- فوضى -
● لم أراجع الفصل لأنني كسولة..
● تأخرت بسبب ماامااا 🙂
● لا تنزل الى الأسفل لأنني لم اكتب اسم المتلاعب هنا.. سأنشر بارت يحوي اسمه بمجرد ان يقرأ هذا البارت ثلاثة فقط..
____________________________
استرخاء..
قبل أن تغطّ في النوم ستشعر أن،، أنفاسك انسجمت مع الهواء المحيط بك..
أهو يتنفّسك أم أنت تتنفسه؟!
لن تعلم إجابة هذا السؤال فلحظتها تكون قد تركت جسدك بالفعل..
هذه أول علامة الموتة الصغرى،، النوم..
إنه ليس حياة وليس موتاً،، إنه برزخ..
فصدرك يصعد ويهبط مع عملية التنفس،، وقلبك ينبض بالحياة،، يضخُّ دمك إلى الشرايين لتعمل أعضائك الحيوية على أكمل وجه..
لكن أين روحك؟
لقد غادرتك..
ببساطة النوم معجزة نشهدها يومياً عدة مرات،، لكننا لا نؤمن بالمعجزات .
^أتعلمين.. في النومِ روحكِ تطفو فوق جسدكِ على مقربة منه،، وحينها تتصل بالجسد عبر وصلات خفية أن تحلّق إلى السماء فتموتين ..
وتلك الوصلات كلمات أو رموز ..
بل هي سر من الأسرار التي لا يعلمها سوى الخالق.. فهو الوحيد القادر على عقدها أو فكّها..
وبمجرّد أن يصدر اضطراب،، أو صوتٌ ما حولك.. روحك الطافية الموازية لجسدك النائم تسقط سقطة سريعة لتستفيقي^
وضع يده الكبيرة فوق قلبي..
^أمّا الأرق يا فتاتي،،
فهو روحك الخائفة من ترك جسدك والطفو فوقه..
وذلك ببساطة،، لأن الروح تعلم ما لا يعلمه الجسد وغالباً ما يوجد إتصال عقيم بينهما بسبب إختلاف اللغة والمعدن،، فالجسد من طينة الأرض والروح نفخة الله فيكِ..
بمعنى -رفع يده الأخرى،، ومسح على رأسي- روحك خائفة من شيءٍ ما،، تعرفه وتحيط به ويجهله جسدك الماديْ.. فتأبى ترك جسدك إلى أن تشعر بضمان أمان أنها ستعود له مجدداً..
تعاليْ -يجلسني،، ثم يحيطني بذراعيه،، فأجد جسدي موضوعاً بين جنبيه وذراعاه تعتصرانني.. فيلتصق رأسي بأحد أضلعه وأسمع دقاته القوية..
فسؤاله- والآن يا قطتي،، مما أنتِ خائفة؟^
كان هذا حواراً دار بيننا منذ عدة أشهر،، إذ أصبت بنوبة هلع ووسوسة أنه سيتركني..
ولو أنه قام بسؤالي ذات السؤال اليوم،، لأجبته : خائفة منك أنت..
ليس لأنك عنّفتني وتركت علامات غائرة على جسدي..
وليس لأنك حاولت خنقي وقتلي..
بل،، لأنني..
تفاجأت فقط .
إنه وجهك..
هناك أمرٌ عظيم حوّلك لوحش ارتدّ عليْ.. أمرٌ لا أعرفه أنا،، بل تعرفه روحي المتأرقة.. ويكفيكَ ذنباً إخفاؤه عنّي..
على جانبي الأيسر مفتوحة العينين كنت،، وكأن عقلي يرفض الإعتراف بأن الليل قد حلّ،، مع أنها اقتربت من الثانية مساءً!!
القمر بازغٌ يلقي بضوئه الأزرق عليْ من نافذة تقابل مضجعي..
لقد خرج ثلاثتهم منذ قليل..
إياد ،، آدم وإيميلي..
وها أنا كما أنا،، رغم ساعات السفر ومشقّة الطريق..
عينان كالبوم تبحثان عن سرّ الأرق..
كان يقول لي ^العنف هو لغة العجز^ العجز عن التفاهم،، العجز عن التفسير عن التعبير عن الإنسجام..
^..وأحياناً يكونُ عجزاً عن فهم أنفسنا.. أو كما في الحروب،، عجزاً عن تقبّل الآخرين^
إذاً ما الذي عجز عنه لحظتها؟
لا أستطيع تذكّر نصِّ جمله أثناء ضربي..
ها هو باب الغرفة قد تم إقتحامه فجأة،، كعادته يدخل وكأنه ينتظر رؤية فجيعة ما.. لقد كدت أقفز من مكاني لكنني ثبّتُّ جسدي وتظاهرت بالنوم..
هو لن يرى عيناي لأنهما متوارتان جانباً،، السكون يعني السبات،، والسبات يعني ألّا تزعجني وألا تريني وجهك..
ما إن دخل أوصد الباب خلفه في هدوء،، وسمعت النوافذ آليّاً يتم إغلاقها،، لتحجب عنّي بقايا ضوء القمر الذي كان يؤنسني..
فها هي الظلمة ببطء مع انغلاق النافذة تُغرق وجهي من الأعلى نزولاً إلى الأسفل،، فتنطفئ عيني وتعجُّ الغرفة بصخب الظلام..
سمعت حلقة المفاتيح خاصته ورنينها توضع على طاولة خشبية،، ثم ضوء الهاتف اللوحي الذي لم يلبث سوى القليل ثم انطفأ..
دخل دورة المياه واضائها فأنارت مساحة كبيرة من الغرفة..
وما إن فعل،، حتى سمعت صوت الخرير وانهمار قطرات (الدوش) لمدة ١٥ دقيقة من الإستحمام.. والصمت المكتوم الذي ابتلعه إياد،، هو بالتأكيد تفكيرٌ عميق كالعادة،، أو ربما حزنٌ وبؤس...
وفاحت عطور زجاجات الصابون ورغوة الشامبو فملأت الغرفة مع رطوبة منبعثة من بخار الحمام.. ولا أدري لمَ ترك باب الحمام مفتوحاً بهذا الشكل حتى وهو يستحم على غير عادته!!
وبعد أن انتهى،، خرج وأغلق ضوء الحمام.. فانقضّ الظلامُ عليَّ مجدداً،، وأصابني بعماً تام لوهلة..
ظللت لا أبصر شيئاً حتى عادت إلى بصري خيوط ضوء أبيض باهت خفيف،، ومنبعث من حاسوبه ربما..
أجل حاسوبه،، لقد سمعت صوت نغمة فتحه،، ثم تلاه صعوده فوق السرير خلفي.. وكأنه وضع ركبتيه أولاً وشعرت بالفراش تحتي يصعد ويهبط مع اقترابه..
التفت إليه قبل أن يتفحصني بيديه كما فعل،، ورأيته كما توقعت على ركبتيه بقترب منّي.. يرتدي سواله الأسود،، يبرز عضلات فخذيه المتينين..
ارتفع ببصري إلى جزئه العلوي..
خصره النحيل،، ذو العظام البارزة والذي يتسع صعوداً حتى صدره المشدود العريض ،، أشبه بمربّعين قاسيين بارزين قليلاً..
يعلوه جناحان ويتوسطمها في الأعلى رأس النسر في وضعية انقضاض دراماتيكية.. ناهيك عن ذراعين محشوّان بكتل عضليّة صلبة،، تعجّان بصخب الوشوم الملونة،، وحوش ،،سيّارات كلاسيكية ،، ورد وأوراق نبات اللبلاب..
نظر إليْ،، فألتقت عيناي بوجهه تشردان فيه،، فقد بدت لحيته أكثر سواداً وخصلاته البرونزية أطول بقليل من العادة.. وهذا يعني أنه منشغل حد إهمال شعر رأسه ولحيته!!
أي امرأة تتمنى وجود اليوسفيِّ على فراشها..
وأيُّ امرأة غيري،، كانت لتعرض عليه ذاتها جمعاء لتحظى معه بليلة لذيذة..
