RAID || مداهمة

●°●°●°●°●°°●°●°●°°●°●°●°●°●


^الحياة صعبة^

هذا مكتوب ..
لكن درجةَ صعوبتها تكون بدرجة صعوبتك ^أنت^
فكلما كنت ذلك الذي يستحيل كسره .. ستكون لك بالمثل ..

وهكذا تستمر المنافسة حتى تموتَ شخصاً يستحق أن تكون له سيرة ما ، بطلاً أوضحية في سبيل البطولة ..

هكذا هو جيمي ..
^ الأشخاص المميزون يجب ألا يعيشوا حياةً عادية ^

ستستمر الحياة بمضايقتهم حتى يخترقوا حدودها وقوانينها أو حتى يصبح الموت بأهواله أهون من الحياة بأسرها .

نعيش لنُثبت أنفسنا ..
نضع عوانيننا التي اخترناها لنا ..

على جيمي وأمثاله أن يملكوا قلباً ليس كسائر البشر .. قلباً عقلاً يملك تلك الإنفعالات ويكتم انفجارات الخوف يتحكم بمعدل ضغط الدم والنبض فيستحيلَ عضلةً إرادية!!!

وأن يملكوا عقلاً متمكناً من سائر الأطراف قد بثّ أعصابه المتشجرة بجذورها فأخضع حركاته بدقتها الهائلة تحت السيطرة ..

----------------------------------

فور انتهاء جيمي من تلك المكالمة مع رالف ..
الآن يجب على عينيه الرصد كالنسر بدقة هائلة ..

يقينٌ في قلبه يحتاج إلى التيقّن!!
شيءٌ ما في خاطره يحيك يفيض شكّاً وريبة ..

يترك هاتفه ويخطو نحو والدته في الأسفل تحاول الوصول إلى الرقم ،، فيباغتها بقوله "اتصلي بالشرطة يا أمي"

إلتفتت إليه والدته ..
اتسعت عيناها مدوّرتين بتحديقةٍ خائفةٍ ومخيفة واختفى لونها وكأنها طُعِنت للتو!! ثمّ صرخت في وجهه ..
"لا مستحيل .. لا يوجد إثباتٌ بعد أنها طفلتك جاك .. قد يتم اكتشاف هويتك .. أو أسوأ،، ماذا لو أن الخاطف أخبر الشرطة بجقيقتك كسجينٍ هاربٍ من الإعدام!!!"

"أمي أنا ميت!!! أتذكرين؟؟
جيمي مارتن له شهادة وفاة وأنتي هي الجدة .. ابنتي متبناةٌ من قبلك هذا ما سيفهمون-"

"وماذا لو كشف الخاطف أمرك؟؟؟"

"حينها سنتصرف أمي .. الآن نحن نحتاج إلى الشرطة!! نحتاج إلى الدعم والتعميم وأنا سأتبع رالف"

انتابت الأم وكزةٌ في قلبها واستقر في سواد عينيها تيهٌ واسعٌ وضِيقُ احمالٍ لا يمكن الفرار منه ..

قررت التظاهر بالإتصال بالشرطة لتثبت برائتها من كل هذا ... ترتعد وترتعش يداها أثناء الضغط ..

9
1
1

هل تضغط على زر الإتصال الآن؟

ماذا لو كشفت الشرطةُ الخدعة؟

بدأت عينيها برؤية الأشياء تختل،، تبهت وتهتز ..
شردت وظهر ذلك على عينيها وإبهامها الذي كان يرتعش نزولا وصعوداً على شاشة الهاتف تعيد كتابة الرقم مرة تلوى الأخرى ...

انضم إليهم إدوارد وربما دخوله الجو المتوتر جعله أكثر هدوءاً ..

وجدت السيدة ذاتها بالفعل قد ضغطت على زر الإتصال ،، وماهي إلا صفارتين وتسمع صوت الموظفة
"مرحباً هنا مركز الطوارئ .. بماذا يمكننا مساعدتك؟؟"

اهتزت شفتا والدة جيمي واغرورقت عينها بدموعٍ وحمرة دموية،، تنظر إلى ابنها وتنطق بصعوبة ..

