《 Carry me home 》

- صوت المطر -

ليالي الشتاء ،، كالهالات السوداء تحت عيون الزمن

كل عامٍ يمر هنا يزيدُ سوءاً ،، كل لحظة جديدة تثقل عن سابقتها، كثقل قطرات المطر هاطلة ،، ترتد على أسطح البنايات كالرصاص الحي ،، تنقر وتنقر ...

لطالما كره الشتاء ..
وكم أرهقه طول ذلك العمساس الأسود القبيح ،، لا راحة يلتمسها فيه ولا نوم له في كفنه الخانق .. تراه سامداً يأبى الخلود إلى أحضان فراشه الناعم كثير الوسائد ...

سريره الذي يراه مرتع الهلاوس ومستقرَّ الهمهات ... فلا يضع رأسه على وسادته ،، حتى يتراءى له ذلك اليوم أمام ناظريه مجدداً ...

ذلك اليوم الذي قد مضى عليه من الوقت سنوات عدة ،، لكنه يعود كل يوم .. ليظهر جلياً بأحداثه ،، الدقيق منها والكبير.

فها هو صاحبنا يكتفي بالجلوس على مضجعه ،، تنظر حدقاته المنخفضة إلى ركبتيه في قلب العتمة ... يتهيأ للناظر أنه يصلي!!

لكنه يصارع تلك الذكرى والوساوس أن تأتي؛ فتصيبه بتلك الحالة من التشتت والعذاب النفسي ...

يُحكم قبضته قدر ما أمكن ،، وصفيرٌ يخرق أذنيه؛ قد فاق صوت الرعد في الخارج علواً ..

تتبعه الهمسات ...

وتتصارع فيما بينها ...
ذات صوت واحد وعلو متفاوت .. همسات تأمر وتنهى ،، تصرخ وتضحك ،، تتحدث إليه وتتحدث عنه ... إنها شياطينه قد عادت تتلاعب في عقله.

تكثر الأصوات وتتزاحم حوله ،، قادمة من كل اتجاه وصادرة من عقلة ،، وتشتعل في عينيه ألوان وأشكال متراقصة من ذلك البنفسجي والأصفر دوامات ... وكذلك الأحمر !!!

يكاد يجزم عقله المريض ،، أنه ليس وحيداً في غرفته ..

وهو كذلك ..
فلقد تشتت وتهشم إلى قطع وأجزاء في ذاك اليوم البائس ،،

مجدداً ...

يومٌ أحدث في عقله الباطن ^شرخاً^ أسود أطلق شياطينه إلى أنظاره ووساوسهم إلى أسماعه ...

أغمض جفنه لوهلة ،، بتركيز ...

تنفس الشهيق والزفير ...

وها هو يعيد فتح عينيه؛ لتختفي في لحظة كل تلك الهلوسات ،، المرئي منها والمسموع ...

أخذ شهقة كما لو أنه خرج للتو من قاع المحيط السحيق ... أو كأنما اُنتزعت روحه من مكانها وألقيت بعيداً !!

^ لقد اختفت ^

الأصوات .. والألوان ...
وعادت العتمة تحكم سواد المكان ،، وصوت المطر يملأ الصمت ...

عاد الواقع السرابيْ ذو الأوجه

نظر إلى كفه الكبير ذي الخطوط الغائرة ..

برق البرق يلتقط له الصور .. جالساً على سريره كما هو ،، يتحرك الهواء حوله وهو جامد ،، كالصنم ...

لكن ذكرى ذلك اليوم تأبى تركه ..

إنها تعود ،، وهذه المرة تعود بقوة كلما اشتد هطول المطر ...

إنها تناطحه ،، إنها ملتصقة في وحدته لا مهرب منها ،، ولا جدوى من محاولة تلاشيها ..

آن له أن يعترف أنها جزء منه .

يظهر أمام نفسه كما كان ،، طفلاً في السادسة أقصر ممن في عمره .. هزيلٌ بعض الشيء ،، تشع عيناه بألوان الحياةً .. ويبتسم ،، فيظهر فراغ سنَّتِه الأمامية حديثة السقوط ..

يقفز على سلم البناية .. يعدُّ الدرجات بصوتٍ عالٍ ،، ممسكاً كرته .. وحذاءه الأزرق الجديد الذي ابتاعه له والده قبل رحيله إلى البلد الآخر ...

