BRH | (2) أسود وملتهب
قوانينُ الواقع ما هي إلّا متاهةٌ ضيقة جدرانها وهم . وبدل أن تبحث عن مخرج، يمكنك ببساطة خرق تلك الجدران ..
القوانينُ الإلهية تمنح كلّ مخلوقٍ حريته في كيفيةِ خلقِ اختياراته .. لكن البشر هم من يخنقون تلك الحريات لأجل لا شيء ..
لأجل أن يخبروك أن الحياة صعبة، والنجاح مستحيل ..
لكي .. أن يثبتوا لكَ عجزك ..
لأن يقَيِّدو جناحيْ نسركَ الجامح وربما ليكسروهما أيضاً ..
يفعلونَ بكَ ذلك لأنهم بائسون ، ويرونكَ بائساً كما هم ..
ذلك البؤس ، إبليس الذي تحركهم يداه .. يمكنك اشتمامُ رائحةِ يأسه من دخول الجنة في كلّ مكان ..
سترى بؤسه على وجوه البشر وأعينهم ..
لقد تحولوا لعبيد ، لأنهم أطلقوا آذانهم وأغلقوا أعينهم .. وجعلوا الرغبةَ في الحياةِ إلههم ..
منذ سنواتٍ عديدة ، تفاقمَ سوادٌ في قلبي حتى كاد يقطع الدم عن أوصالي ..
منذُ سنواتٍ عدَّة مات إياد مراد، وحلّتْ مكانه ... أصواتُ وكراهية لهذا العالم القذر وحيواناته الآدمية وقواعده الفارغة بدئاً من الرقمِ القومي، مروراً بالتقاليد وانتهاءً بحدودِ بلدانِ العالم المتفرقة ..
كم هو ضيّق ، كالغرفِ الموصدة ..
منصاتُ مراقبة في كلِّ مكان ..
لكنني خُلِقتُ حرّاً .
لن يوقفني سواي ، هذه إرادة الله في كلِّ مخلوق .
أنا تلكَ الموجةُ القادمة .. معاكسة لكلِّ قانون، لكلِّ مألوفٍ وتقليديْ ...
موجةٌ تحملُ لهيباً وثليجاً ودماً ، وقبلَ الإحياءِ فالفناءُ موجوبٌ حتّى على أؤلئك الذين يبدو أنهم لا يستحقون الموت ، الكثيرُ يستحقونه ..
أولئك الذين يحييون من أجلِ الحياة ..
العبيد ..
جامعوا المال محبوا الشهوات والبائسون ..
فليكونوا أحجارَ نردٍ ودومينو على رقعةِ لعبي التي وسعت العالم وهم لم يدركوا وجودها بعدُ في منازلهم .
_____________________________
ذلكَ المساءُ الذي اشتعلت فيه النيران كان طلقة بداية النهاية وانكشاف الغايات ..
هناكَ على جانب الشارع ، ورغم سرعة حدوث اصطدام سيارة الجد وانفجارها العنيف إلّا أنّ المنزلَ يحترق ... ببطء .
سيكونُ الدوخانُ على رئتيكَ ثقيلاً تزنهُ ذرّةً بِذرّة .. يزيدُ ويزيد ..
ولمَ لا؟! فهو احتراقُ الخشبِ حتى التفحّم ،، نسيجِ السجادِ حتى التفتت والبلاستيك حتى الذوبان ..
تماماً كما سيحدث لجسد السيد حسن الذي يدحرجه إياد نحوَ الجحيمِ المشتعل في أحدِ أركانِ المكان .. هناك قرب غرفةٍ .
يضرب بقدمه الجسد ركلاً تارةً في ظهره وأخرى في وجهه .. المهم أن تتدحرج جثته إلى جحيمه بعيداً عن طريقه ، فهذا خطأُ تامر على أيةِ حال ..
تامر؟!!
أجل ..
لقد فضحَ شخصَ آدم أمامَ مسؤولٍ في الدولة وهل من جرمٍ أكبرَ من هذا؟!
وها هيَ آخرُ ركلة نحوَ كومةِ ألسنة اللهب .. بعدَ أن نَفَذت الرصاصات في جسده وامتلأ وجهه بكدماتِ وجروحِ الركل ..
يوضعُ في أحضانِ النار،، وإياد بعينِه الواحدةِ السليمة يرقبُ اللهيب ياكلُ سترةَ حسن ووجهه .. يرقصُ في حدقةِ إياد سروراً بهذا القربانِ العظيم ، إذ حرارته الحمراء مصفرّةٌ تفترشُ ذاتها على وجهِه الحقيقيْ .. الكريه، العابس .. الذي ترى بينَ طيّاتِه سواداً لقلبٍ تلّفه الأفاعي فيضخُّ سمّاً سميكاً قاني لا دماً آدميّاً يحملُ إنسانية ..
الشيطان، هل هناكَ مخلوقٌ أكثرُ كراهيةً للعالم منه؟
إن كان هناك .. فحريٌّ تسميته إياد مراد .
عبوس ..
شفتان منحنيات للأسفلِ بعضَ الشيء .. ورأسٌ يشمخُ أنفه بعلوٍّ كنسرهِ، فترى الغضب يفترشُ أجنحته يظلّ قطعاً من وجهِه ..
يدخِلُ مسدسه داخل معطفه الأسودِ الطويل إلى ما بعدَ ركبتيه بقليل ..
ويخرجُ هاتفه،، يجري اتصالاً ما ..
وعلى وقعِ صفارةِ الإنتظارِ إندماجٌ مع ما يحيطه من خرابٍ ورماد، الأجواءُ الحمراء السوداء برتقالية، دوخانٌ واختناق وانتظارُ رد في سنفونيةِ فوضى باردة ..
