BRH | (أسود وملتهب (1


|BLACK & RED-HOT|

[1]


لأجلكَ عاهدتُ الرب ..

أن أقتلكَ لأجلهم
أن أقتلكَ لأجلي

لأجلِ هذا العالم ..

أرفضُ أن أكونَ عبثاً ،، وترفض إفلاتي ..

ما طَعمُ الحياةِ بكسرٍ فصَلَ بينَ ذاتِكَ وكيانك ؟
بينَ عقلكَ وقلبك ؟

جَبْرُهُ هو ربّي أعطاني إياكَ مهمةً وهدفاً ..
فكانَ رضاهُ عنّي مرهوناً بكَ وحدك .

تلكَ الطيورُ كانت تحلّقُ حولنا ذلك اليوم ..
اخترتَ نسركَ واخترت ملاكي فأنزلهُ شيطانكَ إلى أسفلِ درَكِ الأرضِ حيثُ نتانةُ مزيجِ لحومِ الموتى بعظامهم النخرة

فأكلتها لأصعد ..

وإذا نفذت ،، قتلتُ لأصعد ..

كلّ درجةٍ إليكَ بروح ،، ولا أزالُ أبغي الوصولَ قبل أن أصبحَ درجة ..

قبل أن يتحوّلَ تلّ الجثث لسلاسلٍ من جبال ..

قبل الكارثة .

#Adam



■•□■●°■□•■□°■□°■□•■□°■□•■□°■□•■□°■

#Tamer

كلّ مافعلته، هوَ أنني استجبت له واختبأتُ كالجبناء من أمطارِ الرصاص وانصالِ السيوف ..

وربما ما ينسيني عارَ خجلي هو أنني انقذتُ والدي من الإقتراب، فسحبتُهُ سحبةً قوية اسقطت كشّافه أرضاً .. إذ أخرسته بيدي مطبقةً على فمه وخبأته معي، لنصبحَ جبانينِ بدلَ جبانٍ واحد ..

لستُ شيئاً ..
بعدَ ما حدثَ تلكَ الليلة، كومةُ الكبرياءُ الضئيلةِ داخلي اندثرت واعترفت لنفسي بضعفي ..

في تلكَ اللحظةِ الذي اقتحم فيها الأمن، إعترفت لنفسي بجبني ..

في اللحظةِ التي رأيتُه فيها، عينه اليسرى ثقبٌ بخرجُ منه الدم، وآدم غائبُ الوعيِ على ذراعه ...

في تلكَ اللحظةِ فقط، سقطت روحي جاثيةً احتراماً له ..

إياد، اكثرُ من يستحقُّ التبجيلَ في هذه العائلة ..

تماماً كما قالَ الجد، أشهد أنه ليستحقُّ كلّ فلسٍ أخذه ..

لا أستطيعُ تفسيرَ الوغدِ آدم، لمَ هاجمنا ولمَ قتلَ من قتل .. لكنني الآنَ أرى بوضوحٍ ذلكَ الحصنَ الحامي لعائلتنا، يضربُ بجسده ذلك البلاءَ القاتمَ الأسود النتن ..

لا أزال أرى تلكَ اللقطةَ في عيني، وكيفَ بما بقيَ من قوته اقتربَ منّي وقال ...

"تامر، عدني أنّك لن تخبرَ أحداً .." ثمّ أنزله وصليبه على الأرض، والشبابيكُ مضاءةٌ بأنوارِ السيّاراتِ وسيّاراتُ الأسعافِ الاحمرَ فالأزرق ..

كانَ خليطُ تلكَ الأضواءِ ينعكس على بشرته البيضاء، الملطخةِ بالدم قائلاً بجدية ..

"خذه للمشفى، أجري فحصاً أكتب كلّ شيء فلربما يكونُ سلاحاً لا إرادةً بشرية .." ثمّ خفتَ صوته بنبرةِ رجاء "أثقُ بك .."

وتلاقت عينانا ..

رأيتُ بريقاً خفتَ في عينه بينما ترقرق في عينيّ وأمِلتُ حينها أن أكونَ جديراً بحملِ ثقته ..

رافعاً يدي مشيراً لقلبي ..

"ثق بي .."

●●●●●●●●●●●●●●●

ليلةُ السابع عشر من آخرِ العام، هجومٌ وحشيْ على فردينِ من عائلةِ السيد أوس مساءً في تمامِ التاسعة وأربعينَ دقيقة ...

إياد مراد ، جرحٌ عميقٌ في عينيه اليسرى .. تمزّقٌ في الشبكية .. طعنةُ عميقة بطولِ ثلاثينَ سانتي متراً بدايةً من قلبِ الكفّ حتى قريباً من الكوع ..

خرقٌ طوليْ في عظامِ الساعد، نزيفُ داخليّ في ساعده بسبب تضرر الوريد ..
كدمات قوية على طول الجانب الأيمن من الجسم ..

جرحٌ مفتوح في مؤخرة الرأس جرّاء ارتطامٍ قويْ ..

_________________________

آدم أوس، جروحٌ عميقة على طولِ جسده ، وجهه ورقبته ..
نزيفٌ حاد في أذنيه مجهولُ المصدر ..

لا اثرَ لأسلحةٍ حادة .

___________________________

مسدسٌ خاص بالسيد إياد وآخر فارغ كان بحوزة الطبيب تامر ...
__________________

الفاعل : مجهول.

●●●●●●●●●●●●●●

كان هذا ملخّص تقرير الحادث .

وطوال الساعاتِ اللاحقة، لم تتوّقف العائلة عن الحديث حولَ إياد وشجاعته، وكيفَ أنقذَ آدم وإياي من هجومِ الشيطان ..

لم يتوقّفوا عن ذكرِ عينه اليسرى، ولا كيف أصبحَ يبدو برقعةٍ بيضاء، يصرّ على عدم حجزه في المشفى أو النظرِ في أمرِ عينه بل يفضّل، بكلّ بطولةٍ أن يبقى مع أفرادِ عائلته ..

بينما أنا أقف تحتَ سقفٍ شحيحِ الإضاءة .. بمعطفي الأبيض الطويل، ذو الاكمامِ البيضاء الطويلة والجيوبِ الواسعة ..

أضعُ نظّراتي وأدقق فيما بينَ يديْ من عدةِ أوراقٍ وُضِعَ على أولها صورةٌ صغيرة له يظهر فيها، شاحباً نحيلاً متهجّم الوجه ..

آدم أوس - تقريرٌ طبّي

احتوى على جداولَ تُخبِرُ بالعديد من التفاصيل، كرؤوسِ عناوين .. ضغط الدم، عدد كريات الدم الحمراء والبيضاء .. البلازما السكّر ومخططاتُ نبضِ القلب ..

جعلتُ أقلّب فيها بضعَ دقائق بحثاً عن شيء شاذ ..