لكن،، وكما توقعت.. لم تتحرك داخلي فسيلة شعور نحوه..
وأنا التي،، كنت أفقد عقلي جملةً بمجرد رؤيته
أو إبصار لون شفتيه الممتلئتين المائل للزهرة.. والتي اعتدتهما مصدر غذائي الروحيْ..
لكن ليس بعد الآن..
بعد تحديقٍ متبادل،، جثى على يديه قربي،، منزلاً رأسه إليْ..
"لم تنامي بعد؟" بنبرته الرجولية..
حينها فَتّشت نظراته مجدداً.. إنه يحاول أن يتودد،، هذه هي ذات النظرات التي قابلني بها عندما حاول إسترجاعي بعد ما فعلته والدته..
أشحت بوجهي جانباً كما كنت ولم أجد ما أقوله..
والآن سيلمسني بيده،، أعلم ذلك..
"لوسمحت ،، إياد.. لا تلمسني رجاءً"
دخل كعادته مباشرة في صلب الموضوع بنبرة متوددة
"دعيني أشرح لكِ.. أليس" أمسك يدي وجعلها في قلب يده..
ومن ثم قبلها "أتفسحين لي مجالاً للشرح؟"
إلتفتُّ إليه،، فرأيت لمعة بعينيه،، وخجل ،،أمل وإحراج جميعهم معاً مختلطين مطّو شفتيه ليصنعوا تلك الإبتسامة المتوجّلة.. أجل إنه يأمل بنسبة كبيرة أن أسقط الآن في هيام حبه وأفتح له ذات المساحة الهائلة في قلبي..
لم يعلم أنني مع ابتسامته تلك شعرت برغبة كبيرة في كسر تلك الشفتين وذلك الأمل.. شعرت أني أريد جعله يتذلل أكثر فأكثر حتى يبلغ حد الكلاب ذُلّاً ثم ألقي به في جحيم الماضي وأرحل عنه بعيداً..
لبثت أفكر في ردٍّ جارح،، فاصل أو حتى غير مفهوم..
لكنني مجدداً لم أجد ما أقول..
هناك جملة واحدة فقط تتردد في خلدي،، وأتردد في النطق بها..
بينما هو يعود لتقبيل يدي "أعطني فرصة لشرح ما حدث،، فلعلّ وعسى،، أرمم الكسر أو أصلح ما خرب من علاقتنا.. لكن صدقيني،، إن قدركِ عندي عظيمٌ لم تبلغه امرأة قط.."
نظرت إليه بملامح باردة ،، أعلم سيبدأ بفث حلو كلامه على مسامعي ليستميل أنوثتي،، لكنني عارضته ولا أدري متى أصبحت بهذه القسوة لأسحب يدي من بين يديه،، بينما يرجوني هو،، إياد مراد بذاته!!
إياد،، الذي تكاد الفاتنات يسجدن له ويقدّمن أنفسهن مجّاناً على طبقٍ من ذهب .. لا يعلمن أنه سقط من نظري للمرة الثانية،، فأصبحت أتقبّل الرجل الزنجيْ عنه..
فما الذي سأستفيده من لحية وجسد بينما هو فارغٌ من الأمان،، شحيح العطف والحنان!!
هو لم يكن كذلك قبل اليوم فماذا جرى؟!!
لن أقول أن أيامه ستشفع له..
إنه ألم الخذلان الذي يمنعني من إعطائه عذراً.. والذي دفعني لقول الجملة التي تتردد في خلدي ألا وهي..
"لقد انتهى كلُّ شيء..
وأنا التي اعتقدتك ستعزني أمام أهلك..
هذا ليس شرخا في علاقتنا أو كسراً في قلبي،، بل هو احتراق..
أنا،، ورغم مروري بحقبةٍ زمنية عوملت فيها بقسوة.. لم أذق ذلك (الذل) الذي تذوقته منك اليوم في حياتي"
ضحك بصوتٍ غائب ضحكة خوف ثم قطعها قائلاً..
"تتحدثين بجدّية،، وهذا مخيف"
لطالما أحبني بلهاء.. غبية لا أفهم وأترك له مقاليد كل الأمور "لكنني،، لم أعد أريدك.. بصدق..
أتعرف ما معنى لا أريدك؟
لم تعد تزن في حياتي سوى ألماً يجب التخلص منه.."
جلست بعد أن كنت مضّجعة،، لم تفارق عيناي وجهه كيف بهت فجأة ،، ضاعت ملامحه من شدة الصدمة وغابت أحرفه عن لسانه..
لكنني لم أشعر بشيء..
كل ما أشعر به هو أنني " يجب عليّ جمع ما تبقّى من فُتات كرامتي والرحيل.."
ولا أريد الإفصاح عن،، عدم رغبتي في النظر إلى وجهه مجدداً فهذا يقرفني.. لكنني لن أفصح لكي لا أجرح نفسي بجَرحِه،، فقد كان حصناً لي يوماً ما..
لكن مكوثه في بلاد العرب أعاده رجلاً شرقيّاً كريهاً متخلّفاً عديم الإنسانية،، وكم أمقت ذلك..
وما أعنف تلك الكراهية التي ولدت مع إجهاض الحب..
أمسكَ رسغي قبل أن أقف "بالتأكيد أنتِ تمزحين،، لا يمكنكي الذهاب خاصة الآن المكان خطر"
"أخطر من محاولتك قتلي؟" أبتسم بسخرية..
ثمّ يدقُّ الشيطان أفكاري فيخبرني أنه ما تذلل إلا ليحصل على رغبته الجسدية مني..
فوقفت متجاهلة إياه بقسوة أكثر،، ومتجاهلتةً وجهه كيف بدى وتلوّن معلناً حالة الضياع الأكيد.. فقد باغته بردة فعلي الباردة،، كيف تحوّلت البلهاء إلى امرأة تعرف قدر نفسها؟!
وفور وصولي إلى الخزانة،، رأيت صورتي قد انعكست على المرآة غير واضحة بسبب الظلام الذي لا يضيؤه سوى ضوء الحاسوب..
ملابس النوم القطنية،، البيضاء والبنفسجية.. قصيرة عارية لتبرز تلك العلامات الكثيرة الذي تركها الحب،، الثقة العمياء والهيام..
واللعنة على الحب،، فكم كسر وأمات نفوساً باسمه..
رأيتني بجسدي الفاتن،، إنحناءاته وبياضه..
وجهي الذي يتمنّى امتلاكه أيُّ رجلٍ على هذا الكوكب..
كل هذا الجمال يجب أن يرحل عنه..
وكما توقعت،، سيُجن..
فلقد قام بسرعة ووصل إليْ..
إلتفتّ نحوه،، يعلوني قامة ويكاد يلصق جسده بي..
أنزل رأسه بابتسامة خوفٍ أخرى "ابقي معي"
إنها الشهوة بالتأكيد..
"لا أريدك"
أدرت له ظهري أبحث عن ملابسي،، أتذكّر أن إيمي غسلتها وجففتها،، ثم وضعتها في الخزانة،، أو ربما أتخيل فقط..
لكنني بدأت أبحث بيديْ ومن شدة التوتر نسيت أنني لا أبصر شيئاً تقريباً ولا أعرف عن ماذا أبحث بين ملابسه..
بينما يمطرني هو بالرجاء المكلل بنرة رجولية وصلت من النعومة ما يجعل أيّ أنثى تلين..
"أرجوكِ لا ترحلي،، أعطني فرصة لتوضيح كلّ شيء لك.. أليس حبيبتي" وانقضّ على ظهري فجأة بعد تلك الجملة!!
وعانقني بقوة منزلاً رأسه على كتفي.. يعتصرني ويعتصرني،، وكأنها الشهوة لكنها لم تكن كذلك.. فقد تنفس أنفاساً متقطعة أشبه ب..
النحيب!!
"أرجوكِ..
أعلم أنني تجاوزت الحدود لكن،، أ..
