|Satan face|
●البارت قبل الأخير..
●٩٤٠٠ كلمة..
● استمتعوا ❤
_____________________
أتعلم يا صغير،،
الشيطان رغم جرمه وقذارته،،
نظيف اليدين..
لا ينسب أحدٌ له جريمة
رغم كونه المجرم الأعظم على وجه الأرض ..
فالشيطان لا يفعل..
الشيطان يخبرك ما تفعل .
ولأنك هشٌّ وضعيف..
يهيّجك من الداخل فتتحرك من الخارج لتحدث جريمتك،، ثمّ تحاسب (أنت) عليها ويظفر هو .
تريد أن تكون مثله؟
فقط ..
اتختفِ رغم وجودك .
#جوزيف_فيتالي
_______________________________
°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°■°
نعود إلى حديقتنا..
حيث أمال آدم وقفته يميناً عاقداً منكبيه..
"أهذا وقت الحب؟"
فأشعلت كلمة حب لهيب إياد "أيُّ حب يا حبيبي أي حب؟!" رفع إليه هاتفه يتمعَّن فيه متمتماً "أحدهم استدرجها،، إنه يقسم على الإصتدام معي"
تلَفَّظ بها في حنق غامر تتسابق أصابعه على لوحة المفاتيح بعينين تلمعان شرراً،، فتقدَّم آدم نحوه "دعك مما في يدك ومن إيليسا..
-خطى خطوة طويلة ليتقابل وجهيهما معاً-
لماذا؟
لماذا غسلت عقول الجميع بخطاب المحبة خاصتك؟!!رغم أنّك -مشيراً بسبابته- أنت تعلم كل العلم كونه تابعاً لأحد الأفراد!! بينما جعلتني أبدو أبلهاً"
يُكشِّر إياد عن أنيابه ويصكّ أسنانه..
"آدم..
هلل.. من الحكمة أن يعرف العدو كل ما تفكِّر به أنت؟!!
هل يجب،، سكب كل ما تعرفه أمام الجميع؟! أم أنك -ينكسر نظره إلى هاتفه على إثر رسالة فيقول بلا تركيز- أم أنكَ نسيتَ كيف.... تفكِّر؟"
بادره آدم الغيظ بصوته الحاد "لقد فعلتُ الصواب،، إياد.. هذا ما اتفقنا عليه في بادئ الأمر.. وبذلك نكون قد تخلَّصنا من تامر ووالده المجرمين.."
"آدم آدم آدم.. هذه ليس وقته دعنِ في مصيبتي" واندفع يتخطَّى منكبه بسرعة سرقت كلمات آدم منه فعجز عن صياغة جملته الأخيرة وتجمَّد لسانه..
في حين يدس إياد هاتفه في جيب بنطاله الذي يرتفع وينخفض مع ساقيه سريعا الحركة على الدرج صعوداً إلى مدخل المنزل..
ألسنة السخط من عينيه بادية تلسع وجه من ينظر إليهما.. يتخطى الزحام والفوضى إلى هناك حيث يقتحم غرفة الضيوف ووقفتهم مجتمعين يتراشقون اللوم والتأنيب.. فسجنُ أيمن وابنه كان بمثابة هدم حصون الجور والغضب بين الأفراد على بعضهم البعض،، فثاروا غاضبين مجادلين..
وعلا صوت والدته متأججاً من جحيم أسود يقسم على دفن المجرم حيَّا،، إذ تصرخ في وجه كلِّ من وقف بجانب أيمن أو لامها على تسرُّعها..
فيسير إياد بينهم بشرود.. تلاحظه بعض الأعين وتناديه الألسن للإشتراك وتهدئة جموح والدته.. لكنه كان في عالم آخر لا يسمع سوى خوفه ولا يبصر سوى مايبحث عنه..
وأثناء تجواله السريع في المكان وانشغال عينيه عنهم،، التقطت أذناه بعض عباراتهم بلا وعيٍّ لها..
فزِحام عقله يكثرهم أصواتاً وضوضاء مما يجعله يسمع مجرد أحرف وكلمات فما كان منه إلَّا أن يُقِرَّ بعظمة الشيطان المندس بينهم..
لقد نجح الشيطان في زلزلة أضلعه وتحطيم أساسياتهم وتمزيق أرواحهم.. فها هو إياد منشغل في مصيبته،، واكتفى قبل خروجه من أرض المعركة بإلقاء نظرة سريعة على والده والقاضي يحاولان تهدئة الأمور..
سحب مفاتيحه من فوق الدُّرج وخرج دون أن ينتبه له أحد .
عينان مجهدتان ووجهٌ كظيم عبوس،، لا تبشِّر نظراته بأدنى خير محتمل.. لقد توقدت بألسنة اللهب وغضبٍ عارم جعل حركته سريعة قوية ويده باطشة ثقيلة يتدحرج بين قرارين،، فثد وُضِعَ في محنة لعينة محتجزاً داخل أضلاع لعبة ..
فصار بين أن..
● يذهب ليحضر إيليسا وحده فيباغتهم السفَّاح في طريقه..
● أو يأخذ إيملي معه للحماية فلا يبقى في المنزل من يحمي من هجوم المُختل وقتل (الجد) لأنه هدفه التالي .
الترجُّل كان خياره الوحيد..
فهاهو يصعد سيارته الجيب من طراز رانجل JL سبورت،، يهبط بجسده على المقعد الأمامي فيهتز هيكلها استجابة لسخطه على انحاصره..
أغلق بابها بقوة وأدار المفتاح فاضطربت وعلا صوت دوران محرِّكها الجبَّار ليفضح صدى خروجه..
وما لبثت حتى اندفعت نحو البوابة ودون مراعات لمعالم الطريق الفاصلة بين حجر مطروق وعشب ناعم..
تُتلف إيطاراتها الجبلية بعضاً من أرضية الحديقة عابثةً في الطين وتاركةً خلفها آثاراً غائرة قبيحة...
نحو الخارج اتجهت وفور وطئها للأسفلت،، انطلقت دون تردد إلى نهاية الشارع،، وكم كانت نهايته بعيدة المنال غير مرئية،، ربما لكون الوجَل قد التهم عقله فصار يقود لا يدري إلى أين ولمَ يقود!!
ربما إلى الأمام والأمام فقط على خطٍّ مستقيم تحت عواميد الإنارة الصفراء الباهتة... هروباً من دعسة الضغط له..
^برسالة واحدة لها،، بكل سهولة ممكنة وضعني ابن العاهرة تحت رحمته.. أهي الحمقاء أم أنه ذكي لدرجة إحاطته بي؟!!
-يشدُّ على صكِّ أسنانه-
سأموت أو تموت أو يموت الجد.. أحد الثلاثة يجب أن يموت في أيةِ لحظة..^
وفي داخل سيارته،، تضيء أزرة التحكم في ظلامٍ إضاءة تؤنس وحدة أفكاره،، فيسقط تحت تأثير مخاوفه إذ أنَّ السفَّاح فردٌ من العائلة،، ولن يؤذي بقية الأفراد معاداه وجده..
في حين أن إليسا حبيبته وليست فرداً..
ويكفيها ذنباً أنها حبيبته،، ليكون جسدها كنزاً بسهل تمزيقه وأكله ربما !!
تلك الهواجس والسيناريوهات التي التصقت في عقله مذ رآه في التسجيل يأكل البشر وينتشي ثم يأكل،، وينتشي ويزيد نشوة وقوة،، إنه مريض إلى حدٍّ بعيد.. فكيف لغزالة بريَّة أن تفلِتَ من عفريت أسود؟
يدير دولاب أفكاره في رأسه،، بينما قادته بعيداً عن وجهته إلى شارعٍ رئيسيْ يعجُّ بالسيارات ذاهبة وقادمة..
أرسل بصره عبر النافذة لعله يستعيد وجهته،، فرأى أطراف الشارع الرئيسي.. واسع ونظيف،، يزدان بلوحات الإعلانات المضيئة وواجهات المحلات على الجانبين..
انضم بدوره إلى جموع السيارات وأصواتها،، بين مشاة وسيارات،، مسبات ومزامير.. يتقدم ويتقدم حتى ينحصر في زحام خانقٍ.. تلتصق بجانبيه سيارتان وأمامه وخلفه مما أثار جنونه،، فأطلق لسانه اللعنات وضربت يده مزمار المقود بعنفٍ شديد..
لكن صوته وصوت مزماره بالكاد سُمع من شدة الضجيج.. وكأن العالم يخبره أن يصرخ كما يشاء فهذا لن يفيد..
____________________________
وعلى إثر انسداد شريان الشارع الرئيسي،، مكث بعض الوقت ينتظر تقدُّم صفوف السيَّارات ببطء.. فارتخت أطرافه يحدِّث ذاته بشفتين واهنتين..
"كيف!!
كيف يجرؤ على العبث بجنّتي؟!"
سحب هواءً بارداً تلقاه من التكييف مختلطاً برائحة البلاستيك.. وأنزل يده إلى جيبٍ داخليْ لمعطفه الأسود الأنيق،، يحرّكها فيخرج منها قنّينة صغيرة مربّعة الشكل نحاسيَّةً،، ذات غطاء مُكوَّر صغير،، إعتاد حملها معه أينما ذهب؛؛ فهي تفوح بعبق جعته العتيقة،، وبضع شربات منها كفيلة بجعل السُكْرِ يحتلُّ جوارحه..
وبالفعل شرب،، وأفرط في الجرعة حتّى سال منها على رقبته كما كان يحلم،، فبللت أطراف قميصه الأسود.. ينتظر وينتظر،، إمَّا تفرُّق الزحام أو مفعول الشراب..
وبالفعل،، لم يلبث سوى ٢٠ دقيقة حتى شعر بالهدوء والثمالة في عينيه خاصة.. تاركةً لجسده بعض القوة للتحكُّم في المقود..
لكن إلى أين؟!!!
مرَّ من الزمن اليسير،، وانقشع بعض الزحام مفسحاً له شارعاً جانبياً اتخذه،، واستقام سائراً على طوله إلى أن وجد لائحة الأسهم فوقه تشير له،، فعبر الطرقات متجاوزاً حد السرعة المسموح بكثير..
يرسل نظرة أخرى ليرى معالم الصحراء قد بدت على كلا الجانبين فأيقن أنه الطريق السريع!!
متى وصلَ إلى هناك؟!
يبدو أنَّ الشراب قد تغلغل في مخِّه وأعصاب عينيه فقاده إلى أسفلت ناعم تنساب عليه إيطارات السيارات كالصواريخ تمر به وتسبقه،، حيث أعمدة إنارة مصطفةً ممتدة على جانبيه،، تؤنس المسافرين وتحرسهم من عتمة الصحراء الرملية المقفرة خلفها..
يتَّخذ طريقاً فرعيَّاً آخر ينوي العودة..
لكنه أخطأ مجدداً،، يرى بعينيه أمامه طريقاً طويلاً قد فرغ من الحياة،، وكأنه،، بل إنه كاد يجزم كونه طريق إلى المدافن!!
ثمَّ قلل حدة الإحتمال إلى كونه طريقاً إلى مستعمرة نائية أو مجمع مصانع..
^لما أفكر في شكل الطريق أصلاً؟!
أين كنت؟!
أجل أجل،، إليسا في آخر الشارع..
ه..هذا الشارع -ينظر إلى أمامه- أجل أظنها.. هناك^
يمر على وجهه نور يتبعه ظلٌّ فنور فيُبرز تتابعهما على تقطّع شيئاً من نظراته الحائمة المخمورة مثبِّتاً إياها على الطريق..
قد زاد وطأة قبضته المعروقة على عجلة القيادة،، ودخل في هبَّة ظلامٍ موحشة عديمة الأعمدة مكتفياً يتتبع خطوط فسفور متقطعة على الأرض لا تساعد إلَّا في الدلالة على استقامة الطريق او انبعاجه..
-صوت-
جعّد جانباً من عضلات شفتيه متمتماً..
"بفففف ،، لافائدة.."
ضغط أحد الأزرة فعلا صوت ألحان الروك البديل..
"لنلعب قليلاً"
أنزل بؤرتيه إلى عداد سرعته الذي بلغ الثمانين كيلو متراً في الساعة.. ورغم كونه لم يتعدّى السرعة القانونية،، إلى أنه وباتدريج بدأ بتخفيضها بعض الشيء رويداً رويداً..
ثابت اليدين محدِّقاً في تراجع المؤشّر إلى..
75
70
65
وفور بلوغه هذه السرعة..