-يجول في الصفحات بعينيه-

كالأنيميا؟!
لا ليس لديه أنيميا ..

لا،، شيءٌ أكثر شذوذاً ..

ربما في العظام أو العضلات؟!!

" أين فحصُ جهازه الهيكلي؟!" رفعتُ بها صوتي بعدَ صمتٍ طويل،، فاجابتني الممرضةُ بوَجل ..

"هنا سيدي الطبيب" محضرةً صفحاتٍ سوداءَ كبيرة أنارت فيها أشكالٌ بيضاء ..
"إنها أشعةٌ الهيكل العظميْ كما طلبت سيدي"

حينها همست بحماس "أجل!!"
وتلمّستُ خلفي مقعداً لم التفت له بل جلست من فرطِ الإنغماس مشيراً للممرضة "هلّا تتركينني وحيداً وأغلقتي الباب؟!!"

استجابت وماهي إلّا ثوانٍ، حتى خلت الغرفةُ إلّا منّي ..

وبضوئها الساطع، يجعل منها مكعّبَ نورٍ أنا فيه حيّاً وداخلَ عقلي هو ..

تملأ صورُ الأشعةِ عيناي فأدقق،، هذا هو الشيءُ الشاذ ..

أحدثُ نفسي، أين هو؟!

أتمعّنُ مجدداً وأشير على طول ذراعه "هنا"

وما الشيءُ الشاذ في ذراعٍ مكسورة كسرتها أنا؟؟
ربما لأنها مكسورة بالفعل؟!! -يقرّب الصورة أكثر- أو هذا ما يبدو؟!!

هل تتحقق في آدم نظرية التعافي السريع؟
أم المرونة الفائقة التي تجعل ذراعه غير قابلة للتأثر بالكسر أم ...؟!!!

شردتُ قليلاً في الورقة، ولم تكن الصورةُ واضحةً إذ أنها لجميعِ جسده وليست مركّزةً على الذراع ..

التفتّ بعد أن استنتجتُ اللاشيء،، لا شيءَ بتاتاً يمكنُ أن يستنتجه طبيبٌ من فحصٍ شاملٍ روتيني ..

بدى عليّ بعضُ الإمتعاض وانا أغادر الغرفة والأوراقُ محبوسةٌ في يدي ..

"يا ممرضة" موقفاً إياها تمشي في الممر "هل استيقظَ آدم أوس؟"

أومأت برأسها "لا سيدي، لا يزال في غيبوبة"

"خذيني إلى غرفته واستدعي طبيبَ عظام"

"حالاً سيدي"

وقادتني عبر الممر لغرفةٍ ليست بالبعيدة .. كونها في قسمِ العنايةِ المركّزة، أسير وعقلي ليس معي ..

وهناك قرب الباب استفقت إذ قابلتُ شخصاً لم أتوقّع رؤيته ..

"جدّي!!!"

كان وجهه عابساً كجذعِ شجرةٍ عجوزٍ يابسة ..
جالساً في الخارج، على مقعدٍ للإنتظارِ متكِئاً على عكّازه ..

اقتربتُ منه قليلاً فهوَ لم يلتفت حينَ قلتُ جدّي فمجدداً قلتها بنبرةٍ منخفضة مربّتاً على كتفه برفقٍ ...

رفعَ رأسه، ومقلتيه وكذا خطوطَ جبهته ..

إذ بياضُ عينيه محتقنٌ خالٍ من الأمل، هربت منه الصحة وسكن سوادهما نجومٌ منطفئة ..

حزينة ..

قالِ لي بحروفٍ مثقلةٍ خرجت بشق ..

"أكادُ أفقدُ آدم .."

سكتت ..

كنتُ أشبه بقبرٍ في ليلته الألف ..
دفنت ما أعرفه عميقاً، ودفعتُ بمشاعري تحتَ الثرى مبتلعاً الحقيقة بملامحَ جامدة زادت بجمودها قلق جدِّي ..

فاضطرب "هل سيكونُ بخير؟!"

أجبت بصقيعٍ بارد : "سيكونُ بخير" بشقّ نفسٍ بينما لا أتمنى له ذلك ..

حينها وفور استشعارِ الجدّ مشاعرَ غريبةٍ تفوح، أرجعَ ظهره للخلف متنهّداً بحزن :

"حينما، يظنّ المرءُ أنّه قد أدى الحقوق ..
هناك دائماً شيءٌ ناقص" ملتفتاً لغرفةِ آدم "عدني أن تفعلَ ما بوِسعك ..
آدم قطعةً منّي ..

وأعدكَ أن أتماسك"

تلكَ القطعةُ منكَ سرطانٌ يا جدّي ..
تلك القطعة، الفاسدة النتنة يجب أن تُستأصل ..
ولكن، بما أنّك قلت ذلك سأدعكَ على عماك .. ذلكَ خيرٌ لقلبكَ العجوز ، فأحياناً من الأفضل أن لا نعلم أبداً .

لم أعده بشيء .

فقط أومات برأسي إيجاباً ودخلتُ دونَ ايّةِ كلمة ..
وكنت متأكداً أنّ ردّ فعلي هذه كومةٌ من الحماقة، إنها كما لو أنني أجزمُ بحالته الميئوس منها ..

وبالفعل آدم ،، ذلكَ المخلوق حقّاً ميئوسٌ منه ..
توغّلت في الغرفةِ لخطوات إذ روائحُ المطهراتِ وصوتُ جهازِ القلب ينبئ بنبضه السليم ..

ناظراً إلى جسده الممتد تحتَ الغطاءِ الرقيق لا يبدو عليه أنه تحرّكَ مذ تمّ وضعه، فالغطاءُ منبسط يخلو من التموّجات ..

اقتربت من رأسه، فإذا بجفنيه مفسحانِ لبياضٍ من عينيه لا سواد بهما ...

كانت الوسادةُ ملطخةً ببعضٍ من دم أذنيه الذي لبثَ أكثرَ من المعتاد لكي يتوقّف في حالةِ نزيفٍ مجهولةِ المصدر،، فجهازه السمعيْ سليم كما قال التقرير ..

النزيفُ من انفجارِ وريدٍ صغير، كما أوضحوا وكما لم أصدّق !!

اقترب وقلبي يقرعني أن لا أجازف أكثر بعد ما رأيته ..
آدم هو ابنُ الشيطان ..
أتذكّر أسنانه وعينيه تحت ضوءِ كشافي في تلك الليلة،، هوَ كلّ الكراهيةِ في هذه العالمِ مجتمعة .. هوَ سحرٌ أسود على هيئة إنسانٍ قد تمّ عمله لهلاكِ عائلتنا ..

هو كلّ السواد ،، قلبٌ كالبئرِ يضخّ نفطاً وعقلٌ مسموم ..

كانت هذه أوّل مرة لي كطبيب؛ أن أتمنى لمريضي الموت.

....

