الفصل السادس والثلاثون: لماذا قتلته؟!

كان هاري ينظر إلى كارل الواقف قبالته أسفل الدرج بيأس.

أراده أن يستوعب مدى جدية الموقف بأي طريقة. يعلم جيداً كم هو محطّم الآن، لكنه ليس الوقت للتفكير بأي شيء آخر عدا النجاة فحسب!

لكن في تلك اللحظة، اتسعت عيناه بصدمة ما إن رأى نقطة الضوء الحمراء الصغيرة على جانب جبين شقيقه...

هي ثوان قليلة فقط...

أدار رأسه باتجاه النافذة الطويلة المطلّة على الردهة، ليرى ذلك القناص الواقف بين أشجار الحديقة، في حين كان يصوب فوهة قناصته مباشرة باتجاه رأس كارل...

فتح فمه ليحذره، في حين أخذ يركض إلى الأسفل في لحظات شعر أنها ساعات طويلة..

وقبل أن يكون قادراً على قول أي شيء، كان صوت تلك الرصاصة المنطلقة باتجاه شقيقه، أسرع من أي صوت آخر...

كان هاري قد وصل إلى أسفل الدرج في اللحظة التي رأى فيها تلك الرصاصة تخترق كتف كارل، ليندفع جسده نحو الأمام ويهوي أرضاً.
وما هي إلا لحظات قليلة فقط، حتى سمع بعدها صوت إختراق تلك الرصاصة الأخرى لزجاج النافذة، يليها صوت تحطم الجزء المحيط بالجهة التي دخلت منها، ثم استقرارها على الأرض قرب قدم كارل بنحو ملليمترات قليلة فقط.

توقف مكانه بصدمة ما إن رأى ذلك الشخص وهو يركض باتجاه تلك النافذة. ليقف أمامها، ثم يطلق النار على أطراف  ذلك القناص، فسقط أرضاً. وما إن تأكد من أنه لن يكون قادراً على الحراك الآن، ركض نحو كارل ليجلس إلى جانبه ويساعده على الجلوس على الفور.

كان يتأوه متألماً، وقد بدأ الدم يتدفق من جرح كتفه. لذلك سأله بانفعال وقد بدا قلقاً جداً: هل أنت بخير؟ أنا آسف حقاً كارل، لكنه كان الحل الوحيد حتى أبعدك عن تلك الرصاصة!

لم يرد على سؤاله ذلك، بل نظر نحوه وقال بعدم استيعاب: روي؟ ما الذي تفعله هنا؟!

في تلك اللحظة، وقف هاري إلى جانبهما وسأل روي قائلاً بحدة: روي، ما الذي يعنيه هذا؟!

أجاب روي على عجل وهو ينظر إلى الأصفاد في معصمي كارل: سوف أشرح لكم كل شيء لاحقاً، علينا الخروج من هنا الآن.

قال ذلك ليباعد بين يدي كارل قليلاً حتى استقامت السلسلة الحديدة الرابطة بين الأصفاد. عندها وضع مسدسه على السلسلة ليطلق النار عليها بحرص شديد حتى لا يصيبه، وقد انكسرت على الفور.

ما إن حرر يداه، حتى طوق يده السليمة حول رقبته ليساعده على النهوض، ويهم بمغادرة المكان. عندها أوقفه راولي الذي وقف أمامه مشيراً بمسدسه اتجاهه، قبل أن يقول بحدة: من أنت؟ وما الذي تظن نفسك فاعلاً؟

نظر روي نحوه لبعض الوقت، قبل أن يقول بهدوء غريب: أفترض أنك العميل راولي ساكفيل.

بدا راولي متفاجئاً ما إن قال هذا، لكنه تفاجأ أكثر ما إن أخرج هذا الغريب بطاقة التعريف الخاصة به والتي تحمل شعار الCIM. ولم تكن كأي بطاقة، بل البطاقة الخاصة بقيادي المنظمة!