سحب المكابح اليدوية بيمينه مُمسكاً عجلة المقود بيسراه يديرها لتنعطف الإيطارات على الأسفلت صارخةً صرخة مدوِّة ذات صدى في عتمة تثير للغبار خلفها..
فيضطرب الكيان المنبطح المتشبث بالسقف!!!
السفَّاح؟!
أجل .
يصرخ إياد بحماس كبير ويجتاحه حماس جنونيْ يُفجِّر ضحكته بينما يتخبَّط جسد السّفّاح في كلا الجهتين مع انعواج مسار السيارة بعنف شديد،، يصارع السقوط أرضاً والسيَّارة تتلوَّى بجنون يجعل الإستمرار في التشبث شيئاً مستحيلاً!!
استدارة قوية نحو اليمين تارة،، ثم نحو اليسار تارة أخرى..
فيدرك السفَّاح سقوطه باستلال سيفيه وغرزهما كنابين في سقفها قد تغلغلا بالفعل إلى حدٍّ ما سمح له باستعادة بعض توازنه..
بينما يستشعر إياد قوة المكابح بتركيزٍ عالٍ وتناغم مع دوران سيارته،، يخففها حيناً ويزيدها حيناً آخر لتنبعج بعنف أكبر مولّدة قوة حركة ورياح تصرّ على صرع سفاحنا أرضاً...
يقاومها..
فيزيد إياد وطأته على دواسة الواقود بتناغم مع الدوران في خين يعلو دوي العجلات ليغطي صمت الصحراء ورملها على نطاق واسع..
لكنه يفشل في إسقاط عدوّه!!
بل ووخزه فزع إثر اقتحام جزء من رأسيْ نصليه سقف السيارة نحو الداخل إذ ساعد اضطراب السيارة السيفين في إختراقه!!
وبدأ إياد يسمع ركلات قوية لنافذة السقف التي على مقربة من رأسه.. إذ استند السفّاح على سيفيه المغروزين واقفاً،، وجعل يركل زجاج نافذة السقف بكامل حنقه..
ولم يزد ذلك إياد سوى حماساً،، فإن كان موته هو الهدف،، فليكن صعباً إذاً..
أخذ نفساً،، وأسرع من فوره في تكرار ما فعل يسير باستقامة مجدداً مستعملاً سرعة أقل من 50 ويستدير ليسبب ذلك كمية غير كافية من الزخم جعلت السيارة تدور حول نفسها مفتعلة الدوائر على الأسفلت بعنف شديد..
يلفّ عجلة القيادة عكس اتجاه السيارة على وقع ضحكته العالية المختلطة بأنغام الروك البديل..
لكن..
-صوت انكسار زجاج نافذة السقف!!-
لقد كسر جزءاً منها!!!!
وها هو يقاوم السقوط و مستنداً على سيفيه وضارباً بقدمه أكثر..
لم يثنِ هذا عزيمة إياد بل هبَّ ساحباً سلاحه الثقيل الطويل،، مزوّداً بكاتم كي يباغته بالموت..
يثبِّت يساره على عجلة القيادة ويتوقف عن الدوران موجّهاً مسدسه فوق الى الخالف قليلاً ناحية النافذة ليطلق..
طلقة تلو طلقة فطلقة تهشِّم النافذ بالكامل ليُقدم عدوُّه على الدخول...
فتباغته طلقة ما إن أصابت ردائه المنيع حتى انفجرة فردّته..
جعلته تلك الرصاصة الحديثة يتراجع بحذر فوق السقف بينما عادت السيَّارة تتقدم نحو الأمام بسرعة تتزايد وتتزايد..
يتمسّك بسيفيه والرياح تهاجمه بشراسة.. مبتعداً قدر ما يستطيع عن نافذة السقف المفخخة بطلقات حارقة مكتومة يطلقها إياد على فترات بيد واحدة دون الإلتفات فعيناه مشغولتان والعداد معاً..
يزيد السرعة أكثر إلى ثمانين..
فيعجز السفّاح عن الحركة منبطحاً يكاد يسقط..
قد ساوا جسده باستواء السقف ولم يعد قادراً سوى على زيادة وطأة قبضتيه على سيفيه لكي لا ينتهي به الأمر بالتدحرج ميتاً على الأسفلت..
يكاد يفقد رؤيته من شدة التيّار الهوائي يحاول جاهداً الجلوس فلم يتمكن سوى من أن يجثو على ركبيته خاضعاً للتيار..
فقد زاد إياد السرعة إلى أكثر من ثمانين...
ثم التسعين..
المئة..
ثم يدعس بقوة على دواسة المكابح فيحدث ذلك قصوراً ذاتيّاً عنيفاً جعل جسد السفَّاح يندفع نحو الأمام متمسِّكاً بقبضتي سيفيه..
ولأنه عنيدٌ كالصخرة خلع سيفيه مع سقوطه وقبل أن يطير جسده نحو الأمام مع توقّف السيارة تماماً..
غرسهما في..
مصباحيْ السيارة الأمامية!!!
-صوت كسر الزجاج-
ومع توقف السيارة تماماً وانكسار المصابيه المتزامن مع السقوط..
اندفعت من الأحشاء صرخة مبحوحة "تبّاً لك اللعنة يا ابن العاهرة أيلها اللقيط الشاذ القذر" يقولها بغيظٍ شديد ينفر من عروقه .. فقد فقدت السيّارة عينيها،، وفقد إياد رؤيته لما يوجد أمامه!!!
يغلق إياد جميع أضواء السيّارة الداخلية بسرعة لكي لا يكون مستهدفاً..
وينتشر الصمت،، بين وقفة سيَّارته وسقطة الجسد الأسود المختفي أمامه..
فأسفلت الليل يغمره سوادٌ امتزج مع سواد قلبه وردائه فعجزت عن إدراكه الأبصار..
يبحث إياد عن شيءٍ يتحرك فلا يجد من عينبه سوى أنهما تغوصان في السواد وتعودان بلا نتيجة..
ينزل إياد زجاج نافذته قليلاً فيسمع صوت هبوب الرياح الصحراوية تهاجم غرَّته برفق،، يميل رأسه قليلاً ويلقي نظرة..
وبنبرة معبّأة بالكبر نادا "مابال آدائك قد تدنّى اليوم يا ابن المخمورة؟!!"
فردت العتمة بالصدى والسكون..
مكث قليلاً...
ينتظر ،، وينتظر..
لعله يلمح شيئاً يتحرّك فوق الأسفلت..
لكن كيف له؟!
والطريق مقطوع!!
مقطوع عن الضوء،، عن السيارات عن المُدن.. عن الكوكب بأكمله..
فقد تخلّت الأعمدة عن هذا الفرع من الطريق تاركة بدلاً منها الفسفور خطوطاً في الوسط ونقاطاً على الجانبين لا تكفي لرؤية شيء.. أيِّ شيء!!!
أسود قاتم لا أول له ولا آخر،، قد أحكم إياد إغلاق نافذته وأطلق عينيه إلى أفقٍ أسود رمليْ تغطيه سماءٌ متدرجةِ الإضاءة قد بخلت بنجومها الباهتة..
عشرون ثانية من الإنتظار..
لماذا؟!
عشرون ثانية!!
عشرون لم تخلو من بحلقته المخيفة للأمام تبدو عيناه كبومٍ تائه في أسئلته..
^هل مات؟!..
هل أصيب؟!
لن أذهب حتَّى أتيقّن من موته..^
بعد جملته تلك اشتدت ريحٌ عاتية عكس اتجاهه،، فسمع رفرفة شديدة جعلت أذناه ترسلان إشارة لحظيةً إلى عينيه تسحبهما نحو مصدر الرفرفة..
أمامه على اليمين قليلاً..
يدرك إياد سواداً..
يقف .
تشهد النجوم القلّة وتلال الرمال حولهم،، انقطاعَ العالم في الأسفل عن سيارة واقفة أمام شيطان برداء ثخين..
يتهاوى في محاولة استعادة استقامته..
فيضيِّق إياد عينيه ويسارع في فتح كشّافه اليدوي وتسليط الضوء على الصوت لتكتمل الصورة..
رفرفة الثياب وقناعٌ متهالك تخلّى عن وظيفته في ستر الجزء الجنوبيّ الأيمن من وجهه..
شفتان أعلاهما خطوط غائرة لجذور أسنان!!!
فاه مفتوح..
مبتسم..
أسنان مدببة طويلة!!!
تغمره نشوة عجيبة من متعة الصراع ولذة المقاومة.. ورغم تمايله يحاول إقامة وقفته..
ناشداً له الموت الأكيد..
بفحيح يحرّك شفتيه..
"إقتربت..
-شهقة ألم-
نهايتك ."
يضبط إياد بعدة حركات سريعة وضع سيَّارته..
وفي لحظة واحدة تسحبها العجلات إلى الخلف مفرغةً ساحة المعركة.. بسرعة جنونية للوراء..
يرفع بيمينه كشّاف الضوء إلى الأمام مثبّتاً عجلة القيادة بيساره.. تراجع سريع لمسافة أمتار وأمتار والجسد الواقف يبتعد حتى يختفي ويتلاشة مندمجاً مع الظلام..
وضلَّ الفزع يتملكه بشدة..
^شيطان!!
إنه شيطان هذا هو.. الشيطان^
وظل يهلوس مبتعاً حوالي الميلو والنصف على أرض اللقاء،، حتى شعر بشيء يطمئنه أن يتوقّف..
فتوقف .
واستدار بهدوء ثم ينطلق إلى الأمام مبتعداً عن الموقعة باندفاعٍ شديد!!
سأل نفسه باعثاً بنظره رعب إلى المرءاة على جانبه ^أتراه يتبعني؟!^
تنير الأضواء الخلفية شيئاً من الأسفلت خلفه.. لا يرى أحداً يتبعه سوى الفراغ .
فتابع القيادة بشيء من الطمأنينة لا تخلو من حذر ممزوج بصدمة رعب كادت توقف قلبه القوي... فهذا الهدوء النائم والوحدة الآمنة مريبة إلى حدٍّ يبعث على القلق..
يردد في خلده ^لقد اخترق سيفه رأس قائد الفرقة..
قتلهم..
بكل سهولة .
أمن المعقول أن أكون قد هزمته؟!!
لا..
-يسرع في القيادة-
هو يعرف أنني لن أصدق عجزه..
وأنا أعرف،، أنه ليس بعاجز..
لكن -لقي نظرة إلى المرآة الجانبية- متى وكيف ولم أصبح في هذا الحال؟! لقد وهب جسده للشيطان بل الشياطين وهبت له أجسادها جميعاً!!
لا بأس -يتنهد- لقد اقتربت من العودة إلى الطريق المُنار السريع هناك..
لن تكون له فرصة كبيرة لقتلي..^
ومن العجيب..
أنّ الوقت قد مرّ منه الكثير..
أكثر من ثلاثين دقيقة من الأمان أمرٌ مقلق!!
لقد عادت سيارة إياد بالتدريج إلى المدينة وجموع المدنيين.. عادت للسير آمنة قرب أعمدة النور،، الفنادق البهيّة وواجهات المحال..
لكن وخزات الخوف كانت تداهمة من حينٍ لآخر..
فيبدو أنَّ السفّاح..
غيّر خطته لا أكثر .
●▪○●▪○●▪○●▪○●▪○●▪○●▪○●▪○●▪○●▪○●
_________________________________
-تفتح كاميرات تسجيل الفيديو على هاتفها-
#إيليسا
مرحباً انا إليسا ..
هل تسمعونني ؟
صوتي واضح وصورتي كذلك ؟!
جيد ..
انظروا أنا هنا ..
-
تدير الكاميرا لتظهر المنطقة حولها مهجورة ومعتمة-
واا .. أرتدي جينز أزرق وسترة سوداء محتشمة في حالة وجتموني جثة هههه أمزح .. هذا ليس فيلم رعب إنه حيُّ دادي ..
لا أدري إلى الآن ما الذي يجب أن أفعله فأنا أنتظره منذ ساعة ..
-تثبّت الكاميرا على وجهها مجدداً-
أخبرتكم أني متشوقة لزيارته اممم وسنكتشف معاً منزله وعائلته ، اممم أنا هنا منذ ، منذ قرابة ساعة ..
طبعاً النذل تركني أنتظر على قارعة الطريق الميت والرياح،، تتدافع نحوي مثيرة غبار الأسفلت فتلتف وتتزوبع حتى تخضع عند -تنزل الكاميرا- حذائي الرياضيْ الجديد مننن جوتشي انظروا ..
