال يسد به رمقه ،، ويزيد من احتمال حياته يوماً اخر ..
^ بسم الله ^
على مهلٍ يبدأ الصعود .. حاملاً كيساً قماشياً عملاقاً ذو رائحة بشعة ،، يتكاثر حوله الذباب .. في حين يجرُّ الكيس درجة فدرجة ..
وكلما صعد أكثر يختفي الذباب حوله فجأة !!
وعندما وصل للطابق الرابع لم تعد هناك ذبابة واحدة تحوم قربه !!
لقد أحس براحة إذ يمكنه الآن تفريغ الحاويات دون أن يشيح بيده في كل الإتجاهات ..
حاول أن يسرع بخطواته نحو الدور الخامس ،، إذ صدح في أذنيه صوت طنين النحل .. حيث سكان الطابق الخامس محبي الزرع كما يبدو ..
^ من المؤكد وجود خلية نحلٍ هنا .. يا إلهي كم أخب العسل ^
ابتسم يصعد على الدرج القديم ،، ذو البلاطات المكسورة .. فلربما يقدم له أحدهم شيئاً من ذاك العسل ..
وبين الجدران الإسمنتية الرمادية ،، يرى مكان خلية النحل قربةً أحد الأبواب تطن وتطن .. حيث الظلام واقفٌ أمام الباب يأبى معانقة ضوء الصباح ..
^ أيعقل هذا !! ... ولكن يالهم من أناسٍ مهملين ،، كيف لهم أن يتركوا الخلية بدون تغطيتها قد يتأذى أحد ^
بخطواتٍ واثقة يقترب من الطنين قرب الحاوية ..
لتشهد عيناه على ..
أكبر تجمع للذباب على رؤوس بشرية .
|●•●•●•●•●•●•●•●•●•●•●•●•●•●|
- موسيقى -
^ والآن معكم نشرة أخبار الساعة الثانية ظهراً ^
بوجه جاد وعبوس ،، تقرأ المذيعة الخبر ..
^ شهدت العاصمة عمَّان صباح اليوم ،، واحداً من أبشع الجرائم في تاريخها ..
إذ تم قتل أسرة - بأكملها - وتمزيقهم وبعثرتهم بشكل شيطاني .. وبدون رحمة ،، وإليكم التقرير ^
جلس الجد أمام التلفاز يحتسي قهوته ،،
بغضبٍ يصرخ " اللعنة على داعش "
التقرير بصوت الصحافي ،، يعرض صور الخي والناس يتجولون ..
^ في أحد الأحياء المتواضعة ،، ارتعد سكانها جراء جريمة نكراء .. فقد تم قتل أسرة مكونة من خمسة أفراد ثلاثة أطفال وامرئتين .. وإلقاء رؤوسهم في حاويتهم أمام شقتهم ..
وعندما اقتحم الشرطة الشقة المتواضعة ،، شهدت أعينهم أبشع ما رأت .. ^
وضعت إيملي طبق الحلوى الباردة أمام والدها ،، وجلست بإنصات .. يخرج تامر من إحدى الغرف إلى الصالة لينضم إليهم ..
^ أكد الجيران أنهم لم يسمعو مقاومةً أو صراخاً .. ولم تكن الرؤوس موضوعة في الحاوية على قارعة الباب نهاراً ..
" لم نسمع أي شيءٍ مريب لا من قريب ولا من بعيد ،، ولم يرَ أحدنا شخصاً غريباً يصعد أو ينزل "
يؤكد البواب ذلك أيضاً ،، ويقول ..
" لقد عاد الأولاد من المدرسة تباعاً .. وصعدوا ولم يسمع أحدهم استنجاداً او صوت رصاص "
بل وأكدت الشرطة أنه لم يتم سرقة أية ممتلكات من الشقة .. ^
" يال خيبة الأمن .. كيف لم يأمنوا المناطق الفقيرة والعشوائية ؟! "
نظرت إيملي إلى والدها ..
" الجريمة تحدث فجأة يا أبي "
" وما رأيك فيما فعله الإرهاب ي- "
" إنها الماسونية أنا متأكدة "
سخر منها والدها بينما يعرض التلفاز بقية التفاصيل ..
^ أكد الطب الشرعي أن الجريمة حدثت بالأمس في تمام التاسعة و ٤٥ دقيقة وحتى قتل اخر الضحايا الساعة الخامسة مساءً ،، وجميع الأفراد تم قتلهم بسلاح ثقيل ،، إذ أطلقت النيران على رؤوسهم مخترقةً الجهة الأخرى من أجسادهم ،، ثم تم تقطيع - ^
تامر باشمئزاز " أغلق أغلق .. لم أعد أتحمل "
" يا إله السماء إرحمنا من قتلة الأبرياء " يمسك جهاز التحكم ويغلق التلفاز ..
غادرَ تامر الصالة هامساً بأسى " تباً لقد انسدت شهيتي "
تبعته إيملي بنظراتها ،، وعندما اختفى تبعته بخطواتها .. نحو غرفته فنادته ..
