^عزرائيل النسخة البشرية^

ليلةٌ بطول سنة وكأنك فتحت صدوق عقلك وتربعت في عتمته ؛ تحسب لربما إن أضائت أفكارك الباهتة لك فستستطيع إستبصار ما خلف ستار الكواليس ..

لا تزال زاوية الصورة محتبسةً بين إصبعيْ رالف الإبهام والسبابة ؛ إذ أدرك للتو أنّ هذه هي مهمة العمر التي بعدها سينتهي كل شيء ..

ببساطةٍ شديدة ؛ إنه طريقُ الموت ..
وإن كان لا بأس به فكل الطرق في الحياة تؤدي للموت، لكنها الطريق الأسوأ على الإطلاق ...

تمتم رالف في خبايا عقله ^الإنسحاب الكليْ هو الفوز في حد ذاته؛ وليته هيّن ...

وليت الإستسلام والخضوع أيضاً حل ...

حقيقةً ... أرى أن انتشال زوجتي وابنة جيمي ثم أخذ ولداي ووالدته ومن ثم الرحيل إلى أقصى العالم هو الحل الوحيد ..

سيكون هدفي هو هذا .. ^

-ملأ صدره هواءً-

ثم صمت لوهلة ..

وطالت الوهلة ..

فهناك ما يحيك في صدره شكّاً يوخز شعور الطمأنينة داخله ...

ترددٌ لوخزاتٍ أشبه بالتشنجات التي شهدها اليوم على وجه جوناثان؛ وعلى وجه جيمي قبلاً ... بات الأمر في نظره وكأنهما مصابان بذات الداء أو العِلّة ...

إنه متأكد، بل هو موقنٌ أن هناك أمراً باتجيم .. وكأنها لعنة تلاحقه !!

^وشيئاً يريدونه منه ..
وذاته موجودٌ في جوناثان ..

يا إلهي ...^ مغمضاً عينيه بإرهاق ^الشخص الوحيد الذي بإمكانه إجابتي ..

هي والدة جيمي.

ولكن كيف وإيدوارد لا يفارقها حت-^

صمت صدى أفكاره فجأة وتلاشى بعيداً في غمرةٍ من الصدمة ..

^أيعقل؟

أيعقل أن إيدوارد بجوارها لكي لا تستطيع نقل الحقيقة؟؟

-هز رأسه بشيءٍ من ذهول الفكرة-

وكذلك ... بالتأكيد لن يستطيع قتلها لأنهم سيخسرون جيمي بهذه الطريقة !!

ولكن ماذا يريدون منه؟؟

يجب أن أعرف؛ لأنهم ببساطة إن استطاعوا أخذ ما يريدونه منه فسيتسنّى لهم قتل والدته كونها لا حاجة لها وكذلك قتله وطفلته ربما ...

ولكن ...

ماذا لو كان والده بالفعل حيّاً؟ ^

وكلما تعمق رالف أكثر؛ توجّل أكثر؛ وغرق أكثر ..

في دواماتٍ من أفكارٍ وسلاسل من مخاوف تحد من تحركات خياله ..

ولم يجد ما قد يوهن عليه تلاطم أفكاره سوى اقترابه من الملف الموضوع على المنضدة هناك بمحاذاة أحد المزهريات ..

ذلك الذي جلبه جوناثان لغرضٍ ما ربما،، وقبل أن يعيد فتحه أشعل سيجارةً يدحرجها إلى طرف فمه بين شفاهه البنفسجية .. قد أرهق السهر عينيه فانتفخ أسفلهما وتضببت الرؤية لكن بصيرته الآن مشتعلة حد افتعال حريقٍ في رأسه ..

يقلب الأوراق ويعيد القرآءة متراجعاً إلى الأريكة جلوساً ..

ثمّ يتّكئ ..

يقرأ بتمتمة ^ ... إذاً تتهم عائلة مارتن الزوجة -ألا وهي السيدة بياتريس- باستئجارها لقاتل وقتل والد جيمي ...

مم ..^

ثم تابع يفكر ...

ويفكر ..