تكلم ذلك الشاب بنبرة واثقة، وهو ينظر نحوه بحزم: إنها المرة الأولى التي نلتقي بها، لكن لابد أنك سمعت عني من قبل. اسمي الحركي هو لاكساس. أنا المسؤول الأول عن هذه القضية، لذلك عليك أن تتنحى جانباً وتطيعني في الحال.

كان راولي مصدوماً تماماً. فهو لم يتوقع أن يكون لاكساس الذي سمع عنه الكثير، هو في الواقع شاب في مقتبل العمر.

لكنه رغم ذلك أجاب بثبات: آسف على قول هذا، لكن أرى أنك على معرفة به، لذلك لا يمكنني السماح لك باستغلال سلطتك من أجل تحرير هذا المجرم. لدينا أوامر بالقبض عليه، فهو المشتبه به الأول في هذه القضية.

ضغط روي على أسنانه قبل أن يقول محاولاً كبت غضبه بصعوبة: استغل سلطتي من أجل تحريره؟ لا تمزح معي يا هذا! إذا ما كان كارل شخصاً سيئاً كما تقول، فسأكون أنا أول من يركل مؤخرته! لكن من الواضح أن كل هذه مؤامرة لعينة، هدفها قتله في النهاية! علينا مغادرة هذا المكان في الحال. لقد تولى رجالي وحراس تشادولي أمر المتسللين في الخارج، لكن سيصل المزيد منهم قريباً.

ثم نظر إلى باقي الرجال وصاح بهم بنبرة آمرة: فلتساعدوا الحراس من أجل إخلاء المكان من الخدم والعمال حالاً. قد نتعرض للهجوم في أي لحظة!

كان رجال راولي مترددين جداً في إطاعة أوامره. عندها عضّ راولي شفته السفلى، قبل أن ينظر نحوهم ويصيح بهم قائلاً بغضب: ما الذي تنتظرونه أيها الحمقى؟! فلتنفذوا الأوامر حالاً!

لم يكن واثقاً تماماً مما يحدث. لكن كلام هاري وهذا الشخص، بالإضافة إلى ذلك القناص الذي حاول قتل كارل قبل قليل، جعلاه يشك في حقيقة الأمر. ربما يكون الأمر ليس كما ظن في البداية حقاً!

ثم وقعت عيناه على السيد جيرفييه الذي كان ما يزال واقفاً بجانب المدخل، وقد بدا مذعوراً جداً. لو أنه علم أن كل هذا سيحدث، ما كان ليسمح له بالقدوم معهم أبداً. لذلك خاطب أحد رجاله قائلا بلهجة آمرة: خذ السيد جيرفييه إلى مكان آمن وتأكد من حمايته بأي ثمن. سنقع في الكثير من المشاكل إن أصيب بأي مكروه!

غادر الرجال المكان برفقة السيد جيرفييه بسرعة، في حين بقيت لوسي التي كانت تجلس الآن قرب ديفيد إلى جانب الجدة التي فقدت وعيها ما إن رأت تلك الرصاصة تخترق جسد كارل، وقد كان كلاهما مذعورين تماماً.

ما حدث من البداية كان كفيلاً بجعل صحتها تتدهور كثيرا، لكن رؤية الدماء تتدفق من جسد حفيدها، كانت كالقشة التي قسمت ظهر البعير..

حملها ديفيد بين ذراعيه وهو يهتف بذعر: جدتي! جدتي!

كان روي وكارل مصدومين تماماً لما رأوها على هذه الحال، وقد هتف كارل بانفعال بعد أن ابتعد عن روي وهو يسير مترنحاً باتجاهها: جدتي!!

ولكن قبل أن يقترب منها حتى، تسمّر مكانه ما إن سمع صوت صراخ ايمي الواقفة أعلى الدرج.

التفت الجميع نحوها على الفور، عندها تكلم ذلك الرجل الواقف خلفها الآن، بينما يشدها نحوه من كتفها بعنف، في حين وضع سكينه أمام عنقها وهو ينظر إلى الواقفين في الأسفل: سأقتل الطفلة إذا ما تحرك أي واحد منكم!