كم تشبث به وأحبه ...
^ إنه الأزرق ،، لونه المفضل ^

" إلى أين أيها الصغير ؟!"

صوتٌ .. ظهر له من مدخل شقة أحد الجيران في الدور الثالث ...

رفع رأسه ليرى شاباً مبتسماً له ،، ذو ملامح مائية بلا طعم حلوٍ أو مالح ،، وجهه كأرض جرداء لا معْلمَ جلياً يذكره سوى تلك الشامة التي اتخذت مكاناً قرب خده الأيمن ..

أجابه ومخارج حروفه سوية متوازنة ..

" ذاهبٌ إلى الملعب "

" أنت تسكن فوق أيها الصبي؟ "

" أجل ... سيدي "

" اووه يالك من لبق حقاً أيها الطفل"

" شكراً لك سيدي على الرحب والسعة ... "

إلتفت الطفل ينوي الذهاب ،، لكنه تذكر شيئاً ..
فقاله هامساً ..

" هل يمكنك أن تخبر أمي بذلك لكي تكافئني ؟ "

" أخبرها ماذا ؟ "

" أنني كنت لبقاً معك أيها الجار الطيب ؟ "

انخفض الجار جاثياً على ركبتيه يضحك فقد استهواه الطفل ... وأمسك بيده الصغيرة ،، وكم كانت صغيرة ... ينظر إلى عينيه ووجهه الضحوك البريء ...

" أتساعدني في شيءٍ أولاً ؟ "

" ماذا ؟ "

" هل أنت قويٌ كفاية ؟ "

نظر الطفل بغرور إلى الشاب

" أنا مليء بالعضلات أمي تقول ذلك ... لقد كانت هناك حقيبة ثقيييلة جداً جداً ... حتى والدي لم يستطع حملها لكنني حملتا ب بي ... " رفع سبابته .." بإصبع واحد "

" أوووه يالك من قوي ،، هذا رائع "
قالها الشاب وهو يصفق بابتذال ...
" أحسنت "

شعر كطفلٍ بالإطراء والحماسة وابتسم له ...

بثقة قال الشاب ..

" سأكافئك إن ساعادتني "

ثم نهض ذاك الشاب ...
لقد بدا طويلاً جداً أكثر من البداية ،، وأشار بيده إلى شقته ...

أصوات الهمس مجدداً تعود ...
وتعلو ... وكأنها تحاول أن تحيل بينه وبين تلك الذكرى ...

إنه يرى نفسه أمامه بوضوح كالشمس ..

يخلع حذاءه بأدب أمام الباب ،، فيلتقطه ذاك الغريب مبتسماً ،، ويدخله ...

وها هو يتذكر ،، صرير الباب ..

الصرير ...

لقد كان عالياً جداً وهو يغلقه ..
إنه يسمعه في غرفته الآن عالياً بصداه يخترق سمعه ...

ذاك الباب الخشبي العتيق المدهون بالبياض ... يراه ويتذكر مقبضه المعدني باهت اللون ...

^ لما دخلت؟ ^

شعر فجأة بصدمة كهربائية في كل جسده عندما تذكر ما حدث بعد اغلاق الباب ... لقد نزف الشرخ الأسود داخله ...

مجدداً ..

قبض على يديه أكثر وصكَّ أسنانه بقوة وهو يسمع أصواتهم في ذاكرته ... وأصوات الألم ،، والتوسل ... وصوت صمته كطفل قليل الحيلة ،، يُفعل به ما يُفعل ..

كانوا كثر ...
ربما خمسة ...

وكانت هناك ،، فتاة ثملة و -

زمجر الرعد ليفيقه من تلك الذكرى المفجعة ،، و عاد يرى حائط غرفته الفارغ وحيد اللون ،، والنافذة عن يمينه ... قد خفَّ المطر تاركاً قطراته وظل نبتته ..

ألم الذكرى يمزقه ،، يثقله ويبث السمَّ في أحشاءه ..

همسة قرب أذنه ...
^ لم يكن عليك الدخول ^

عادت تعلو وتعلو وتتكرر في عقله ... وتتصادم الأصوات بعضها ببعض وتتسارع ... تكاد تصمُّ أذنيه همس لا يتوقف عن لومه أو الدفاع عنه أو الحديث عن حالة الطقس ...