تجهّم وجهه مجدداً في ضيق وتعسّر .. ولم تفصح شفتاه عن ما يدور في خلده - سوى أنه همس مجدداً باسم ^آدم ..^

ربما تكشفت له بعض السرائر - لم يستطع لوهلات انزال عينيه عن إحدى الصور؛ إذ يظهر القطع على السيارة بشكل واضحٍ بل صارخٍ لنصلٍ يردد في عقله ذاكرة لا تنسى ..

منذ ثمانِ سنواتٍ طوال ...

كانت مهمةً لرالف؛ اغتيال أحد السياسيين القاطنين في منزل صيفيْ وقد وُعد فيها بمكافئة ضخمة - ولم يغره المال بقدر ما اغراه التحدي ومصارعة الموت والخطر معاً كعادته ..

عن تلك الليلة التي حمل فيها سلاحه وتحرك بين الشجيرات كقط أسود رشيق ..

ليلة بيضاء إثر اكتمال القمر؛ وبالقرب من أحجارٍ مترامية يسقط على رؤوسها الضوء في منعطف طريقٍ برّيْ؛ وصل خفية إلى بعيْدَ البوابة هناك ..

وقبل أن يهم بالإنطلاق استوقفه صوت نصل -

تكّة كسر -

فلمح من فوره شيءً كرويًّا يطير ثم يتدحرج بين الصخور على أرض شبه منحدرة ..

لم يكن الظلام ليظهره بسهولة لكن سرعان ما اقشعر بدنه وتكهربت حواسه فهناك من سبقه إلى أرواح الحراس ولم ير من أثره بادءاً سوى هناك ..

وكأنها شبه كومة من الجثث المترامية والممزقة بشكلٍ يريك كم أن البشر أرخص من الكتب الورقية ..

بل وإن الدم من أعناقهم في طور الجريان لا يزال يخطف قانيه شيئاً من ضوء القمر - يذكر رالف بدقة أن أذنيه كأنهما سمعتاه مهموساً ؛ خريرُ الدم من غزارته يتسابق بين رمالٍ وحصوات ...

لقد مُزّقت أوردة الحراس السبع وترامت رؤوسهم في فوضى صامتة ... دون مقامة - دون مواجهة أو صراخ ..

آن ذاك كان على رالف كتمان توجّله فسحب نفساً وحبسه في انتفاخ صدره ؛ وجعل من أحد الجذوع ستاراً له ليرقب مفتعل المجزرة الصامتة ..

حتى ظهر ..

الرجل هناك، فرعونيْ الطول .. وعبائته التي من نحالته تظهر وكأنها معلقة على على عامود ...

أبيض البشرة ..
لا وجود للتجاعيد على وجهه مما يعني غياب كافة الإنفعالات والمشاعر البشرية ...

لكن عيناه كانتا .. وبشكل ما ورغم ضيقهما وحدة الاطراف تنظران إلى قطع الجثث في شيءٍ من الأسى والحسرة عليهم!!

أسر رالف في خلده ^ولو كنت واصفاً ذاك الذي دعوته بالشيء لا بالإنسان ؛ لكنت شبهت هدوءه بِمَلكٍ متمكن؛ بيْد أن حلوله الأسود على المكان أقرب للشيطان منزوع الرحمه ..

لو أني لم أحيا بعدها لجزمت أني في البرزخ أرى مَلَكَ العذاب ؛ فطوله وعبائته التي لا تتلطخ بالدم أو بالذنب ... بشرته وأصابعه الطويلة أطول من أي أصابع قد رأيتها وبياضه الذي يمتص ضياء القمر فيعكس شيئاً منه .. كل هذا ليس وصفا لبشر.

رأيت يداه متشجرتان بالعروق الزرقاء والبنفسجية وَوَسِعَ كفه سيفه ذو النصل؛ شديد الدقة في الصنع والطول والحدة - يعيد ادخاله فيستحيل صليباً معلّقا على رقبته ..

استدار ثم اختفى ..

أذكر بعد رحيله بدقائق أخرجت قناصتي وترجلت من خلف الجذع ... وإذا بي أجد نفسي في أرض ما بعد الموت؛ فالكل فيها ميت!!

سبعة حراس بلا رؤوس والدم لا يزال يحرج من أوردتهم .. وكلما تولّجت وجدت المزيد من الجثث حتى دخلت متخطّياً البوابة لأجد المزيد والمزيد من الموت؛ من بقايا حراس وخدم وكل حي كان يرزق في ذاك المكان ..