أترونه؟ إنه أحدث موضة -ترفع جانب قدمها للكاميرا واقفةً على قدمٍ واحدة- هذا الإرتفاع في النعل يجعلني أطول ب---
اااه -تسقط ويسقط هاتفها فتظلِمُ الشاشة-
ااي .. ااي يا مؤخرتي المسكينة اااه اللعنة ..
-تحاول الوقوف- أكاد أبكي ااي ها أنا أستقيم لا تقلقوا أنا بخير -تلتقط هاتفها-
يا معشرَ النساء انظرن ماذا يفعل الرجال بحقكن ..
تركني قرابة الساعة ، مكتفيةً بوقفة الإنظار !!!!
-تشرد في أظافرها-
هل أخبركم كيف اعتنيت بها لتصبح بهذا الشكل المبهر؟! انظروا -ترفع يدها أمام الكاميرا- طلاء أحمر راائع ..
سأخبركنّ كيف ، حسناً أولاً،، تقوم يومياً بنقع--
-تمر سيارة شرطة وتلحقها أخرىبسرعة خاطفة-
اووه اللعنة هل سمعتم؟!
ماذا يجري هناك؟!
هذا الحي شبه مهجور أصلاً يا جماعة أترون؟ ،، بالتأكيد لاحظتم رغم كون المنازل فارهة،، لا أضواء ولا مشاه .. فقط الكثير من الأمن يتحلقون خاصةً حول أحد المنازل التي مررت بها هناك ..
-تدير الكاميرا لأحد الشوارع-
إن دخلت قليلاً للداخل ، ستجد في الشارع الآخر الموازي،، قصر محاط بالنخيل يبدو أنه لشخص مهم.. الأمن والشرطة أغلقوا كل الشوارع المؤدية نحوه ووقفوا كصفوف الجيش منتظرين أن... لا أعلم ماذا ينتظرون،، لكن يبدو المنزل لسياسيٍّ مهم..
وأنا بالضبط -تهتزّ الكاميرا مع خطواتها فوق الحصى- في ظهري متجرٌ متوسطةالحجم،، مغلق -تدور عينيها- أو بالأحرى مهجور أيضاً ..
فبعض مداخله موصدة،، ونافذته محطَّمة مسننة يستحيل أن تدخل عبرها دون أن يتقطع لحمك -تكبّر العدسة على أحد النوافذ-
لم يعيش دادي في حيِّ مصاصي الدماء هذا؟!
أشعر بالفضول ، ألستم معي؟
تدلّت خصلاتي مع انحدار رأسي جانباً،، ألقي نظرة عبر الزجاج المحطم إلى داخل المتجر،، فأرى ظلاماً موحشاً قد تجَّرع كل الكئابة ورقد في قلب الداخل العميق!!
استعدت انتصاب وقفتي في ثباتٍ وصمت ..
تعلمون،، أشعر أن هناكَ تنيناً يرقد في الداخل،، وهناك رائحة قذرة لدورة مياه أو،، ربما مواد غذائية منتحية الصلاحة أو ربما جثة قطة يا حرااام ..
ابتعدتُ عن النافذة قليلاً ونظرت جانبي،، إذ ترتكن على الجدار حقيبتاي،، إحداهما كبيرة منتفخة والأخرى صغيرة،،
امم،، منتفخة أيضاً ..
وبجانبهما صندوق بلاستيكي،، نصفه أبيض ونصفه أحمر.. ذو فتحات كثيرة مستطيلة رأسية لتتيح لفيلكس التنفس داخله..
آه فليكس جروي بالمناسبة،، لقد أحضرته لعل دادي اشتاق إليه .. فييلكسس قل هاااي للمتابعين -تقرّب الكاميرا منه- اووه يبدو أنه نائم ..
-تتنهد ناظرةً إلى ساعة هاتفها-
أممم..
مرَّت نصف ساعة منذ أن رأيت رسالته النصيّة التي لحقت المكالمة،، والمكتوبُ بها [انتظري عندك]
هء حقاً؟!!
ليلاً وشوارع الأثرياء الفارغة.. فاتنة شقراء صغيرة وحيدة.. باختصار،، فريسة!!
هل أنا منسيّة؟
أجل،، يبدو ذلك ..
أشعر بالملل ..
يا جماعة إذا كان أحدكم قريباً من موقعي فليأتي ويخطفني اوووف ..
قدماي تشتعلان غالباً بسبب هذا -تستدير نحو حقيبتيها- لطالما كتم دادي انزعاجه من أسلوبي الفوضوي في حشر أقصد وضع الثياب في حقائب السفر،، ولا يزال حتى الآن ينعتني بالمراهقة الفوضوية المزعجة رغم أنني في الثالثة والعشرين!!
أجل بالضبط ، هو يكبرني بخمس سنوات ويريدني أن أكون مثله في كل شيء ..
حتى في تنظيم حقائب السفر!!
علمني كثيراً لكنني أفتقد ثيابي وأحبها جداً وأستصعب التخير بينها ؛ فجسدي كما ترون،، ممشوق القوام مشدود البطن،، ونحيل لكن نحله لم يمنع من بروز صدري ال--- هههه حسناً باختصار جذابة ولامعة كعادتي -تبتسم بغرور- دادي لا يقدِّر النعمة ..
-ترفع رأسها لأعلى تستذكر ما كان يقوله- أولاً قومي بلف الجوارب والملابس الداخلية،، البناطيل تطوين الساقين معاً و.. القمصان بهذه الطريقة،، ثم كيس بلاستيكيْ فوق الحاجيّات لوضع حذاء..
حذا واحد يا إليسا وليس عشرة أحذية ..
-تنظر إلى الحقيبة المنتفخة بقلق- هل سيحاسبني على هذا؟
-تلتفت خلفها ثم تعود بضع خطوات لتتمكن من الإستناد على جدار المتجر،، فتجد في ذلك بعض الرَّاحة المؤقتة-
هكذا أفضل -ترفع رأسها مسندةً مرفقيها على جزءٍ بارد من الجدار- يالها من سماء ليلة بخيلة... بخلت بالنجوم،، بالقمر والغيوم.. وكأنها كنبرته في الهاتف،، لا ترحب بي -تتنهد متمتة- أستغفر الله..
يعني تخيلو أن تظلّوا جالسين في الطائرة معلقين في السماء لنصف يوم،، تدققون في طلّة المضيفات ال ال.. الطويلات،، مصابون بدوار ويجاوركم في الجلوس رجل أربعينيْ أصلع لا يبعد عينيه عن ااااخ اللعنة ..
وبعد رحلة العذاب تقفون في الظلام قرابة الساعة أمام حي مصاصي الدماء هذا؟
انها ٤٠ دقيقة أجل لكن لا فرق بين الستين والأربعين .. أنا فقط جائعة ومجهدة،، أريد النوم ..
-أطفأت التسجيل وفتحت قائمة الإتصال إذ لا يوجد أي اسم اخر سوى اسمه (دودو) كما تدعوه-
وها أنا أتصل،، للمرة الخمسين ..
جرس الإنتظار ..
مشغول !!
بففف حقاً !!!
إنه هروب هذا واضحٌ جداً..
ما كان يجب أن أثق به منذ البداية وأحبه إنه مخادع لقد شعرت بهذا لقد شعرت أنه جاء إلى الأردن كي يخونني وها هو يتظاهر بأنه مشغول ليستطع..... اللعنة على الرجال الخونة الذين لا يفكرون إلّا في أنفسهم اللعينين الحثالة المتخلفين الهمج المتكبرين ال--
-يرن الهاتف-
أؤؤ أووه "مر.. مر" بصوتٍ ناعم "مرحباً عزيزي أين أنت؟ أنا أنتظرك" بابتسامة جميلة قلتها ..
صدر صوته الجميل القوي الأجش الحنون الرااااائع من الهاتف "سيأتي أحدهم ليقلَّك،، أنا في الطريق"
"لمَ لا تقلني أنت؟!!
لن أركب مع غيرك ها قد قلتها وأرِني ماذا ستفعل ، فأنا لن أواجه والدتك عند المدخل .
ألو؟!..
ألو إياد!!"
أغلق الخط؟! -بصدمة- هكذا إذاً..
الرجاااااااال
ياله من جاحد أبله متخلف متكلِّلف كسول أكرهه أصلاً أنا لا أحبه ولا أهتم به ..
دموعي يا إلهي ، ألم يكن هو من يقول لي أن دموع الإناث تجلب اللعنة لمسببها ؟!!
سأبكِي إذاً ..
"هيا فيلكس لنعد إلى المنزل فوالدك لا يريد رؤيتنا"
كنت على وشك حمل صندوقة ، وحقيبتاي معاً والسير بخطواتٍ سريعة على الرصيف الحصويْ قبل أن ..
استوقفني ضوء سيارة اصفر مزرق أحمر مخضر شيءٌ كهذا فأنا لم أعد أرى من شدة الإرهاق والحزن ..
قطعت صوت تذمري عن الفراغ،، أتمعَّن بها قادمةً نحوي تتقصدني،، فعلمت أنها من طرفه ..
أسرعت أقيم الحقائب المائلة مما أثار فزع فيلكس واضطرب بينما أحمل صندوقه،، أعلق حقيبة على كتفي وأجتر عجلات الحقيبة الكبيرة فوق أحجار الرصيف وأخاديدها تصعد تهبط تكاد تتكسر من سرعتي..
تدور الدواليب وتدور بجنون فوق الحصى،، أركض نحو سيارة ال BMW السوداء العائلية،، والتي توَّقفت على بُعدِ خطواتٍ منّي..
يفتح السائق بابه ويخرج ..
تتجمد قدماي .
بحق السماء ما هذا؟!
اتردَّ فيلكس بخفة من توقّفي المفاجئ ..
فتاة!!
من؟!
شهدت أمامي هرولة لجسد امرأة نحيلة،، رشيقة توازيني طولاً،، تكسوها ثيابٌ داكنة وتغطي رأسها قلنسوة لم تمنع إطلالة شعرها وصراعه الطويل مع الريّاح حتى ينتهي به الحال صريعاً مبعثراً..
أهااااااااااهههه
"إيمليا!!"
تقدمت نحوي كمشت ذراعي بطريقة درامية جداً ولا أدري لمَ !! ثم قالت بتوتر "هيا بسرعة"
استوقفها منظر حقائبي فأشارت لي "إصعدي سأحملها أنا" وانخفضت لتحملها فرأيت في جيبها مسدساً كبيراً أعني..
مسدّسات الإناث صغيرة الحجم أمّا هذا!!!
إنها ليست رقيقةً أبداً!!
"ل.. لمَ تضعين مسدساً للذكور؟"
صرخت فيْ "لم أنتِ واقفة؟!!! هيا اصعدِ"
تركتها تجر الحقائب إلى السيارة في الخلف وحدها كما أمرتني.. وصعدت بسرعة يختلجني قلق وتوتر من مظهرها الذكوري وملامحها الجدّية جداً وصراخها!!
وما إن ركبتْ بعدي حتى أدارت المحرِّك وانطلقت دون تروّي،، تقود بسرعة على طول أحد الشوارع..
فأفصحتُ عن سؤالي "ماذا يجري لماذا أنتِ خائفة؟!!"
"هناك حظر تجوال في هذه المنطقة"
"وماذا عن المسدس؟!"
لم تجبني..
سأجن أريد أن أعلم لمَ مسدس ذكوري مزود بكاتم بينما يمكنها حمل مسدس للإناث؟!
أعني إن يدها مليئة بالعظام وأصابعها دقيقة،، لن تستطيع ضغط الزناد ههه غبية..
-تحدِّق في أصابعها على المقود- لماذا لا تضع طلاء أظافر رغم أنها تملك أظافر ملكيَّة الشكل؟!
وشعرها..
أتدرون أن شعرها مبعثر رغم نعومته فكل خصلة منه في اتجاه بعيد عن الأخرى كأنها استيقظت للتو من النوم!!
سأفك ضفيرتي لأريها كم أنَّ شعري أجمل وأنعم..
-تحِلُّ ضفيرتها بأطراف أصابعها-
أتعرفون ماذا أستعمل لشعري ليبدو هكذا؟!
إنه شامبو من نوع--
"لقد وصلن-- ماذا تفعلين؟!!"
"ااام -بخجل- الضفيرة تزعجني.. أحلها"
تجاهلتني ودخلت بالسيارة متخطيةً بوابة عملاقة يقف على أعتابها سيّارات وأمن وفوضى من الداخل والخارج..