ألقيتُ بصري على ذراعه المعروقةِ الزرقاء--

أدركني طبيبُ العظام يستأذنني بالدخول "مرحباً، الطبيبُ تامر--"

"أغلقِ الباب وتعال" قاطعته بذلك وأردفت "ركّز هنا" مشيراً إلى ذراعِ آدم الملقاةِ على السرير "أهيَ مكسورة؟!"

اقترب بهدوءٍ وشمّر عن ساعديه ..
يبدو حذقاً، وفي أواخر الأربعينياتِ يرتدي نظارةً بعدستينِ مدوّرتينِ ويعرفُ ما يفعل ..

"حسناً، لكانَ يجب أن يكونَ مستيقظاً ليتألم .." ممسكاً بذراعه "لكن هذه لا بتبدو مكسورةً فقط بل ميؤوسٌ منها!!"

"اتعني؟"

"هناكَ ضررٌ بالغٌ في مفصلِ الكوع، أنظر" ورفعها قليلاً بيده ..

فاقتربتُ وتفحصتها حيثُ أشارَ لي قائلاً "لو كانَ يقظاً لماتَ ألماً"

أتلمّسها "أنت محق، ولكن بعدَ تفحّصي للأشعةِ الهيكيلة لم أرَ ضرراً اي الكوع" مشيراً للممرضة بإعطائي اللوحاتِ السود .."انظر سيدي الطبيب، إنه كسرٌ في العظمةِ ذاتها" مشيراً بإصبعي "هنا!!"

يرتبكُ الطبيبُ قليلاً ويأخذُ الأمرَ بشكلٍ شخصي كعادةِ كلّ الاطباء "أتعني أنني مخطئ؟!!"

"ل .. لا-"

"أنظر يا بني" يتلمّس منطقةَ الكوع بشيءٍ من الحذر "افحصها، إنها منفصلةٌ ومتورّمة .. هذا ظاهرٌ جداً!!"

"لم لم تظهر في الأشعةِ إذاً؟!!" كانَ سؤالاً عفوياً دفع الطبيبَ بتوبيخِ الممرضة واتهامِ طبيبِ الأشعة بالإهمالِ وعدم التدقيق ..

"هذه حالةُ مريض!!! وليست لعبة" بحدة يصرخُ في وجه الممرضة "عندما يطلبُ فحصٌ شامل فيجب أن تركّزو على أماكن الكسور في جسده لا أن أرى رسماً لكلّ جسده!!! ما الذي سأستفيده من رؤيةِ جهازه الهيكليْ جملةً!!"

ورفعَ إليه المخطط متمعناً في غضب ..
ثوانٍ وعادَ للزمجرة "أنظري هنا مثلاً"

انظرُ فأرى إصبعه مشيراً للمجمجة ..
"كسرٌ في الجمجمة!! قديم أجل لكن غير ظاهر أيضاً في هذا التصوير!!"

سحبت من بين يديه المخطط التفصيلي في ذهول أردد ..

"التشنج التشنج التشنج!!"

يريانني في شرودي ثمّ ذهولي "أعدّي غرفةَ الرنين المغناطيسي"

"حالاً سيّدي"

"لحظة لحظة لا تذهبي"

تذكّرتُ أمراً فورَ رؤيتي للأسنان في المخطط، شيءٌ ما قفز بي إلى جانبه في رعب، ألبسُ القفّازاتِ الضيقة الزرقاء بينما يستأذنني الطبيب في الخروج لطلبِ إعادة الفحص ..

لم أردّ عليه منهمكاً في انشغالي، أضعُ إصبعيّ داخل فم آدم المغلق ..

حيثُ سنٌّ مفقود وآخرون متحرّكون، و ..

"لا تعدي غرفة الرنين أيتها الممرضة" بهدوء "لديه أجزاءٌ معدنية في جسده .."

إذاً لا يمكنني فحصُ النشاطِ هكذا ..

احتاج اختبار للقدرات الكهربائية .. التي تفحص أداء جهاز الأعصاب المحيطي والعضلات (EMG) ..

وتلكَ التي تفحصُ المسارَ الكهربائي العصبي (NCV) أو تحفيز العصب المتكرر (RNS) ... أحتاجُ نفسي!!

ألهذا اختارني إياد!!
أجل ..

أجل أنا من قلت أنّ لدى آدم مشكلةٌ بالأعصاب، تلكَ الليلة التي كنتُ فيها محتجزاً وزارني فيها إياد ..

العصب الثالث، الرابع والعاشر ..
لا أعلمُ ما علاقةُ هذا بالكسرِ حتى اللحظة ..

أعني، إذا كانت استجاباته الحركية قوية وسريعة فماذا سيفيد ذلك في حالة الكسر؟!!!!

فركت فروةَ رأسي إذ القلق والأفكارُ ينفجران داخلها معاً موّلدان الكثيرَ من الحماس ممزوجٍ بنظرياتٍ خارجَ كلّ الصناديق ..

"أيتها الممرضة .. جهزي ما سأطلبه منكِ"

فالآن عرفتُ كيفَ أبحث .

●●●●●●●●●●●

في ذاتِ الأثناء، تتبلّدُ مشاعرُ إيميليا كالسماء المطلّه هناك من أحدِ الشرفات ..

لمَ يزر الرضى قلبها ولم تقبّل الإبتسامةُ وجهها ..
إنها تشعر بيدي مجهولٍ كسرَ أجنحةَ طائرِ الأمان وحبسه وحبسنا في قفصٍ من بقايا عظام ..

الأمرُ أصبحَ مخيفاً إلى حدٍّ تلاشى فيه الخوف ..
إلى حدٍّ أصبح الواحدُ يتسائل - وما الموت؟
لما يخافُ الإنسانُ الموت؟!

بعد كلّ ما حدث، إيملي لم تعد تخافُ الموت، بل الموتَ بلا انتقام ..

اجتاحتها حالةُ شقيقها آدم، ذاتُ الهالة من الرغبةِ في الفتكِ والرد على عدوّها المجهول ..

تقفُ بسترةٍ رياضيةٍ رمادية .. وأشعةُ الشمس دافئةٌ تلسعُ وجهها وتكشفُ بنورٍ عن دقائق ملامحها،، شفتيها أنفها وانفجارِ ازرق الألوانِ في حدقتيها يتخلله الرماديْ ..

^كلّ شيءٍ ينهار تدريجيّاً وأحدهم لا يزال مقيّداً إيايانا جميعاً أن نتحرّك أو نحرّك تروسَ أدمغتنا ..
-تقبضُ على مسدّسها الأسود في جيبها-

إياد أصبحَ عاجزاً الآن ..

-تنهيدة- بعينٍ واحدة وذراعٍ مكسور، يصعبُ على عقله التأقلم مع الرؤية الجديدة .. ولا يزالُ يجزمُ أنه بخيرِ حال!!