صوتٌ ما غليظٌ من الهاتف يصدر ..
".. ننتظركَ بالأسفل"
اخفضَ صوته "جيد ،، قيصر .. هل جهّزت ما اتفقنا عليه؟"
"لم يفُتني شيء،، والقناصون على الأسطح في تأهبٍ تام لظهوره ..." ثمّ تابعَ بتعجّب "لكننا لم نره حتى اللحظة!!"
"اَخرجوا أفراد عائلتي جميعاً وخذوهم بعيداً .. أعلنوا صفّارةَ حظر التجوالِ في المدينة لمن تهمه حياته" ينظرُ لساعة معصمه "أمامي بضع دقائق وأخرج"
"هل أنتَ متأكد أنه سيظهرُ مع خروجك؟! وهل من الضروري أن نفعل م--"
"ثق بي يا قيصر، يجب أن تكون الخسائر هذه المرة شبه منعدمة ... والآن فلنسرع"
"حسناً أيها العبقري ..
فلنرى ما نهايةُ هذه المهزلة"
-صفارة انهاء المكالمة-
أدخلَ هاتفه، واقترب قليلاً من جثةِ حسن .
جثى على ركبةٍ واحدة أمامَ رماده لثوان ..
^شكراً لموتكَ الآن ..^ يبتسم بينما يضبطُ ساعته الذكية
^ .. على ٦ دقائق لتنفجرَ الرصاصاتُ الثمانية في جسدك فيختفي أثرها تماماً ..
لقد كنتَ هدفَ القاتلِ منذُ البداية،، هذا ما سيقولونه .. مؤامرة خارجية على أحدِ مسؤولي الدولة الصاعدين،، هذا ما جئتُ لأجلِ إثباته أو أنّ القدَرَ فعل ربما .. أنتَ مظلّتي العملاقة الآن ..
فليرحمكَ الرب على أيةِ حال ^
يقفُ متنهّداً يهندمُ قميصه على صوتِ إنذار حظر التجوالِ في المدينة والتي بدت كأبواقِ الحربِ تهزُّ أركانَ بيوتِ عمّان وقلوبِ ساكنيها ..
^هكذا يحدث عندما يغضبُ آدم ..
أستطيعُ الشعور بأعصابه تنتشرُ في جسده شجريةً بتلكَ السرعةِ المهيبة وبعروقه تبرزُ كعينيه شديدةً كصكّةِ أسنانه المعدنية ..
لتفزع المدينة ..
ولتنطلق أبواقُ الحرب فهذا أقلُّ ما يجب أن يحدث ..^
_______________________
في القبو حيثّ الظلامُ دامسٌ وأنصافُ النوافذِ المغلقةِ تسرقُ خيوطاً من بوادر الشروق الضعيفِ فتسقِطه بكللٍ على بعضِ الجمادات ...
أصواتُ المطافئ المزعجةِ باتت تثير اطمئنانَ قلوبهم ،، ينتظرون سماعها لكنها، بعيدةٌ تعجزُ الوصول إذ أنّ الخوفَ قد حاصرَ جدران المنزلِ فلا يعلمُ أحدهم متى سيلقى القاتل وأنصاله !!
ومع أبطأ شروقٍ ضعيفٍ شهدوه ، عند نقطة ولادة للضوء على وشك الإجهاض ، في عمّان ..
شمسٌ تشرق من نوعٍ آخر .. في ذلكَ الحيِّ مع إعلانِ صفاراتِ الحظر ..
القلوبُ تلكمُ الأضلاع ..
ذلك الباب العملاق الحديدي هناك على اليمين موصدٌ من الداخل بسلاسلَ سميكةٍ وقفلٍ بحجمِ قبضةِ رجلٍ بالغ ، أشبه ببابِ مستودعٍ كبير لم يتم فتحه من سنوات ولكنه الآن أصبحَ مخرجهم الوحيد !!
لا دوخانَ كثيفاً في القبوِ بعد ولكن تستنشقُ إيميليا خوفها دوخاناً وتغرفه بالأطنان معبّةً به آفاقها الضيقة .. ترقبُ ما يحيطُ بهم مستذكرةً ذلك الحُلُمَ يومها ..
الدوخان الأسود ..
دمارُ المدينة ..
تشعرُ بالصفيرِ والصداع ،، تقبضُ على مسدسها في جيبها بخوف .. لقد نفذت مدّخراتُ اليقينِ والأمل ..
يبدو الأمرُ أكبر من مجرّدِ قاتلٍ بل إنها منظّمة ..
أجل يا عزيزتي إيمليا، منظّمةٌ بلا اسم أعضاؤها أنتم ولا تعرفُون أنكم عملتم معاً بتناغم فائق أوصلكم إلى هنا .. قائدها فقط يعرف كونها منظمة .. يعرفُ كيفَ يرسمُ نقاطاً لتسيروا عليها كالقطيع ..
كلكم جزءٌ منها .
تصرفاتكم لم تعد تحتَ تصرفكم وأفكاركم محتبسةُ الآفاق ..
تنظرُ إيملي بأسى إلى أفرادِ عائلتها بلا حيلةٍ يتملّكهم الرعب ،، إلى والدتها تحتضنُ شقيقتها ..
ومصابةٌ والدةُ إياد بهستيريا صراخٍ لا تعرف سوى اسمِ ابنها إياد لتردده .. تتخلى ساقيها عن حملها،، ومحمد مطبقاً أسنانه بألَمٍ فهو يعرف ،، بل كلّ ما يعرفه أن هذه الحرب محاولةُ انتقامٍ من شقيقه وما أكثرَ أعدائه !!