لماذا الأمن؟
حللت ضفيرتي كلها ثم حركت رأسي لينساب شعري وأبدو خلَّابة ثم قلت "لما الأمن؟"
"للحماية"
دخلت أرض الحديقة،، تغلغلت إلى الداخل أكثر حتى وصلت إلى بقعة محددة بجانب أحد الأبواب المداخل الفرعية،، ثم أوقفت السيارة..
نزلت "اتركِ الأغراض واتبعيني بسرعة"
وقبل أن ألقي تساؤلاتي فتحت بابي وسحبتني من يدي حتّى كادت تخلع كتفي..
من الباب الخلفي،، اقتادتني في الخفاء نحو الداخل بينما أسمع فوضى الأحاديث تملأ المنزل..
ومع الوقت،، تتأزّم المشاعر المتضاربة معاً في صدري.. فيضيق ويتسع ثم يتسع ويضيق مع كل دقّة ممزوجة من شوقٍ وخوفٍ تطرق داخلي..
أدخلتني إلى غرفة فسيحة،، علمت أنها خاصته فهو يحب وضع أرفف قصيرة محمَّلة بالكتب جوار سريره..
أغلقت الخالة إيميليا الباب،، والعجيب أنها بدأت تتفقد الأبواب والنوافذ جيداً والأركان كذلك وكأنها تبحث عن شيء أو تتمكن من خلو المكان..
وبعد دقيقة من وقوفي ومراقبةِ ذعرها،، خمدت جمرتها الحمراء وبردت.. ودون أن تقول لي أن أتفضل،، بدت وكأنها نسيت وجودي بل وتصرفت كما لو أنها وحيدة..
فخلعت سترتها السوداء وبقيت بقميص منزوع الأكمام أسود يبرز بياض ذراعيها والنحيلين وأعلى صدرها الصغير..
ولقد تمنعنت في وجهها الشاحب،، وكيف ألقت بجسدها على كرسيٍّ بجانب سريره،، ذراعاه ملتحمتان بظهره على شكل نصف دائرة ليحتوي جسدها وشرودها..
تركتها عيناي واستمتعتا بجولة بين أثاثه.. بخطواتٍ بطيئة ورأسٍ مرفوع،، تعلق عيناي بأغراضه التي لا تدل إلا على كونه شابّاً عملياً.. فلن تجد في هذه الغرفة أيَّ جماليات،، بل فقط أثاث بسيط الشكل.. ولونٌ واحد لكل قطعة..
والآن..
ربما إيميليا تخفيني عن والدته..
ليس أمامي سوى انتظاره -تتنهد- وعندما ألقاه،، سأدع لهيب الشوق يحركني نحوه لألتصق في حضنه شاكية الغربة..
أجل الغربة..
شعورٌ مزعج ومؤلم في ذات الآن معاً،، بين أهله..
لا أعرف عنهم سوى ما كان يرويه لي في ليالي السمر..
عن والد مرهف وشقيق عالق في أزمة المراهقة.. عن شقيقة متزوجة راحلة تاركة حنانها مختوماً على قلوبهم.. أو صغيرة مدللة..
أجل،، لا أعلم سوى كلمة واحدة عن كل شخص..
المتسلطة
المرهف
المراهق
الحنونة والمدللة..
ما الذي يعرفونه عني أنا؟
-تبتسم بسخرية- غير كلمة عاهرة..
أمَّا هذه..
-تنظر نحو إيمليا الجالسة هناك-
لقد روى عنها الكثير لي -تميل بظهرها على خزانة الغرفة،، ضامةً ذراعيها إليها بوجهٍ شارد-
لطالما وصفها،، بأنها جميلة بل في غاية الجمال رغم ميوعة ملامحها،، أخبرني أن جمالها يكمن في قوَّتها وحنانها،، وذكاؤها مصدر جاذبيتها.. مع أنني لم أتوقع أن ينجذب دادي لهذه النوعية الخشنة من النساء!!
قال أنها حنون،، مرحة،، قوية ومُسليّة..
اللعنة ما هذا الشعور؟!
أهي الغيرة قد تسللت،، إلى قلبي؟!
سحقاً..
النساء الخشنات،، ذكرني خذا بقوله أن الذين يجيدون الجرح بالكلمات هم أكثر الناس حساسية.. فأنتِ لن تجيدي كسر أحد إلّا إذا استهدفتي نقطة ضعفه،، ولن تتبيني نقطة الضعف إلّا عندما تشعرين بهم..
هذه الفلسفة اللعينة ذاتها التي كان ينظر بها إلى والدته،، فيترجم كتلة قسوتها بكتلة حنان فائقة..
-تفكِّر شاردة- حنانٌ حد القسوة!!
دعنِ من فلسفاته وسأتجوَّل في بقية الغرفة بين أغراضه العاديّة اليومية لأشعر بهيمنة العشق تغرفني حتى أعجز حيناً عن الكلام،، وحيناً عن التنفس..
-تجول إيليسا وتلك إيملي هناك على كرسّيٍ يحتضن جسدها ويحتضن أفكارها الضبابية المشوشة..
فلم يعد عقلها المرن يستوعب عدةَ أشياء.. بل كل شيء!!
لماذا لم يخبرها آدم بكل ما أدلاه الليلة؟!
لماذا يبعدها إياد عن الصورة؟!
لقد تعمّدا خلق عاصفة الأفكار تلك برأسها..
أجل لقد تعمّدا وكأنهما يخفيان حقيقةً لن تتحملها هي..
حقيقة أكبر من أنّ أيمن حاول قتلها بإهماله..
حقيقة موجعةً لدرجة منعها حتى من الإقتراب!!!
تشعر بإرادة قويّة للخروج من قاع الغفلة هذا،، لكن وكلّما تقترب من السطح..
هناك من يُغرقها مجدداً!!
وبشيءٍ من انفعالٍ وسخط،، فتحت الدرج بجانبها وأخرجت علبة السجائر والقدّاحة خاصته..
فالتفتت نحوها إليسا بنظرة حيرة بريئة،، تشاهدها وقد أشعلت السيجارة واضعةً ساقاً فوق الأخرى في تزمت وغضب-
فانسحبت أنظاري عنها ببطء وأكملت التجوال في شرودٍ لا أول له ولا آخر،، حتّى صدر من إيميليا سؤالٌ لي...
"من الذي طلب منكِ المجيء؟" إلتفتت إليها فأردفت "أمن المعقول أن إياد طلب منكِ ذلك؟!"
"لا.. أحدهم أخبرني أن إياد سيتزوج في خلال يومين"
"هء" بسخرية "سيستعملك"
سيستعملني؟!!!
"المعذرة!!"
"أجل،، سيستعملكِ في هدم إياد"
أومأت بتساؤل عاقدةً حاجبيّ "ماذا تقصدين؟"
وقفت إيمليا والسجارة بين إصبعيها تُسقط فُتاتها بينما تقترب مني.. من سيستعملني وما الذي يجري هنا بحق الحجيم!!
ثو وها هي ببطء وهوانٍ تقترب حتى تقابل وجهينا..
رأيتها عن قرب وبدت غير جميلة،، شاحبة نحيلة بعينين تهتزان دمعاً،، ويد ترتعش قتسقط فتات التبغ واللهب..
تتمتم "كيف يعاملكِ إياد؟ هل يحبُّك؟"
عدّلت وقفتي من مائلة إلى مستقيمةفي ارتباك،، بثقةٍ مُهتزّة "قال إنه يحبني" فكّرت قليلاً ثم تابعت "إن حياتنا مذهلة.. نحن لا نحتاج سوى..
-بنبرة منحفضة مطوّعة باتردد-
لا نحتاج سوى بعضنا.."
سقطت عبرة صامتة من عين إيملي اليسرى وكان هذا غريباً جداً أن تظهر الدمعة على موقفها فلم أستطع سوى تفسير أنها تغاار..
قطعت الدمعة مسافةً بجانب شفتيها المستقيمتين،، وحتّى نهاية وجهها العبوس...
شهقت،، ومع شهقتها احمرت قمّة أنفها وما أحاط بعينها وقالت لي بصوتٍ ضعيف "احذري.. من أجله أرجوكي..
-ارتخى جفنها أكثر لتُسقط دمعة أخرى-
سيتهشم..
حافظي على قوامه كي لا ينهار.. إنه أملنا يا إليسا.."
اهاااا تعشقه لدرجة الإستسلام وإعطائي النصائح!!
متى ستكف هذه الفتاة عن التمثيل الدراميْ ال... المبتذل؟!!
"لست بحاجة لنصيحتك"
قاطعتني ممسكة بكتفَي ونبرة مبحوحة تعتلي طبقة صوتها "لقد حلّت على عائلتنا لعنة،، نحن ننهار شيئاً فشيئاً.. نحن--"
هذه دراما أكثر مما أتحمّل فلتتوقف حالاً..
وبحمد الله اقتحم إياد غرفته فانقطع بكاء إيملي واشتعل فزعي !!
عيناه ذواتا سعير..
أتعرفون ألسنة اللهب؟!
نظرات جد غاضبة بحرارتها أذابتني وزادت من رعشة أطرافي،، يبدو كمن يحمل في كينونته بركاناً يفيض بحممه يذيب أحشائه فيكتم الألم...
فقد دخل الباب وهواء زفيره يخرج بقوة من فتحتي أنفه،، يصعد صدره ويهبط فيلهث و..
وفور رؤيته لي..
يندفع نحوي فجأة،، تشد يمينه على حزام الجلد الأسود الثخين،، ويصرخ..
"أتمازحينني؟!!! هل هذا وقت المزاح ألِس؟!"
ارتعدتُ من منظره وتراجعت للخلف خطوات كثيرة فأنا لا أفهم..
لا أفهم لم إيملي متوترة حزينة تخفي وجودي و.. وهو بهذا المنظر المفزع،، وقبل ان ألقي تساؤلي..
انقضَّ عليَّ وانهال ضرباً بالحزام الأسود!!
يرفعه عالياً وينزله بقوة وسرعة على جسدي فأصرخ بجنون.. وأحاول دفعه ، فيثبت جسدي ويعاود رفع الحزام لأعلى وضربي مرة تلوى مرة فمرة .. بأقصى ما يملك من قوة!!
حتّى بدأ لحمي يتشقق ..
لا أدري..
لا أدري لمَ وما الذي ارتكبته!!
لكن صراخه خرق أذني يسبني ويلعن وجهي،، ثم تملح عيناي إيميليا ترجوه أن يبتعد فيدفعها بعيداً ومجدداً يرفع الحزام عالياً وينزله بقوة على جلدي حتى ..
حتّى بدأ لحمي يتمزق!!
ويخرج الدم مع خروج صرختي المدوية،، التي اجتذبت أهل المنزل ففتحو الباب منجدين ..
لقد فاق الألم الآفاق وجعلت أصرخ بهستيرية من الهلع فقد شهدت على وجهه شيطاناً لم أشهده من قبل ..
يأتي بعض الأفراد لتهدئته.. لكن حنجرته تخرج من مكانها "أيتها الحمقاء أتريدين قتلي؟!!! أتريدين تحطيم عائلتي؟!! ستموتين ألِس سأفقدك ألِس سأفقدكيييي"
ويضرب يضرب.. إلى أن انتزعت إيملي منه الحزام وما زاده ذلك سوى هستيرية،، وبينما جسدي مزرق مخضر دامي،، ووالده يمسك ذراعه عني،، قفز بثقله فوقي وكمشت يداه الكبيرتان رقبتي..
ينفر الغضب من عروقه محمر الوجه يصرخ مجدداً..
"سأقتلكِ،، سأقتلكِ قبل أن يفعل هو.. سأقتلكِ قبل أن يلمسكِ هو"
تلك الجملة لم أستوعبها ولم تعطنِ يداه فرصة لترجمتها،، فقد ضغطتا بقوة على رقبتي متعمداً قطع الهواء عن قصبتي..
وهم يصرخون ويجمعون حوله..
أناس عدّة لا أعرفهم،، يحاولون ردعه..
لكنه يضغط ..
ويضغط ..
ويضغط .
تلوَّنت..
ارتعشت أطرافي وبدأت أئنُّ بخفة منزلة المقلتان المغرورقتان بالدمع والرجاء إلى وجهه،، إذ أسنانه مصكوكة وعيناه تقسمان على قتلي فيزيد وطأته..
إيملي تضربه "دعها .. توقف توقف أيها الوغد"
الرجال يحاولون إمساكه "إستهدِ بالله إيااد إياد"
سمعت صراخ الجميع،، لكنه تابع بحنقٍ قتلي!!!