لكنتُ جاورتُ آدم لكنني اخترتُ حمايةَ إياد، فهو الآن درعُ العائلة والعقلُ الواعي بها وجميعنا نؤمن بأننا لولا الله ثمّ إصابته تلكَ للاقينا حتفنا جميعاً ليلتها ..

أمّا شقيقي آدم، فأنا أعرفه جيداً وأعرف عددَ أرواحه، فالأحرى بذاك القاتل الجبان أن يختارَ أحداً سوى شقيقي لينقضّ عليه ..

أعتذرُ لنفسي لكن، آدم شقيقي نكرة،، وموته لن يكون غاية،، بل وموته صعبٌ منيع .. وهو مندفع سريعُ الجنون يشتعلُ من أقلّ شرار فيغدو ملتهباً أسود ..

فورَ استيقاظه ومعرفته بالضرر الذي حلّ بإياد، سيُشعِلُ المعركةَ كما سأفعلُ أنا الآن -تشدّ أكثر على سلاحها- كلّ ما يمكنني استنتاجه حالياً، هوَ أنّ إياد مستهدف--^

"إيمي.."

إلتفتت خلفها على ذلكَ صوته ..
"أجل، سيّد مراد .."

ابتسمَ برفقٍ كعادته "أعتذرُ على إزعاك--" عاقداً يديه بابتسامةٍ خلفَ ظهره "هل تعرفين أينَ إياد؟"

أشارت بيدها على وجل "مع ألِس في غرفته .. كان يعاني من صداعٍ شديد"

"اوه شكراً لك" مجدداً بابتسامة ..

ثمّ رحل .

كان الأمر غريباً قليلاً لأن السيد مراد هوَ أكثرُ من لديه ثباتٌ إنفعاليْ في هذه العائلة!!

الكلّ منهار، الكلّ سواه وربما هذا ما يجعلُ البعضَ مثلَ إيملي يشعرون بشيءٍ من وهجِ الأملِ متوقّد .. ربما كلّ شيءٍ سينتهي قريباً ..

ربما سينتهي فجأة ..

ربما سيستيقظونَ على خبرِ الحصولِ على رأسِ القاتل ..

ربما وربما وربما ، آمالٌ تبنيها إيملي حجرةً على حجر .. مستندةً على النافذة في شيءٍ من المراقبة .. ترصدُ الشرطة وتجمّع القواتِ حولَ منزلهم الكئيب، قائلةً بسخرية "سنموتُ قبلَ أن نُقتل .. طالما يحيطون بنا بهذه الطريقة، إننا نختنق .." بضحكةٍ ساخرة "وعاجزون، نحن وهم ..
وهو ذاته عاجز ..
لا أحد منّا قادرٌ على الآخر ولربما هو أيضاً الآن صريعٌ، مصابٌ أو ميّت ..

أقدارٌ متضادة،، العبثُ ظاهر والغايةُ غامضة وفي النهاية،، لن يصلَ أحدٌ إلى مراده ..

يال الحياة ."

_______________________________


الأربعُ فصولٍ بينَ شروقٍ وغروب .. يومٌ مريض بينَ رياحٍ باردة وشمسٍ تضربُ الأرضَ ببعضِ سوطِ حرّها ..

الرياحُ تثيرُ الغبارَ في شارعهم وملثمّوا القواتِ واقفون بلا حراك، لتصلَ بقربهم سيّارةٌ يجلسُ صاحبها بالمقعدِ الخلفيْ، وينظرُ سائقها إلى الأمن حوله ..

يجهّزون أسلحتهم ويستوقفهم رئيسهم مشيراً بيده عالياً اي ^انزلوها^ ..

كيفَ لذلكَ السيّد الأحمق أن لا ينتبه لحظر التجوال في هذا الشارع؟!! بل كيفَ سمحت له القواتُ التي أغلقت أوّلَ الشارعِ بالمرور؟!!

أسرّ قائدهم في نفسه القلق، وبسلاحه المرعب وجسده الضخم تقدّمَ بضعَ خطواتٍ ثِقال ..

تعلوه نظرةٌ مخيفة فوقَ لِثامه الأسود ويصدرُ صوته المُرعِدُ من خلفِ القناع "إنزلا"

أغلقَ السائقُ محرّكَ السيّارة يهمّ بالنزول ..
رفع القائد فوّاهةَ سلاحه وابتعد لخطوات ليتضحَ له ذلكَ النحيلَ البريء يرتجف ..
"سيّدي .. أنا سائقُ (الفريق حسن) زوجُ السيدة سلمى"

"لا أعرف أسماءً، يمنعُ المرور .."

صدرَ صوتٌ غليظٌ من نافذةِ المقعدِ الخلفي "أخبر السيدْ أوس أنّ نسيبه وحفيدته مي هنا"

أنزلَ فوّاهته بتردد، ثمّ تراجع ..

يضغطُ على جرسِ البيت لتردّ عليه في صوتٍ ضعيفٍ متقطّع السيدة آمال ...

"من؟!"

"سيدتي ،، زوجُ السيدة سلمى وابنته هنا"

انتظرَ قليلاً قبلَ أن يسمعَ صوتها ...

"أدخلهما"

___________________________

وها هيَ تغلقُ السماعاتِ في شرودٍ ومحمد يراقبها ..
"من يا أمي؟!"

"أبلغ والدك وإياد أنّ الفريقَ حسن وابنته هنا"

قام محمد بارتباكٍ من فوره وذهب ..
^يا ترى ما الجديد؟!
سلمى خالتي كانت مفقودة، ولماذا يُحضِرُ ابنته؟!!^
يصعدُ على درجاتِ السلّمِ وما إن يقترب ..

هذه ألِس واقفةٌ خارجَ الغرفة مع إيمي ..
يلهث "أينَ إياد؟!"
أشارت إيمي "يريدُه والدكَ على انفراد"

لم يتقدّم محمد خطوةً أخرى ..
لكنُّه ألقى بنظره على بعدِ خطواتٍ وخطواتٍ منه نحوَ بابِ غرفةِ إياد يتمّ إغلاقه .

ربما هوَ الوحيد الذي، يمكنه تخمينُ ما بالداخل ..
لكن لا يمكنه رؤيةُ والده، يعقد يديه خلف ظهره ويقترب منه بابتسامة ..

إياد ممددٌ على السرير برقعته البيضاء وجبيرةِ ذراعه، والحنان يفيضُ من ابتسامةِ والده ..

ذلكَ الرجلُ الذي تضغطُ رؤيته زرّ الذكريات الدفينة الدافئة .. الضحكات واللعب،، الحنانُ ولمساتُ الحزم ..

تثبتُ ملامحُ إياد بشيءٍ من الحيرة في مواجهةِ بشاشةِ والده الذي وصلَ سريره قائلاً ..

"كيفَ حالك؟!"