"أريد التبليغ" بصوتٍ معتبٍ جدّاً "عن اقتحامٍ لمنزلي،، والإعتداء علي .. واختطاف حفيدتي الرضيعة" ..

________________________________

عندما تيقّن جيمي اتصالها علِمَ أنه عدٌّ تنازليٌّ قبل أن تصل الشرطة ويكون خروجه من المنزل أصعب بمراحل عدة ..

فخطى للوراء عدة خطواتٍ ثم التفت وذهب فصعد إلى غرفته ولا تزال مسامعه مع حديث والدته في الهاتف تمد الطوارئ بالمعلومات ..

يخطف من داخل الخزانة حقيبة يدٍ مربعة كبيرة ويلقي فيها الثياب .. السلاح والذخيرة ومحفظته التي تحوي ورقتين من فئة العشرين دولاراً وبعض السنتات ..

الهاتف في الجيب والشاحن والأسلاك في قلب الحقيبة .. لا يحتاج الكثيرَ سوى نفسه خفيفاً ليعدوا ويلقي بذاته إلى حيث تأخذه الريح ..

ينتوي الرحيل ..
يوصد غرفته ..

يشعر بقلبه قد دفع بجرعةٍ زائدة من دمه إلى أطرافه ليندفع معها إلى خارج المنزل والشمس تدنو من مغيبها غرباً متوسّطاً ..

يقلب في هاتفه حتى يصل إلى رسالة رالف ..
إلى ذلك الموقع في أقصى الغرب ،، إلى فندقٍ ما على أطراف لوس انجلوس - كاليفورنيا

^كم هو غريب شعور العودة إلى ،، مسقط الرأس وبداية المتاعب ونهايتها الأولى .. لتبدأ المرحلة الثانية من كل شيء^

كان يشعر بالرهبة من مجرد التفكير في المضيِّ قدماً نحو الغرب حيث مدينته ... تبعد الأميال والأميالِ كما كان الهم بعيداً عنه في تلك البلدة .. لكن دوام الحال محال!!

الآن يجب عليه أن يسحب من بطاقة والدته مبلغاً يمكنه من شراء تذكرة طيران ليصل في خلال ساعات إلى وجهته ..

يصل شرق البلد بغربها ..

يعلم تمام العلم ان ابنته لا تزال هنا بل وربما في نفس الشارع أيضاً!!

ويعلم .. كم حاولت والدته تزييف الأمر لكنّ عينيها تفضحانها بشدة دائماً وتفضحان كذبهما وتدليسهما وكذلك شدة حبها له لدرجة أنه بإمكانها التضحية حتى بابنته من أجله!!

تلك الأم المجنونة التي لم تنجب غيره لا تمانع قلب العالم رأساً على عقب في سبيل حمايته ..

^حمايتي؟؟!!^

رنّت الكلمة في أذنه وهو يعيد الشريط في عقله ..
فكلّ ما فعله إيد ووالدته هو دفعه مجدداً للعودة لذات الطريق وكذلك ..

^لم تقم أمي ولم تلمّح حتى أنها لا تود مني ..

الذهاب ..

ومقابلة رالف ..

والإنضمام له!!!^

سؤالٌ واحد ..

ماذا يحدث بحق الجحيم؟؟؟

____________________________

فلنبتعد عن صخب المطار وأصوات محركات الطيارات ولنغض أبصارنا عن رحلة جيمي المزعجة القصيرة إلى مطار كاليفورنيا ..

فلنغض أبصارنا فعليّا!!
لنرى سواداً ثمّ .. لنفتح أعيننا على طبيعةٍ هادئة وخلابة ،، في قلبِ أشجار الصنوبر وأصوات البرية ..

نعود لقصر الموت ..
يلوح بين ضبابٍ وشجر وكأنه خيالٌ بعيد ظهر من العالم السفليْ .. وذلك السياج الشائك المطوّق له على بعدِ بضع الكيلومترات ..


انظر إليه من الأعلى ، كل شيء يبدو أجمل من الأعلى يا عزيزي القارئ !!