إلى أن..
_____________________________
تصيح بقلق "بني.. بني إياد توقف أرجوك الشرطة بالأسفل.. الشرطة ستعتقلك أرجوك اعقل.."
تهزُّ ذراعه "هيا توقف دعك منها الآن"
ترك رقبتها،، فجأة..
لكنها هوت أرضاً،، وتمددت على صلابة الأرضية..
شعرت آنها بأيادٍ كثيرة حولها تتلمسها،، وكلمات..
الكثير من الكلمات مختلفة الأحرف والنبرات..
من شدة الآلام أحسّت جسدها يطفو في السواد لا تشعر بأطرافها،، فقط تسمع نبضاتها إذ تستعيد شعورها تدريجيّاً...
في حين يخرج هو مغادراً الغرفة .
______________________________
¤●¤●¤●¤●¤●¤●¤●¤●¤●¤●¤●¤●¤●¤
هذا هو متلاعبنا يا رفاق..
إنَّ الأيام الماضية لم تكن سوى تراكمات وتراكمات،، والآن انهارت جبال الجليد محدثةً ضجةً لا مثيل لها..
وسقطت قممٌ إلى قيعان أنفسهم الراكدة فأثارتها أيما إثارة،، حتى أصبح كل فردٍ (يتذبذب) داخل نفسه.. لا يعلم أحدهم هل العلَّة فيه أم في غيره؟!
شعورٌ أشبه بمسٍّ جماعي من الشيطان..
يثورون فجأة،، ويخبتون فجأة..
كل ما يعرفونه هو،، أنهم أصيبوا بلعنة اللاعنين،، وحلَّ عليهم سخط الإله فلم تسترح نفوسهم بل أخذ العذاب مجراه..
من انفجارٍ إلى اجتماعٍ أظهر ما كان قد ووريَ تحت الطاولة،، ثم زيارة ثقيلة لشابة عفوية فهجومٌ في قلب الصحراء..
واختتم هذا اليوم الأسود،، بهيجان إياد مراد على امرأته.. هيجانٌ لا يلومه فيه أحد،، فمن الطبيعي بعد قلة النوم ومسؤولية العائلة،، مواجهتان في ذات اليوم ثم جرعة لا بأس بها من الشراب..أن يتحول هذا الشاب العشريني إلى كتلة من الكهولة والدمار .
فحول عينيه المنتفختين شيخوخة وأرق،، ضغط دمٍ مرتفع مندفع جعله يترك المنزل في تمام الحادية عشر،، رغم حظر التجوال في حيهم..
صمتٌ ساد العائلة وفتور،، وعندما رأوه يخرج قالوا.. دعوه حتَّى لا ينفجر..
دعوه وحيداً يندب حظه..
دعوه مع أثقال كاهله ثقلاً ثقلاً،، يعدهم ويزنهم ثم يتمنى موته القريب..
في حديقة منزله،، محاطاً بدوريات الأمن..
^دعوني وشأني مع شرابي..
أجوب نفسي وأتجول بين صراعاتي الحاسمة،، دعوا الشيطان يهمس في مسمعي،، أن أستسلم لذاك السفّاح الذي عبث بي..
بعائلتي وممتلكاتي..
وأنظروا ماذا فعلت يداي -يخفض بصره إلى كفيْه- قد ضربتها حتى كادت،، ترحل..
وإني لأتسائل لمَ لم أدع روحها ترحل وأرتحل معها.. إلى جنة خلدٍ حقيقية لا سفّاح فيها ؟!!
فصدقاً،، أنا لم تعد لي قوة به..
أنا عااجز..
لقد قيدني بمهارة تجعلني أعترف كرهاً بعار هزيمتي وغروري،، وتلك الثقة الزائفة التي أحملها دوماً في لمعة عيني ما هي سوى خوفٌ دفين من اختراق حدودي الحمراء..
وها هي جميع خطوطي تحت رحمته،، عائلتي جنتي حياتي أنا،، يداعبها أمامي بنصل سيفه ويستمتع برؤية الهلع مختوماً على بؤرتيْ ..
أحتمي خلف فتاة.. (إيملي) ورقتي الرابحة الأخيرة.. وأعد أيامي الباقية على أصابع يدي.. فها أنا قد تركت جنتي تحت رعاية الله ثم رعايتها،، والتي لا أعلم إلى أيِّ مداً قد تتحمل فتاة ما لم أقدر عليه أنا..
وكم أنا جبان..
بل وأشعر،، أنّي أكاد وبكل سرور أركع عند قدميه وأرجوه أن...
يقتلني بطريقة رحيمة،، ويدع من أحبهم ليعيشوا.. فأنا مجدداً،، لا قوة لي به .
-قرب النافورة وخرير الماء،، قد جلس بصمت-
أحياناً كثيرة ألعن عقلي الذي لا يتوقف عن العمل -يقوم واقفاً- فرغم كوني الآن أطلالاً مقفرة،، إلّا أنه..
يجب أن أذهب وأقوم بخطوة أخيرة قبل التقاعد عن منصبي كمناضل العائلة وحارسها.. لا وقت لديْ،، فالمحاكمة غداً في تمام التاسعة،، وقد ينتهي عمري قبلها،، لذا... ^
لم يكن إياد مراد هو الوحيد الذي يفكر فيما سيفعل غداً،، فبعد أن ارتدى الجد أوس ثياب نومه واستعد لإغمائة طويلة..
جلس على سريره في غرفةٍ بمنزل إياد،، مجهزة خصيصاً له.. وقد تشكلت خطوط وجهه لتجعل منه الأعبس على وجه الأرض.. وجهٌ يقتل بقايا تلك الوسامة التي كان يزعم وجودها في شبابه..
تتصارع في رأسه آلاف الأفكار ، وتغالبه آلاف الظنون ، ثم يسحقه في النهاية ألم الخذلان ، فلا يوجد أسوأ من أن يخذلك من يفترض بهم ان يكونوا أقرب الأقربين.. أيمن أو تامر،، أحدهما أو كلاهما.. أوربمى أحد البقية ممن هم في عائلته..
ثم تعود إليه الأفكار من جديد، خطط تهديد ووعيد، عليه أن يجد حلا في المآل الذي آلت إليه عائلته ، كل ذلك يبدأ حينما ينهي ذاك الروتين القاتل الذي أسرى عليه الأيام منذ أسبوعين فقط ، أي منذ قدم أولئك الحثالة الذين يفترض بهم ان يكونوا عائلته ، فلم يعد يعلم هل غدو حثالة بالفعل أم أن قيم زمانه الرفيعة التي نشأ عليها وافتها المنية بعد عمر طويل ....
فكان الجيل الحالي ما هو إلا إجتماع لكل ما هو سيء وفاسد،، ميموم وقاتل !!! تغضن جبينه اكثر من كثرة التفكير .... بالفعل على الأيام ان تتغير وتسري وفق رغبته هو لا رغبة أهوائهم التافهة ، أليس هو سيد البيت وسلطانه ؟!!
إذا كيف يخطط لتغيير الأيام ؟
يخطط ان ينهي العبث الذي قلبها رأسا على عقب وذلك بوضع عقوبة صارمة من شأنها ان تلملم الفوضى المحدثة، أجل عقوبة مؤلمة ستكون كافية ، فغداً سيقرر كيف سيصرف أمواله التي ترب في جمعها لسنوات ...
هذا لأنهم يبغون موته ليبتلعوها،، أجل..
يجب أن يجمدها بطريقة ما..
زفر بعمق وأغمض عينيه بعدما تصدع في رأسه صدع أرغمه على قذف بعض أقراص علاجه بحنق ثم ابتلع بعدها قدرا هائلا من دورق المياه المركون فوق طاولة صغيرة ....
وبعدما عادت أنفاسه لهدوءها الأول بعدما افتقدها اثناء شربه الطويل،، نادى بأعلى صوته على آمال. والتي كانت تجاوره في الغرفة باكية على ما آل إليه حال ابنها..
وفور سماعها لصوته انتفضت فحضرت مهرولةً وبذات الوجه الكظيم فتحت الباب "نعم أبي" بجبين مقتضب أردف بلهجة آمرة "جهزي لي إجتماعاً غداً الليلة أيضاً في ذات القاعة" ثم لبث مليا قبل ان يقول "واحرصِ على ان يحضر كافة أفراد العائلة"
___________________________
ثم لدينا في ذات المنزل،، محمد يجوب الأروقة بين حينٍ وحين،، وكأنه يرقب قدوم الموت إليهم..
غلبه صمت واجتاحه ذات العبوس الذي على وجوه الكل..
يهمس "مرَّت ست،، وغداً هو..
اليوم الأخير ."
كان يهمس بها كالمجنون في جيئة وذهاب،، يقسم أن يجافي النوم ويكون لعائلته درعاً كشقيقه...
يمر للمرة الثالثة من جانب باب غرفته النصف مفتوح،، فتشهد أذناه همسات مروان القلقة يتحدث في هاتفه...
"ماذا تعنين بأنها لم تعد يا مي؟! ألم تخبركِ أين ستذهب؟!"
على الجانب الآخر مي،، ترتعش أصابعها وشفتها السفلية "لقد تشاجرنا.. ثم اختفت،، ووالدي سيعود من سفره غداً"
تأنّى مروان قليلاً،، ثم أردف "لم تتصل بكِ؟"
"لا"
وبدأت تبكي بحرارة،، فطرت قلب عاشقها وجعلته يشعر بدفئ دمعها على يده،، إذ شهقت بقوة وتحدثت فما عاد يفهم كلماتها من بين هذا النحيب .
__________________________
ولم تسلم فاتن من لعنة الهلع ذاتها أو من العبوس.. فكونها فقيرة ضيقة الحال يجعل استهداف أسرتها،، أمراً هيِّناً على السفّاح..
ورغم شرودها في آخر حدث إذ جاهدت لتوقف إياد عن تعنيف زوجته فجرحها خطئاً في يدها.. دخلت منزلها باندفاع،، قاصدةً النوافذ فأحكمت إيصادها،، واطمئنت على حال زوجها،، زهرة ولؤي الجالس في غرفة المعيشة..
فتحت المذياعَ فصدرت ترانيم القرآن الكريم وملأت ما بين جدران شقتها المتشققة،، فعمّ أمان غامر أوقد فيها الإيمان فوضعت يدها على قلبها المرفرف..
وبدأت تدعو الله أن يجيرهم من ذاك الشيطان المرعب،، وأن يحفظ كل أفراد عائلتها فهو الوحيد القادر على ردع ذاك المخلوق الشرس..
أو كما جال بها الفكر بعيداً فجزمت كونه،، دابةً متوحشة قد أرسلها الله على بني البشر لتفعل بهم كل منكر..
وفجأة،، ارتعدت على صوت صرير باب الشقة..
"لؤي!!"
"سأخرج أمي،، سأشتري سيجارة"
زجرته هامسة "أهذا وقته؟!! عد إلى هنا"
"أمي لا تقلقي عليْ.. كما أنكِ تعرفين أن وحدات الشرطة في أسفل بنايتنا"
"هذا ليس كافياً--" وأغلق الباب قبل أن تكمل هي..
تتسارع قدماه على درجات السلم هروباً من قلق والدته الزائد عن حده..
ووصولاً إلى أسفل البناية،، حيث وحدات الشرطة قد حظرت التجوال حماية لجزء السيد أوس الفقير (فاتن)..
لكن لؤي اجتازهم بخفة ودون أن يلحظوه..
إلى خارج المربع السكني،، ونحو أقرب شارع رئيسيْ..
يهرول برشاقة بين ظلمات المدينة الساكنة،، إذ يقع متجرٌ صغير آخر الطريق،، حيث يبتاع سيجارته..
لكنه يملك واحدة في جيبه بالفعل!!
يقف فجأة..
يشعلها ويدخنها ولا يلبث سوى بضع ثوانٍ،، حتَّى يلقى من خرج لرؤيته.. ذاك الذي غطّى رأسه بقلنسوة ورقبته بكنزة صوف تعلوها سترة سوداء ويداه مدسوستان في جيبه فبدى وليد الظلام لا يظهر منه سوى صفار بشرته الشقراء...
يدنو أكثر غارقاً في ثيابه والصليب الذهبيْ معلّق في رقبته يتأرجح مع خطواته القصيرة السريعة،، حتى يصل إلى ابن اخته لؤي..
"هل تأخرت عليكَ خالي آدم؟!"
توقّف آدم على مقربةٍ منه وأومأ (لا)..