أنا بدونكِ لا شيء.. أحتاج إلى شعاعك لأبصر..
أليس يا عشيقتي.. --"
انقطع صوته..
فقد أغرق وجهه في..
في كتفي العاري..
يشهق،، ودموعه الرطبة تبلل كتفي فأدخل في دوّامة من ألمٍ رهيب مجهول السبب معلومٌ مصدره في غرفات قلبي..
لم أره يبكي في حياتي..
لكنه فعل..
يحتضنني من الخلف وذراعاه،، أحدهما يطوِّق صدري والآخر يطوِّق خصري وكلاهما يشدّانني إليه بقوة باردة لا شهوة فيها..
فقط تمسُّك..
وكأنه يحاول أخذي إلى داخله..
رفع رأسه ليفرج عن فمه،،
بصوتٍ متقطِّع متعب ضعيف..
صوت أشبه بمذياعٍ قديمٍ يفرغُ بطّارياته..
"يا قطعتي..
أعطني فرصة واحدة لأثبت.. أنني أهواكِي حدَّ قتلك..
إفعلي كلّ شيء،، لكن أحبيني..
فلا أحد يفعل..
ولا أحد يراني جيداً قدركِ أنتِ..
وها أنا قد حطمْت الشخص الوحيد،، الذي كان ببساطة،، يتقبّلني..
فيالي من أحمق لعينٍ قذر.."
أنزلت عنّي ذراعيه بشيءٍ من الصعوبة..
والتفتّ إليه،، ولا أدري لم كنت بتلك القسوة إذ انطبعت على وجهي ابتسامة غرور فور رؤتي ل..
لعينيه قد احمرّتا واغرورقتا مع ورمٍ خفيف..
"كوووول هذا" مشيرةً إلى وجهه "من أجلس الجنس؟!!" بنظرة استحقار..
قطّب حاجبيه بتعجُّب ودوار "ماذا تعنين؟"
"أنت تعرف ما أعني..
أنا الوحيدة هنا،، التي تستطيع ممارسة ألوان الإنحراف الجنسيِّ معها.." ضممت إليّ منكبيّ وكأنني لم أصدق ما تفوهت به تواً..
وكأن ما قالته لي صديقتي يوماً.. ومض في ذاكرتي برهة..
^إعتذار الرجل إنكسار..
إذا اعتذر لكِ رجل فهو يتخلّى عن جزء كبير من كبرياء رجولته،، فإياكِ أن تذليه لأنه لن ينسى لكِ تلك اللحظة^
لكنني ...
أعني أنا أجل لا أريده لكن..
"عنيت لمَ تتذلل هكذا؟!! لو كنت مدركاً لحجم الخطأ لما ارتكبته في الأصل" أرجو أن تكون هذه طمست المصيبة التي قبلها..
وجدته يدنو مجدداً..
ثم رأيته هبط أرضاً جاثياً على ركبتيه أمامي فارتعشت وصرخت به "ماذا تفعل قف.." فأنا لست معتادة عليه هكذا..
"أرجوكِ" بنبرة هادئة وصوتٍ صافٍ قد أفرغ كلّ قوته "أنا أستحقُّ جفائك..
لكن..
-انفجرت عيناه بالعبرات،، لم أرَ عينيه لكن العبرات تساقطت كبداية المطر على بياض قدميّ الحافتين.. وجعل يردد بحرقة شديدة- أكذبي هذه المرة فقط..
اكذبي وتظاهري بحبكِ لي..
تظاهري بعفوك عنّي..
تظاهري بالوقوف جانبي في هذه المحنة،، إكذبِ عليّ وقولي أنكِ ستسندينني كيفما وقعت..
وأنكِ..
تتقبلينني.."
جنّ جنوني وكأنني فجأةً تذكرت كل جمله التي قالها أثناء ضربه لي..
فجلست أرضاً،، بل انهرت أرضاً وبيدٍ مرتعشة تفقّدت وجهه،، ووضعت يداي على خدّيه وصرخت به "إيااد؟!! إياد من الذي فعل بكَ هذا؟!!!! إياد ماذا جرى لكك؟!"
كان كظيماً..
وفهمت..
فهمت كلّ شيء،، الآن فهمت..
انفجرت دموعي وعدت بلهاء..
أسقط على حِجره بين ذراعيه وأتحسس وجهه في الظلام،، فكلّما شعرت برطوبة الدمع ،، أمسحه بعنفٍ صارخة "أنت قويْ أنت متين.. أنت إيااد" وأنهار أكثر فأكثر حتى أصلة لبحة في صرختي "لا تسمح لأحدٍ أن يكسرك هكذا لا تفعل..
أنا هنا"
خفت صوتي بغتة "أنا هنا"
وجعلت كالمجنونة أمسح كل دمعة تحاول السقوط من عينيه التي لم أستطع إدراكهما في الظلام..
قد ثقُل رأسه إلى الأمام عليَّ وصمت..
فجعلت أسرف في البكاء وأردد بابتسامة مواساة..
"أنا هنا.. أنا من أجلك هنا"
لم يحرك في جسده ساكناً..
حتى احتضنت رأسه إلى صدري ببكاءٍ صامت خفيف،، اختتمت به ذلك اليوم الشاق .
فحملني بين ذراعيه،، يعيدني إلى فراشه الذي هو قدَري.. ويجعلني أتمدد،، ثمّ يسترق مصّة من شفتي..
فأحطت عنقه وأطلت القبلة حتّى ابتسمت مغمضةً أقبله..
يصعد فوقي وتتلاقى نظراتنا تحت الضوءِ الخافت،، فرأيت انتفاخ وحمرة عينيه التي انسجمت مع ابتسامته السعيدة ذات الأسنان.. كطفلٍ حصل على الحلوى بعد رجاءٍ طويل..
كانت هذه أجمل لقطة التقطتها له عيناي..
خاصة حينما اقترب وألصق جبينه بجبيني فجعلت أضحك وأنعته بالمحتال..
"آها.. والآن عدت كالأسد"
أمسكَ يداي بقوة "أحبكِ إليسا.. أنتي عزيزة جداً على قلبي"
ثم استلقى بجواري "هناك محكمة ستقام في تمام التاسعة،، ستحضرينها معي وتفهمين جزءاً من كل شيء"
"لماذا محكمة؟! هل أنت متّهم؟!"
لم يجبني..
لكني حينها فهمت اختصار كلِّ شيء..
الشرطة..
وجمَلُه..
ربما هلعه وحبه هما من كادا يقتلانني..
الحنان حد القسوة..
الخوف حد القتل..
كثرة الشيء كقلته،، كثرة الشيء توّلد عكسه..
الآن فهمت .
_________________________
أخذ حاسوبه ووضعه على وسادة قربي..
"اقتربِ منّي أكثر" ففعلت وبهذا أصبحت بينه وبين حاسوبه المحمول الذي أعطيته ظهري بينما وجهي في حضنه..
ولم يكن بين جسدينا أدنى فراغ،، لكنه لم يشتهي جسدي حتى!! لأن عقله مليء،، فأنا أعرفه كيف يصبح عندما ينشغل،، تماماً كالآلة..
"هيّا نامي"
قالها بلهجة آمرة بينما يينظر في الحاسوب..
فاجتاحتني الفضول وحين فعل التفت بكامل جسدي نحو الحاسوب وجعلت إياد في ظهري..
لم يكترث لتطفّلي ولم أسأل..
فقد كانت مجموعة من مقاطع رعب أو تلك التي نجدها على الإنترنت المظلم..
كانت لرجلٍ يرتدي عبائة سوداء وقناع طاعون،، يهاجم قواتٍ خاصة.. في فوضى وصراخ،، أسلحة ودماء..
وأغفو ثم أستيقظ على ذات الصرخة،، صرخة الرجل في المقطع.. فأعلم أنه يعيد اللقطات مرات ومرّات..
بصمتٍ..
وتركيز..
تنعكس أضواء المقطع ذاته على حدقتيه المثبتتين..
فتركته لشغفه،، وعدت للنوم كما لم أفعل من قبل.