" بسرعة ... "

علت تلك الكلمة ... لكنها لم تكن احدى الهمسات ...
علت و خضعت الهمسات لها ... ورأت عيناه قائل تلك الجملة ..

في نفس ذلك اليوم ..

في الزقاق ... عندما حاولوا التخلص منه ،، بعد أن فعلوا به ما فعلوا ،، في العتمة ألقوه في أحد الأزقة القذرة الفارغة ،، وألقو معه حذاءه الرياضي ...

الأزرق ..

وكل ما يخصه ويدل عليه ..

كانا اثنان ،، يتجادلان كيف سيتخلصان من عارِ ما ارتكبوا ... بتوتر ،، وخوف من الفضيحة يتحدثون تتذبذب كلماتهم بين الندم والقسوة ..

لقد تمادوا وتجاوزوا الحد فيما فعلوا بطفلٍ في السادسة .. قد كان يرى الحياة أمامه طويلة عريضة ،، حلوة ومليئة بالأعياد ..

لقد قتلوا روحه ألف مرة ،، وتعذروا بالسُّكْر !!

خد الطفل الأيمن ملتصق بطينة الأرض ... يسيل من طرف فمه بعض الدم ... وجسده مليء ببقع من الكدمات ،، حمراء وبنفسجية ..

لا يشعر بجسده ...

أين كرتك الجديدة؟ ...

هل ستوبخك أمك؟!!
ها هو حذائك هناك ... على الأرض
ستأخذه وستعود إلى المنزل ...

هيا ..

هيا قف ..

هذا ما كان يهمس به عقل الطفل متناسياً عباراتهم ...

" أحضر تلك المادة ،، ستكون فعالة "
" لا من الأفضل أن .. ندفن جثته على أحد جوانب الطريق السريع "

" هل أنت أحمق؟! "
" أرأيتَ ما فعلنا به ؟ إنه يموتُ على أية حال "

إنهما يتهامسان بانفعال ... و بدأ وعيه يغيب، فيغيب همسهما ويتلاشى قبل أن يصل إلى مسامعه ... ثم تهتز الرؤية و أقدامهم تقترب منه ،، ملقى على الأرض بلا حيلة يحتالها ...

سيلفظ أنفاسه الأخيرة .. وروحه الطاهرة ستستريح ..

وسترتفع ..

والدوار سينتهي.

إنه يعدُ نفسه ..
أن يعود إلى حضن أمه ورائحة الكعك في المطبخ ..

وأغانيها ...

يديها الناعمتين وهي تمشط شعره وتغلق له الأزرة ...

وقبلاتها التي تملأه بالثقة ..

أجل ..
يتمنى .. وحدقتاه متوقفتان ورأسه ينزف ،،

وهما ينحنيان لحمله ...

ولكن نداءً ذو صدى في جوف الظلام ...

" هاي أنتما ... ماذا تفعلان هنا ؟!!! "

صوت رجل ظهر من خلفهما ... فجأة ،، فزلزل جسدهما فزعاً ... وبسرعة غطيا وجهيهما هاربين.

... وتاركين ذلك الجسد الصغير عند أحد الحاويات المعدنية الداكنة ذات الرائحة النتنة ،، على الأسفلت البارد ..

فتح الطفل عينيه مجدداً ببطء ...
هناك قطرات من المطر ... بدأت تسقط قطرة فقطرة،، وتبلل حذاه المبعثر هناك ...

^ لا^
سيهتريء ويمتلىء بالطين ..

جسده محطم قد غادرته القوى ... فعافته كتلة لا تتحرك فيه سوا العينين ببطء ترجوان الشفقة ...

^ احملني إلى المنزل ^

وبين سواد الليل ،، والأرض ،، وقطرات الرحمة ... يرى بما تبقى من قوته وعقله ...

شخصاً يقترب ... قد غاب صوت خطواته رغم رؤيته لها ...

في خلد الطفل همس فؤاده ..

^حملني إلى المنزل!!^

يرى الرجل يتقدم ببطء مرتبكاً ..
يتوقف أمام جسده الفاني ..

قد جمدته صدمة ما يراه ...

" يا إله السماء !!! "

°|■|■|■|■|■|■|■|■|■|■|■|■|■|°

يتبع ..







Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top