على الرصيف العالي،، والفراغ حولهما..
هذا لقاؤهما السريّ الأول كما يتضح لنا.. فقد أخفى كلٌّ منهما رغبته الغير محرمة في رؤية الآخر.. أحدهما يعرف لمَ،، والآخر ربما خمّن..
يمر بهم السيارات فتختار عينا آدم مكاناً قرب جدار نباتي "هناك.. تعال"
ويتقدمه،، فيتبعه لؤي بشيءٍ من السرور الغامر..
تحت ثلاث عواميد متفرقة،، ينتصب آدم واقفاً وتتسع شفتاه بابتسامة..
"كيف... حالك لؤي؟!"
كان هذا مقرفاً قليلاً فقد حاول آدم للتو أن يبدو لطيفاً في سؤاله.. لكن لؤي تفهم محاولته وبادله الإبتسامة "بخير خالي آدم.. أرجو أن تكون ذراعك قد تحسنت"
أنزل آدم عينيه إلى ذراعه المعروقة بشدة كأغصان متشابكة لكنها كانت قليلة هذه المرة على غير عادتها..
فقال "إنها بخير" ثم تابع فاحصاً المكان "اسمعني،، فليس لدينا وقت"
اقترب منه لؤي هامساً "خيراً!!"
مال آدم ناحيته "يجب أن تساعدني،، في محنة العائلة" مكث قليلاً قبل أن يردف "فإياد قد سحب يديه ،، وهذا قد بدى في خطاب الرحمة خاصة"
"لم أحضره،، كنت في الخارج أنتظر والدتي في السيارة"
قاطعه آدم بسرعة "المهم،، اسمعنيِ..
يجب أن تساعدني في حماية عائلتنا..
-ينبرة صارمة- أرجوك اتبعني ولا تتبع غيري.."
"لا بأس هذا شرفٌ لي أن أحمي عائلتي..
ماذا تريدني أن أفعل؟!"
صوت آدم المغطّى دائماً بطبقة بحة قال "ساعدني بأن تطيعني فهذا خيرٌ لك"
"بالتأكيد خال آدم أنت على العين والراس.. أخبرني فقط ما عليَّ فعله"
هبَّ صوت آدم فجأة "إختفِ.. من أجل الإبقاء على عائلتنا"
"المعذرة!!"
حملق آدم في منتصف بؤبؤتيه عميقاً..
وبصوتٍ حادٍ كالشيطان أردف..
"قلت إرحل ."
_____________________________
في بقعة أخرى..
حجرة قديمة،، ضيِّقة تحفُّ جدرانها كثرة الصناديق..
يملأ الغبار هوائها ويفترش الأرض وما عليها،، وتعلوها نافذة نصف مفتوحة،، مستطيلة ذات زجاج ثخين مزركش..
من وسط سقفها تدلَّى سلكٌ كهربائي نحيل ينتهي بزجاجة مستديرة كالإجاصة مُشِعَّة بضوءٍ أصفر مائل للبياض،، تنير من الحجرة القليل ويهجر ضوؤها الأركان الأربع..
أُشْبِعَ صمت الحجرة بتمتمات وتسبيحٍ ونداءٍ خفيْ لله،، صادر من لسانٍ داخل جسدٍ .. على مقعدٍ خشبي ملتصقٍ بالجدار المتشقق..
تامر،، والذي أسند رأسه إلى الحائط ؛ فأخذت خصلاته من الغبار شيئاً لم يؤثر في سوادها القاتم..
عيناه الزرقاوتان،، نصف مغمضتين..
منتفختين لامعتين بالدمع..
تبدو ملامح وجهه شبه ذائبة نحو الأسفل قد أثقلها الإكفرار،، وعلاه ذبولٌ وإعياء لم يصب بمثله مذ ماتت والدته..
لم يكحِّل النوم عينيه مذ أسدلت هذه الليلة ستائرها..
بل ومنذ قدومه إلى عمَّان والأيام تتوالى عليه متثاقلة متباطئةً ومتراخية تشق نفسه مع مرورها يوماً فيوماً حتى أصبح لا يطيق البقاء..
ليس على أرضِ الأردن فقط بل على وجه الكوكب بأكمله؛ فقد اشتاق لطهر أهل السماء ونصاعتهم..
يتابع التمتة بالدعاء..
"... أنقذني يا الله من هذه المحنة العثرة..
لا تتركني وحدي..
أعطني القوة أعطني إياها..
أغمرني ببعض حكمتك لأخترق هالة الظلام هذه"
يغمض عينيه ويضمُّ كفيه بهمسات سريعة وكلمات مكررة..
"أعطنِ البصيرة أعطنِ إياها..
أغدق عليَّ من فضلك لا تتركني وحيداً..
لا تتركني أواجه ذلك وحدي،، لا تتركني..
ألهمني الصواب بعزتك يا أرحم الراحمين" فتح علينيه وختم ..
"ّآمين"
.
.
.
.
.
.
.
اعتراه شيءٌ من السكون وصمت..
لم يخترق جوَّه سوى صوت هبَّات الرياح في الخارج..
فراح يحصي على طول سنوات حياته تلك الحوادث التي نجى منها،، أثناء عبور طريقٍ أو سقوط شيء..
لمَ نجى منها؟!
^لماذا يا إلهي،، لم تأخذ بروحي بعيداً عن هذا الكوكب الأزرق النتن.. قبل أن،، أعلم..
-شعر بغصّة في صدره-
قبل أن أعلم أن والدي مجرم خان قسمه المقدّس كطبيب.. وكاد يودي بحياة اثنين (عمداً) و...
وأنا من سؤثبت جرمه يا الله،،
وأحكم عليه..
أنا!!
لم أنا يا إلهي؟!
لمَ ليس أحداً آخر؟!^
اعتدل تامر جالساً،، يفكّر هل بالفعل سيقف نِداً لأبيه ويثبت ذلك؟!
^ماذا لو أثبتُّ بطريقة ما أنني كاذب وينجو أبي؟!
-فكَّر لوهلة-
هئ.. وأقع أنا في حفرة من حكم وسجن وعار يلحقني بينما أطلقه يعبث ويُكمل العبث تحت عنوان (طبيب)!!!
هل لديَّ جرأة كافية لكسر الخوف الذي يشلُّ لساني وأطرافي ويكسر جناحي لأدلي بكل ما أعرفه؟!
بمن سمم إياد..
ومن أهمل حالة إيملي..
ومن أغلق الباب؟
هل أطلقُ ذلك دفعة واحدة لأظهر للعامة كم أن عائلتنا مكتظَّة بالمجرمين الحثالى الذين لا يعبؤون بالنفس البشرية!!!
هل أصمت بينما أعرف من فعل كلَّ هذا؟! ^
مسح تامر دمعاً كاد يسقط بأطراف أصابعه..
وبدأت الأفكار تصارعه وتلقي به من جرفِ السلام ليعترف بينه وبين نفسه متمتماً..
"هذه العائلة،، يجب أن تحترق..يجب أن تنتهي
أُناس كهؤلاء يحتاجون إلى من يردعهم--"
ثم نظر إلى كلتا يديه في شرود..
هل هو قادر على تحطيم تلك الروابط الأسرية السرابية،، في سبيل الحق،، والعدل والإنتقام؟!
هل سيتسبب في--
اخترق غباب أفكاره صرير الباب قد فُتِحَ على مصرعه ليقتحم ضوء الخارج عتمة الداخل تضيء ما ووريَ خلف ظلام الغرفة..
فاعتدل يضيِّق عينيه..
"من؟"
ضخمٌ مفتولٌ مُعتِم،، يضع يديه في جيبي بنطاله ويتقدم ببطء.. وكأن تامر عجز لوهلة عن تذكّره واكتفر بتمتمة لا شعوريَّة..
"زيارة في الحادية عشر..
الحادية عشر ليلاً!!
-يهمس-
من أنت؟"
تقدّم نحوه "هل فقدت الرؤية؟"
بدهشة "إياد!!"
وقف له،، وتبادلا عناقاً حميماً.. يضرب إياد -كعادته- ظهره وكتفه بقوة ليشدَّ من أزره،، ويدفع بكلمة بطل بين جمله لعلَّ ذلك يخفف وطأة موقفه..
^وعندما تتكالب عليَّ الأسئلة وتجتاحني..
شكراً لك يا الله على هذا الجواب..
فأمامي الآن الشخص الوحيد،، الذي بفهمني^
لم يظنَّ تامر يوماً أن يجد من إياد ابن آمال نعمَ الجليس الرفيق.. فلطالما كبرا لكراهية بعضهما،، وعاشَ كلٌّ منهما نِدّاً للآخر..
جلس تامر..
ولا زال إياد واقفاً،، فارتبك تامر باحراج "تفضَّل" مشيراً إلى مساحة كافية من المقعد المهترئ جانبه..
فأخرج إياد منديلاً من جيبه وجعل يمسح به المكان الذي سيجلس عليه..
لقد استغرق في ذلك حتّى شعر تامر بالإحراج قليلاً،، فأخذ معطفه "سأفترشه لك"
"حسناً"
لم يتوقَّع تامر أن يوافق بهذه السرعة!!
الحقُّ عليه هو من عرض ذلك..
انتظر إياد واقفاً أن يفترش تامر معطفه له..
وفور انتهائه،، عدَّله إياد بطريقة أخرى أكثر مناسبةٍ له..
ثم جلس بهدوء..
"أعذرني،، ولكن الغبار على ثيابي يثير أعصابي"
"هه فليكن على ثيابي إذاً" ثم تدارك سخريته "هذا لن يرد جميلي لك،، لقد أنقذت حياتي وحياة أخي"
عبس بشدة وأردف "وحياة والدي،، رغم أنني .. ل لا أدري"
رفع تامر رأسه إلى إياد المحدِّق فيه،، ثم قال على وجل "ماذا كنت لتفعل،، لو كتب الإله أن تكون في مكاني؟!"
رفع إياد قدحيَّتيه إلى السقف يفكِّر قليلاً قبل أن ينطق بإجابة مجزية..
ثم سأل"بأمانة؟"
أومأ تامر "أجل،، بأمانة"
تنهد إياد مجيباً..
"سأنقذ والدي.."
تفاجأ تامر من إجابته رغم أنه توقَّع العكس تماماً..
لكن إياد تابع مقنِعاً "أنا كوالد،، ربيت وأنفقت وجعلت ابني الصغيرَ رجلاً.. لن أريد رؤيته يقف ضدّي في قاعة المحكمة يبِّن ما قمت به من جرم (إن كان هناكَ جرمٌ بالفعل)..
-قطَّب حاجبيه وأومأ-
ح..
حتى لوْوْ..
كنت مجرماً،، فلن أحب رؤية ابني.. الذي صنعت منه شيئاً.. يحاسبني على أخطائي أو ينظر نحوي من هذا المنظور.."
بدهشة علا صوت تامر "أتعني أن أدينَ نفسي؟"
فهو لن يتوقَّع أن يوسوس له إياد بالتنازل عن حقه هو؟!!
أهناكَ أهم من القصاص؟!
تنهد إياد "لم أقصد أن تدين ذاتك وتزجَّ نفسك في السجن..
قصدت،، لا أبيض ولا أسود،، ابقَ في البقعة الرمادية حيث الإحتمالات اللامتناهية.."
التفت تامر قليلاً بعد نحو إياد..
"ماذا تعني؟"
"حسناً -يزفر- أنا لا أعرف ماذا أعني..
فكلُّ ما يدور في عقلي،، هو أن وقوفك.. ضد والدك ربما كان مرتَّباً له منذ أمد.."
"أأ.."
"ستقول لي كيف ولمَ؟
حسناً يمكنك اختراع سبعين عذراً وإن لم تجد يمكنك قول ربما نسي والدك الطب وظهرت عليه شيخوخة مبكِّرة..
المعذرة ولكن والدك لا يهمني..
إن كان،، تعلم.. بريئاً أو مداناً،، فهذا آخر همي..
الأمر كلُّه،، أن هذه ليست قضيَّتنا أبداً.. كما قلت في المجلس وأكرر أمامك مجدداً تامر..
هذه..
ليست..
ق ض يَّ ت نااا
-انحنى جالساً-
عندما سيتم إثبات أن والدك مجرم،، لن تستفيد ولن يستفيد هو..
وأنا لا أراه ثأراً يجب عليَّ الأخذ به لأنني لست متأكداً إن كانت لعبة تعمَّد فيها المتلاعب إبراز والدك بهذه الصورة أم لا..