وما كان مربكاً أكثر هي أفواههم المفتوحة وألسنتهم المتدلية مع أبصارهم الشاخصة نحو السماء !!

ورأيت هدفي - ألا وهو المسؤول الذي وليت قتله - قد تمزق تمزيقاً لإخراج روحه من جسده ويالها من طريقة لإهدار الروح ... وكأن القاتل يشق الجسد شقّ الطريق ليصنع للروح مخرجاً تعدوا فيه نحو السماء !!

كان الرعب قد تملكني بالكامل ..

ربما كنت مبتدءاً وقتها لكني اتذكر برودة النسيم والأموات حولي؛ وكأن ارواحهم لاتزال تصعد .. وكأنني خطوت على أرض لا يألفها البشر!!

عندما عدت لمرسلي وأخبرته ما رأيت - قال أن هناك من سبقني وأرسل لقتل الهدف ...

وسألت عنه الكثير من من هم في خبايا وما وراء القتل والقتلة فمنهم من عرفه ومنهم من ظن أنه مجرد أسطورة للقتل ...

قيل لي أنه أحد رُهّاب كاتدرائية سانت كاترينا في ضواحي لوس آنجلوس - وهو عابدٌ للرب؛ زاهد؛ حبيس صومعته لا يقرب من الشهوات شيئاً ويكتفي ببعض الثمار من حديقة الكاتدرائية الشحيحة ..

خادم الكنيسة ومهووس الرب ... يطيل الصلاة ويختفي من آن إلى آخر ..

الأخ إيليوت ويدعونه في عالم القتل بآدم
^آدم أوّل مَن ..^
لأنه أول من ابتدع أسلوب القتل هذا بأنصاله في العصر الحديث ..

وهنا أردت أن أقابله ..

ولا أعلم لمَ أردت ذلك بشدة يوماً ما .. ^

هنا أَسدل رالف جفنيه في سِنَة امتزجت مع نعاس كنسمةٍ هبت أسقطته في نومٍ عميق ..

لا شعوريْ .

●●●●●●●●●●●●●●●●●●●

ستوضع داخل تلك المواقف المربكة؛ وكلما حاولت التهرب من المواجهة ستجدها قد ارتطمت مجدداً بوجهك ...

أحياناً تضطرنا الظروف لأن نفكر في كل مانملك ..
حرفياً كل ما نملك؛ من مادة ومعنى .. لنعيد الحساب ونجد ببساطة أن أرخص شيء قد نفقده هو أنفسنا بما تحويه وتسكنه ..

في سبيل دفع الأيام البائسة عن الآخرين ..
حينها فقط سنواجه ؛ ونواجه بقوة ..

فالحياة مقسمة بين اناسٍ يعيشون،، وآخرون يدفعون الثمن ..

لم تكن فكرة لقاء جراي ذات رهبة في قلب جيمي ؛ بل كانت منفذاً ..

نراه كما هو الآن يتقصد فتح البارد من الصنبور ويغسل وجهه عدة مرات ليُذهب عن نفسه نعاس الشروق ...

يجفف - يغسل - أسنانه يبصق المعجون - يتمضمض - يجفف .. ثم يخرج متفقداً أغراضه البسيطة في حقيبة الظهر ويرتدي معطف الجلد الزهيد - يدفع بمسدسه ذي المعدن الفضي الثقيل في جيبه الأيمن من المعطف ..

ترون سواد شعره الكثيف يرجعه للخلف ويقصقص ما طال من أطرافه - وألوان السواحل تهتاج في عينيه على شاطئ الأماني الضائعة؛ ثم بياضه الذي من نصاعته أصبح مريباً مربكاً وكأنه العاج من الفيل! لا تختلط به حمرة بل شبحيةٌ أشعرته انه ميت لا ما حالة فلا داعي للخوف ..

قد تظنون كما يظن الناس لوهلة أنه يعاني أحد الأمراض المناعية ليحصل على هكذا لون!! لكنه لا يعاني سوى من كونه حياً حتى اللحظة ..

كاشفاً عن ساعديه عن العروق البارزة في مرفقيه كتضاريسٍ وعره على استوائية سطح جلده  ..