مبتسماً بتأسف "كما ترى" ومردفاً "بالكاد اعتادُ الرؤية"

جلسَ والده بقربه على السرير يمدّ يده الحنونُ إلى رأسه، وعلى جبهته تستقر تمسحها مسحةً برفق ..
"لطالما كنتَ طفلي،، المميز .." يبتسم ولمعانٌ جميلٌ في عينيه ..

ثمّ يكملُ بنبرةٍ على أوتارِ الحنان عزفت ..
"لم يكونوا ينادونني مراد ..
بالأحرى لم يكونوا يعرفون اسمي .. فقد كان دوماً ^والدَ إياد^ ..
الذكيْ ..
المتميز والمثاليْ ..
-يفتعل تنهيدة-
لم تبدأ الثامنةَ والعشرينَ بعد، ثمّ انظر لقد فقدت عينك"

"لا يجب على أحدكم أن يشعر بالأسى .. فأنا بخيرِ حال"

ابتسمَ والده بشفقةٍ إذ تمددت الشفتان، وبرقت العينان "لا يجب على أحدنا أن يشعرَ بالأسى،، أنت محق أيها البطل ..

-تتسع ابتسامته وتضيقّ عيناه-

أنتَ وحدك،، من يجب أن يشعرَ بمأساتِك ..
وبينما تملكُ الثراء والجمال والحب،، تتركُ كلّ هذا وتلعب بقدرك ..

وقَدَرِ غيرك .."

تنبّهَ إياد لكلماته ونظرَ بحدّة وصمت ..
وعمّ السكوت بعضاً من الوقتِ يتبادلانِ نظراتٍ فارغة من كلّ شيء وأيّ شيء ..

ثمّ يكملُ السيد مراد كلمته "الملل من النعم هوَ ما دفعك للعبث ..
-يميلُ رأسه لليمين مبتسماً- هل أنت سعيدٌ بعينٍ واحدة؟! أم--"

ضحكةٌ ساخرة "هدفي أسمى من أن تفهمه ..
ابقَ كما أنت متفّرجاً قد يأسَ من محاولاتِ إيقافي .. وأطبق فمكَ فعقلكَ لم ولن يعمل"

رفعَ السيد مراد حاجبيه ببطءٍ إلى أعلى متعجّباً .. بينما ابنه يكملُ قائلاً ..
"انه استثمار ..
كلّما وضعتُ شيئاً أغلى كان الربحُ أكبر،، انظر ..
لقد وضعتُ عيني--"

قاطعه والده مراد واقفاً ومستعدّاً للرحيل،، مشيراً بيده قائلاً بتراخي ..

"لا أريدُ سماع شيء" ويلتفت ..

يتقدّمُ نحو الباب بذاتِ الخطواتِ الباردة ليتفاجأ به قد انفتح واندفعت منه ألِس نحوَ مرآتها الضخمة حيث المساحقُ متناثرة "المعذرة أبي مراد"

وتقفزُ جالسةً على الكرسيّ الصغير،، ممسكتاً بإصبعِ أحمرِ الشفاه تدنو من المرآة "السيد حسن هنا،، ذاك الذي له قامةٌ في الدولة"

السيد مراد بابتسامةٍ مبهمة "زوجُ السيدة سلمى!! حقّاً!!"

تتساقط الأحرف من فمها وهيَ تضع المساحق بحماس"أجل أبي إنه في الأسفل"

"يااال الإثارة" يقولها بسعادة ويتركُ الغرفة ..

بينما تسارعُ ألِس في وضعِ المساحيق على وجهها متناسيةً إياد، ونظرةٌ الفارغةَ إلى آخرِ موضعٍ رأى فيه والده .. قربَ البابِ أو ماشابه ..

لم يثر والده فيه شيئاً سوى طعمٍ لاذعٍ لا معنى له وسرعانَ ما ابتلعه ملتفتاً لزوجته تتعجّل ممازحاً "لن يتزوّجكِ ألس،، لقد فاتكِ قطارُ الزواج"

"يجب أن أليقَ بِك أمامه .." تدنو أكثر من المرآةِ تكحّلُ عينيها "هيا قم،، يمكنه دعمكَ بقوة إنه ذو نفوذ"

تنهّد ملقياً نظرةً على ساعةِ هاتفه ..
"حالي مزرية"

ضحكت ألِس حتّى بدت نواجذها قائلةً ..

"كفّ عن المزاح ..
هذه ليست أوّل مرّة تفقدُ فيها عينك ..."

_________________________

#Tamer


^مذ امسكتُ ذاكَ القطبَ الدائريّ الأشبه بالإبرة وأنا في حيرةٍ من أمري ..

وكلّما أجريتُ اختباراً بدوتُ وكأنني لم ادخلْ كليةِ الطب مطلقاً!! فكلّ رداتِ الفعل أنا ببساطة ..

عاجزٌ عن قرائتها، عاجزٌ عن فهمها !!

أعني .. لقد تدربنا نحن أطبّاءُ الأعصابِ على الجهازِ العصبي،، للإنسان ..

وليس للشيطان .

ببساطة، لقد كسرَ عصبه الإبرة ليسَ لصلابته بل .. عند نقطةٍ معينه التفَ وكسرها ..

لقد سجلتُ عدداً من البيانات المتناقضة النشطة حدّ الجنون أو الخاملة الميتة ..

إن البيانات قرائات، وكلّما نظرتُ إليها نطقَ عقلي بالتراهات وقال أنها تحادثني أنا وتتحداني أنا، تلكَ الأعصابُ العديدةُ المتشابكة تبدو مقلقةً من الشيء الكثير ..

اسيرُ مستعجلاً نحوَ أحدِ الغرف، متتبّعاً ظهرَ الممرضةِ العجوز،، ببساطةٍ قد أتعرقل وأسقط على وجهي فعينايَ لا تراقبانِ طريقةً او خطوة ..

بل تراقبان ذلكَ الشيءَ البلاستيكي بينَ يديّ وأنا أتذكّر، لقد أتممتُ خلالَ وقتٍ قصير استخراجَ مخططٍ لأعصابه ..

إنّ أعصابه متفرّعةً في جميعِ جسده أضعافَ البشر العاديين .. ولكن،، عند ذراعه المكسور ..

تنسحبُ جميعها عندما أحركه ..

الكهرباءُ في جسده مرتفعةٌ لدرجةٍ تجعلني أشكّ في كونه يحملُ مولّداً في جسده .. فلقد سجّلَ الجهازُ معدّلاً خيالياً لو وجدَ في أيّ مخلوقٍ ^لأحرقَ أنسجته^ !!

مجدداً لم أُزِح عينايَ من العلبةِ البلاستيكية بين يدي .. وافكّر ..

لقد أوضحت الأشعةُ كسراً في جمجمته أعلى الجانبِ الأيسر،، وها أناْ قد تركتهم ييركّزونَ على كسر ذراعه وجمجته في أشعةٍ مفصّ--

"سيدي،، لقد وصلنا .. هذه هيَ الغرفة"

رفعتُ رأسي مكتوبٌ عليها ^غرفة العينات^ ودخلت ..