" تامر "
لم يشأ الإلتفات نحوها ..
" تامر !! "
تقترب من خلفه قد غضَّ سمعه عن نبرة صوتها الناعم مناديةً باسمه ،، حتى وقف أمام مكتبه بصمت ،، يتجاهل حسيسها الذي يدنو ويدنو ..
وضعت يدها بنعومة تمسح على منكبه .. فالتفت نحوها ليلقى ابتسامةً حنونة على شفتيها ،، ابتسامة سلام ومحبة .. قد خُيِّل إليه لحظتها أن العالم عاد بخير كما كان قبل موت والدته ..
كذاك الأمان الذي كان يغشى الكوكب ..
^ لقد كان العالم في سلام .. حتى رحلت والدتي ،، ذابت الألوان فأصبحت وأمسيت بين الأبيض والأسود ،، غارقاً في إحتمالات الرمادي التي لا تنتهي ..
لقد رأيت بقعة لونٍ في ابتسامة إيملي .. وددت لو تضمني كما كانت تفعل والدتي ..
وددت لو تتجرأ فتشدني بحنان إلى نبض قلبها .. لكنها اكتفت بالتربيت ،، والتربيت .. وكأنها تحاول إسكات صرختي الصامتة لا أكثر ..
لم أأبه بالدموع قد أغرقت بياض عيني ،، تموجت الرؤية فرأيت أمي قد تلبستها .. فأثارت حمرة زهرية على حدود جفوني .. ورعشة شوقٍ في ذبذبات قلبي ..
عَبَستْ لحظتة رويتي حزيناً ..
عبستْ و تلاشت الألوان مجدداً ..
ظلت تتلاشى وتتلاشى ،، الأخضر والأحمر ،، وذاك الأزرق ..
لكنها أمسكت يدي في بقايا الأرجواني ..
نظرت إلى لمعان عينيها ،، فرأيت شلالاً من العطاء يغمرني ،، فأبتل دفئاً بكلماتها ..
" لا تعبس! "
تختمها بابتسامة أخرى تعيد تولد الألوان ..
وببطء سحبتني من يدي تقصد غرفتها ،، كيف كان لها حفظ كل تلك الطرقات المتداخلة ،، وصولاً إلى مربعها ،، حيث الفسحة وعطر الأوركيد يفوح من فراشها الذي أجلستني فوقه ..
وجلست بجانبي تلتفت نصف التفاتة نحوي ..
" ما بالك ؟! "
تُرجِعُ خصلات شعري خلف أذني .. مرة تلوى أخرى ،، تنتظر رداً وأنتظر دلالها .. فلعل صمتي الحزين يجبرها على كسر ذلك البرزخ بين انكساري وضمتها ..
" أنت مهموم مذ رأيتك ،، والحياة أمامك عملية حسابية بناتج واحد لا تحتمل الخطأ .. "
" إنها الحقيقة يا عمتي .. حقيقة الحياة التي لم أشهدها طوال سبعٍ وعشرينَ سنة قبل موتِ والدتي ،، فقد كانت أمي ذاك السدَّ المنيع الحائل بيني وبين غمرة القسوة .. والآن بلغت التاسعة والعشرين .."
لقد جرى الكلام على لساني دون توقف ،، فبمجرد النظر إلى وجهها .. كبكب قلبي ما في داخله ..
" أكتشف مع الأيام أن حبها المطلق جعلني أظن الناس جميعاً على استعداد للعطاء دون مقابل ،، وللمساعدة من أجل السعادة ..
لكنني أيقنت مع موتها ،، أن الحب انتهى .. وكأنها كانت مصدر الصدق على وجه الأرض .. "
ترقرقت دموعي ..
" لقد عانيت ..
عانيت بعد موتها فقد كانت دوماً بقربي ،، لم تتركني ليلة واحدة ،، والآن أنا وحيدٌ كل تلك الليالي .. "
بكفها الناعم ،، تمسح الدموع قبل أن تصل إلى ذقني وتسقط ..
رفعت نظري نحوها لأراها تطوق جسدي بذراعيها وتضمني كما أملت ،، يشتعل لهيب حنانها الدافئ ..
" ألست بمكانة أمك ؟! ... فلتعتبرني ذلك "
ابتعدت ،، وليتها أطالت .. تتمعن في في وجهي وتمسك يدي ..
" لا أحب أن يحزن أحد .. يجب أن نؤمن بوجود السعادة خلف كل شيء حتى الرحيل "
اقتحمت شقيقتها هايدي الغرفة بحقيبة خضراء ..
ربما زرقاء ..
لتفسد اللحظة بوجهٍ غاضب ألقت الحقيبة على السرير صارخةً ..
" لقد عرضتني للإحراج أمس .. دخلت وقاطعته بينما لم يرتدي قميصه بعد ،، ثم حدق فيْ عندما أخفيت الحقيبة .. "
ردت بنضوج ..