يفترب من الأريكة وينعت رالف بالكسول؛ ثم يحتسي ما تقع عيناه عليه من عصائر في البراد ...

ينتعش - إذ أنه الوقت الأمثل لبدء رحلة الجنون إلى قصر الموت ..

استيقظ رالف إذ لم يتسنّ له التمدد كالقططة بل قفز من الأريكة .. يجهز قناصته بشيء من العجز بسبب ذراعه - ويضعها موضعها في حقيبتها المخصصة هناك ؛ في قلبه وبين أكوام المتاعب رغبةٌ دفينة كتمها .. تشتاق عيناه للمح زوجته الحبيبة ورفيقة عمره اتجين ..

التفكير بها وحده متنفس له ؛ متنفسٌ واسع كحقلٍ أخضر فسيح أشرقت عليه شمسٌ دافئة إذ يتسارع الأكسجين النقي في الدخول إلى رئتيك وإمدادك بالحياة ..

بروعة الحياة ..

يثلج صدرك وتتنفس خلايا جسدك ..

انظروا إلى التيه الدفين في عينيه ؛ خدرٌ في قنوات التركيز .. قلبٌ يرفرف،، ثم قيامٌ وخطواتُ جزمته الثقيلة تدب الأرض ..

أحياناً لا يمانع الرجال أن يجمعوا فتات المشاعر التي يملكونها ليضعوها في كيسٍ محكم ويلقوا بها إلى غياهيب أنفسهم ...

أسفل الدرك حيث تختفي القيعان ..

ويتجاهلوا ؛ ليمضوا .. ويتماسكوا ..
في طريقه لمصافحة جراي خاطف زوجته وربما مغتصبها وربما كذلك هو ذاته جراي خاطف طفله أو قاتله ..

سيصافحه وبقوة ..
لأن الحفاظ على ما تبقى أهم مما مضى .. لذى سيصافه ويصافحه بذات القوة التي كرهه بسببها .. لأن المشاعر ستهلك حاملها ؛ وتهدر ما يحمله من بقية ..

ينوي أن يهديه القناصة ويعقد معه الصلح ربما؛ أو أن يهديه القناصة ويطلب منه قتله فالموت على يد جراي أرحمن من الموت على يد من هو أشرس منه ..

ولو أن الموت هو الموت - لكن رالف لا يريد انهاء حياة معارفه بصورة مأساوية أبداً ..

لقد تقطعت أنفاسه وهو يقود على اسفلت الطريق الساخن ؛ قد صافح جراي في خياله عشرات المرات قبل أن يلقاه، حتى نفرت نفسه من نفسه !! ..

ثم يبدأ الطريق بوعارته يذبذب الإطارات ؛ فيشعر رالف مع الهزات بشيءٍ من تقززٍ يفترش خياله إذ تخيل مصافحة جراي بما يكفي لجعله يخرج عن صمته المعتاد ؛ ويحادث جيمي الجالس بجانبه ..

"أراك بخير!!"

اجاب جيمي جاك بشرود "أجل .."

اردف رالف بنبرةٍ خفيفةِ الوقع "ابنتك بخير ؛ كما آمنت لسنوات أن والدك حي .. يمكنك تخيل أنها بخير .."

جيمي بارتباك مجددا "أحاول التماسك"

لم يجد رالف أفضل من هذه الثانية بالضبط لإلقاء سؤاله على مسامع جيمي،، إذ السيارة تخترق تيار الهواء كالسهم وقد كتم اغلاقه النوافذ صوت الخارج من حياة وأبقى الداخل في حالةٍ من السكوت المريح ...

يستجمع كلماته قائلاً "جيمي ... هل لي بسؤال؟"

التفت اليه جيم في حالةٍ من الذهول "ها!!" إذ ليس من عادته الإستئذان ..

فأردف رالف مشيراً بيمينه "ربما ستجد هذا السؤال مزعجاً قليلاً ... لكني سأطرحه"

"لا بأس يمكنك ذلك .."

"حسناً" وتنفس ... "كيف ماتت عمتك؟"

اطلق السؤال ولم يأبه لثقله .. إن سقط في بئر ذكريات جيمي كحصى أو حجرى او صخرة أم أنه نيزك ...

لقد قاله وعدّل المرآى الجانبية بعض الشيء ليشهد ملامح رفيقه المخلص ..