"في درجةِ حرارةٍ باردة سأحفظُ هذه العيّنه .."
اقولها في عقلي متذكّراً لقطةَ كتفه ووتلكَ الخياطة المتينة التي خطها بعدَ أن غصتُ كالمجنونِ آخذاً عينةً من الداخل ..

من لحمه ..

أكتبُ عليها اسمه ^آدم أوس^ ..
وأضمها إلى صفوفِ عيّناتٍ مختلفة بأعلى الأرفف الشبهِ المعتمة ..

والآنَ سأعودُ للمخططات ..
والتي تنفي وجودَ أيّ جزءٍ آليٍّ في جسد آدم ..
إنها فقط أسنانه المصقولةُ المعدنية، والتي تغطّيها أسنانٌ عاديةُ الشكل من عظامٍ منحوته ومجوّفة لتحتوي المعدنية المدببة خاصته،، والعظام،، ليست عظامه ..

شيءٌ آخر ..
أسنانه المعدنية ليست كلها معدنية ..
تبدأ بجزءِ أسنانه الحقيقية وتنتهب بمعدن مصقول مدبب بعضها من ألماس واخرى من تيتانيوم .. صلادتها قويةٌ جدّاَ كآلةٍ تطحنُ الحديد ..

ها قد غادرتُ غرفةَ العينات أنسج ...

النظريةُ الاولى : جسدُ آدم مخلوقٌ حي .

وها أنا ذا جالسٌ أنا على كرسيٍّ أحتسي قوةً أمام كمٍّ من المخططاتِ والرسوماتِ البيانية لجسده .. لا أحصي كمّ المتعةِ والتحدي الذي اجتاحني طابعاً ابتسامةً خفيفةً على وجهي ..

رغم أنني،، في كلّ لحظةٍ أشككُ في التحاليلِ لأنها متضاربة وغيرُ منطقية ..

هناكَ نقاطٌ على طولِ جسد آدم نشطة جدّاً،، وأخرى خاملة لا تستجيب ..
هناكَ نقاطٌ تستجيبُ لحظيّاً للحركةِ الخارجية ..
أخرى للحرارة وأخرى استجابتها، لحظية معاكسة كردة فعل !!

بعدَ قضاءِ ثلاثِ ساعاتٍ متواصلة أفحصه كنت موقناً أنه ممسوسٌ بروحٍ ما تسكنُ جسده وتتحكّم فيه .. فجسده،، حي !!!

جسده يستجيبُ بذكاء !!!

جسده مبرمجٌ لحمايته وهو ليسَ بآلة !!!

النظرية الثانية : لآدم القدرة على التحكم
بالعضلاتِ اللا إرادية ..

فلقد وجدتُ أعصاباً حركية تخترقُ جميعَ أعضائه، أعصابٌ من النوعِ التي تجعلُ تتلقى الأوامر وتنفذها ..

كيفَ هذا!!

العصب الثالث والرابع الحركيان، الأعصاب الحسّية على قدرٍ عالٍ من التشابكِ الدقيقُ المنظّم .. والعاشر،، هو الملك هنا ..

إنه إبداعُ يدِ الخالقِ في صنعِ نسخةٍ محسّنة من الإنسان !!

النظريةُ الثالثة : آدم معدّلٌ جينياً ..

تجربةٌ روسية لجيشٍ المانيْ أم ماذا؟!!
لا شيءَ في جسدِ آدم يعمل بشكلٍ طبيعي، بل فوقَ الطبيعي !!!

وهذا قد يجعله بالفعل مستهدفاً بشكلٍ ما أو مسيّراً ..

اذا تمّ التمعّن في النتائج فببساطة سنجد أنّ الطاقة المختزنة تجعلُ استجاباتِ آدم العصبية في جزءٌ من ترليون جزءٍ من الثانية .. يجعله ذلكَ سريعاً جدّاً ،، وحسّاساً جدّاً !!

آدم نسخة محسنة عن البشر !!

-يستندُ على ذقنه-

ماذا عن نقاطِ الضعف؟!!
بضعُ ضغطاتٍ توقفُ عملَه لعشرينَ دقيقة كما فعلَ إياد تلكَ الليلة، على جانبِ وجهه ورقبته والتي يستحيلُ أن تعملَ على أيّ إنسان ،، ضغطاتٌ ولّدت موجةٌ كهربائية تشلّ الحركة داخلة ..

إذاً النظرةُ الرابعة : كتّيّبُ آدم ..

لدى آدم نقاطُ ضعف،، ولدى إياد شيءٌ من هذا العلم ربما لأنهما معاً منذ الطفولة .. لدى إياد نفسُ نظريتي للأعصاب لذا راهنني تلك الليلة واستطاعَ ليلةَ الحفلة إطفاء حركته بالضغطِ على المواضع ...

النظريةُ الخامسة : موجاتُ السمع، الأذنُ ..

تستطيعُ سماعَ موجاتٍ لا يمكنُ للإنسانِ سماعها ..
فوقَ وتحتَ الصوتية مما يجعله سلاحٌ ذو حدّين إن كان ذلك الجزء لا إرادياً ..

وبعد الفحص ،، أذنه إرادية !!

النظريةُ السادسة : الصيانة الداخلية المؤقتة .

هذه النظرية وضعتها بعد أن سلّموا لي فحصَ الذراعِ المكسورة ... وجدتُ على سطح العظامِ آثاراً طفيفة وبعض الثقوب الدقيقة أقول أنها تسللٌ لأعصابٍ أو أربطةً ذاتِ حجمٍ ضئيل وقوّةٍ حركيّة كبيرة جدّاً استطاعت تحريكها ..

مهلاً مهلاً ..
لا تنعتوني بالمجنون الغيرِ ناضج .. لأنه التحليلٌ منطقيٌّ ..

عندما تنكسر العظام لا نسطيع تحريكها بسبب الألم وأحيانا لا نتألم وأحياناً نستطيع تحريكها قليلاً .. قوةُ الأربطة والعضلات زات حتى تلاشى ضرر الكسر تماماً ...

تحكّمٌ ذاتيْ بمدى متانةِ الأربطة والعضلة واماكن وكيفيةِ نفوذها .. هذا هوّ التفسيرُ ال--

"سيّد تامر"
أفاقني صوتها الرزينُ من شرودي مردفةً "آدم استيقظ"

وقفتُ سريعًا فاندعَ الركسيّ خلفي واهتزّت الطاولة مما بعثرَ القهوةَ حولَ كوبها في فوضى كادت تمسّ الأوراق لولا انقضاضةُ الممرضة البطولية ..

"اووه!! حمداً لله" ويدي على قلبي "شكراً لك"
سريعاً قلتها ومن ثمّ ركضت متّجهاً نحو غرفته ..