حتى قصر الموت هذا بحدائقه الفسيحة ومبانيه العدة ،، يغلب على أسقفه القرميدية لونٌ أزرق بنفسجي تتساقط عليه أوراقُ شجر ..

يتداول المارون من بعيد الأقاويل عن امرأةٍ تطلُّ بين الحين والآخر من نوافذ ذاك القصر ..

تحدّثوا عن مدى طول شعرها وسواده الذي حاكى سواد ما تحت عينيها ... وصفوها بشدة الجمال وأحياناً بشدة القبح!!
ومنهم من قال أنها عفريت أو شبح امرأة ميته ..

قالوا أنه يمكنك ملاحظة وهن جسدها وكأن بطنها ملتصق بظهرها وذراعاها بالكاد تحملان كفَّيْها ... يقولون أنها مختطفة !!
يقولون أنها تتعذب !!

يقولون أنها مالكةُ القصر أو مصاصة دماء من يدري !!

لا أحد يستطيع عبور السياج الحديدي للإقتراب أكثر من القصر ولكن بعض المخييمين المارين لاحظوا وجود تلك المرأة التي لا يعرف أحدٌ قصتها سوى أنتم ..

ولا يعرف أحدٌ أن اسمها اتجين ..

وأنها لم تتحمل العودة إلى منزل أهلها ولا المكوث هناك للحظة بل أصرت على العودة إلى القصر .. تشعر أن طفلها في مكانٍ ما بالجوار ،، تحلم به تتوهم وجوده تسمع صوت بكاءه ..

حالتها تسوء ..

امرأةٌ كسيرة بالكاد تلتقط ذكرياتها .. كل ما يصرخ في عقلها الآن تلك التنهيدة التي كان ذاك الرجل يغنيها بينما يلتقط طفلها ويأخذه بعيداً ... عن الجبال الضبابية بعيداً والكهوفِ الغائرة ..

ثم مقتل ذاك الطبيب الرجل أمام عينيها بتلك الوحشية ..
لا يزال عقلها غير قادرٍ على استيعاب حجم بقعة الدم التي كانت على الأرضية اثر كسر عموده الفقري ومزيقه إلى نصفين لسهل سحبه ..

لا يزال لون البقعة على أرضية الصالة ..
لكن أكثر سواداً .

ترك جراي مسرح الجريمة كما هو ،، بالدم الذي اعتبره لمسةً فنية لديكور المكان .. هكذا اعتاد جراي أن يفعل في بقاعٍ مختلفة من قصره ..

في كل جريمة تحدث هناك ،، هو فقط يترك كل شيءٍ كما كان ..

حتى لو كان أجزاءً من الضحية !!!

اعتاد الخدم ..
لا يسمح بالتنظيف ،، إن كان دماً فسيبقى حتى يجف وإن كان جزءاً ما سيعتادون الرائحة العفنة إلى وقتٍ ليس بالقصير .. وربما متابعة مراحل تحلل جزءٍ ما ..

صار كل ما يتمناه أفراد المنزل هو ..
أن لا يجنّ جراي ويترك جثةً بكامل الجسد في القصر خاصةً في هذه الأثناء العصيبة ..

يشعرون كلهم بالجحيم يلسعهم من حرارة غضب بلينسكي (جراي) الظاهرة على طيّاتِ وجهه والمنبعثة من رماد عينيه  ..

ذهاباً وإياباً ،، ودون طعام فما يغذيه هو رؤيته لأعدائه يتعفنون على أرضيات منزله الفسيح ...

يعرف جراي جيداً أن هناك من يحيك شيئاً خلف ظهره ، ويرى أن نقض ذلك الشيء هو أن يقوم برفع رايةٍ بيضاء بنيةٍ سوداء لإيجاد طريقةٍ أخرى ملتوية ..

الفكرة هي ،، أنّ أحدهم يحاول ^تعمية^ عينيه ..
أن لا يدع عقله أو عينيه تلاحظان ما يحدث ..

يبدو أنه سيقوم بحيلته الأخيرة ،، التي تبدو صفقةً خاسرة ولكن، عندما تعمّق فيها علم جيداً أنه سيقلب الطاولة بما عليها على ذاك العدو الخفي ..