إذ صمت جيمي قليلاً ؛ وبدت شاردة للحظات ..

ليس شرود ألم ؛ أو ندم أو نسيان ... أو حتى عدم مبالاة ..

بل شروداً بما يحمله الشرود من معنى ؛ إذ هو شرود التيه في عينيه ينزل مقلتيه الى حجره لبعض الوقت وكأنه يبحث في ذاكرته عن رموزٍ يترجمها لفهم تلك الذكرى!!

وأجاب "بصدق ؛ لقد قتلتها بالخطأ"

اخفى رالف بعض الإنزعاج ^يقول بصدق ثم يكذب مجدداً!! والطب الشرعي قد تحدث عن عدد الطعنات وكيفيتها ... أيعقل أن جيمي لا يزال متمسكاً بحبل الكذب!!^

صمتُ رالف كان يجلي عدم اقتناعه اذ لم يفتح فمه بكلمة ...

إذ بدأ جيمي يشعر ببعض الإرتباك - ورالف يطبق صمته أكثر ..

فهم جيمي أن رالف يعرف شيئاً ...

فقال "سأكون معك صادقاً - بحق"

"لا داعي للكذب صدقني،، إنها حياتك السابقة على اية حال"

رفع صوته "رالف أنا لا اكذب ولم أكذب عليك .." يخفض نبرته مجدداً "أخاف أنك لن تصدقني .."

"فقط اخبرني"

.

..

استجمع جيمي شجاعته .. وكلماته ..
في نَظْمٍ لجملةٍ ظل في أعماقه يدفنها ؛ ويدفنها ...
فأحيانا الكلمات لا تكفي لوصف الحدث .. ولا الصورة كذلك ..

بل أشياء أعمق مما قد نراه ..

"النية .. لم أكن أريد إيذائها" يتمتم بخوف ترتعش له شفتاه خدراً "لقد فقدت السيطرة تماماً على ذاتي؛ فقط .."

سكت رالف سكتة أخرى تختلف عن سكتته الأولى ...
وكأنه رأى في إجابته الغير منطقية كل المنطق ؛ من جهة أخرى .. إن رالف (يحاول اثبات) شيءٍ ما ...

تابع جيمي بعد ان تفحص وجه رالف الجامد "كان لا وعياً ذو وعي ؛ حتى وعيي قد غاب ولكن أراني الأمر بشكلٍ لا يمت بالواقع لصلة ؛ وفتحت عيناي على دمها وكانت تنازع الموت ..
لولا أنني تصرفت بشكلٍ لا أعرف لما فعلت ذلك فقط .. أعني -

لم اكن انوي ؛ لا شيء بين مراهق وعمته المتزوجة الحامل اللطيفة ..."

"أتمنى لو أفهمك" بسخرية قال رالف ..

فاجاب جيمي "أستمع لي" بارتباكٍ يحاول قول شيء ؛ وربما بدأ يشك في ذاته إذ لمعت بعد قطرات العرق على جبينه ..

يشعر بسخونة وجهه .. فيقاطعه رالف "أتعلم؛ لكنت كذبتك لولا معرفتي انك إذا أردت بالفعل ارتكاب جرم فستفعلها ببعض الذكاء وليس ان تغرق المكان بالدم ثم تتصل بالشرطة بنفسك ... ولكن هل المعقول انك تعاني الفصام مثلاً؟؟"

"لا .." بتردد وكأنه يقول في ذاته ربما ... ثم ينفي شكوك رالف وشكوكه في نفسه قائلاً "عندما أجرو علي فحوصات بالتحقيق .. قواي العقلية وكذا؛ كل شيءٍ سليم"

ثم تابع "لقد تصرفت بشكلٍ وكأن جسدي يخونني؛ اتعلم .. هو ليس فصاماً بل كان جزءٌ بسيط من وعيي يرى شيئاً من الصورة وجسدي يتحرك - وكأنها غريزة !!
وكان هناك صفيرٌ شديد غطّى مسامعي عن صوت صراخ عمتي وأنا أراني أتحرك - لا أدري"

"أنت تثرثر" قالها رالف معبراً عن عدم فهمه - ثم أردف "إن كنت تريد وصف ما حدث لك بكلمة؛ فماذا تختار من الكلمات لتصف حالك تلك الل-"

"تشويش" مجيباً إياه بدون تردد ..