من الصعبِ بل من المستحيلِ متابعةُ مريضٍ كآدم -يركضُ عبرَ الممر- ففي أقلّ من خمسِ دقائق وحيداً قد--

-يقفُ على مدخلِ الغرفة فجأةً برعب .. تتحجّرُ قدماه وينفجرُ الأدرينالين-

قد يختفي !!
سريره فارغٌ وأ-- اووه يا إلهي ها هو، هناكَ في زاويةِ الغرفةِ يصلّي ..

إلتقطّ أنفاسي بصعوبةٍ أحاولُ تخفيضَ دقاتِ قلبي،، ادفعُ قدمايَ المرتجفتينِ نحوَ المقعدِ عند سريره أو أمشي أجرّهما حتى أصلَ إلى الكرسيِّ وأجلسَ .. ترتعشُ يدي أحاولُ بها إخراجَ هاتفي،، أراه يصلي منغمساً في صلاته ..

جالساً أرضاً ووجهه لصفحةِ الجدار الفارغ .. يتمتمُ بأشياءٍ لا أكاد أسمعها بينما أنهيتُ إرسالَ رسالةٍ لإياد عن كونه استيقظ ..

أجاهدُ الرعب داخلي ..
لستُ جباناً لكنني أيضاً لستُ أحمقاً لأحملَ شجاعةً كبيرةً بلا سلاحٍ ضدّ مجهولِ القدراتِ هذا ..

هذا الذي هناك ..
الذي يصلّي، ويصلّي بطريقةٍ غريبة وكأنه يرى ما يصلّي له،، صنمٌ جالسٌ بلا حراك .. وهمساته تفوحُ في المكانِ مطأطئاً رأسه مسنداً إياها على كفّيه الملتصقينِ في وضعيةِ الخضوع التام ..

نظرتُ إليه ورأسي مثقلٌ بالأسئلة ..
لكنّه الدين ..

كلّ تلكَ الأديانِ الرحيمة التي تدعوا للمحبة،، عندما تدعو للصرامة فيمكنك رؤيةُ غضبِ الإله ملتهباً في صقيعِ أعينهم ..

فهناكَ أقوى من امتلاكِ أيِّ قوة ..
وهيَ العقيدة .

لا يوجد شيءٌ أمتنُ من العقيدة على وجه الأرض ..
إذا امتلكَ أحدهم عقيدةً راسخة فهوَ يمتلك الرعبَ بعينه ..

قد تغري أيّ أحدٍ بأيّ شهوةٍ ليتوقّفَ عمّا يفعل ..
لكنّ شهوه المؤمنينَ هيَ إرضاءُ الرب .. وشهوةُ آدم هي تنفيذُ أوامرِ الشيطان ..

آدم ساحر؟!!
ولمَ لا ..

ممسوس؟!!
هذه القوة داخله هيَ فوقَ الطبيعيْ--

مهلاً!!
-ينزلُ رأسه قليلا متمعّناً في ظهره-
هل هوَ بخير ؟!!

_________________________

في منزلِ السيّدِ أوس وبينما هوَ في طريقه مطمئناً بعد إعلامه باستيقاظ ابنه ..

يدخلُ نسيبه السيد حسن،، والذي بدى على وجهه بعضُ الإستنكارِ قائلاً "ذلكَ الجنديُّ في الخارج أدخلنا بسهولة .. فلتتمّ محاكمته"

لم يستوعب قائدُ الشرطةِ في الداخلِ كلامه فأعاده بحدةٍ وزمجرة "أأيّ رجلٍ يقولُ أنه فلان ابن فلان تسمحون له بالدخول؟!!!"

"ذلكَ لأنه يعرفكَ سيدي"

صارخاً في وجهه "ماذا لو لم أكن أنا؟!!!" مردفاً "فلتتمّ إحالته إلى المحاكمةِ حالاً"

"ح .. حسناً أمركَ سيدي"

يتعجلُ رئيسُ الشرطةِ تاركاً بقعته قبلَ أن تتمّ محاكمته هوَ أيضاً ..

لا يجبُ على أحدهم أن يستغرب،، إنه السيد الفريق حسن .. كبيرٌ السنّ أجعدُ الوجهِ ملامحهُ كجبالِ صحراءِ الأردن يابسة ...

ضخمٌ عريضُ الكتفين،، تسير ابنته مي معانقةً ذراعه مطأطئةَ الرأس .. لا تعرفُ للسعادةِ وجوداً سوى في الماضي،، مع والدتها المفقودة ..

يتقدّمُ السيد حسن وابنته نحو البابِ الرئيسيْ،، إذ يتمّ فتحه لهما بحذر .. فالرصاص قد يهطلُ أو قد تعصفُ الأنصال بأهلِ هذا المنزلِ الملعون ..

يدخلُ ولا يجدُ من يقفُ ترحيباً بِه سوى فتاةٍ صغيرة،، شقراءُ تجعلُ قلبه يدقّ بشفقةٍ لتلكَ البراءةِ المحتجزة خوفاً من الموت ..

ينحني لها بنبلٍ مبتسماً "أيتها الصغيرة ما اسمك؟؟"

"سلمى ليست هنا"

إلتفتَ إلى قائلِ العبارة بحذق ..
إنها واقفةٌ هناكَ على بعدٍ قريبٍ منه ترفعُ رأسها مدعيةً الكِبر .. لكنّ لدموعها لمعةٌ ولبكائها أثر ..

"السيدة آمال!!" مقيماً وقفته،، يعلو حاجباه بتعجّب ..

"لا نريدُ مزيداً من البلاء ...
لقد فقد ابني عينه اليسرى ولا أريدُ خدشاً آخرَ بِه"

"أنا متأسف سيدة آمال ولكن،، ماذا تعنين؟!!"

"أنت رجلُ دولة،، ستكونُ مستهدفاً--"

"سيدة آمال،، أنتم عائلتي أيضاً"

" إذاً فلتفعل شيئاً يليقُ بمقامك من حمايةٍ لنا أو لترحل حالاً"

تدخّل السيد مراد على وجل "آمال فلتكوني لطيفةً قليلاً .. إنه ضيفنا" مشيراً له "تفضّل تفضّل سيدي"

إلى غرفةِ الجلوسِ قاده حيث لاقاهما إياد في طريقهما،، متجاهلاً اهتزاز هاتفه في جيبه عمداً .. يُبدي وكأنه لا وقتَ للسلامِ أو حتى الكلام طالباً منه أن يتبعه إلى مكتبه ..

هناكَ طلبَ منه الجلوس،، وطلبَ منهم تركهما على انفرادٍ فهناك ما يخطط له متلاعبنا .. يطبُخُ في رأسه خطته التي سيبتلعها حسن طعماً وتكون هي،، الخطوةَ الأخيرةَ له قبل أن يرحلَ من الأردن ..