آثروا الصمت .. تماماً كأيمن الذي لعنَ يومَ مولده وعجزَ عن مواساةِ أخته ..
ما عساهم يقولون؟ والمنزلُ في الأعلى وكأنه يحرقُ ذاته وابنها فوق، بعينٍ واحدة وذراعٍ واحدة فانّا له النجاة؟!
"لا بأس" همس بها مروان ، بابتسامةٍ هادئة .. يتجرأ لمرتهِ الأولى ممسكاً يدَ مي التي كتَّمت الصدمةُ فمها .. وأماتت مشاعرها فتجمدت ملامحها ..
أكمل يليّنُ صوته "من السهلِ على والدكِ النجاة . مي ، إنه مدرّب على أصعبَ من هذا، إنه ذو رتبةٍ مرموقةٍ في الجيش !!" بتوتّر "كما أنّ المنزلَ كثيرُ النوافذ بالأعلى!!"
أومأت بشرودٍ ^أجل^
فيستحيلُ أن تفقدَ كِلا والديها مرةً واحدة فاللهُ ليسَ بِقاسٍ ..
لا يزالُ بداخلها فُتاتٌ من أملٍ أنّ والدتها حيّةٌ في مكانٍ ما . وأنّ والدها ، ذلكَ القويْ ذو الشأن .. سيخرجُ سالماً مرفوعَ الرأسِ والقامةِ كما دخل ..
رغمَ أنّ انفجاراً آخر بالأعلى باغتها صادراً عن رصاصاتِ إياد في جسد والدها المحترق .. لا يزالُ الأمل يكذب كعادته في أذنها هامساً أنّ كلَّ شيءٍ على ما يرام ..
السيد مراد يحتضنُ طفلته فريال ، وينظرُ عن يمينه لزوجةِ إياد تحمل كلبها فيلكس في طيّةِ ذراعها .. ترتمي عليها بعضُ الأضواء فيبدو له وجهها ... تعلوهُ نظرةٌ طفوليةٌ نحوَ الأعلى وكأنها غيرُ واعية لما يحدث !!
ليس هذا جديراً بإيقافِ زوجها ، هي لا تقلقُ بشأنه لكن -
تقتربُ ببطءٍ من إيملي وتُفزِعُها بطرقةٍ خفيفة على ساعديها المعقوديْن ..
تلتفتُ إليها إيميلي "ماذا؟"
تشيرُ برأسها للأعلى "هناك" بنظرةٍ بريئة "لقد حوصرَ المدخلُ والمخرجانِ هذا وهذا بالنيران!!"
قالتها بتلكَ النبرةِ الخافتة لكنَ صخب الخبرِ جعلَ مراد بدركُ شيئاً بتلكَ المرأة ...
ارتعدت إيملي من كلامهما فلفتهم ذلك،، تذهبُ باتجاهِ السلّمِ نحوَ مدخل السيارات الأكبر حيثُ الباب موصد لكنّ وكما تقولُ ألِس .. لقد حوصروا بالفعل!!
فبإمكانِ إيملي سماع النيرانِ على الجانبِ الآخر والرجال يحاولون الدخول ،، ماذا عن المخرجِ الآخر؟!
سيموتُ أحدهم بالتأكيد إن حاولوا الخروج .
القاتلُ في الخارج .. أجل كما أنّ الحديقةَ بأكملها تشتعل !!
كان السيدٌ مراد كعادته بارداً،، لا يذيبُ برودهُ حريقٌ ولا يدفِئُه لهيب .. يعلمُ يقيناً بالله أنهم ناجونَ ..
كيف يعلم؟
احتضن طفلته هامساً بابتسامة "حبيبتي ،، إننا في عينِ الله"
أثارَ ذلكَ دموعها فبكت قائلةً "ماذا عن إياد؟ أبي" ناظرةً له "هل سيموت؟"
ابتسم لها ابتسامةً جميلةً حنوناً كعادته قائلاً "أرجو ذلك يا عزيزتي"
أصيبت فريال بالتشوّش ،، ربما أخطأ والدها سماعَ تساؤلها أو ربما .. أخطأت هيَ سماعه لكن أياً منهما لم يُخطئ ..
لقد أرادها من كلّ قلبه ..
أن يموتَ ابنه ميتةً شنعاء ، وأن لا يكونَ هوَ متسبباً فيها .. فهو يفضّل كونه علَمَ الغفلة وسيد المغفلين أو رائد المتفرجين ورمز العاجزين .. لن يُدخلَ إصبعه في أمرٍ بل سيشاهد حتى كلمةِ النهاية ..
بصمت .
وبدون ارتباك . . .
يستذكرُ ببطءٍ وبينما يرى إيملي وأيمن في محاولةِ إيجادِ مخرج،، تلك الحقائق .. كيف إجتاحَ إياد أملاكَ عائلتهم في مصر ،، آن لجوئهم من وطننهم الحزين ..
لقد أحاط بهم فقرٌ والتفتْ حولهم الأزمات وكادو يسقطون لولا دعم إياد الماديْ العظيم،، الذي جعلَ عائلةً بأكثر من أربيعين حفيداً يعيشونَ رغدَ الحياةِ وينالون من الترفِ مالا يناله أهلُ البلد وقاطنوه ..
شيوخُ العائلة والجميعُ أصبحَوا مدينينَ له .. حتى بشبابهم .
أجل ..
ذلك اليوم الذي أدخلَ في عقول الشبابِ فكرةَ السفرِ معه للولاياتِ المتحدة من أجلِ العمل والحياة .. قال سيضمنُ لهم أعمالاً جيدة تصنعُ لهم مستقبلاً ..
أو ربما كفئرانِ تجارب كما اتضحَ لاحقاً ..
كانو سبعة ..
لم يعد منهم أحد .