فتنبثق عينا رالف ممسكاً بالمقود اذ ترتفع نبضات قلبه عالياً فجأة ؛ وبدون سابقة إنذار ردد في نفسه ^إذا هل من المعقول أنّ ..^

تظاهر بالنظر إلى النافذة عن يساره وكأنه يراقب الطريق لكنه كان يبتلع رمقه !!

بعينين مدورتين لا يستوعب ما يرا لثوانٍ ويقول في عقله ^هذا يعني أنّ جيمي - هل يمكن هذا؟!^

...........

يفرض رالف سيطرته على ذاته ليعود بعض هدوءه ..

ولا يعلّق بكلمة واحدة ..

لقد سكت ..

وسكت جيمي مستديراً ومراقباً الأجواء من نافذته ..

ورالف يُخطف الى وجهه نظرات مبهمة ؛ ثم يعود للقيادة ..

الآن أدرك رالف شيئاً لطالما كان يلوح له ؛ لكن لا يزال يريد بعض الإثباتات ..

نطق رالف "الملف"

نظر نحوه جيمي ...

فتابع رالف "لقد أعدت قراءته بالأمس ؛ وأنا لست أصدقه ؛ ولا أظن أن والديك من النوع الذي يتشاجر كثيراً ؛ أم ماذا؟"

أجابه جيمي "مطلقاً ..." وتابع "لقد كانا في انسجام دائم فمشكلة حياتهما الوحيدة كانت عندما كان والدي يأخذني إلى التدريبات في الغابة فكان يجن جنونها ويتشاجران لأنها تخاف علي"

عبس رالف "تخاف عليك من ماذا؟"

قال جيمي "لم تكن والدتي تثق بأن والدي سيحميني إن حدث شيء وهذا طبيعي فأنا ابنها الوحيد وهي منذ طفولتي مهووسة بي ..."

نظر رالف الى زاوية الطريق على وشك الإستدارة .. قائلاً "هل كانت تدريباتك مع والدك بهذه الخطورة؟!"

ضحك جيمي يذكر الماضي؛ نواجذه ظاهرة بضراوة الحماس هامساً بفحيح ولمعة عين "أجل"

أومأ رالف برأسه "آه مممم" ثم أردف "هل كان التدريب يتضمن تعاطي نوع من حبوب أو إبر؟"

نظر جيمي لرالف بشيء من الإستغراب .. بل بالكثير من الإستغراب مجيباً بصوتٍ خافت وحقيقة أخفى ..
"لا!"

لربما يظن جيمي أن الغيرة اجتاحته إذ لم يوهب ذاك الرالف بأبٍ مثل مارتن ...

لكن شيئاً آخر تماما قد اجتاح رالف لحظتها ...

ألا وهي ذاكرة عابرة لأنصال ..

همس بنبضه "آدم"
وتذكر فجأةً ابنه آدم ؛ وأنه دعاه آدم ليكون كآدم .. لولا أن نبرة ولده رنّت مسامعه في لقطةٍ حين أخبره "أبي ؛ عندما أكبر سأكون الطبّاخ الأشهر وسأدعوك لمطعمي"

وحينها وبسرعة البرق محى رالف طموحاته وما كان يحاول أن يجعل ابنه أن يكونه ؛ مذ سماه آدم على اسم آدم حاصد الأرواح ..

^ذو الأنصال^ في حالةٍ من الذهان يتذكر سيارة والد جيمي في الصور ؛ كيف كانت آثار أنصال آدم تصرخ أي أنا هاهنا ...

^ولا اظن أن والد جيمي حي - فلا أحد يحيى بعد رؤية عزرائيل .^

●●●●●●●●●●●●●

طال الصمت كما الطريق .. على أراضٍ نائية فقاحلة .. ثم مروراً بأطراف المدينة حتى بدت من بعيد رؤوس شجر الصنوبر الممتزجة مع الجبال ..

خلفها سبُلٌ متعرجة؛ هنا في خضم البرية حيث الغابات تصرخ بالحياة طاردة بقسوتها البشر إلى مدنهم ..