ببساطة،، لا أحب أن أكون مغفَّلاً تنطلي عليَّ الخدع وألهث وراء انتقامي..
إذاً،، هناك من سيستفيد إن أُدين والدك وسيشكرك لاحقاً..
الخلاصة..
إلعب عكس التيَّار الآن،، الآن ومؤقتاً الآن..
أعد والدك إلى مكانته كابن ذهبي،، يجب أن نخرق خطته ونجعله يُجن"
"من؟"
"الشيطان،، الذي فاق الشيطان دهاءً وجرئة"
"يجب أن نعرف من هو لنعرف كيف يفكِّر.."
"هذا واضح،، إنه يستهدف سمعة العائلة وثروة الجد قبل أن تسقط سمعة العائلة"
"وأنت.." أردف "يستهدفك أنت من بيننا جميعاً!!
لقد تسائلت كثيراً لمَ إياد بينما كان من الممكن أن يكون أنا!!
-بشبه ابتسامة-
كانت الإجابة أمام عينيَّ طوال الوقت..
وجدت أنني إذا نظرت إلى الأحداث عن بعد،، وانتشلتك منها منذ البداية..
إذا قدَّر الله..
لن نكون موجودين أصلاً!!
أنت تفهمه..
تفهمه..
-يهمس محدِّقاً-
وكأنَّك تعرفه.."
صمت إياد بعد تلك الجملة صمتاً طويلاً وكأنه يقول أجل،، أو أجل ولكنِّي غير واثق..
فبدت مجدداً أسئلة تامر أمام ناظريه..
"هل تشكُّ في أحد؟"
أطبق إياد شفتيه بقوة
"تبدو مرهقاً يا إياد..
لقد انتفخت جيوب عينيك وهذا يدل على تجرُّعك لكمية كبيرة من الكحول اليوم.."
"هه.." أرجع خصلاته "أتصدِّق أن أمطاراً من الرصاص تسقط وتجعلني أنا.. غير قادر على مجاراتها أو الإختباء!!
لقد خرجت للتو من معركة معه"
"المعذرة!!!
لقد كنَّا في الإجتماع وكان الأمر ..
أقصد لقد انفجرت الكاميرات فيه أ.."
"لقد استدرج إليسا إلى هنا..
إنه لا يتعب"
"من إيليسا؟"
أشار إياد إلى قلبه "قطعتي من هذا العالم" يتفت نحوه بعينين مغرورقتان بالدمع "بكل سهولة،، أضافها إلى الحلبة لأنه يعرف أنني أفديها.."
أصيب تامر بشلل في جسده ولسانه،، خاصة عندما رأى إياد قد لانت نظراته بشكلٍ مفجع..
نظرات النسر التي لطالما مدّت الأفراد بالقوة،، كونها لحصنٍ لا يمكن اختراقه..
لم تبدو تلك النظرات الآن سقيمة،، بالية مجهدة.. كعينا عجوزٍ اكتفى من متاعب الحياة..
"هل هي بخير؟"
أشاح إياد بنظره جانباً زفر بعمق زفرة أسمعت تامر كم كان على وشك البكاء حقاً !!
"إنها بخير،، مع إيملي..
لكن أنت مفتاحي الآن،، تامر.. لقد تمَّ شلُّ جميع أطرافي بها..
يجب أن تتحرك أنت نيابة عنِّي.." إلتفت إليه "كم مرة قمت بعملية جراحية جد خطيرة؟"
"حتى الآن؟..
اثنتان كانتا في غاية الخطورة"
ابتسم له إياد "سمعت أنك في إحداهما،، كنت مساعد المستشار الطبيْ..
وقمتَ بعمل مجازفة،، فلقد قررت قراراً غير معقولاً وعارضك الجميع فقد كان أمراً مستحيلاً أن يعيش المريض بعدها..
لكنك كنت مؤمناً بشيءٍ ما بين جنبيك.."
ابتسم تامر بخجل "كنت أحمقاً..
لا أدري من أين جائتني تلك الجرئة العظيمة شعرت أن الله يحرِّك أناملي وقتها.."
ربَّت على كتفه "وهذا ما أريده منك الآن،، وكما أنقذت ذاك المريض..
ستعرف كيف تنقذني أنا،، وإيليسا والجميع..
وكما أعطيت أناملك لله..
أعطه عقلك لتعرف ما الخطوة التالية غذاً في المحكمة.."
^تمعنت في بياض عينيه اللامع،، وحدقاته الملونة المدرّجة..
شعرت أنه ألقى بكل الحمل عليَّ دفعة واحدة،، شعرت بثقلٍ فوق كاهلي وشخص بصري إلى عينيه معبئاً بالرجاء^
"لا تفعلها يا إياد.. لا تلقي بالمسؤولية على عاتقي أنا،، أنا لا أجيد هذه الأمور مثلك"
رفع إياد رسغيه "أنظر.. أنا مقيَّد بأغلال لا تراها لكنها أقوى من أن تكون معدنية،، فما أصعب أن تصيب رجلاً في فتاته..
لا أستطيع أن أبعدها عن ناظريْ،، لقد شلتني جنتي ولا أستطيع سوى حفظها..
سأحاول حماية الأفراد،، أنت من ستتحرك وتتخذ القرارات.."
"لا تقلها مجدداً"
"حسناً لست أنا من ألقيت عليك هذا الحمل،، بل القدر هو من وضعك أمام والدك وأنت يجب أن تفعل شيئاً لمصلحة العائلة الآن ودعك من العدالة..
يجب أن تخرجا بريئين باحتمالٍ رمادي..
ربما والدك بريء وهناك من أوقعه بشكل ما..
هدده ربما،، هناك مئة احتمال"
حينها أسرَّ تامر في نفسه ^لا يا إياد،، لقد اعترف لي والدي أنه تعمَّد ذلك،، لكنك طيبٌ ساذج لا تعرف أن كثيراً يريدون رؤيتك ببياض الكفن محمولاً إلى أحد المقابر المقفرة البعيدة عن حياتهم..^
أخذ تامر نفساً،، إذ أدرك بالفعل أنه لا مهرب من أن يتخذ قراره بذاته،، فالمحكمة ستسمع من فمه وليس من فم صاحبه..
"سأفكر.."
ابتسم إياد "وثق،، عندما تسقط ستجدني أمسك بك..
فأنا لم أنكسر،، بل يجب عليَّ التوقف قبل أن أنكسر"
همَّ إياد للوقوف بعد أن أدرك في ذاته أنه تأخر بما يكفي..
فكَّر تامر قليلاً ثم استوقفه "ماذا عن آدم؟!"
توقَّف إياد على وقع اسمه وقال بانفعال "مابه آدم؟"
"أهو ضحية تلاعب أم--"
"أم أحمق كبير؟ أجل هو كذلك"
"عنيت أنه قد يكون.."
"يكون ماذا؟"
دقّ كعب إياد بينما يلتفت نحو بكامل جسده نحو تامر عاقداً يديه خلف ظهره،، يسقط مقلتيه إلى قاع عينيه نحو تامر مما جعله يتوجَّل بشدة..
"احم المعذرة.. لم أقصد الطعن في،، تعلم قدسيته" بسخرية "تبدوان مخيفان عندما يتم طعن أحدكما أمام الآخر ههه بشكلٍ مثيرٍ لل... لا أعلم"
ثم ضحك مجدداً عندما تذكّر نصل آدم على رقبته وكيف انقضَّ بذات الطريقة على مروان ولم يردعه تكسير ذراعه..
واستمر في الضحك حتى رفع إياد حاجبه الأشقر الرقيق بتعجُّب "لا،، لست لوطيّاً"
"م..م أهذا ما فهمته" وانفجر تامر في الضحك بشكلٍ هستيريْ وكأن آلام الهموم قادته لجنون ضحكة حوّلت وجهه إلى الأحمر المتورِّد..
فبدى صفُ أسنان إياد وبرز خداه في ابتسامة خجلة..
"إذاً ماذا ظننت؟"
"يا إلهي.. ههه كل ما قصدته هو.." أوقف ضحكته بصعوبة ثم ابتلع ريقه ليستعيد صوته "أنتما.. لا أقصد شيئاً ولكن علاقتكما كسيد وكلب حراسته"
أجابه إياد "أهااا تقصد ذلك؟ أجل نحن.. لا أعرف بيننا مصالح متشابكة جداً،، ربما لا نحب بعضنا كثيراً لكن حياتي له وحياته لي مهمة.."
"متأكد؟" بسخرية "لأنني ولوهلة قلت،، أنه تنطبق عليه صفات سفّاح"
ضحك إياد وكأنه يستحيل أن يصدّق "عزيزي آدم!! وبهذا الجسد؟!! ههه أجل لا بأس لا بأس أنن.. يصبح كذلك لكن لمَ سيريد قتلي؟..
كما أن ذراعه المكسور لن يسمح له بحمل سيفين والتسبب بكل تلك الفوضى..
بل إنّ السفّاح يخاف وجوده في منزلي فآدم لا يتهاون أبداً"
"ولكن،، هناك أمرٌ يشغل بالي.."
"ماذا؟"
بسبابته أشار إلى دائرة وجهه "هناك شيءٌ في وجهه"
رفع إياد حاجباه بذهول وابتسم وأمال رأسه هامساً "عن ماذا تتحدث؟"
وضع تامر أطراف أصابعه على ذقنه يفكِّر "لا تنعتني بالمجنون،، لكن ونسبةً لتشنجه.. إن هناك خللاً دخيلاً على أعصابه القحفية.. أعني الدماغية..
شعرت أن هناك خللاً في عصبه الرابع والثالث معاً..
ولا أدري عن العاشر لكن بشكلٍ عام"
قطع صوته فقد شهد وجه إياد قد قابل وجهه،، راكعاً بظهرٍ مستوي نحوه ينظر إلى شيءٍ داخل عينيه بشكلٍ مريب جعل مقلتاه تتأرجحان في كلا الإتجاهين..
ثم ابتسم "أتراهنني؟"
"قلت أظنّ فقط" ثم تابع على وجلْ "رأيته عدة مرات وأمسكت ذراعه ثم كسرتها..
هناك عطلٌ ما"
تمتم إياد بنبرة مخيفه "إن أثبتَّ ذلك،، فهذا يعني الكثير"
أومأ تامر برأسه "سأحاول أن أثبت"
"لا تحاول بل ستفعل" استقام واقفاً مجدداً ورفع نبرته "فكما تعلم أن صحة عزيزي غالية" ثم غمز له..
فقال تامر بحماس "وعن تلك الحركة،، منذ رأيتها وأنا أحاول تجربتها على نفسي وعلى شقيقي.. يعني،، كيف لمست جانب وجهه فارتخى جسده..
لقد رأيت أصابعك على جانب وجهه تتحرك إلى الداخل والأمام في عدة مناطق بسرعة خاطفة أ"
أعطى لإياد ظهره "جربها عليَّ الآن"
اتجه إياد نحو الباب "لقد فقدت عقلك..
أراك غداً في المحكمة"
وخرج..
___________________________
وبرفقة الأمن،، أستقل سيارة مُأمّنة يتقدمها واحدة وتتبعها اثنتان في حراسة مشددة له.. على طول طريق عودته إلى منزله..
مستغرقاً في التفكير..
وتماماً،، عندما دقّت الواحدة..
وطأت جزمته أرض الأسفلت أمام منزله،، وثلاثة رجال ضخامِ الجثة يتلفتون بعدة اتجاهات يحمون ظهره ووجهه،، سائرين معه حتى يجتاز الحديقة ويصل إلى باب منزله بأمان..
هناك تفاجأ فور دخوله البيت..
فلم يكن أحدٌ قد نام بعد!!!
منظرهم غريب مثيرٌ للقلق،، كاللاجئين مرتعدين في عقر ديارهم ، ومتحلقين معاً قرب المدفئة في صمتٍ وسكون وكأنه عزاء مسبق لأرواحهم!!
جميعهم؟!
بصوتٍ مجهد بينما يخلع حذاءه..
"أين إيليسا هل هي بخير؟"
إلتفت نحوه محمد الجالس أرضاً،، يضم إليه ركبتيه بعينين مجهدتين "لقد نامت،، إيملي تجالسها وآدم عاد منذ قليل وانضم إلى إيملي للعناية بها"
"اها جيد"
ينتهي إياد من خلع جزمتيه،، ويتقدَّم نحوهم يحصيهم كالخراف بتمتمة "واحد اثنان ثلاثة أربعة... "
والديه وشقيقه وشقيقته،، أربعة
الجد وهايدي.. ستة
تسائل "أين مروان؟"
"يتحدّث فوق في الهاتف--" ثم أطبق محمد شفتيه بقوة كي لا يتفوه لهم بمي وحالتها النفسية المزية بسبب اختفاء والدتها..