_____________________
▪
●▪●▪●▪●▪●▪●▪●▪●▪●▪●▪●▪
صباح اليوم ..
اليوم،، كان اليوم الذي تمنى به تامر أن تدور به طواحين الزمن، فيضيع بين تعاقب الأقدار وتهدر التكرار في بقعة السواد حيث مخلفات الاوقات ...
إلا أن القدر أتى له بيومه هذا وأحكم ربطه في شريط الزمان .....
كان مستيقظاً منذ الصباح يضيع في آلاف الأفكار التي تفتك بعقله، وجميعها سوداء حالكة الظلام، تهمس : أن اختر من أحد الخيارين، وكلاهما مر الأمرّين .... فهل ينصف الحق ويكون ناصرا للشهادة، أم ينصف ظهر أبيه ويكون بارا بأبوّته؟!
وبين شهادة الحق وحق أبوّة ابيه تضيع آلاف المعاني ....
فتارة يتخيل نفسه فارساً مغوراً يمتطي خيل الحق وينقذ العائلة من شرور الإجرام، وتارة أخرى يرى نفسه بثياب الجلاد يجر والده من أغلاله..
وتارة يرى نفسه يساق إلى الجحيم ويلقى في الحميم بينما يلعنه خلق الله جميعاً لكونه يعترف كذباً أنه شيطانٌ زرع فتنة ....
شاهد الزور ، عاقّ الوالد.. كلاهما يستحق العقاب !!
مازال يغرق ويغرق حتى دقت الساعة ....
تنبه لها فإذا هي الثامنة صباحاً.. فقام سريعا وذهب إلى حيث سينهي تلك الفوضى العارمة الضارمة في رأسه، إلى الإغتسال..
مياه باردة قد تجمد حبل الأفكار لبعض الوقت ، وهذا ما يحتاجه تحديدا قبل بدء في محاكمة في التاسعة ....
وبالفعل .... لحظات وكان تحت سيلٍ من المياه المنسكبة من أعلاه ، توقف كل شيء عن الحراك ، وتوقفت دماغه عن الصراخ ، فارتخى جسده أن أخيراً بعد معركته الأخيرة مع هيجان الأعصاب ....
أنهى إغتساله في حمّام المركز،، ووقف أمام مرآة قديمة تخلّت عن أجزاءٍ منها،، ورغم ذلك لا تزال معلّقة على حائط هذا الحمّام المتواضع..
يطالع وجهه بينما يغلق أزرار قميصه ...
المزيد من الهالات وشعره الذي إعتاده ناعما يصر على الظهور في أسوأ حالاته.. كما وذقنٌ تناثرت شعراتها في كافة أرجاء وجهه بلا نظام ....
لم يهمه الأمر كثيراً ، فهو ذاهب لمحاكمة والده، بل وهو المُدين !! بالتأكيد لن يكون بمزاج لائق ليطالع هيئة وجهه المزرية فضلاً عن الظهور بمظهر يليق بمقام عائلته الرفيع ...
فاليوم ....
سيبدو بحقيقته مجرداً عارياً من كل رداءات المظاهر ....
إنتهى من تجهيز نفسه ببذلة متواضعة وحذاءٍ جلديْ رسميْ،، واتجه بصحبة ضابطين يعاملانه كسيّدهما،، فيرافقانه دون إجبارٍ ويتركانه يختار طريقه حتّى يركب معهم السيّارة....
وللحظة ، لحظة أخيرة فحسب ... عاودته أمنيته الأولى ....
لو أن زمانه يتوقف عن الركض .... لو أنه فقط ، يسقط هذا اليوم من شريطه ، لو أن كل ما يمر به ما هو إلا مجرد كابوس ثقيل .... لبات الأمر أفضل بكثير .... بكثير للغاية..
إنها الثامنة والنصف،، وقت وصل لسور محكمة الجناياتِ في عمّان حيث سينتظرهم القاضي هشام ....
توقّفت السيارة بعدما رُكنت قريباً ... زفر بعمق يعدما تخالجته همومه مجدداً وخوفٌ من مقابلة والده فور نزوله ربمّا..
هموم منذرة بأن سيل الأفكار العليلة قد بدأ في معاودته،، وقريباً .. سيغدو صراخاً حاداً يغرقه في دوامات من الشتات كما كان في الصباح ....
قبض قبضته بقوة عله يذهب ببعض صراخ عقله ويلملم بعض الفوضى التي يحدثها ....
تذكر كلمات إياد : الأبناء دوما يجدر بهم أن يبذلوا كافة ما لديهم في سبيل والديهم،، لأنهم لو وهبوهم حياتهم كلها لن يوافيهم ذلك حقهم في أبوّتهم..
زحفت به أفكاره نحو صندوق ذكراه الموصد،، حيث إنتقت له من بين جميع الذكرى تلك التي جمعته بوالده ....
كان يطعمه ، يلبسه ، يشجعه ، يعلمه ، يأتي له بالهدايا ، يطبع القبلات على جبينه ، يفخر به أكثر من أي أحد في هذا الكون الفسيح ، كانا قريبين وازدادا قرباً عندما إلتحق بكلية الطب،، فتدرب على يده هو،، وتخرج بمرتبة الشرف..
الإبتسامة ... ذكرى إبتسامته الفريدة ، أيمن كان دوماً فخوراً .... أيمن كان دوماً ودوداً ، أيمن كان دوماً محباً ، أيمن كان دوماً معطاءً ، أيمن .... كان صدوقاً .....
صدوقا !! تلك الكلمة كان لها صدى خاص وسط الصراخ أسكت جميع أصوات أفكاره للحظة ثم عادت الهمهمات ...
كان صدوقا ....
لكنه لم يغدو اليوم كذلك ....
ليتك أيمن لم تكذب ....
أمنيته كانت مؤلمة لحد بعيد فقط لكونها أمنية... فالأماني دوما بعيدة المنال .... وما أسوأ أن ترى والدك كاذباً!!
وما الذي أحاله إلى شيطانٍ فجأة؟!!
أطلقت عيناه عبرة قهر ساخنة سقطت على وجهه محرقة كيانه مشعلة لآلامه ...
بر والده واجب ،، وشهادة الزور محرمة
يرى أنه واقعٌ في الإثم لا محالة فأي محرم سيختاره دوناً عن الآخر ؟
ولكن ليت إنقاذ والده على حساب هو سمعته يوقف فساده في العائلة..
"لا تنس فضله يا تامر " لاحت له ذكرى إياد..
وإياد مجدداً..
ترجوه عفواً وأن يحجم عما هو على وشك القيام به..
إياد ... إن كتب له القدر أن يصبح في محنته..
"ومن أنا لأحاسب والدي ؟ يكفيني أنه والدي فلن أخذله بعد كل ما فعله لي" همست بها احد أصوات رأسه،، تلك ذاتها كلمات إياد..
كان لها أثر السحر على باقي الأصوات،، فأسكتتها..
وجد رأسه تسكّن أخيراً...
لقد انتصرت أحد الأصوات ورفعت راية السلام..
ارتاحت نفسه إلى إختيار صف والده أو البقعة الرّمادية.. حتى ينهي المعركة بلا ضحايا .
صوت الشرطيْ "هيّا سيدي يمكنك الخروج الآن"
__________________________
دلف البناية وصافحت عينية اللوحة الإلكترونية : القاضي هشام - القاعة الثالثة
وهنا وقف طويلا يرمق بأسى رخامات الأرضية اللامعة،، وزفر عميقا ... ثم رافقته الشرطة إلى حيث القاعة الثالثة ....
أضواء وهاجة بيضاء، رخامات بلون قاتم ...
مقاعد خشبية ، وحضور!!
منذ متى حضر هذا العدد من أفراد عائلته؟!
وكأنها يرقبون سقوطه أو سقوط والده بنهم!!!
تغلغل أكثر..