السير عبر الجدول وبين الصخور البيضاء يوصلك إلى منطقة كثيرة الجذوع حتى لا تكاد تبصر فيها ضوء النهار من كثافة الأشجار؛ واقفة جنبا إلى جنب ومتشابكة الأغصان ..

هناك إن تغلغلت بجسدك الضئيل بين الجذوع فلا تدري إلى أين مآلك ومنتهاك! فهذا الجزء من الغابة لا تحده نهاية سوى الهلاك ..

ولكي تؤمّن السلطات تلك المنطقة لبني البشر الضعاف وضعت على بعد خمسة كيلو مترات من هذه المنطقة سياجاً علققت عليه بعض اللوحات الصفراء تنذر بخطر الإقتراب أو التعدي ..

طولُ السياج رهيب .. وارتفاعه يفوق الأربع أمتار !!
يمكنك السير على طوله وستدرك أنه قد يكون أبلغ لو تم قياس طوله بالوقت ؛ فما إن تنهيه حتى تطلع شمسٌ أو تغرب!!

إلاّ أن حارس الغابة أثناء تجوله الإستطلاعي؛ تنبه على كون جزءٍ من السياج قد تم (قطعه) قطعاً حديثاً ..

كانت الظهيرة وقد أخرج حارس الغابة كاميرا التصوير والتقط الصور (لقطعٍ) في السياج يظهر كالبوابة يمكن لإنسانٍ بالغٍ الدخول من خلاله - ولا يمكن أن يكون بفعل غير البشر ..

سرعان ما سجّل الحارس في دفتر ملاحظاته كاتباً بخطٍّ واضح .. ^قطع للمرة الرابعة على مدار الشهر^

تنفس الصعداء ..
يشعر حارس الغابة بقبضة في قلبه تخبره أن هناك أمراً يجب أن ينصح به السلطات ..

فمن الأفضل وضع كاميرات المراقبة على طول السياج فتلتقط ما لا تدركه أعينهم وما قد خفي عنهم ..

كتبها كملاحظة صغيرة في دفتره، ثم وضع القلم بين صفحاته وأغلق الدفتر ..

وها هو يحمل بندقيته على ظهره مستديراً نحو الجنوب يهم بالرحيل إلى موقعه - فاستوقفه ..

وكأنه احس بأمر !!

صوت !!

استدار ناحية الغابة الكثيفة خلف السياج  إذ تخبر أذناه عينيه أن هناك بين الجذوعِ ..

صوتاً ..

لرضيع !!!!!

أو لربما تخيل !!

لكن حارس الغابة أعلم من غيره بأصوات الغاب وقوارضها - يستحيل أن يكون ما سمعه صوت حيوان أو طفل حيوان !!

تسمّر مكانه بعض الوقت منتظراً أن يسمع المزيد فلربما هو بالفعل كما سمع أو أنه مجرد خيال !!

ولكن؛ طال تسمره ..

ولم يسمع أي شيء مريب ...

لكنه لا يزال مصرا وبشدة أن يخبر السلطات بأهمية وضع الكاميرات الليلية.

وها هو الحارس يعود أدراجه - وعلى بعدٍ ليس بالكبير من الناحية الشرقية للغابة - قريباً من طرق معبدة وبعض المخيمات العشوائية ..

تلك الأرض الحجرية الواسعة والتي يلوح لك بعدها قصر جراي أزرق القراميد - بجدرانه التي لم تُطلَ منذ أمد ..

حتى سقطت منها قشور فأصبحت أشبه ببقع البرص على الجدران الشاهقة .. وتلك النوافذ الواسعة ذات الزجاج العتيق - المخدوش ذو الغباب ..

الآن حالاً ؛ في الحديقة الواسعة وقف صفوف الخدم - ولا تدري أين الخدم من هذا الخراب في المنزل!!

صفوف مصطفة عن يمين وشمال جراي هناك ؛ واقف بسؤدده على رأسهم، مهندم ساكن يرتدي قفازاته وسبذلته الزرقاء - قد أعلم بحضور الزائرين قريباً ... فهم الآن (رالف وجيمي) أصبحا على بعد عشرين دقيقة -فاصلة!!-

م

تأهباً ..

وفي عقله خطة ستقلب كل الموازين على أرض هذه الغابة .

-to be continued-

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top