كانت ايمي تنظر إلى ذلك السكين أمامها بينما ترتجف ذعراً.

قبضته القوية كانت مؤلمةً بحق، لكن الخوف الذي تملكها لحظتها كان أكبر بكثير. فكرة أن هذا الشخص سيأخذها بعيداً عن عائلتها، بثت الرعب في أوصالها، ولم تكن قادرةً على التكلم، ولا الحراك أيضاً.

رفع روي مسدسه ببطء، لكن ذلك الرجل قد لاحظه فوراً. فشد ايمي من شعرها نحوه ليفسح المجال إلى جزء أكبر من رقبتها للظهور أمام سكينه، ثم قربه منها أكثر ليقول بتهديد: ضع مسدسك على الأرض حالاً!

تجمعت الدموع في عينيها، وقد أغلقتهما بقوة حتى لا تنظر لتلك السكينة الحادة التي كانت على بعد ملليمترات قليلة جداً من أن تجرح عنقها. جسدها الصغير يرجف بقوة، بينما ظلت أسنانها تصطك ببعضها رعباً وهي لا تدري ما الذي سيحدث لها الآن. هل هذه هي النهاية حقاً؟ هل سيقوم بقتلها؟ أم أنه سيأخذها بعيداً وإلى الأبد؟!

كان ذلك الرجل قد ركّز بصره على روي وراولي الذي أخرج مسدسه هو الآخر. لكنهما وجدا نفسيهما ينزلانه طواعيةً بينما ينظران نحوه بغضب.

ديفيد الذي كان يحمل الجدة، كان ينظر إلى الموقف بغضب شديد. صاح بذلك الرجل قائلاً بحنق: دع ايمي حالاً أيها اللعين!

لم يكترث الرجل لصراخه الغاضب أبداً. أمامه مهمة واحدة فقط عليه أن يؤديها، عندها سينتهي كل شيء. هذه الطفلة يجب أن تعود معهم اليوم مهما كان الثمن!

كان منشغلاً بالبالغين الواقفين أسفل منه، ويبدو أن ذلك الطفل الذي أطلق النار على ذراعه قبل قليل، لم يكن بتلك الأهمية بالنسبة له. ربما اعتقد أن الأمر كان محض صدفة، لذلك لم يلاحظه وهو ينظر نحوه بهدوء غريب.

كان يتمتم بينه وبين نفسه بكلمات لم يفهمها أحد سواه، ولم يسمعها سوى روي الواقف على مقربة منه، والذي نظر نحوه بطرف عينيه في ارتياب.

كانت عيناه مرتكزتان على ذلك الرجل في الأعلى، في حين أخذ يتمتم بخفوت: زاوية الإطلاق والسقوط، عجلة الجاذبية الأرضية، السرعة، المسافة، الزمن...

ثم سكت قليلاً قبل أن يأخذ نفساً عميقاً، ليرفع فجأة ذلك المسدس الذي أخذه من ذلك الرجل قبل قليل. ومن دون أن ينتظر أي شيء، ومن دون أن تتغير تعابير وجهه حتى، قال بصوت عالٍ فجأة: روي، التقط ايمي حالاً!

لم يستوعب روي ما قاله في البداية، لكن حينها أطلق هاري النار على الفور من مكانه على الأرضية، لتستقر في رأس ذلك الرجل تماماً.

اندفع جسده إلى الخلف. وهو ما إن أفلت شعر ايمي، حتى اندفع جسدها بالمقابل إلى الأمام بينما أخذت تهوي نحو أسفل الدرج..

عندها ركض روي نحوها صاعداً تلك الدرجات القليلة، ليلتقطها بين ذراعيه قبل أن تسقط.

في تلك اللحظة، سقطت جثة ذلك الرجل على الدرج، ثم أخذ ينزلق إلى الأسفل بينما يهتز بقوة في كل مرة يصطدم فيها جسده بالرخام البارز لكل درجة يتجاوزها، في حين ترك وراءه خط دم أحمر قاني من الأعلى وصولاً إلى الأسفل. وقد مر بجانب روي الجالس على الدرج، مع ايمي التي كانت بين ذراعيه، بينما ينظر نحوه بصدمة.