يتمعن في بيانات عقله أكثر فأكثر ..
من يكون ذلك الذي يلاحظه ويلاحقه؟
دب الجبل أم النسر الأصلع أم الأرنب الوضيع لا يهم ،، أحدهم يريد شيئاً ..

وهذا الشيء ليس روح بلينسكي بل أكبر من ذلك ..
قرر بلينسكي أمراً ..

إذ استذكر وجود اتجين هنا وهي نفتاح كل شيءٍ الآن ..

استجمع شتاته في وقفةٍ جريئة من جلسةٍ للتفكير دامت لساعاتٍ متواصلة ،، ينظر حوله، وكأن غبرةً غطّت أركان الغرفة ..



والنوافذ الفرنسية موصدةٌ بالكاد تنقل منظر الغروب ..

فكّر لوهلة ..
^جيمي مارتن .. وتلك الرسالة التي ظننت أنها خدمتني ..

تلك السنوات بحثاً عن رالف بلا جدوى ثمّ رسالةٌ تصل إلى منزلي ، تحمل عنه كل المعلومات بل وذكرت أن طريقة تهديده هي إخباره باسم جيمي مارتن ..
كيف لأحدٍ أن يفعلَ أمراً كهذا دون مقابل؟؟

لا أموال ولا مكانة مجرد رسالة بيضاء الظرف دون أي معلومة عن مرسلها جعلتني أحصل على رالف .. زوجته .. قناصته ثم أفقد الطفل والقناصة ،، والجبل!!

الجبل ..
أظن أن اتجين تعرف شيئاً ..^

سار بضع خطواتٍ إلى ذلك الباب شارداً يحرِّك المقبض المعدني المزركش،، وخرج إلى الردهة إذ الخادمة تمر .. قد اختطف لون وجهها فجأة فور رؤيته كعادتها ..

تسائل ..
"أين اتجين؟"

أخفضت رأسها بتواضع وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة مرتاحة إذ نبرة سيدها تبدو في غاية السلام!!

أجابت "كالعادة سيدي، في غرفتها"

"ألا تزال تنظر من النافذة نحو الجبل"

"أجل"

"حسناً يمكنكِ الذهاب الآن"

ابتسمت مجدداً فاستوقفها ..

.
.
.

"نظفي فوضى القتيل ،، رجاءً"

أصيبت المسكينة بالذهول تنظر إليه مبتعداً باتجاه الغرفة ... ياله من مزاجٍ سعيدٍ وهادئ!!
ياله من يومٍ مبارك!!

●●●●●●●●●●●●●●

ينزل جيمي من سلم الطائرة بخطواتٍ متسارعة وكأنه الطيران أسرع من كل المسافرين ..
لقد وصل إلى كاليفورنيا ومجدداً ينتابه شعورٌ مقزز بعودة الذكريات إليه جميعها دفعةً واحدة مما يجعل الجوّ أقرب للحمرة والنفس أقصر من أن يتم التقاطه ..

يتجاهل مشاعره الدرامية ودموعه المختزنة التي بلا فائدة الآن ويلبس حقيبة اليد الكبيرة يهرول إلى أقرب طريقٍ للخروج من هذا المطار ..

المعاملات الورقية،، الأختام المملة والطوابير الممتدة أمامه جعلته يندفع أكثر متقافزاً بين الناس ..
"المعذرة والدتي في المشفى المعذرة هلا اخذ مكانك؟؟"

كان البعض يتجاهله ، وقد تصفعه ردود قساة القلوب أحياناً لكنه استمر في التحايل حتى أنهى الإجراءات ووجد نفسه أخيراً قادراً على التقاط أنفاسه أمام بوابة المطار حيث الخارج الفسيح ..

سيارات الأجرة والحقائب ..
فتح هاتفه على عجل إذ الليل الحالك تاركاً لضوء الهاتف تأثيره الساقط على وجه جيمي ، وبداخل عينيه قد ترى انعكاس الشاشة إذ ينظر للخريطة ،، حيث المكان المرسل من قِبَلِ رالف ..