جلسَ متباعدَ الساقينِ متشابكَ الأصابع في تنهيدةٍ ..
"أرجو أن تعذرَ وقاحتي لكننا لا نملكُ من الوقتِ شيئاً"

"أتفهّمُ ذلك،، فلقد انتزعَ أرواحَ رجالٍ" مشيراً إليه "لكنه لم يستطع أن ينتزع سوى عينك"

تبلّدَ وجهُ إياد في نظرةٍ طفت بعينيه السليمة ..
"واستطاعت شابةٌ في الثلاثين أن تكونَ قطّاً لفأره" ثمّ أردف "ليسَ جباناً ولستُ أضاهيه قوةً .. إنما هوَ يستهدفُ رؤوساً كأوس جدّي .."

"أو يستهدفني"

"أء .. بالطبع ولمَ لا" باستخفاف "من يدري ما هدفه،، ربما العائلة ب--"
يهتزّ هاتفه في جيبه مجدداً فيصكّ أسنانه ^اللعنة^

"لا بأس إياد، يمكنك أن ترد"

وقفَ إياد،، وسحبَ هاتفه من جيبه بانفعالٍ متّجهاً للخروج وما إن التفت ...

حتّى سمعَ السيد حسن دويّ صوتِ عجلاتٍ في الخارج فقفزَ من مكانه نحوَ الشرفةِ ليشهد زلزلةً شديدة من انفجارٍ جرّاءَ اصطدامَ سيّارة بالسور !!

من الجانبِ الآخر يركضُ إياد نحوَ شرفاتِ البهوِ الخمسةِ مغلقاً هاتفه في رهبةٍ أذابت ملامحه .. إذ نيرانُ الإنفجارِ قد ومضَت حمرتها البرتقالة ثمّ تبدّلت إلى دوخانٍ كثيفٍ أسود يتصاعد مع صرخاتِ أهله بالأسفل ..

ينظرُ إلى الحدثِ مذبهلّاً فتوقظهُ صرخةُ السيد حسن من خلفه "يجب أن نضعَ العائلة في غرفةٍ آمنة إياد ...
إياد أخبرني أينَ السلم لأنزل إليهم!!"

لم يستجب إياد وظلّ متسمّراً مكانه وكأنه ينتظر أوامرَ من نوعٍ آخر .. الفوضى حوله لا تكادُ توقظه!! ركضٌ وتدافعٌ على السلالم وصوتٌ صاحَ بهم "إلى القبو!!"

^إنها سيارةُ الجد!!^

هذا ما صرخَ بِهِ أحدهم في على الدرجِ ..
تمالكَ السيدُ حسن أعصابه مشدداً على قبضته "لا تخرجوا !! هيا تجمّعوا في القبو"

تختلطُ الأصواتُ وتتعالى،، ركضٌ وصراخٌ وزمجرة .. والدوخانُ ببطءٍ يخنقُ الهواءَ برائحته ولونه ولا يزالُ إياد في حالةِ جمود ..

وتحتَ إشرافِ أيمن،، مراد وإيملي .. لقد نزل الجميعُ إلى الطابقِ الأرضيِّ ماعدا والدةُ إياد .. فها هم يرغمونها على الدخولِ .. تصرخُ بهم "اتركوني .. إياد لا يزالُ فوق!!
ابني لا يزالُ فوق .. أتوسّلُ لكَ مراد دعني أكن بقربه .."

فصدرَ من القبوِ صوتُ مي تصرخ "والدي أيضاً فوق!!!"

___________________________

"أينَ الأمن!!!!" بغضبٍ عارم يصرخُ في هاتفه على الشرطيّ "ماذا تعني لا يمكنكم الدخول!! .. فلتطلبوا الدعمَ ح--"

-دويّ انفجار-

تهتزُّ مرتعدةً له الجدرانُ وتسقطُ على إثره اللوح فيتكسّرُ زجاجٌ وتطيرُ شظايا في الأرجاء بعنفٍ شديد .. إنها غضبةٌُ أشبه بغضبةِ التنينِ حولهم يحلّق يقذفُ النيران بغيةَ هلاكهم !!

يتمسّكُ حسن بالجدارِ مثبّتاً عينيه على إياد يحمي وجهه بيده وجسده خلف جزءّ بارزٍ من الحائطِ قرب النوافذ ..

شعرَ السيد حسن بشيءٍ من شجاعةٍ وهمية جعلته يأخذُ عشرَ خطواتٍ إلى الأمام مقترباً من إياد الجاثي بصمتٍ خلف الجدار وسلاحه يتلمّسُ جيبه،، فيخرجُ منه سلاحاً فضّياً طويلاً ذو كاتم ..

بدأت النيرانُ تشتعلُ في جزءٍ ما من المنزل ،، وصوتٌ كرصاصٍ مرتد من الأمن .. لا يدلّ سوى على ظهوره بالخارج!!

يقتربُ السيد حسن مربّتاً على كتف إياد إذ الحرارةُ في المنزلِ تعلو والهواءُ يقل .. ينظرُ إلى مسدسه ..
"

لمن تستعد بنيْ .. المنزلُ يحترق!!" ثمّ تابع "أهلكَ بخير .. هيا بنا"

"لن أهرب .. لستُ جباناً"

"تهربُ من ماذا؟!"

داهمها رنين هاتفِ إياد مجدداً فأسرعُ يردُّ على ^تامر^ الذي خرجَ صوته من الهاتفِ يصيح "آدم .. لقد هرب آدم ..
ظننته يصلي لكنه كان الممرض مصعوقاً!!"

رفعَ حسن رأسهُ قليلاً بذهولٍ إلى وجه إياد الذي اجتاحته الصدمة من سماعه تامر مرتعداً "سيصلُ ليقتل في أيّةِ لح--"

اغلق الهاتف ..

"آدم أوس؟!!" قالها حسن وأعادها مجدداً "آدم هوَ المفتعلُ لكلّ هذا؟!!!!"

أحسّ إيادِ برعشةٍ في عموده الفقريْ،، وبكلّ ذرةِ خوفٍ من أحشائه .. خوفٌ يصعد يتلبّسُ وجهه ليحوله لرماديٍّ محترق ويتملّكُ عروقه فتتذبذب مع دقّاتِ قلبه ..

الآن حان الوقت ..

قابضاً على مسدّسه بقوة "سيد حسن .. يجب أن تنجو بحياتك"

"لن أتركك وحيداً بعينٍ واحدة وذراعٍ واحد--"

"لا يمكنك"

"لمَ"

تنهيدة "أتعرفُ كم .. طلقةً في مسدسي؟!"

"ل--"

"واحد -يطلقُ في قلبِه-
إثنان -في وجهه-

ثلاثة ..

أربعة ..

خمسة ..

ستّ سبع ثمانية ..."


حتى يتحوّلَ جسد السيدِ حسن،، لهريسةِ دم .

-يتبع-

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top