ومن يحاول المعرفة من الأهل يمت بطريقةٍ ما ..
طريقةٍ غيرِ منصفةٍ لأيٍّ مخلوق تنسجها صدفٌ مُتقنة ..
هزّ السيد مراد رأسه متناسياً كيف تمّ تحويلُ أبناءِ إخوته عائلته لسلعٍ ولكنّ حريقَ اليوم ذكره بذلكَ الذي أودى بحياةِ أخيه الأكبر حين حامَ حولَ إياد ..
الصمتُ هو ملجأ مراد لأنه ببساطة ..
يستحيلُ إثباتُ شيءٍ على ابنه .
أفاقَ من ذكرياته على حسيسِ شيءٍ مرّ فأكنما عادت بصيرته فرأى النيراد والدوخانَ معاً في ازيادٍ رهيب .. تسعلُ ابنته وتفقدُ زوجتهُ وعيها ..
غطّت إيملي أنفها وفمها وجعلت تحاول بقضيبٍ معدنيّ كسر أحدِ النوافذِ الضيقه في الأعلى بينما يقومُ أيمن بذاتِ الشيء مع تعالي أصواتِ رجالِ الأطفاء ينادون بعضهم بعضاً من داخل المنزل وسياراتهم تصفر مع صفارةِ حظر التجوال ..
تلتفتُ ألِس إلى اليمين فجأة رغم كلّ هذا الصخب فقد استشعرت أمراً جعلها تلتفت بذات السرعة مجدداً للخلف صوبَ أجدِ الجدارن ...
تتدحرجُ حدقتيها إلى اليمين فاليمين أكثر حتى البوابة الحديدة الموصدة ... فيتفاجأ الجميع بضربةٍ قويةٍ جداً من الخارج . .....
تقسم سلاسل البوابة نصفيْن.
--------------------------------------------
في الأعلى ..
إذ صفارات الحظر والخطر، ما من تلفازٍ أو مذياع إلّا وقطعَ البثَّ وأعلن النبأ عاجلاً ..
"لسلامةِ المواطنين ..
لقد تمّ فرضُ حظرِ تجوال في المناطق التالية لإبطالِ عمليّةٍ إرهابية نكرر فلتزموا بيوتكم ..
............
حفظَ الله وطننا وشعبه من كلّ سوء"
حظرُ تجوالٍ لصناعةِ فخٍّ لقاتل ..
لإيقافِ عمليةٍ إرهابية ..
أم لتجربةٍ عملية لمشروعٍ علميْ؟!!
من يدري؟!
واحدٌ فقط يدري ما يجري ..
وصولاً في بضعِ ثوانٍ إلى غرفة المتعة، والتي ما هي سوى غرفةُ عملياتٍ مدرعةٍ لا تقربها نيرانٌ ولا تتسلل إليها نفحات دوخان ..
بحركةٍ سريعة أشبه بإيقاعٍ دقيقٍ متتابع يضعُ إياد معطفه جانباً ويلبس من السوادِ ما يغطيه.. من أحزمةٍ تثبّتُ ذراعه المكسور جيداً فتضمه كجناحٍ مطويْ ..
أسلحته الثقيلة كلّ ما يحتاجه،، مسدسُ الصوتِ مرعبِ الشكلِ ذاته وذلك الشيء ..
أجل الشيء الطويل المثير للفزع،، ماهوَ بمسدس أو قناصة .. بل هو يجمع بينَ المدفعِ والبندقية .. أسودُ ثقيلُ المعدن وهكذا هو الموت على القلوب الفزعة منه ..
يفتحُ صندوقَ طلقاته على مصرعيه تصطفّ فيه الذخيرة، خمسة ... أكبرُ من حجم اليد مختومٌ على قاعها كلمة (03 error)
يحملُ إياد إحدى طلقاتِ هذا السلاح بملئ كفّه يملأ بها خزان سلاحه، والآن يحضرُ حقيبةً قاتمه يمكنه تثبيتها في ساقه بإحكام وملأها ببعضِ الرصاصاتِ حتى انتفخت وأصبح ثقلها ظاهراً ..
سكّينٌ فضّي وحذاءٌ متين ..
وأخيراً هذا ..
ملثّماً ..
برقعةِ عينه يغطيها بلثامه، مثبّتاً على صدره واقي الرصاصِ يشدّه أكثر فأكثر، خوذة الرأس الآن، حتى يبدو من ملابسه هو أحد تلكَ القواتِ الخاصة والخاصةِ جدّاً للتعاملِ مع هذه الكارثة ..
بقيتْ ثلاثُ دقائقَ للخروج من أحد الأبوابِ السرية في غرفةِ المتعة،، نحوَ أحدِ المدرّعاتِ السوداء برفقةِ عشراتٍ من أشباهه بسرعةٍ مدروسة ..
لا وجودَ لآدم أجل لكنّ إيمان إياد أنه يراقبهم موجود وراسخ ..
ومن الأعلى حيث سطحُ المنزل يمكنكَ مشاهدة سياراتِ المطافئ،، وكيفَ يتمّ ترحيلُ أفراد العائلةِ من جهة واختلاط إياد بالمقاتلين من جهةٍ أخرى ..
اللحظة، عندما تقدّم نفسك للموت على طبقٍ من ذهب لأن هذا ببساطة هو عملك ، جسدك الذي وهبته في سبيل الإبقاء على الآخرين ..
تشعر أنه لا مفر من المواجهة فتندفع نحو الهاوية على أمل أن تهوي هيَ فيك قدراً ..
تلك القوات الخاصة معدّة خصيصاً لهذه اللحظة .. ولأمثال آدم .. ليومٍ كاليوم .. ولساعةٍ فجريّة برماديةِ جوّها والضباب ..