شعار المحكمة الذي يتمثل في ميزان العدل يتوسط الواجهة أمامه، منصة القاضي حيث يجلس بعبائة قاتمة وينقلب وجهه من السيد هشام اللطيف إلى القاضي هشام،، الصارم العابس والذي وقّع على عشرات وثائق الإعدام بقلبٍ قويْ...
أماكن أعضاء هيئة المحلفين أسفل الشعار فارغة..
هء،، بالطبع فارغة ولمَ لا تكون كذلك؟!!
فهذه عائلة القاضي وهذه سمعته،، لقد خلت منهم.. ومن كل أحدٍ غريب عن العائلة من القاعة وأغلقوها على أولئك ذوي الدم الواحد...
لا،، هناك رجل غريب مندسٌّ بينهم.. بالتأكيد هو مدعٍ عام لأنه يجلس على مكتب المدعي العام ومقعده ..
ثم على اليسار.... حيث والده يجلس،، يجاوره.. أجل هذا هو المحامي الخاص بوالده..
تقدّم واختار مقعداً خلفيا في مقاعد الحضور ... صوت ما في داخله يخبره أن يختار مكان مظلم، خلف الستار، حيث اختار أن يتخلى عن بطولة المسرحية !!
لكن القاضي أشتر له بالجلوس في مقعدٍ أمامي مميز،، يبدو أنه أيضاً شبيهاً بمقعد والده..
فيسير في ممرٍّ بين المقاعد،، يتخطّا أعناقهم لتستوقفه السيدة آدمال هامسة بابتسامة..
"لقد أوكلت لك محامياً مخضرماً فلا تتردد"
بحلق فيها قليلاً وبدى وكأنه لم يسمع أو يفهم شيئاً..
ثم عاد يتقدّم حتى وصل مقعده أمام القاضي،، بلا حواجز أو مقاعد..
هو فقط أمام العدل..
أسند مرفقيه ساقيه وشبك أصابعه في وضعية المواجهة،، لكنه يغمض عينيه ويتمتم بما يستذكره من تسبيح ورجاءٍ لربّه..
يقطع تسبيحه وجود أحدهم..
هناك على أقصى يمينه..
آدم الشيطان..
يبتسم بنصر وكأنه ظفر منذ الآن،، فهما أحد الحسنيين.. هو أم والده إنهما حجرا دومينو سيسقطان معاً أكيد..
شعر تامر بتشتت شديد من انبثاق نظرات ادم وابتسامته الواسعة..
وحاول جاهداً إخفاء توتره منها فأشاح بوجهه إلى اليسار ليلقى والده،، ممتعضاً يكاد يهوي من هول العار..
في النهاية..
يقف أمام ابنه في محكمة!!
يطأطئ رأسه..
وما إن يكد يرفعها حتى ينظر تامر خلفه بسرعة هروباً من مواجهة نظرات والده فكيف سيواجهه بالكلمات؟!!!
تنقلت عيناه بين الحاضرين خلفه،، تعرفت عيناه على وجه إياد الذي إختار مقعداً أماميا جلياً... كان يبدو عليه الثبات الإنفعالي رغم أنه يكاد يجزم بكونه قلقا أكثر منه..
لا ،، لا يمكن أن يكون قلقا بشأن قضية لا تخصه..
بادله إياد نظرة واثقة وأومأ له.. لكي يذكره بسلسلة الحديث التي دارت بينهما أمس..
لكن سرعان ما تشتت تامر من اندساس فاتنة شقراء بين الحضور.. تعلوها براءة الأطفال وتهمس في أذن إياد من حينٍ لآخر..
أعاد تامر رأسه للأمام سرعاً فور سماع مطرقة القاضي..
دقة..
ثم دقة ودقة..
فتختفي الأحاديث الجانبية ذات الصدى،، ويعم السكون والسكوت معاً أرجاء القاعة..
جميع الرؤوس لأعلى موجّهة نحو القاضي.. والعيون مثبتةٌ على فمه يرقبون كلماته..
وها هو ينطق..
"بسم الله..
بسم الحكيم بسم العليم ،، بسم الواحد الأحد السميع البصير..
بسم الحكم العدل نبدأ"
الحكم العدل..
كلمة رنّت في نفوس الحاضربن فأثارت رهبة بهم..
إذ شعروا،، وأولهم تامر أنهم لا ماحالة في حضرة الرب..
وهذه المحاكمة،، وإن اختبأت فيها الأسرار.. فلن يهربوا من مثيلتها يوم الطّامة الكبرى..
رفعت آمال رأسها بعزّة المنتصر..
إذ تركت من يتحدّث نيابة عنها،، آدم الذي لن يفلت من عقله أحد.. فهذا المخلوق بسهولة سيحاصرك بأفكاره وكلامه كما فعل في المجلس..
سيذيقك سقطات الفخاخ التي ينصبها..
سيجعل لسانك يدلُّ عليك..
ذلك الآدميْ إيليوت..
أنظروا إلى ابتسامته الشيطانة المبتهجة!!!
استفاق تامر من شروده فجأة على صوت آدم..
"..... وهكذا،، يمكننا نعت السيد أيمن،، الطبيب..
بالمجرم الذي لا يستحقُّ سوى الموت..
الموت ولا شيء غير الموت"
استفاق تامر أكثر ^ما الذي فاتني!!! هل غفوت؟!!^
باغته سؤال دون سابق إنذار..
أين الجد أوس ألم يحضر؟!!!
إلتفت خلفه..
لم يجده..
أجل لم يحضر..
ولم يحضر؟!! حتى يرى ابنه الأول قاتلاً أو حفيده الأول مثيراً للفتن؟!!!
بالتأكيد لن يودَّ الحضور..
علا صوت القاضي..
"أيمن أوس.. ما ردُّك على جميع إتهامات آدم لك؟!"
اتجهت الأبصار جمعاء نحو أيمن..
مطأطئ الرأس خافت الصوت..
"لقد أخطأت التشخيص.."
باغتت الجميع قهقة عالية وقحة لم تحترم حرمة المحكمة.. انطلقت بهستيريّة من آدم..
"قل أنّك أخطأت في تحليل أشعة أو فحص مخ..
لكن ألّا تميّز النبض القوي من الضعيف..
أنا أشكك في شهادته الطبّية أيها القاضي..
ولكن،، نظراً إلى الأوسمة التي حصل عليها من مستشفيات بريطانيا لكونه طبيباً مخضرماً...
فهذه بلا شكٍّ مؤامرة.."
أدرك القاضي شعلة الكراهية المتقدة من آدم..
"وما ردّك الآنَ سيّد أيمن؟"
طأطأ رأسه بذات الوضعية السابقة لكن صوته ارتفع أكثر "لقد قلت.. أخطأت"
التفت القاضي عن يمينه أكثر.. مواجهاً أيمن..
"أيمن..
إرفع رأسك وانظر إلى عينيّ مباشرة.."
تردد أيمن في فعل ذلك لكنه فعل أخيراً..
فتابع القاضي..
"أيمكنك أن تصف أمام الجميع،، كيف كان نبض إياد مراد حينها؟!"
سحب نفساً..
"كان.."
"لا تبعد نظراتك عن عينيْ" بلهجة عنيفة "هيا قل"
"أ.. كان ضعيفاً كما أدليت من قبل.."
إلفت القاضي نحو تامر،، وبنربة لا تحمل فسيلة رحمة
.ناداه باسمه..
"تامر" ثم تابع "كيف كان نبض إياد مراد؟!"
وقف تامر،، وقفة مستوية منتصبة لا اعوجاج فيها..
رافعاً رأسه وكأنه يتقصّد كسر غرور عمه آدم..
الإحتمال الرماديْ..
الإحتمال الرمادي..
بثقةٍ تامة قال..
"عندما قسته أنا..كان قويّاً جداً"
فسأله القاضي مستوضحاً "تعني أن والدك كان على خطأ؟"
الإحتمال الرمادىْ..
الرماديْ...
"كانت هناك فترة بين قياسينا.. لذا لا يمكنني الجزم سيّدي"
زفر القاضي..
ثم علا صوته لآخر القاعة..
"مروان أيمن..
قف.."