فندقٌ يدعى روزفيلد .. في أحد ضواحي لوس آنجلوس لكنه ليس بالبعيد ،، جديد ومصنّف بخمس نجوم ..

وكان من الغريب كذلك رؤيته لتلك الملاحظة أسفل موقع المكان على الهاتف ..

^الإفتتاح اليوم^

هل تقصّد رالف ذلك؟ أن يرسل له موقعاً لم يتم تشهيره بعد؟

ربما ..

ها هو قد بدأ يشعر بالحماس مختلطاً بالخوف يركُّ عظامه مجدداً ... يشير لأحد سيارات الأجرة ويقفز في المقعد الخلفي ...

هناك حيث انطلقت السيارة في الشوارع ،، والطرقات حيث لوس آنجلوس،، بأضواء شوارعها الصاخبة ومبانيها هي نفسها لوس آنجلوس بأضوائها الصاخبة وشوارعها ومبانيها!!

تماماً كما تركها ،، بذات الرسومات القبيحة على جدران ذاك الحي وبذات المقهى الفاره هناك على الشارع الرئيسيْ ..

أو ذلك الجسر الذي اعتاد المرور عليه ..
لم يتغير شيء ..

حتى عواميد الإضاءة .. بل ذاك الشارع الذي، لم ينهوا الإصلاحات فيه بعد ...

شعور العودة إلى الحياو حيث لم يفُتكَ شيء .. شعورٌ قاسٍ - تشعر أنّ ،، الحياة تمضي رغم كل شيء ..

فلا داعيَ أن نتوقف عند نقطةٍ معينة ..
علينا فقط أن نكون ببرودة الحياة ،، نمضي قدماً رغم كل شيءٍ كالسحاب حتى لو تهشمنا وفقدنا أولئك الأعزاء ...

حتى لو كانت قلوبنا تنزف نافورة دمٍ وأفواهنا من الداخل قريحة .. أن تقسوا عقولنا على سائر أعضائنا فتتجاهل صراخها ونزيفها ،، وأن تتغافل قلوبنا عن الألم القابع متشبثاً بقيعاننا ..

يجب أن تتابع السير بطبعة أقدامك الدامية لأنك إن توقفت،، فستتجمد إلى الأبد !!

هذه هي الطريقة الوحيدة لعيش هذه الحياة ..

سيتوقف الألم حين يشاء الرب فيوقف نبضنا ..
وسننسى ،، أماكن مؤلمة ..
وجوهاً مؤلمة ..
لحظاتٍ قُتِلنا فيها فقط ،، سننسى ..

تتلاحق عليه الأضواء من النافذة يقبضُ قلبه فلا مكان للمشاعر التافهة ،، هذا ليس مسلسلاً هنديّاً أو دراما تركية .. هذه هي الحياة ..

فمرحباً بكم فيها !!

________________________

"لقد وصلنا وجهتك"

"شكراً لك" يسلمه العملات "تفضل"

ويخرج كما دخل ،، بسرعةٍ كنسمات الخريف بخفتها ،، يجد نفسه أمام فندقٍ قد بُنيَ حديثاً من أربع أدوار ،، باللون الأحمر الطوبِيْ وعلى الطراز الإنجليزيْ العتيق ...

لم يكن مظلماً أو ساكناً بل قد اصطفت أمامه عشرات السيارات الفارهة ،، يتوافد الناس إليه ..
أناسٌ من الطبقة البرجوازية أو ربما الأرستقراطية كعائلة والدته .. ولعله فكر بضع مراتٍ في مدى وضاعةِ ثيابه العادية ..

سترته ذات القلنسوة والرسمة السخيفة على الأكتاف ،، الحذاء الرياضي المهتري وبنطالٌ قطنيٌّ أسود لحرية الحركة ..

يبدو ببساطة كمتسول طرده والده للتو من المنزل خاصةً بتلك الحقيبة المربعة الرديئة ..

والأسوأ أنه لاحظ الأمن بشموخ وقفتهم يرحبون بالقادمين !!

تقدّم بسرعةٍ نحوهم،، وتردد قبل النطق لكن لا مفر ..