في مواجهة غير عادلة بتاتاً ، ليس لأنها بين جيشٍ من المسلحين وقاتل مختل ..
بل لأنه قاتلٍ مختل ضد جيشٍ من المسلحين.
فسرعته .. خفّته ، خطورته وصعوبة رؤيته تفوق كفائة أعدادهم وكأنهم يقاتلون مخلوقاً لا قِبَلَ لهم به ..
لكنّ احتمالية سحقهم له لا تزال كبيرةً.
لذا يمكنك التجوالُ معي هناك ، ورؤية ملامحهم في اللحظات الخاطفة قبل أن يغطوها بسواد أقنعتهم ..
نبرات أصواتهم المرتاحة الجادة ..
خزائن الذخيرة تثبّت في رشاشاتهم ، اتسمع صوت تثبيتها؟ تلك التكتكة تشعل كبريت حماسك الذي لن ينطفئ اليوم !!
علّقوا أسلحتهم على الأكتاف ..
واقي الرصاص المدعّم على أجسادهم قد أوثقوه كما أربطة أحذيتهم السميكة العملاقة ..
إلى مواقعهم انطلقوا هنا وهناك ..
كلٌّ منهم يعرف خطوته ومكانه ، أربعةٌ وستّونَ مجنّد من القواتِ الخاصة تحت قيادة قائدهم المتمرّس ..
هل انتزاعُ روحٍ من جسدٍ يتطلّب كل هذه الأثقال؟
الرصاص ، المعدات والتنظيم؟
الروح ، نفخة الرب ..
أعظم ما يدب الأرض ، سر الخير والشر ومصدر الحدث .. انتزاعها يعني نهاية شيء .
أو حتى بدايتة ..
ترى الناقلات المصفحة بإطاراتها الضخمة تمتلئ في ثوانٍ وتنطلق واحدة تلوَ الأخرى بسرعاتٍ متقاربة وطبقاً لإتفاقية إياد مراد مع المحقق قيصر .. لم يتم حتى اخبار القوات أنفسهم أن إياد مراد بينهم ..
فمنهم هو الآن ..
قد حدد موقعه في الخط .. الثمان مدرعات هو في ثانيهم ..
مثله مثل بقية الجند ، يقف بين ستّة منهم .. يحاول جاهداً تناسي ألم ذراعه المميت والحر الخانق تحت طبقة القناع ..
نصفُ مُبصِر .. يحشر في أذنه سماعتاً وبجانب فمه ذلك الجهاز الصغير (المايكريفون) للرد وإلقاء التعليمات ..
هوَ يكتم الرهبة في قلبه ويدعسها ببرودةٍ تنبعث من صقيع ثقته بمعداته وخطّته ..
^ها نحن ذا ، بذراعٍ واحد وعينٍ واحدة ..
نصف إنسان ..
أعلم أن نهايتي اليوم محتملة .. فذراعي المصاب عديم الفائدة وليس لدي الوقت لإستبدال مقلتي التالفة ..
أشعر بسخونةِ التوتر ولهيبِ الحماسِ معاً ..
أقبض بين فترة وأخرى على ورقتي الرابحة ..
(تعود إليه ذكرى الطيور تتساقط من السماء)
أخطف نظراتٍ إلى ذلك السلاح في يدي ..
الموت لا يقلقني ،، لدي من يخلف ظهري ..
ما يقلقني هو الموت ،، وموت من يخلفني ..^
يبدو ذلك السكون العميق يستر خلفه القصة بأكملها ..
هؤلاء، لا يضعون الموت في حسبانهم، ولا يتموننه في سبيلهم هذا .. لكنّ آدم، يقذفُ بروحه اندفاعاً قبل جسده بغيةَ إحقاقِ عدالةٍ إلاهية ..
مشكلةُ الموت ، ومشكلة أؤلئك الذين لا يهابونَ الموت بل يهابون الخسارة ..
والآن، يقترب الشروق ..
وعددٌ من السياراتِ المدرعة الأشبه بصناديقٍ حديدية سوداء في خطٍّ مستقيم صوبَ أحدِ الشوارعِ الرئيسية على وقعِ نهايات الأبواق ..
المروحياتُ بالأعلى،، قرابةُ الثلاثة ..
والقناصةُ تمّ نشرهم على طولِ المخطط ..
"هنا .. هنا وهنا ..
على طولِ الطريق فوق المباني التي أشرتُ إليها بالأحمر" بصوتٍ مكتومٍ خلفَ اللثام وبعينٍ واحدة يرمقُ بنظرةٍ حاذقة "هل فهمتني يا قيصر؟!"
تهتزّ المدرعة بهم في طريقها، وقيصر باستخفاف يجهرُ بصوته "تعني أننا سنستدرجه إلى الطريقِ الصحراوي .. ونحيطه بالقناصة والمروحيات في طريقه .. وهناكَ بالدباتِ هذا ما ينقصُ أن تطلبه منا بينما هوَ واحدٌ وحيد لم يهزم القوات سوى لأنهم كانوا في مكانٍ مغلق ... انت تسخرُ من قواتنا"
أومأ "لا أبداً .. بل جلّ المشكلة أنه واحد ويصعبُ تعقّب تحركاته .. لقد استهنت به لمرتين، والثالثة ستلقى بها حتفك أيها القوي"
"ما يدفعني لتنفيذِ أوامرِكَ هو لكي أفعلَ ما يجب،، لكي لا نفقد أرواحاً--"
"قيصر عزيزي .. الفرقُ بينَ تنفيذِ أوامري وعدم تنفيذها هوَ ذاتُ الفرقِ بين النارِ والجحيم ..