توقف جسده أخيراً على الانزلاق في اللحظة التي علقت فيها إحدى ساقيه بدعامة سياج الدرج، في حين ظل رأسه معلقاً بالهواء ما إن استقر في الدرجة الأخيرة. ليقابل وجهه الميت، جميع الواقفين في الأسفل..

فمه كان مفتوحاً، عيناه شاخصتان بينما تنظران نحوهم باتساع، بينما ظل جسده يرتجف عدة مرات قبل أن يتوقف تماماً عن الحركة لما سحبت الحياة منه تماماً.

للحظة، عم الصمت أرجاء المكان، بينما كان الجميع مصدومين تماماً.

وما إن استوعب ما حدث للتو، جثى كارل على ركبيته متجاهلاً الألم الفظيع في كتفه لما لم يعد قادراً على الوقوف من هول ما رآه، ليهمس أخيراً بين شفتيه المرتعشتين: لماذا؟ لماذا فعلت هذا؟

ثم خفض رأسه ليصيح بقهر هذه المرة: لماذا فعلت هذا أيها الأحمق!!

ايمي أرادت التحرك لرؤية ما حدث للتو، لكن روي شدّها نحوه ليدفن وجهها في صدره بقوة أكبر ويقول بهمس: لا تتحركي... لا يمكنكِ أبداً رؤية هذا..

ثم أبعدها عنه قليلاً لينظر إلى وجهها ويقول بهدوء: ستنامين قليلاً من أجل أخيك الأكبر، اتفقنا؟

نظرت إليه ايمي بحيرة وهي لم تفهم قصده. لكنها قبل أن تقول أي شيء، ضربها على عنقها من الخلف بحافة كفه، ففقدت وعيها ليرتخي جسدها بين يديه، بينما أسند هو رأسها على صدره برفق.

لا يمكنه السماح لطفلة مثلها برؤية شيء فظيع كهذا أبداً..

نظر إلى هاري بقلق. لم تكن هذه المرة الأولى التي يرى فيها تلك التعابير الباردة في وجهه، وكذلك عيناه الخاليتان تماماً من المشاعر. ربما في مكان ما في أعماقه، كان يعلم جيداً أن هذا الفتى قادر على سلب حياة الآخرين إن ظن الأمر لازماً، دون أن يحمل في قلبه ذرة ندم.

نظر نحوه كارل ليصيح مرة أخرى، بينما عيناه تدمعان قهراً: لماذا؟ لماذا قتلته؟ لقد أخبرتك آلاف المرات أنه لا يمكنك قتل الآخرين حتى لو كنت مضطراً لذلك!

ثم وضع رأسه بين يديه ليضغط عليه بقوة، بينما يردد بهستيرية وجسده يرجف بقوة: ما الذي سأفعله؟ ما الذي سأفعله الآن بعد أن حدث هذا؟!

لقد حدث هذا. حدث أكثر ما كان يخشاه على الإطلاق!

نظر هاري إلى روي ببرود. قبل أن يرمي المسدس نحوه، ليقول بلا مبالاة ما إن التقطه: امسح بصماتي واستبدلها ببصماتك، وبهذا ستكون قد حللت المشكلة. لن يحاسبك أحد على قتله أثناء تأدية واجبك.

راولي كان مصدوماً تماماً، بينما غطت لوسي فمها بيديها بعد أن شهقت بصدمة. هي علمت دائماً أنه لم يكن عادياً أبداً، لكنها المرة الأولى التي تشعر فيها بالخوف منه هكذا.

حرّك كارل رأسه نافياً وقال بألم: أنت لا تفهم، ليس هذا هو الأمر هاري...ليست هذه هي المشكلة!