"المعذرة،، السيد رالف-"

"أجل تفضّل"

ماذا؟؟
بهذه السهولة؟؟

حسنا !!

يستجمع شجاعته ويدخل ..
بين الجمع .

_______________________

#جيمي

^ دخلت ..

صالة استقبالٍ فسيحة !!
تعجُّ بالناس ..

الجو المحيط بارد رغم الإعتدال ... الملامح ساكنة
الأضواء بخفتها صفراء تنعكس على حوائط المكان تجعلك ترا النصف من كل شيء، والمجمل من أي شيء ..

جدرانٌ مزركشة وأثاثٌ متناثر ، يمكنكَ الجلوس أينما تشاء وكيفما تشاء ..
حقيقةً، فورَ دخولكَ إلى هنا .. ستشعر بثمالةٍ قوية تحت تأثير ألحان الكمان ..
الفرقة على أحد الجوانب تعزف، يتمايلون .. صوت الكمان يمزّق ما تبّقى من أوتار قلبي، وتستمر طعنات الحزن مع تحريكهم لأياديهم طعنةً طعنة ..

لطالما نصحني والدي أي يا بنيْ ، عندما تكون مهموماً فلا تدع لفراغ الوقت فراغاً بل أبقِ تروس عقلكَ دوّارة .. ولكن،، ماذا أصنع الآن في الإنتظار!!!

أتصل برالف ولكن لا مجيب ..

وبينما أنا مع الفراغ ،، هنا ..

ستشعر أنّ صدركَ على وشكِ النزيف ..
تريد الهرب من جو تلك الصالة لكن لا تجد قدميْك .. والحوائط تتمثل لك وجوهاً من ذكريات، ضحكات مخيفة جميلة .. تهرب منها وإليها ..

لحظات ..
كلماتٌ تسمعها ..
همسات .

في اللحظة التي تدرك فيها أنّك فقدت كل شيء دفعةً واحدة (ابنتك) .. روحكَ ترسو على الأرض وجسدك يطفو .. يطوف الفضاء ..

لا يوجد أيٌّ من حواسك الخمس تعمل، سوى السابعة منهم ..

إنها تأخذك لداخلك، تلكَ الحاسة التي تحتجزكَ في عقلك .. بين غرف ذكرياتك وحواجز أخطائك .. ألغازٌ لم نحلها بعد، وأشياءٌ مفقودة ..

أنت مسجونٌ داخلك .. تصرعكَ وحوشك وتصرعها ... ليس لتخرج بل لتبقى في داخلك بسلام ..

الندم ..
الألم ..
الفقدان أكبرهم ..

يهجمون عليكَ فجأة وتهجم .. تركض وتركض إلى أقرب شراب ..

تشرب لتميتهم أو تسكتهم .. تشربُ بنهم رغم المرارة والقرف اللذيذيْن ..

ثمّ تقولُ لنفسك البائسة، لا بأس .. لحظات وتخمدين يا جحيم ، ويا ليت الله لم يخلق فينا المبالاة .. مع أنّ الحياة وقتها لن تسير أو تستمر ..

لكن ..

ها أنا ذا طفلتي بعيدة .. إنها رضيعةٌ بلا حيلة ..
اعتادت رؤية بعض الوجوه ، لم تتسع ذاكرتها بعد لإستيعاب المجموعات اللونية أو أمواج الضوء ..

شيءٌ بداخلي يضحك بسخرية وراحة قائلاً ستكون بخير .. ركّز فقط ..
وسرعان ما يدعس القلق والواقع ذلك الصوتَ داخلي ..

شجار الندم مع القدر، وبكاء الألم مع صراخ الواقع ..
الآن يتكلّم عقلي بجلاء يقول "ماتت .. أم لم تمت .. طريقكَ واحد بذات لهيب الغضب."

ذلك اللهيب البارد يستعرُ بصمت ..
أن يعرّض أياً كان حياة عائلتي للخطر ..

.
.

تتلون الأضواء على وجهي واتكئ على الأريكة بشيءٍ من ثمالة أفتعلها ..