في كلا الحالتينِ ستكونُ هناكَ أرواح .. الفرقُ هوَ إلى أيّ مدى يمكن احتواءُ هذا الدمار!!"
اطبقَ قيصر شفتيه للحظات محدّقاً في إياد أمامه ، وأضواءُ السَّحَرِ تتتالى على وجهه المقنّع ..
هزهزاتُ الطريقِ ، أصواتُ الإطارات ونفوذُ الهواء من شدّةِ التسارع .. يشعرُ قيصر ورجاله بذاتِ التيهِ الشديد الذي ابتلعهم في جوفه عديم المعالم ..
ليست لديهم أدنى فكرةٍ عن من يواجهونه، وليس لديهم وقتٌ لأخذ فكرة ..
لا يؤمن قيصر، كأيِّ أردني بهذا الأمريكي الدخيل وعقله الفذ ..
لكن مجدداً، لا مفر من المواجهة ... ولا وقتَ لتدويرِ تروسِ العقل .
للحظاتٍ كادا يسمعان أنفاسَ بعضهما من شدة الصمت قبل أن يقول قيصر بشيءٍ من الخنوع "قلبي غيرُ مطمئن بالمرَّة لما نفعله"
"ربما سيطمئن أكثر إذا لم نفعل شيئاً؟؟" ثمّ أردف برخاوةٍ "هذه عائلتي، يا قيصر .. سأبذلُ روحي في حمايتها"
ابتلع قيصر كلماته وجلس على مقعدٍ بارز في الخلف ..
بينما إياد ينظرُ إلى ما تذيعه الكاميرات المثبّته فوق كلّ مدرّعةٍ تتقدّم على شاشةٍ صغيرة ..
ثمانّ من المدرّعات، في صفٍّ وهو في أحدها، تحديداً في تلك التي تسبق الأولى ..
يقولُ أحدُ الجنودِ "نحنُ نقتربُ من النفق، سيدي قيصر"
"هل من أثرٍ له؟"
"لا يا سيدي"
يرمقُ قيصر إياد بنظرةِ غضب، فيتجاهلها إياد مشيحاً بوجهه إلى أحدِ المنافذِ في المدرعة إذ أظلمَ كلّ شيءٍ بغتة في صلب النفق ...
وتيارات الهواءٍ صوتاً كزئير وحشٍ دخلوا جوفه ..
طول النفق حواليْ الكيلو متراً ونصف ،، قد اختبأت بقايا الظلام فيه وتكثّفت حتى عُمِّيت الأبصار لولا مصابيح السيارات الأمامية ..
فرصةٌ رآها إياد لتغيير ترتيب المدرعات ،، يصدر أمراً بجعل تلك التي تحمله هي رقم أربعة في التتابع ..
^أشعر أن آدم قريب ..
من الترتيب الثاني وحتى الرابع، سيصبح أمامي وليس خلفي ..
دقائق ونصبح على مشارف الطريق الصحراويْ ..^
هناك نقطة النور (المخرج) والتي تكبر وتكبر حتى تبتلعهم إلى خارج النفق مدرعةً تلوَ الأخرى ... وضوء الصبح أزرق بارد ذو شمسٍ خفيةٍ كآدم ..
لقد دام الوقت كثيراً في مسيرةٍ رأساً نحو قلب الصحراء حيث القناصة ممددون على رمالٍ بعيدة في نقطة الوقوف ،، يشعر إياد بقلق حيال إمكانية ^تراجع^ آدم !!
أجل،، فاستسلام آدم وتراجعه عن الهجوم هي طامةٌ بالنسبة إلى إياد،، نجاح اليوم يكمن حدوث كارثة إرهابية .. انفجارات وضحايا وإلّا فكيف سبتم اختبار قدرات آدم!!
هذا كل ما يدور في رأسه!! يحدق به قيصر .. يرى شروداً لم يشهده في عينيه ..
قيصر،، برتبته المرموقة وخبرته التي تعدت الثلاثين عاماً في عالم الجريمة،، لا يعرف ما يجري حوله ولا يستطيع نقض ما يحاكُ في الظلام لكن، جلّ ما يعرفه أنّه ^يجب إصدار أمرٍ باعتقال إياد مراد بعد الخلاص من هذا كله^
اعتقاله؟!!
^ أستطيع رؤيةَ أقنعته مع أنني أجهل ما تلمّح له ،، وأرى في مقلتيه ظلاماً دامساً،، مسحةٌ إجرامية تعتلي ملامحه الملكيّة ..
إياد مراد لديه تلك النظرات التي تحاول جاهدةً
تصديق
ما
يتم
فعله.
عندما ينقض عقلكَ ذاته وتتخبط أفكارك في جوانب جمجمتك .. إنه ليس خوفاً من المحيط الخارجيْ بل خوفاً غياهيب سرٍّ خفيْ.^
تهتز الناقلات في صعودٍ وهبوطٍ ويطلّ جسد إياد جالساً على ذات الوضعية وفي ذات الإتجاه ينظر نحو الشاشة حيث تعرض ما يحيطهم ..
جوٌّ مصفر مزرق وبقايا من برودة الليل الصحراوي تهرب من شمسٍ ستتوهج .. وأسفلت الطريق يمتد أمام المدرعات،، إذ تكبر المساحات وتزداد الفراغات ..
سمع إياد جملةً وكزته ..
"بقي كيلو متراً ونصف الكيلو على نقطة الوصول"
تلك التي تم تحديدها في منتصف طريقٍ أسفلتي يشق الصحراء ،، سيتم هناك إيقاف المدرعات كلها في خطٍ واحد كقافلة على وشك التخييم ..
وحقيقةً أنها مجرد مجموعةٍ فدائية تنتظر مواجةَ الموت او حقيقة فشل خطةِ إياد ..