وقبل أن يضيف أي شيء آخر، سمعوا صوت تبادل لإطلاق النار في الخارج. عندها قال روي بسرعة وهو ما يزال يحمل ايمي بين يديه: لا وقت لهذا الآن كارل، سوف نتدبر الأمر فيما بعد، علينا الآن الذهاب لمكان آمن أولاً!

عندها نظر نحوه هاري قبل أن يقول بجدية: علينا أن ننفصل  من أجل توفير الوقت. يجب أن يتلقى كارل وجدتي العناية الطبية في أسرع وقت ممكن، وإذا ما كانوا سيقومون بمطاردتنا، فقد نتأخر كثيراً. ليأخذ أحد ما جدتي وكارل، بينما أذهب أنا وأنت وايمي في سيارة أخرى.

عندها هتف روي باعتراض: ما الذي تقوله هاري؟ إنهم يهدفون لقتل كارل..لا يمكنني البقاء بعيداً عنه أبداً.

فأجاب هاري بثقة: لابد أنهم يعرفون الآن أننا اكتشفنا خطتهم، لذلك سيكون استهداف كارل الآن بلا فائدة. إن هدفهم الرئيسي من كل هذا هو اختطاف ايمي.

ما إن قال هذا حتى سأله روي بعدم استيعاب: ايمي؟ لكن لماذا؟!

لم يعرف هاري بماذا يجيبه، فهو نفسه لم يكن واثقاً تماما من سبب سعيهم المستميت للحصول على ايمي. عندها تدخّل راولي لما رد على سؤاله قائلاً بجدية: لأنها هي ذلك الرسام..

بدا روي مصدوماً تماماً ما إن سمع هذا. كيف يمكن لطفلة صغيرة أن تكون هي ذلك الرسام؟ لذلك لم يستطع منع نفسه من أن يهتف بصدمة: أخت ديفيد هي الرسام؟! كيف يمكن أن يكون هذا معقولاً حتى؟!

تفاجأ لوسي وراولي كثيراً لما سمعا هذا. ايمي هي أخت ديفيد؟! ابنة عائلة هوريستون؟ ما الذي يعنيه هذا؟ الآن أصبحت الأمور معقدة أكثر!

لكن روي أخذ  نفساً عميقاً محاولاً تصفية ذهنه قبل أن يقول بهدوء أكبر الآن: حسناً..سوف آخذ ايمي معي لاستدرجهم بعيداً. إذا ما كانت هي الرسام حقاً، فهم لن يحاولوا قتلنا في تلك الحالة.

عندها وقفت أمامه لوسي لتقول بثبات بينما تضع كفها على صدرها مشيرةً إلى نفسها: سآخذ أنا وراولي الجدة وكارل إلى المستشفى. سنكون قادرين على حمايتهما إذا ما حدث أي طارئ.

لم يتوقع كارل أن تقول هذا أبداً. كيف يعقل أنها ستفكر حتى في حمايته بعد الذي حدث؟ لكنها ولدهشته اقتربت منه وساعدته على النهوض، قبل أن تلف ذراعه حول عنقها لتساعده على السير باتجاه المخرج.

أراد أن يقول شيئاً، فقاطعته لما قالت بثبات دون أن تنظر إليه: ليس الآن. عليك أن تعالج جرحك أولاً.

عض شفته السفلى بقهر. لكن كلامها رغم ذلك كان قد بث بعض الأمل في قلبه. هل ما قصدته ب(ليس الآن)، يعني أنها ستتحدث معه لاحقاً؟

راولي قام بحمل الجدة إلى الخارج، بينما سار ديفيد نحو روي وهو ينظر نحوه بمشاعر مختلطة. لكن كلاهما يدركان جيداً إنه ليس الوقت الملائم للاحتفال بلم الشمل الآن.

نظر إلى ايمي التي كان يحملها بين ذراعيه بقلق. وقبل أن يسأله عن أي شيء، أجاب روي على الفور: إنها فاقدة للوعي فحسب. ستكون بخير.

اكتفى ديفيد بإيماءة بسيطة قبل أن يخرج بسرعة برفقة الآخرين..