" لا تثيري شك إياد .. لكي لا يتحول إلى تمساح ويلتقم رأسك "
" يا سلاااام وأتركه ييقلب في أغراضكِ الخاصة !! "
" هذا أفضل من إثارة الشك فيه .. أنا أعرف ابن اختي هذا جيداً .."
تظهر أنيابها بشراسة " إنه رجلٌ خشن .. "
تعجبت من وصفها له بالخشن !!
فأنا لا أراه سوى ساذج سطحي ..
اكملت حديثها بروية لعل شقيقتها تفهم ..
" وفي مثل هذه المواقف افتحي له الحقيبة ودعيه ينظر ويتلمس ويتذوق حتى .. وإلا سيبني على ردات فعلك المريبة جدران شك من روايات بوليسية ... "
خرجت هايدي بغضب ،، لا تزال تشعر بالخجل بورد خديها .. ولا تريد الدخول في نقاش فلسفي مع شقيقتها ..
" من الواضح أنكِ تعرفين إياد جيداً "
قلت ذلك فابتسمت ..
" لقد اكتسب من والدته التسلط ،، فكل ما تحت سقف منزله يخصه "
قرصت خدي مازحةً " ليس بنبالتك أيها الوسيم "
ابتسمت حتى ظهرت غمازاتي ..
" ياااااا إلهي لقد خطفت قلبي للتو "
قبلت خدي بحنان .. فشلَّ الخجل راحتي ،، نظراتي وحركتي .. ولم أعد أقوى على رفع رأسي إلى عينيها ..
فاستقرت عيناي على بياض ساقيها ،، بسروالها تفاحي وجسدٍ ك طفلة .. بياض شاهق وجمال مذيب ..
لقد شكرت الله إذ ازال عني ذاك الحرج بنغمة الروك المزعجة التي صدرت من هاتفها فجأة .. فالتقطته بنظرة استغراب !!
ثم بضحكة طفلة ..
" هالووووشننن "
كانت تضحك بساعدة بينما تتحدث بشوق .. وبلغتهم الأم .. لقد تسنى لي وقتها أن أتسلل هرباً من صندوق الإحراج الذي حبستني به ..
سأفدي قلبها الناصع .. والآن علمت لمَ تملك تلك الجاذبية الأرضية ،، ليس شعرها أو بياضها ،، وليستا ساقيها أو عينيها .. إنه فقط كما قالت .. لا أحب رؤية أحدٍ حزيناً ... ^
■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■
" يا الله أنت تشهد على عقوقهما " تصرخ وسط المنزل " آمركما بإيقاظ شقيقكما فتتعذران بالخوف !!! "
دخلت غرفته تحمل ورقة وقلماً .. ليتحول غضبها إلى نعومة بشكل سحري !!
" إياد .. إياد حبيبي " تربت على كتفه ..
" يا قلبي .. فديتك ،، هيا استيقظ "
يفتح عينيه ببطء ،، فتقرب منه الورقة ليوقع ..
" هناك طرد لتوقع عليه ،، والفواتير التي وصلتك ... كما أن هاتفك يرن منذ الصباح و- "
وضع يده على جبهته ..
" اااخ تباً ألا يمكنني أن أرتاح ؟!! "
أمسك الورقة والقلم تتذبذب يداه ،، يوقع على استلام الطرد .. " ضعيه في مكتبي "
ينزل من سريره بكلل كالثّمل !! نحو دورة المياه .. المكان الوحيد الذي يمكنه أن يختلي فيه بنفسه ..
تطرق باب الحمام !!
" أتحتاج شيئاً يا حبيبي ؟!! "
" وما الذي سأحتاجه بينما ***** تباً "
يهمس " مزاجي سيء اليوم "
استند على الحوض الأبيض الرخامي ،، يحاول نسيان الأصوات في الخارج .. الهاتف يرن بجنون ،، ووالدته توبخ فريال على تقصيرها في التنظيف .. يرن جرس المنزل ومنبه الفرن معاً ..
^ وصوت المياه من الصنبور ... اللعنة ^
فتح عينيه المحمرتين ..
وتقيأ في الحوض ..
تقيأ كل شيء .. وعم الصمت لحظتها وكأنه عزاءٌ له .. لم يتخلل أذناه سوى الصرير .. توقف هاتفه عن الرنين ،، .. وعاد الضجيج إلى جحره ..
لكنه لا يزال يرى الأشياء تتحرك بشكل دوار ،، أقواس ودوائر من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين .. ليقرر وبسرعة الخروج إلى الصالة قبل أن يقع على أرض الحمام فيتأذى رأسه ..
لكن ..
هل هذا ممكن ؟!!
لم تكن والدته على علمٍ بأن ولدها على وشك السقوط من ألم الصداع .. لأن قلبها توقف عندما فتحت الباب وسمعت ..
" ابنك ... متهم بجريمة قتل "
■•■•■•■•■•■•■•■•■•■•
- يتبع -
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top