فوقف مروان من فوره مضطرباً..
"نعم سيّدي"
"لقد شهدت الواقعة أليس كذلك؟!!"
أومأ "أجل"
"هل تقسم أنكَ ستقول الحق؟!"
"أجل سيّدي"
"إذاً.." ونظر في الأوراق أمامه "هل يمكنك تخمين الفترة بين قياسيْ النبضين؟!!"
اجاب بثقة تامّة "لا يا سيّدي.. لا يمكنني"
"حسناً اجلس.." نظر إلى أيمن "هل يمكنك تخمين المدّة يا أيمن؟"
أومأ أيمن "من دقيقة إلى دقيقة ونصف.." ثمّ رفع رأسه للقاضي مصرّحاً "الإعتراف سيّد الأدلة أيها القاضي.. وأنا اعترفت بخطئي وتسرّعي في تقييم حالة إياد مراد..
لقد أصبت بالهلع ولم أنتظر حتّى.. أتأكد"
ثم طأطأ رأسه مجدداً ليتحدّث المحامي خاصته..
"سيّدي القاضي المبجّل..
أيها الحضور..
كم يؤسفني أن أصرّح لكم،،مع احترامي.. أنّ هذه القضيةَ لا وجود لها..
فحتّى لو أخطأ موّكّلي في التشخيص،، فلن يموت إياد مراد بسبب هذا الخطأ.."
أغمض تامر عينيه بقوة..
هذا هو الإحتمال الرماديْ..
ردَّ القاضي "ما قولك يا تامر.. كطبيبٍ شهد الوضع كله"
"سيّدي.. لقد أخطأ أبي كما قال.."
ابتسم القاضي بمكر "هل تقسم على قول الحقيقة؟"
بثباتٍ قال تامر "أجل،، أقسم"
"إذاً.."
قاطع آدم القاضي "إذا سمحت لي سؤالٌ أخير لتامر المتّهم.."
نظر القاضي في الأوراق أمامه قائلاً "تفضّل"
وقف آدم بثقة.."إذاً تامر..
مجدداً ،، هل كان يحتمل خطأ والدك موت إياد؟"
ثم ختم سؤاله بابتسامة ماكرة..
ساورت الكلمة تامر..
الإحتمال الرماديْ..
حيث عدد لا حصر له من الإحتمالات..
الرماديْ..
ليس أبيض أو أسود..
أجاب..
"أجل.. يحتمل الموت بنسبة ١٠٠%
لقد قمت بإسعافات الإنتعاش القلبيْ الرئويْ..
عبر الضغط بقوة على صدر إياد..
وهذا كان س..
سيقتله حتماً"
ابتسم القاضي بشغف،، بينما أصيب إياد بذهولٍ تام..
وكذا والدته التي زادت نيرانها اشتعالاً وكراهية.. فهتفت "الموت لأيمن"
"هدوووء" صاح القاضي..
ثم أردف "أكمل يا تامر"
بكل بساطة،، أكمل..
"لقد علمت ذلك في اخر لحظة قبل أن أقتل إياد بيديْ..
الغريب أنّي بعد أن تنبهت،، وأفاق السيد إياد،، طلب والدي إطعامه من حلوى القهوة مجدداً..
وهذا يعني أنه كان غارقاً في احتمالاته الخاطئة.."
أقام وقفته ورفع رأسه،، ثم أردف "سيّدي القاضي..
لقد أدركت مؤخّراً علامات الشيخوخة على والدي.. مذ ماتت أمي منذ سنتين..
بالتأكيد كان التشخيص خطئاً غير متعمّد..
وعلى أساسه.."
سحب نفساً..وبنبرة جهوريّة
"أطالب المحكمة بإيقاف والدي عن مزاولة مهنة الطب نهائياً،، نظراً لحالته النفسيّةوالجسديّة.."
انذهل الجميع..
وكاد يصاب والد تامر بنوبة قلبيّة فعجز عن التعبير حتّى بملامحه.. بل،، وشعر بالأرض تقترب والمنيّة تدنو..
إن مهنته هي حياته..
إنها هويته..
حلمه،، أن يفتح ذاك المشفى العملاق الذي،، حلم به مذ كان طفلاً يلهو بألعابه..
ما الذي يحدث هنا بحقِّ الجحيم؟!!
صدرت صيحة اعتراضه "ما هذا الهراااء؟!!"
لكنها كانت صادرةً من،، إياد الذي وقف قائماً فجأة..
"لا يمكن أن.."
ضحك آدم عالياً فقطعه .. ضحكة اخترق صداها جدران المحكمة،، ثم بترها ليقول "أوافق تامر سيّدي.. ولكن يجب أن يكون قرار عزله من مهنته رسميّا حتى لا يتسبب في قتل أحد..
أعني،، أنه يجب أن يتعرّض ل..."
^لفحصٍ دقيق تحت أيادٍ خبيرة وأمينة تخبرنا ما إذا كان بالفعل مصابا في نفسه أو جسده...
لأنه إن لم يتم إثبات ذلك ،، فسيكون قد أذنب عمداً..
أجل هذا ما ينوي آدم قوله،، لذا يجب أن أوقفه^
"سيّدي القاضي أنا الضحية وأنا أتنازل.." قالها إياد ثم أردف "لقد عفوت عنه ولا أريد المزيد من هراء المحاكم هذا..."
حدّقت عينا والدته به كالبوم "إياااد!!!"
فاكمل "أمي لا تكوني ضحيّة عبث.. إنه شقيقك..
سيدي القاضي يحب أن يكون بحثنا عن من وضع السمْ بالأساس"
ابسم آدم بغرور "وهذا ما سيدلّنا عليه أيمن.. لذا يجب أن نتابع التحقيق"
سمعوا صوت الطاولة الخشبية تُركل..
"أنا سأخرج لن أكمل هنا"
هكذا قال إياد..
وهكذا خرج وتبعته شقراؤه بخطوات سريعة..
يدبّ الأرض بغيظٍ شديد حتى يصل إلى باب القاعة ويخرج..
وما إن توارى عن الأنظار حتى عاد آدم لذات الإبتسامة اللذيذة..
أدرك تامر أنه لوحده الآن..
لا يوجد إياد..
لقد رحل الرماديْ..
استفاق تامر على صوت محامي والده..
"سيدي القاضي المبجّل..
وطبقاً للباند رقم ٤٥ في دستور القضاء الجينائي صفحة ٥ .. فيجب إغلاق القضيّة إذا تنازل الضحية وسامح في ذلك..
لذا أرجو أن ترفع الجلسة حالاً قبل أن تحدث مهزلة لا طائل منها"
قاطعه آدم بعناد "ولدينا قضية أختي..."
تنبّه الجميع ناظرين إليه محدّقين في هيئته الضعيفة وعقله الذي يزن بلداً كاملاً...
أكمل ووالدة إياد تكاد تطير فخراً به آدم،، الذي سينتزع حق ابنها من هذا المجرم..
وبالفعل شرع في القضية الأخرى..
"كما شهدنا،، في المقطع كيف أن إيميليا شقيقتي ليلة إجهاضها.."
"أنا أتنازل"
إلفت آدم والجميع إليها...
هناك قد وقفت ولم تكن ظاهرة قبل هذه اللحظة لكنها ظهرت وقالت بكل ثبات وشجاعة..
"في ليلة الإجهاض سيدي.. كنت أنزف بشدة لكنني لم أخبر أيمن بهذا... أنا أتنازل عن قضيتي وأعترف بإهمالي في الحمل..
أرجو أن ترفع الجلسة"
صرخ آدم في وجهها صرخة مدوّية "ماااذااااااا؟!!"
بحّ صوته كالشيطان أو كما يمكنك سماعه في أغاني الميتال.. شديد الحدة مبحوح يصرخ بهستيرية..
"لقد فقدتي كلّ شيء بسببه..
لقددد وجدنااا أنا وإياااد حبوب الإجهاااض في غرفته.....
هذا القذررررر...
أفقدي رحمككك..