كان هناك تبادل لإطلاق النار بين أفراد الCIM، وأولئك المهاجمين الذين اتخذوا من الحديقة المحيطة بالقصر أماكن للاختباء.

ما إن خرجوا من الباب، حتى صاح بهم جيفريك -رئيس الحرس الشخصيين لكارل- الذي كان واقفاً قرب إحدى السيارات المركونة أمام الباب الرئيسي وهو يفتح بابها الخلفي على مصراعيه: سيدي الرئيس، من هنا!

أسرعت لوسي برفقة كارل وراولي باتجاه تلك السيارة، بينما فتح روي الباب الخلفي لسيارته المركونة خلفها. وضع ايمي هناك، ثم أغلق الباب بسرعة في الوقت الذي ركب هاري بجانب ايمي من الجهة الأخرى.

جلس روي على كرسي السائق، وقد جلس ديفيد إلى جواره لينطلق على الفور خلف السيارة التي كان يقودها جيفريك بسرعة.

تعمّد روي جعل المهاجمين يرون ايمي برفقته. وهم ما إن وصلوا إلى الطريق الرئيسي، حتى تفرقت السيارتان كل في طريق. وكما توقع هاري، فقد خرجت ثلاث سيارات كانت مختبئة بين الأشجار الكثيفة على جانب الطريق، لتطارد السيارة التي كانت بها ايمي.

كانوا يحاولون إطلاق النار على إطارات السيارة، فضغط روي على الدواسة بقوة لتنطلق السيارة إلى الأمام بسرعة جنونية، متجنّبين بذلك تلك الرصاصات التي انطلقت باتجاههم.

كانت مؤشرات السيارة كلها تشير إلى حدودها القصوى، لذلك تمسّك ديفيد بكرسيه بقوة ليقول بذعر وهو ينظر إلى أسهم عدادات السرعة التي كانت كلها تشير للنهاية: ما الذي تفعله؟ هل تريد قتلنا أم ماذا؟!

لكن روي تجاهله تماماً. نظر إلى هاري عبر المرآة الداخلية ليقول على عجل: هاري، هناك سلاح رشاش أسفل الكرسي الذي أمامك. اعطه لي بسرعة.

أخرج هاري ذلك السلاح ومده له على الفور.

فخفض من سرعته قليلاً، قبل أن يقول لديفيد وهو ينظر إلى تلك السيارات عبر المرآة الجانبية، والتي صارت تقترب منهم كثيراً الآن: خذ مكاني..

لم يفهم ديفيد قصده في البداية، لكنه رآه يُنزل زجاج نافذة كرسيه للنهاية، قبل أن يخرج جسده ببطء ليجلس على النافذة. قدمه ما تزال على الدواسة، ويده كانت تثبت المقود، لكن السيارة رغم ذلك انعطفت بقوة، وقد كادوا ينحرفون عن الطريق. لذلك قفز ديفيد باتجاهه ليثبت المقود، ثم يجلس مكانه على الفور ويصرخ قائلاً بانفعال: أنت حتماً تنوي قتلنا!!

لم يرد روي عليه هذه المرة أيضاً. كان جالساً على حافة النافذة بنيما قدماه فقط داخل السيارة حيث ثبت جسده بهما.

عندها وجّه سلاحه نحو تلك السيارات ليطلق النار مصيباً إطارات إحدى السيارات، فانحرفت عن مسارها لتصطدم بشجرة كانت على الطريق.

رأى بعض الرجال يخرجون من نوافذ السيارتين الأخرتين وهم يحملون أسلحة نارية، عندها صاح بديفيد قائلاً: قد بسرعة أكبر!

زاد ديفيد سرعة السيارة، لكنها لم تكن كافية بالنسبة له. لذلك أدخل جسده قليلاً ليضع قدمه فوق قدم ديفيد، ويضغط على الدواسة بقوة أكبر حتى انطلقت السيارة بسرعة جنونية مرة أخرى.

كان ديفيد يثبت المقود، ولم يكن قادراً على الجلوس بشكل جيد بسبب روي شبه الجالس إلى جواره على نفس الكرسي.