خاصة أنه كان يبدو على إياد شيءٌ من السرور.. لم يكن يبتسم وليس عابساً أيضاً بل وجهه كمن للتو أفاق من سبات مريح.. ربما هو أملٌ كاذب أو يأس حدّ فقدان الشعور!!
"ماذا دهاكم؟!" بتعجب "لمَ تجلسون هنا جميعاً بهذا الشكل؟"
والجد على كرسيٍّ ذي ذراعين ساكن لا يحرك شيئاً من مفاصله.. ووالده يغفو على كرسييه بينما يصرّ البقاء بينهم محتضناً فريال الصغيرة..
هذا المنظر ذكره بالحرب العالمية الثاتية وكيف كانت العوائل الكبيرة والصغيرة تجتمع أمام المدخنة قرب المذياع،، قد ربطوا دقات قلوبهم بالأخبار المذاعة.. يجتاحهم خوفٌ قد يباغتهم حاملاً في جعبته قذيفة أو جنوداً محتلين..
برأي إياد،، هذا أسوأ..
فلألماني يعرف أن عدوه روسيْ،، والأمريكيْ يميّز زيّ الجنديْ اليابانيْ،، أمّا هنا،، في هذه العائلة -يخطو باتجاههم- فلا أحد يرى أو يعلم من الذي اجتلب سفّاحاً يهوى صوت العظام بين فكّيه.. ولم؟
سيستهدف منهم من سيقف في طريقه.. ولكن ما هو طريقه؟!
صاروا لا يعرفون سوى بعضهم البعض فتحلّقوا بصمت شاردين في وجوه بعضهم البعض،، فلعلها المرة الأخيرة التي يرون أحدهم فيها..
مع اقترابه قالت الوالدة بحروفٍ أثقلها الحزن فصيّرها بطيئة..
"أين كنت؟.."
قذف إجابته "أنجز شيئاً مع الشرطة" ثمّ تعجّب آن دخوله دائرتهم "أرقٌ جماعيْ؟"
عبست والدته بحزن "أصيب جدك بنوبة غريبة.. الحمد لله هو بخيرٍ الآن"
ذهب إياد سريعاً نحو جده "هل أنت على ما يرام؟!" يمسك كفّْ ذو الأصابع الباردة "جدّي أتسمعني؟"
كان رأس الجد موجهاً للأمام،، وإلى الأمام فقط..
ولم يلتفت نحو إياد حتى عندما وجّه إليه الكلام هامساً بنبرة واهنة "إسترح أنت أيضاً.. قبل أن تصاب بالشلل.. إذهب وأغمض عينيك طويلاً يا إياد فنحن بحاجة إلى صمودك..
ولنسأل الله السلامة لعائلتنا..
آمين"
تمتم الجميع "آمين"
حينها ترك إياد يد جده وأصابعه.. وشعر بكاهله قد ثقُل أكثر فالكل يعتمد عليه وهو فارغ اليدين،، موقنٌ بأن الله وحده هو القادر على صرف ذاك الشيء الأسود عنهم..
فحاول جاهداً تقويس شفتيه نحو الأعلى ليصنع ابتسامة مواساة لكنه فشل فشلاً ذريعاً وفضح فشله عجزاً في ملامحه فاستحالت بائسة..
ثم انصرف عنهم بصمت،، يصعد فوق والإطمئنان على زوجته..
وكان الدور الثاني به نشاط حركة بسيط استشعره هو قبل وصوله الدرجة الأخيرة.. ولكن تلك الحركة هدأت مع اقترابه من غرفته..
هذه المرة.. لم يقتحم إياد غرفته بشكلٍ مفاجئ كعادته؛ فإيليسا خفيفة النوم ساكنة في مضجعهما،، وكأنها أطلقت روحها بين سحب الليل بعيداً عن فوضى الواقع وما جرى تلك الليلة من قسوة كسرت داخلها..
يطأ صلابة الأرض وبرودتها بجواربه،، ويسير كما لو كان لِصَّاً،، فتلقاه عينا إيميليا كالبوم مفتوحة،، تبدو أفرطت في شرب قهوتها لكي لا ينتزعها النوم من واقعها فتغفل عن واجبها،، وجلس بقربها آدم في سكونٍ تام على السجاد قربها..
بوجهٍ ساخط لقيت إيملي إياد توقفه قبل أن يقرب سريره "لقد نامت" مشيرة برأسها على سريره الذي افترشته إيليسا بجسدها وتموجت فوقها البطانية لتغطِّي مفاتنها البارزة من ثياب النوم القصيرة..
وأيّ مفاتن وقت افتعل شيطانه فيها خطوطاً غائرة وكدماتٍ عنيفة!!
ألقى إياد نظرة،، هوا قلبه وشعر بأسى شديد عليها،، فكأنه تذكَّر للتو حضورها اليوم من المطار إذ لم تنم أو تسترح أو تأكل،، فقط.. تعرضت لعنف شديد أفقدها وعيها..
لكن كان لا بد من هذا العنف..
وجودها هو من جعله بائساً بهذه الحال على خلاف سابق عهده،، وهي.. يجب أن تدرك أنها،، فعلت حماقة عظيمة لن تُغفرَ لها إن ماتت أو مات أحد على إثرها..
سحب هواءً إلى رئتيه أثناء اقترابه من السرير..
"هل دهنتي جروحها،، إيملي؟"
أجابته بازدراء "أجل فعلت،، أرجو أن تلقي نظرة على ما فعلته يداك في جسدها أيها الحقير..
لقد كنت أرتجف وأنا--"
"صه" واضعاً سبابته أمام شفته "لا تنقصني مسباتك إيميليا.. أعرف أنكِ مناهضة لحقوق المرأة لكن هذا بدافع عجزي عن حمايتها.. عجزي الذي أقحمتني هي فيه.. فلم أعد قادراً على حمايتكم أنتم بسببها"
قامت إيميليا واقفةً تهم بالرحيل من شدة السخط.. لكن إياد أوقفها.. وطلب منها المكوث وآدم بضع دقائق بعد...
وبعد طلبه ذاك صعد بركبتيه على السرير وكشف بهدوء ظهر إيليسا..
ولم يستطع إخفاء الأسى المنبثق من عينيه على ظهرٍ امتلأ بألوان كدمات وآثار أشبه بالسوط قد انهال عليها وشوّه ظهرها!!..
ثم أراد أن ينزل من الأمام من ثياها ما يمكنه من رؤية الباقي،، فتأرقت وتحرّكت.. وشرعت بفتح عينيها فمطّ شفتيه باستقامة أشبه بابتسامة ،، ثم عادت هي للنوم غير مبالية به..
فتراجع بركبتيه حتّى حافة الفراش،، ونزل..
إذ ترقبه عينا إيمي وإيليوت معاً يقترب منهم،، بثباتٍ يخفي دقَّات قلبه التي ترجوه أن تدعه وتهرب من هنا..
أضواء الغرفة،، مضباحيْ زينة أصفرين متباعدين يضيفان تأثيراً على وجوه ثلاثتهم كلهيب نيرانٍ أصفر يمسُّ بعض ملامحهم ويترك الأخرى ليبتلعها الظلام..
يجلس إياد على كرسٍّي بلاستيكي ينظر إليهما وخاطرة ترن داخله..
^كان ثلاثة..
ثم اثنان..
وهذه الجملة التي سأقولها،، هي بمثابة واحد ،، ولتبدأ الحرب الحقيقية..^
وبعد تحديقة طويلة في وجهيهما..
ألقى على مسامعهم خطابه الذي دعاه،، بالخطاب الأخير..
وكم أثار ذلك في نفس إيمي رهبة خوفٍ أن.. يكون الخطاب الأخير بالفعل،، لكنه يعي ما يقوله ويعنيه..
يخفض نبرته "... أعلم أنّ أقوالنا بدت شبه متضاربة في الإجتماع يا آدم،، لكن كان لا بد من خطابٍ يوهمهم بغفلتنا،، وما كان عليك إدلاء دلوك.."
صمت آدم وأطمل مضغ شيءٍ كالعلكة بين ضروسه.. بنظرة توحي بعدم الفهم أو عدم الموافقة لكنه آثر الصمت فهو يعلم أن إياد قد انتهى ..
شهق إياد شهقة طويلة ثم أتبعها بانحناء ظهره ليقابل وجه آدم ثم يلتفت لإيملي.. بهمسٍ منخفض "وبسبب ما أدلاه آدم في الإجتماع..
شقيقكْ الصغير،، أصبح بفعلته..
الهدف التالي ."
انتفضت جوارح إيملي بشدة بينما رفع آدم حاجبيه بتعجِّب شدييد!!
فأضاف إياد جملته الأخيرة "لذا إيملي..
يجب عليكيِ ألّا تفارقي شقيقك لحظة واحدة فأنتي قابلتي السفّاح وتعرفين،، أنَّ ثانيةً من الغفلة،، ستودي بروح شقيقك هذا الذي تعشقين"
ابتسم آدم رافعاً حاجبيه أكثر حتى ارتسمت على جبهته خطوط مجعّدة "ماذا!!"
أومأت إيملي "مفهوم.. دع الأمر لي"
"يمكنكما الذهاب الآن،، وشطراً على ما فعلتماه لإيليسا"
وقف آدم ينفض ثيابه "هذا واجبنا.. هيا بنا إيمي"
حينها غادرا الغرفة معاً..
يجتاز آدم وإيملي الردهة متجوران في المشية..
"أنت متهور وعنيد،، يا الله أنا لم أجد في عنادك مخلوقاً أنت كصخرة في شلال..
أخبرتك مراراً عن.."
"جميعنا مستهدفون انتِ فقط المحظوظة فهو واقعٌ في حبك"
دخلا معاً غرفة آدم وأشعلا الضوء..
"في حبّي؟"
ابتسم آدم "أجل السفاح واقعٌ في حبك أو أنكِ تكذبين بينما هو بالفعل حاول قتلك"
"اخرس" تعطيه ظهرها "سأذهب لإحضار أغراض نومي لأبيت هنا"
وفور رحيلها،، التفت إلى المسمار الذي دقّه في الحائط،، وخلع سلسال صليبه الذي يطوق عنقه،، ثم رفع سلساله ببطء ليعلّقه..
فشعر حينها بأحدهم يقف خلفه عند عتبة الباب..
التفت سريعاً!!
"لا تفزع إنه أنا،، إياد"
"أهاا" ويعود لتعليق صليبه..
فيدخل إياد إلى منتصف الغرفة "أتعلم آدم"
يبتسم "أكثر ما يعجبني فيك هو.."
يكمل آدم تعليق صليبه..
"هو -بغيظ- تبجحك.."
إلتفت آدم نحو خزانة الملابس متجاهلاً إياه،، يخلع ثيابه..
فضحك إياد بنبرة منخفضة ساخراً "فأنا لم..
لم..
أشهد...
شخصاً ... ببجاحتك طوال عمري" ثم ابتسم ابتسامة جانبية "أرجو أن...
تكون.. مفاجأة وضعك تحت عينيْ شقيقتك قد أسرّتك ها؟! -بنبرة تحذير رافعاً حاجبيه- ولو جال في فكرك الحيوانيْ النتن،،
إلحاق الأذى بإيليسا (أو) الجد..
فاعلم أنني،،
وحتّى هذه اللحظة..
أضعك ... ت ح ت رحمتييي.. أنا "
فتح آدم الخزانة وابتسم حتى بدت نواجذه..
ثم التفت إليه ببطء..
تبرز حدود عينيه الحمراء من شدة انبثاقهما..
عينان تعجّان بأيادٍ لشياطينَ محبوسة بالداخل تحاول الخروج من جحيم المشتعل...
وضحكة بأسنان اتسعت أكثر بنهم على وجهه النحيل،، فأظهرت نابين من معدنٍ مدببين..
شرِه..
وجه شيطان..
بين أسنانه خيوط لعابٍ تماماً كمفترس!!
يسخِّرُ طبقةً مبحوحة في نبرته،، شديدة الحدّية مختلطة بفحيح أفعى،،
ليلفظ جملته الأولى (كسفّاح)..
"ماتراه.. لا ما تسمعه"
ثم يكشف له عن ساعديه المعروقين..
"شكراً لك ،، إياد"
_________________________
-يتبع-
🎵Omri - Demons
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top