أفقدي رحمك إفهمي"
-سقطة-
صرخ الحضور وتحلقوا حول إيملي التي فقدت كلّ وعيها دفعة واحدة.. بينما ثبّت آدم وقفته.. يهبط صدره ويصعد .. يلهث ويلهث ويتعرّق بينما يشاهد الشرطة تبعد الجموع وتحاول جعلها تستفيق...
ثم التفت بينما يلهث لوجه القاضي..
وكم كان وجهه خائب الأمل مرتعداً من هول وتشابك وتعقيد هذه المشاكل المتأصلة في عائلته!!!
فعاود آدم الصرّاخ..
"سأعودُ إلى ألمانيا الأم.. وسأنتزع حقّها وحقّ طفلها منكم أيها الجبناء القذرون ال---"
"رُفعت الجلسة" قالها القاضي بينما ينزل من منصته ويغادر مهرولاً في غضبٍ عارم لما يحدث من فوضى.. ويجاوره اثنان حتى يتوارا راحلا من باب القاعة...
حينها يترك آدم مكانه.. يهبُّ باتجاه أخته التي عجزت عن فتح عينيها رغم صراخ نساء العائلة وصياح الشباب طلباً للنجدة..
كان يراهم،، وكأنهم،، يتنازعون عليها فتارة يجلسونها وتارة ينيمونها.. يضربون بخفة وجهها ويرشون الماء بينما..
يبتسم..
^متى يلجأ السفّاح إلى العدل؟!!!
أستطيع تمزيقهما في جريمة كاملة..
لكنني جئت من أجل هذه اللقطة فقط يا إياد..
هذه فقط..
-ينظر إلى العرق البارد على وجه أخته وأيادي الناس-
وهكذا يا إياد..
أبعدت حارستك اللطيفة عنّي.. هه أعرف أختي،، ستصاب بنوباتٍ لأيام وأيام قادمة ولن تفارق السرير..
كانت لتعلم عاجلاً أو آجلاً.. لكن الفارق كان في توقيت معرفتها لذلك..
فلنرى الآن كيف ستبعدني عن هدفي
ومجدداً..
شكراً لك . ^
__________________________
●●○●○●○●○○○●○●○●○●○○○●
بعد مرور ساعات..
قرابة الثلاث ساعات..
اكتظّ منزل السيد مراد بالعائدين من المحكمة..
كانوا يحاولون التظاهر باللاشيء..
لا حزن ولا فرحة،، ولا برود حتّى...
فحال إيميليا يرثى لها،، غائبة تماماً عن الوعي رغم استفاقتها.. أصيبت بصدمة أدامت طنيناً أصمّ أذنيها..
تستعؤن عينيها شريط حياتها لتلعنه شفتاها الصامتة..
ويدا هايدي تمسحان على يدها برفق تارة،، أو تجفف عرق جبينها تارة أخرى..
حتى مجاورة والدتها لها،، لم تعدها إلى الواقع فهو أمرُّ من أن تعاود الحضور فيه..
والدة إياد،، لم تهتمّ سوى لأمرٍ واحد وحيد.. إذ لم تتوقف عن الشكوى لوالده،، وكيف أنّ ابنهما قام بإهمال الحق والتغطية على جريمة نكراء.. من أجل عدم نضوجه وعقوقه لها..
بينما هو في السيارة المركونة بعد رحلة طويلة وحيداً مع وحيدته إيليسا،، رحلة تأمّل أن ينسى فيها سجنه لكنه ازداد اختا
ناقاً بعد أن علم بأمر هبوط إيملي..
فها هو داخل سيّارته قريباً من باب منزله ... كان على أمل أن تلقاه إيملي وتأخذ زوجته في حضنها صعوداً لمي لا تصاب بأذى..
لكنه علم بمحنته المريرة.. فمنع إليسا من الخروج قبل أمره،، لتخضع له وتجاوره في الجلوس..
زفر بعمق..
بعدما تخالجته همومه بشأنها مجدداً منذرة بأن سيل القلق العليل قد بدأ في معاودة..
وقريباً قد سيغدو صراخا حاداً على موتها يغرقه في دوامات من الشتات كما كان ليلة الأمس..
أمسك مقود السيارة واعتصره بقوة عله يذهب ببعض خوفه ويزيد تماسكه لكي لألا ينهار أمامها..
ل
كنه فعل،، وأسقط رأسه المثقل بين يده اللتان تعتصران المقود بقوة..
فنظرت إليه بتودد،، ربتت على ظهره وابتسمت..
وما إن رءاها ابتسمت حتّ دخل في دوّامة ألم رهيب قد هاجم قلبه..
سيفقدها!!
سيفقدها!!!
لا لن يجعلها أضحية..
لن لن يحدث..
وظلّ الخوف يفتك به والصراعات تفتته رغم كون باب البيت يبعده بخطوتين،، إلاّ أنه يتخيّلهما آخر خطوتين لكليهما..
إلى أن..
^هايدي..^
______________________________
ها هي هايدي تستجيب لرنة هاتف إياد وطلبه منها أن تأخذ بيد زوجته إلى برّ الأمان..
فهرولت على الدرج مارةً بغرفة الجلوس العملاقة بالأسفل،، وكيف كانت الثريّا كالكوكب متلألئة حيث الجد أوس العائد منذ ٣٠ دقيقة من الخارج،،
قد أطال عكوفهفي مهاتفة مع القاضي هشام الغير راضٍ بالكامل عن عائلته خاصةً أيمن..
سرد له تفاصيل الملحمة،، وانصت له الجد بتمعّن شديد.. ثم تسائل لمَ لم تحضر أيها السيد أوس؟
فأجابه : لقد كنت أنجز شيئاً ما،، سيودي بكل هذه الهراء .
_____________________________
□■▪■□■▪■□■▪■□■▪■□■▪■□▪■▪□■▪■□▪■▪□
ففي ذات اليلة...
ليلة من الليالي التي لم يحسب أحدهم لها الحسبان ....
عداه هو !!
وفي ساعة رتيبة أيضا لم يحسب أحدهم لها الحسبان ....
عداه هو !!
وفي مكانهم المعتاد الذي لم يحسب أحدهم له الحسبان عداه هو أيضا !!
فلو كنت متلاعباً لحسبت الحسبان لكافة الظروف دون إهمال أحدها على حساب الآخر..
لو كنت متلاعباً فأنت تتوقع كل شيء من اللاشيء
ولو كنت متلاعباً لما أخطأت أبداً .. ولو أخطأت فأنت تحيل أخطائك لتغدو صوابا !!
في الرابعة عصراً أتم الخادم الإتصال بكافة أبناء الجد أوس ، يدعوهم للحضور لإجتماع عاجل إجباراً في المجلس الفسيح تمام الثامنة..
وأن الأمر بالغ الأهمية لذلك لا يسمح لأحدهم بالتغيب ولو لأعتى الظروف وأشدها قسوة، وذلك لأنه .... يحتاج من كافة أفراد عائلته للإتيان لإدلاء بالشهادة وعدم كتمانها فمن كتمها فهو آثم قلبه .
بداية كهذه أثارت فضول كافة أفراد العائلة وانتاب القلق الأبناء قبل الأحفاد !!
إلا أن معظمهم قد تنبأ بالسبب وهم مرتقبين لبيان صدق تنبؤهم ، هكذا فعل أيمن وآدم وبقية الأبناء..
سينتظرون سماع قراراً يحسم الخلاف..
إيملي لم تكترث للأمر كثيراً فقد فرغت تماماً من الصحّة والحياة..
إعتذرت عن القدوم لكن لم يتم قبول عذرها،، فكان عليها الحضور حتى لا تكسر هيبة والدها..
آمال إنتابها القلق من رأس العنوان،، إلا أنها كرهت الحضور لكونها ستجتمع بأخيها الذي اقامت حرباً ضروساً عليه،، ولو كان قتله بيديها لقتله دون تردد..
فاروق يعرف سبب الإجتماع جيداً بل وواثق من كل كلمة ستخرج من فم الجد .... كما يفعل أيمن تماماً !