أشعرُ أنّ هواء الجوّ ثقيلٌ على جسدي فأبالغ في الشهيق ... أعلم أن الغضبَ والتخبّط في الأرجاء بحثاً عن طفلتي لن يجدي نفعاً، ولكن هذا لا يعني أنني رزين ..

فأنا بعيدٌ كلّ البعد عن الرزانة، إنها فقط خارج إيطار عقلي وتصرّفي .. وها أنا قادتني قدماي لصالة هذا الفندق هذا .. وكأنني للتو سقطت في زجاجة شراب ..

أنتظر ذلكَ الميعاد مع رالف،، ولكن ..
هذه الأماكن ،، والطريقة ..
لقد أخبرني رالف أنه بدأ بالعمل معهم لذا من المحتمل أن يكونوا هم من لا نعلم وهم من أنا على ميعادٍ معهم!!

أعلمُ أنه من الخطر أن أعمل وحدي .. فرالف ذاته، العصامي المتفرد اختار أن يعمل معهم ..

معهم .. هم .. الذين لا نعرفهم ويعرفوننا ..
أجل .. ربما ذلك الرجل هو والدي بحق!!

فجأةً استوى ظهري على الأريكة وشعرت برعشةٍ لذيذة في أطرافي .. وكأنني للحظة نسيت ابنتي لكنني لم أفعل بل تناسيت الألم صارخاً داخلي إنها بخير .. ووالدك حي.

وددت لو أقتل ذلك الأمل القابع في غياهيب نفسي .. لكنه سرعان ما يصحو مجدداً ثم أقتله .. مجدداً

أسترخي على الأريكة وأفكر في متاعبي .. لدقائق، وحتى انتهت المعازيف لوهلة، واشتعلت الأضواء .. كفّت نساء الطبقة المخملية المتعاليات عن الضحك والرجال عن الكلام ..

إلتولت أعناقهم بنظرون لشيءٍ ما ... هناك، حيث يظهر صاحب الفندق بكامل أناقته وابتسامته اللامعة، فخور بذاته يفتح ذراعيه ويضحك مُرحِّباً بالضيوف ..

لم أعرفه، إنه عجوز .. بتجاعيد، وشيب.
لم أقف كالباقين ولم أعره أكثر من نظرتيْ اهتمام .. ثمّ سرعانَ ما أدرت وجهي مغادراً المكان، أتفحّص جيبي وأخرج هاتفي ...

استوقفني أحد الموظّفين في المكان يناديني باسمي بنبرةٍ هامسةٍ تحاول الإختباء ..
"جاك .. سيد جاك" ويديه معقودتانِ خلف ظهره المنحني تأدباً ..

رفعت له رأسي ثمّ قال "إنهم في انتظارك، اتبعني"
وأعطاني ظهره يسير أمامي ..

تبعته بشيءٍ من الهرولة بعيداً عن ضجيج الضيوف وضحكاتهم المصطنعة .. خطوة بخطوة، تنسحب أصواتهم بعيداً عن مسامعي شيئاً فشيئاً .. تتلاشى مع المسير قدماً حتى تختفي ..

وتتبدد تاركةً لصمتٍ قاتم مكاناً ... في أحدٍ الرده الطويلة الواسعة حيث الأرقام على الأبواب القاتمة تزيد رقماً تلوَ آخر ..

تتابعها عينايَ بتساؤل ممزوجٍ بفضول ..
توقّف الخادم فجأة يطرق على أحد الأبواب ، كان الرقم فوق الباب هو سبعةٌ وأربعون .. وبالكاد أتذكر تفصيلاً آخر .. فسرعانَ ما استجابوا لطرقةِ الخادم وفُتح الباب على مصرعه ..

صوتٌ ما "تفضّلوا"

وكأنه كان في الإنتظار ..

أرفع رأسي لفاتح الباب فأتفاجأ بصبيْ لم يتعدى السابعة عشر ربما ،، شديد البياض هزيل البنيةِ أو عادي، بشعرٍ أسود قاتم .. وعينان كبيرتان وأجل ..

تحدقان فيْ مما أثار وجلي ..

يبتسم ويقول "اسمي جوناثان"

تخطيته ملتفتاً .. رميت ابتسامة منكسرة له وتابعت السير نحو الداخل ..