وحدث ما يُقلِق ..
ووصلت ،، كل مدرعة إلى تلك النقطة واحدة تلوَ الأخرى في توقّفٍ متزامن ..
الأولى ..
الثانية ..
الثالثة ..
ثم المدرعةُ التي تحمل إياد الرابعة توقفت .
وشعر من بها بالعجلات والرمال .. يراقب المدرعات من بعده على الشاشة تتابع في القدوم - الخامسة ..
السادسة السابعة ..
السابعة
السابعة تقترب ..
لم تخفف سرعتها السابعة ...
السابعة !!!!
شخصت عيون قيصر وإياد للحدة يشاهدان الشاشة والسابعة لا تستجيب فقط تقترب وتسرع بدل أن تبطئ فصرخ قيصير عالياً بقوته الجهور : استعدّوا!! انتشروا!!!
تتحرك المدرعات الست في اتجاهاتٍ مختلفة بينما يحاول المساعد جاهداً التواصل مع قيادة المدرعة رقم سبعة ..
لكن بلا فائدة .
تنتشر المدرعات تاركةً الطريق الأسفلتي ومتجهةً ببطء إلى داخل الرمال ..
^والآن إذا تبعتنا السابعة ستنقلب ..
ثلاثة على اليمين وثلاثة على اليسار ثم^
يصرخ قيصر مجدداً : توقفوا!!!
توقفت المدرعات على ذات البعد من بعضها البعض ثم تمكن الجميع من سماع أمرٍ صارخٍ آخر : استعداد!!
ويتقافزون من المدرعات ملثمين في ترتيبٍ محددٍ جدّاً .. يرفع كل منهم السلاح على كتفه قد صوبوا جميع فواهاتهم نحو المدرعة المجنونة رقم سبعة القادمة دون توقف أو استجابة ..
في انتظار الإشارة من قائدهم عظيم الصوت "استعداد!!"
٥ ثوان وتكون في المرمى ..
أربع
ثلاث
إثنان
واحد!!
"أطلقوا!!"
و
تمطر القوات عجلات المدرعة بوابل الرصاص حتى تنفجر إطارات فتنقلب بسلاسةٍ رأساً على عقب مرة تلوَ مرة حتى تدخل النطاق الرملي وتستقر هناك ..
السقف إلى الأسفل والعجلات إلى الأعلى ...
تستقر على هذه الحال وجميع الفواهات موجهةٌ نحوها في انتظار خروجه منهما بالجرم المشهود لينتهي ذلك اليوم الطويل ولكن ..
" قيصر .."
والعيون مصوبة على المدرعة السابعة ..
" ربما يكون تمويهاً ،، فلتحمِ ظهور الجنود "
"إنقسااام!!!"
على أحد الركبتين واستدارة إلى جهتين نصف الجنود يحمي ظهر النصف الآخر ..
وتلك النسائم تنثر غبرةً أصخب من أنفاسهم يحتبسونها في انتظارٍ لخروج الأفعى من الوكر ..
يجب أن لا يتميز إياد عنهم ولا أن يتفرد في مكان بل ورغم اختلاف زيه الطفيف جدا اندمج معهم فأصبح أحد الجاثمين يرفع سلاحه باتجاه الطريق المفتوح .. في الشق الحامي لظهور القوات ..
^لا تزال هناك مدرعةٌ ثامنة قادمة ولكن ..
أين آدم؟؟
ما الذي يخطط له؟؟
تشويشنا؟؟
إن كنت سأتقمص تصرفاته،، آدم يريد رأسي لذا سيعمل على تمييزي من بين جنود القوات إذاً ..
قاطعني صوتٌ من اللاسلكي ..
"نداءٌ للمدرعة رقم ثمانية هل لا تزالون في الطريق؟؟
نداء للمدرعة رقم ثمانية !!"
يا إلهي ..
لا تستجيب المدرعة الثامنة ..
كيف استطاع ادم احتلال مدرعتين لتشتيت جهودنا بل متى؟؟
أيعقل أنه أثناء مرورنا داخل النفق؟؟^
تحلق المروحية أعلى الطريق تبحث ،، وعينا قيصر مصوبةٌ على حركاتها ..
لينفجع قلبه من رؤيةِ اختلالٍ بسيط غير مدروس في تحليقها .. وظنّ انه يتوهّم لولا بدئها مجدداً في التمايل وبشكلٍ جنوني ..
لا استجابة ..
__________________________
بربكم .. ماذا قد يفعل أحدكم فور رؤيته للموت يعدو نحوه بل ويقصده دون غيره من الموجودين ..
لا أحد يقتل الموت لأنه ميّت .. لا أحد
وجود مدرّعةٍ مقلوبة ومحطمة ،، وفوقنا السماء تفقد السيطرة على الهيليكوبر .. ومدرّعةٌ أخرى مفقودة لا نعلم من أين ستظهر لنا ..
الكثرة تغلب الشجاعة والحيلة تغلب الكثرة ... فماذا لو كنت شجاعاً ومحتالاً؟؟
في تلك اللحظات يجب على أدمغة القادة تدوير تروسها بسرعةٍ تستهلك طاقة ابدانهم .. كلمة واحدة ستكون بمثابة مصير ما لأحد ما ..
هؤلاء الجنود أمانة في الأعناق ..
يجب أن تكون الخسائر صفراً مقابل واحد على الأقل ،، كلمة أمرٍ واحدة غير مدروسة قد تنهي حياتهم أجمعين في لمح البصر فيغادرون تاركين خلفهم ذلك المختل يعيث في الأرض الفساد ...