آدم،، ولأن الجدَّ بنفسه دعاه شخصيّاً.. بدأ يشعر ببعض الشغف لكون والده قد بدأ في تذكر أبوته بعدما تركها دهراً ودهوراً منذ فارقه في ألمانيا.. لذا قدمَ ليس من أجل اجتماع مسالم بتحابّون فيه... بل فقط،، لأنه يأمل بأن يحوي الإجتماع بعض اللقطات التي تجمعه بعينيْ والده فجأة..
هايدي ورغم رفضها،، أُجبرت على القدوم فهي تريد الخلاص لا أكثر..
سلمى غائبة..
وغاباً سيتجاهلون الأمر حتّى تفوح نتانة جثتها ويكشف الطب الشرعي عن كونها رحلت منذ أمدٍ عند ربّها..
ومع غياب الشمس،، كان الكل قد أتم التجهز وانطلقوا نحو سياراتهم قاصدين ملجأ الجد المؤقّت،، منزل مراد .
كان أول الواصلين إلى المجلس هو أيمن فدخل بحلة عظيمة وطلة وقورة كأن ثوب أعماله أبيض ناصع لم يمسه غبرة أو قطرة دم..
توجه مباشرة نحو المجلس الغربيّ، وما إن وصله حتى وجد بابه موارباً تستطيع أن تشرئب منه الأعناق ، أظهرت الفتحة وجه والده أوس،، وكيف كان يجلس على رأس الطاولة العظيمة... يستند بأحد بمرفقيه عليا مسنداً خده بكفه وكأنما أغرقته هموم دنياه..
لاحت لأيمن ذكرى نظرة والده عندما أطلق آدم إتهامه له في المجلس السابق.... كان الأمر الأكثر سوء من بين كل أحداث حياته السيئة، نظرة واحدة كانت كافية لأن تعرفه بأن نصيبا هائلاً من الثقة التي كان يمنحها له والده قد تم نسفه على أرض ذاك الإجتماع اللعين أمس..
لكن شعار أيمن أنه لا يفقد زمام الأمور أبداً ، حتى ولو خسر قدراً كبيراً من الثقة يظل يحتفظ أضعافها.. وكل ما عليه فعله الآن هو إستعادة ذاك الذي خسره ، وهو يعرف جيداً كيف يستعيده .
لا يزال هناك متسع من الوقت لإستعادة السيطرة، فطرق الباب بحركة مسرحية عندما رآى هيئة والده حتى أومأ له الجد بالدخول، فتقدم نحوه وانحنى يقبل كفه المتجعد، ثم رفع رأسه نحو والده واحتضن كفه بين كفيه وهمس بوقار أول جملة قالها آن قدومه من إنجيلترا أبيض السيرة والثياب...
"خيرا .... أراك مهموما ضائق الحال"
سحب الجد يده من كفي أيمن وأردف بامتعاض..
" ستعرف عما قريب ... عندما يأتي الجميع "
بداية غير مشجعة ... إلا أن ذلك ما كان يتوقعه في جميع الأحوال..
استقام من إنحناءته والتف حول مقعد الجد ليكون واقفا من خلفه،، يشرع في تدليك كتفي الجد بحنان مصطنع وأردف بهدوء..
" اعتذر على سوء التفاهم الذي أحدثته آمال "
لم يجبه الجد بأي من آيات التفاعل فهم أن يتابع مسرحيته،، إلا أن دخول فاروق المفاجئ هدم ما كان يخطط لأجله ...
تقدم فاروق وحيّى الجد وانحنى...
وقبل يمناه بوقار ثم استقام واتخذ المقعد الأيمن المجاور للجد..
تبا لفاروق،، هو الوحيد الذي يمكن أن يكون خصماً.. فهو الوحيد المتبقي في الساحة بعدما تم إقصاء الجميع ، هو الوحيد البارع الذي يعرف حيله جميعاً..
لكن ... هو أيضا ... لن يستسلم بسهولة !
ثم وبعد دخول فاروق تتابع الجميع الدخول ، فدخل آدم وإيميلي ثم دخلت هايدي،، فاتن و فارس..
واتخذوا مقاعدهم على الطاولة..
ثم دخلت آمال شامخة الرأس شديدة الإقتضاب، تنطق تعابيرها بآلاف التوعدات لأيمن وعائلته اللعينة، فقد أعلنت الحرب.. وحرب آمال لا تنطفئ أبداً..
جميعم فضلوا البقاء واقفين خلف المنصة وترك المقاعد للأبناء المباشرين أو ممثليهم !
ولما اكتمل العدد وحضر كل من يجدر بهم الحضور واتخذوا مقاعدهم،، عمتهم هيبة المجلس المعتادة، في انتظار أن يبدأ الجد الإجتماع..
لكن الجد بدا سارحا في اللاشيء يرقب الطاولة بنظرات خاوية وكأنما لاقى من السحر حظاً،،
لا يراقب قدومهم كما كان يفعل كل مرة ولا يسأل عن غياب سلمى كعادته..
طال صمته فثقل ذلك في نفوسهم وزاد حزنهم ومخاوفهم.. فوالدهم كما يبدو،، ليس بخيرٍ أبداً..
وظلّوا على أمل الإنتظار..
حتى أذن الله بالإفراج عن الكلمات التي حبسها في صدره..
بلا تحية وبلا المقدمات المعتادة أردف بهدوء..
" جمعتكم اليوم يا أبنائي حتى أنهي هذا الصراع القائم بينكم على ثروتي أو أيّاً ما يكن..
رغم أنني في اجتماعنا السالف أخبرتكم بأن لا أحد منكم يستحق تلك الهبة التي كنت أخطط لأن أمنحها لأحدكم،، ولا أزال أرى شيئاً من ذلك..
وكما تعلمون... لقد نال مني الزمان كما ينال من أعتى الرجال، فقد بت أتخبط بين جدران منزلي فأقصد غرفة نومي لأجد نفسي في غرفة معيشتي، وقد عانيت من الهلاوس والكوابيس هاذان اليومان ما الله به عليم..
لن أخفي عليكم،، لقد هرمت..
وإني لبت أخشى أن يسلبني الزمان عقلي فأقوم بتصرف غير صائب فأظلم نفسي وأظلمكم ... لذلك يجدر بي أن أجد تصرفاً في مالي الذي كان هبة من الله وحده دون جهد مني يذكر ...
وإني الآن بت على أشد اليقين بأنكم لن تخلفوني من بعدي خيراً...
وأنكم ستغدون وحوشاً ضارية يأكل كلٌّ منكم حق الآخر فلن تحكموا في المال شرع ربكم ولن تقيموا العدل بينكم ...
-طأطأ الجميع رؤوسهم ولم يجرؤوا على رفعها أو التبرير،، الإعتراض أو حتّى إظهار الندم-
وما قد فعلتموه جميعاً أمامي ظاهراً عياناً رأي العين كان أكبر برهان على ما أقول ....
لا أريد أن يكون نصيبي من دعائكم بعد رحيلي هو أن تحل علي لعنات السماوات وأن ألقى أشد العذاب لأنني يا أبنائي... لم أظلم منكم أحداً بل أنتم من فرطتم في حقوق أنفسكم فظلتموها...
وإني اليوم قد عرفت أين أصرف أموالي لتكون محفوظة بين أيدٍ أمينة فلا أخشى عليها من بعدي ضياعاً ولا أخشى عليكم منها فتنة مفرقة جمعكم ومشتتة وحدتكم...
-تنهّد بألم،، وصوته الأجش المبحوح يملأ القاعة-
هذا مالي وأنا حرٌّ به..
من يعترض فعليه لعنتي وليمت بغيظه..
فلقد إخترت أن أُوثِّق توكيلاً عامّاً بكلِّ ثرواتي وممتلكاتي،، وأنهيته وختمته.. لكي لا يكون موتي فرحة أو غاية أحدكم...
-يزفر-
وثّقت هذا التوكيل باسم...
-يتبع-
Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top