رائحة سيجارة .. تخنق هواء التكييف البارد ..
هذه سيجارة رالف، نوعه المفضل!!
لطالما كان يفرط في تنفسها عندما تتكالب عليه الهموم ..

أرضٌ من الرخام اللامع وحوائط وحيدة اللون ..

أنزلت الحقيبة من على كتفي وجلست كما أشار لي الخادم على أريكة جلدٍ بنية، قد امتص نسيجها برودة الغرفة .. قرب بيانو كبير وتحت أحد الثريات ...

بحق، أظن أن لديّ رهاباً من الأماكن جديدة الإنشاء ..
ربما لأنها ليست ملطخةً بأرواح السكان وأمزجتهم بل فقط باردة وجامدة ، صفحةٌ بيضاء للذكريات إذ يجب الحذر من امتلاك أيّ مشاعرٍ سلبية هنا .. فكلّ شيءٍ حولك سيمتص سمِّيه شعورك القاتم ويحتفظ بها ..

ليست لديّ أدنى فكرة لما رالف موجودٌ هنا ..
إنه يكره التحف السخيفة ،، المبالغات وآلات الموسيقى، باختصار انه يكره كل ما يمكن الإستغناء عنه ..

لم أنتظر سوى ثوانٍ حتى ظهرَ لي رالف من أحد الغرف ، كما شهدته آخر مرة بذراعٍ واحدة ولكن، وجهه هذه المرة مختلف ..

متجهّم ، عبوسٌ غامقٌ داكن مكفهر متأزّم .. وعينان
مجهدتان بشدة ..

لم أتمالك نفسي ..

فقط، لم أتمالكها بالمرة ، لقد تركت حقيبتي وجميع أعبائي خلفي في وقفةٍ يقترب فأحتضنه بل وأعتصره ..

اختطاف ابنتي
ذكريات لوس آنجلوس ..
الحال التي آل إليها

أمسكت دموعي جميعها أن تهبط ، جمعتها وألقيتها في سواد قاع عيناي جدداً .. أعلم أنه لا فائدة من البكاء كالأطفال ..

أسررت في نفسي ^ هذا سخيف ^
لقد مسح على ظهري برفق ،، شعرت بكفه الكبير وسمعته يقول "تماسك"

افترقت أحضاننا ناظراً نحوه بصمت .. أريد قول الشيء الذي يريد قوله لكنه سبقني -

"هل اتصلت والدتك بالشرطة؟"

"أجل .."

"حسناً" يتراجع للخلف متخيّراً أحد المقاعد إذ يجلس بحذر وبطء مشيراً لجوناثان أن يحضر الشراب لكلينا ..

فور ذهاب جون كان رالف وكأنه يخطف لحظة وجودنا معاً وحيديْن فأمال رأسه إلى الأمام وهمس : يدفونك للمجيء والمشاركة

"يدفعونني؟؟"

"أحدهم ،، أظن جراي لديه يد ولكنه ليس الرئيسيْ هنا"

"رالف" بتعجب "كله من أجل القناصة؟"

"اسمع،، سنعطيها لجراي مقابل ابنتك مع أنني متأكد أن لا علاقة مباشرة له باختطافها"

"من جوناثان؟ لمَ هو معك؟؟"

سكت رالف قليلاً .. وكان محدّقاً فيْ للحظات
ثم أجاب ..

"تماماً كإيدوارد مع والدتك"

"يا إلهي هذا المراهق؟؟"

أطلّ فجأة من اللا مكان وبيده زجاجة كبيرة وكوبين ..

وضع الكوبيْن على الطاولة وجعلَ يحاول فتح القنينة،، وكان رالف يلمزه بأطراف عينيه محرّكاً مقلتيه إلى زوايا عينيه الضيقتين .. ثم قال : مشكلتي أنني بذراعٍ واحد ..

فابتسمت حتى بدت ضواحكي فقد فهمت ..
يأخذ جسدي وضع الإستعداد ..

ترسم عيناي الحركات ..

اتنفس ..

ثلاثة ...

إثنان ..

واحد .

_______________________________

To be continued...

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top