إياد .. قيصر والقائد التنفيذي عمر ،، كانوا على مقربة يتهامسون بشفاهٍ واهنة لأن أعينهم تراقب بقعاً مختلفة من تلك المساحة الصحراوية الشاسعة التي ضاقت بهم ..
عينٌ على السماء ،، عينٌ على المدرّعةِ المقلوبة وعينٌ تسرح في الأرجاء تنتظر رؤية المدرعة المفقودة ...
ولإياد حرفياً عينٌ واحدةٌ الآن ..
يهمس لهما "فلتطلبوا الدعم ولنجتمع ،، لتشكل الست مدرعات دائرة حولنا"
كان قيصر على وشك الإعتراض ربما لأنه اعتاد على ذلك أو لأنه يرى كونهم كتلة واحدة قد يجعلهم يلقون حتفهم دفعةً واحدة ..
وكان لعمر رأيٌ مثل إياد "لعبه على ثلاث نقاط يعني أنه يريد تشتيتنا ،، إن أصبحنا كتلة واحدة في دائرةٍ واحدة سيظهر لنا .."
اتم إياد كلماته "كتلة واحدة في دائرة واحدة قابلة للحركة السريعة والمرنة في أي لحظة كسرب الجراد"
تلك المشورة القصيرة أخذت من الوقت دقيقةً ثمينة ثم تم صنع ذلك القرار المتهوّر ..
المتهوّر؟؟
أجل ...
^هناك قاعدةٌ يتبعها إياد دوماً وخطط،، ولطالما صنع خطّة من اللا خطة .. أيّاً ما يكن يفعله ذلك المتعجرف فهو يتمحور حول الخطط ..
والخطة تُبنِى على الموقف،، الإحتمالات وردات الفعل والكثير من التعقيدات التي قد يدمرها جميعها شخصٌ غبيْ بفعلٍ عفويْ ...
وهذه هي مشكلة الأذكياء ..
^يسهل إخافتهم^
أنت تضع الخطة ألف و باء و جيم والعديد من الإحتمالات ولكن - هل وضعتَ قبلاً إحتمال عدم وجود خطةٍ من الأساس؟؟
-نصف ابتسامةٍ ساخرة ثمّ يغلق بيديه باب ^القبو^-
"شكراً لكْ .. أنت بطلٌ حقيقيْ"
"اصعدي فقط إلى السيارة الآن عليكم أن تكونوا بأمان"
قلتها وشعرت وكأنني أحذو حذوه .. بل وكأنما نبرة صوتي تقمصته ،، وبينما أنا لا أزال مع العائلة ألعب دوره ..
دور البطل الذي يقف بجانب الجميع ،، المسؤول النبيه ذو القرارات الصائبة .. هو في دائرةٍ يحارب توَهُّماته عني ويضع كل الإحتمالات ثم ينسى احتمالية تطويري لطريقةِ تفكيري ..
انها شعرةٌ بين الذكي والغبي .. لحظة اعتقادك أنك ذكي؛ اعلم أنك الأغبى - فالأذكياء لا يرون الناس أغبياء بل يرون أنماط تفكيرٍ مختلفة قد تفوقهم .. فيبحثون عن طرق لمسايرة أنماط تفكير الآخرين للحصول على ما يريدونه ..
ولا يوجد إنسانٌ غبي،، بل أنماط تفكيرٍ تقليدية متكررة سهلة الخرق مع بطءٍ أو شبه انعدامٍ لتطوُّرها ... واعتبارك أن هذا الشخص غير قابل للتطوُّرِ بتاتاً هو ذاته اعترافك بعدم تطوُّر احتمالاتك أنت،، وبالتالي عدم تطوِّرك ..
أحياناً يجب علينا التفكير بعمقٍ شديد يُحيلنا إلى بساطةٍ أشد ،، ما زاد عن حده انقلب الى ضده،، الإنغماس العميق في التفكير يودي بك إلى سطحيةٍ ضحلة ساذجة وقد تجعل منك أضحوكة ..
كالآن ..^
#آدم
حور : أبي ..
"أجل يا روحَ بابا!!"
اهتزاز مدرعة الشرطة تحمل أفراد إلى وكرٍ آمن بعيداً عن احتراق المنزل ..
حور مجدداً : يقولون أن جدّي لم يكن في سيارته آن اصطدامها .. أهذا صحيح؟؟
"أجل عزيزتي .. إنه حي" بابتسامة لطيفة ..
ثم نظرت الطفلة حور ببراءة لكلّ وجوه أفراد أسرتها .. وجهاً وجهاً ،، منهم المرهق وآخرون هادؤو البال ..
ها هو ذا آدم في الزاوية معهم ... بعيداً جدا جدا عن معركته الوهمية ..
ربما ما يوجد منه هناك هي مجرد قنبلتين منومتين دسّهما في آخر مدرعتين جهاز تشويشٍ صوتيْ على جاب الهليكوبتر ...
إيميليا متيقظة النظرات متأهبة لأي مفاجئةٍ ثقيلة العيار ..
محمد يهدّئ من روع والدته مخبراً إياها أن إياد بخير .. أو هذا ما تكدته الشرطة !!
والدة إيميلي وشقيقتها يحمداه الرب على الخروج من هذا ...
ومروان قرب ميْ ابنة سلمى يطعمها المزيد والمزيد من الأمل الكاذب أن والدها بخير ..
تامر ووالده امام بعضها يتجنبان تلاقي النظرات .. فكلّ ما في عقلهما الآن هي ،، حركات آدم !!
كيف فتح لهم البوابة ..
كيف أنقذهم ..
أعصابه ،، حركته الخاطفة ...
وأمّا أليس زوجة إياد ف-
أين هي؟!!!
- آدم ، نصف ابتسامة .
____________________________
نهاية الفصل الأول من الرواية
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top