كان يخرج جسده قليلاً ليتبادل إطلاق النار معهم، ثم يعود إلى الداخل مجدداً. لكن ديفيد صاح به فجأة: روي أبعد قدمك عني! هناك منعطف حاد، أحتاج لإبطاء السرعة!

عندها دخل روي إلى السيارة مجدداً وقال على عجل: ابتعد بسرعة..

عاد ديفيد للجلوس في مكانه، وقد تمسك بالمقبض في سقف السيارة دون أن يربط حزام الأمان..

لقد خرق كل قوانين القيادة التي تعلمّها، لذلك صار ربط حزام الأمان آخر همّه الآن!

ظن ديفيد أنه سيبطئ السرعة، وينعطف بالسيارة. لكنه فاجأه حينما أخذ يدير المقود بسرعة لتدور السيارة في مكانها عدة مرات، مصدرةً صوت صرير عالٍ، قبل أن تستقيم مقابلة لاتجاه تلك السيارات المندفعة نحوهم على بعد عدة أمتار..

ضغط على دواسة الوقود بقوة مجدداً، لتنطلق السيارة باتجاه إحدى السيارتين مباشرة.

هاري ضم ايمي إليه وتشبث بمقعد روي أمامه بقوة، بينما تمسك ديفيد بكرسيه وهو يهتف بذعر: ما الذي تفعله أيها المجنون؟!! سوف نصطدم بهم!!

فردّ روي وعيناه مرتكزتان على تلك السيارة أمامه: فقط أغلق فمك وثق بي!

سائق السيارة الأخرى كان على وشك الانحراف نحو الاتجاه الآخر متجنباً الاصطدام الحتمي بينهما، لكن روي ضغط على المكابح بقوة فجأة، ليدير المقود بقوة مرة أخرى فالتفّت السيارة حول نفسها ثلاث مرات تقريباً قبل أن تستقيم إلى جوار تلك السيارة بنفس الاتجاه الآن. 

اقترب منها أكثر، ليصطدم بها من الجانب وهو يدفعها خارج الطريق. كانت نافذته مطلة بشكل مباشر على نافذة الكرسي المجاور لكرسي السائق، حيث جلس واحد من أولئك الرجال وهو يحمل مسدساً.

وقبل أن يكون قادراً على فعل أي شيء، أخذ روي مسدسه ليوجهه نحو السائق ويقول بابتسامة مستفزة، بينما يثبت المقود بيده الأخرى: فلتبتعد من أجلي...

أطلق على كلتا ذراعيه، فصاح السائق متألماً بينما يسبّه ويلعنه، وقد فقد سيطرته على السيارة تماماً. ولما دفعه روي بسيارته بقوة أكبر، انحرفت تلك السيارة أيضاً عن الطريق، لتنزلق في مزرعة خضراء واسعة مبتعدةً عن الطريق الرئيسي حتى توقفت ما إن اصطدمت بشجرة ما وسط تلك المزرعة.

الآن تبقت سيارة واحدة فقط. خفض روي سرعته قليلاً ليأخذ ذلك المنعطف، وقد كانت تلك السيارة وراءه مباشرة.

كانوا يطلقون النار على سيارته، وقد استطاعوا إصابة إحدى الإطارات الخلفية. عندها فقد روي السيطرة على السيارة للحظات، قبل أن يخفض السرعة ليقود بمحاذاة تلك السيارة.

أخذ يطلق النار عليهم، لكنهم استطاعوا تجنب طلقاته تلك.

عليه التخلص منهم سريعاً، وإلا فإن سيارته لن تصمد طويلاً.

عندها سأله هاري بانفعال: هل معك زجاجة كحول؟!

استغرب روي من سؤاله، لكنه رغم ذلك أجابه بتردد: أجل.

ثم أشار إلى الصندوق أمام كرسي ديفيد وقال: هناك زجاجة فودكا هناك. لكن لما؟

لم يردّ هاري عليه، بل إنه انحنى للأمام، ليفتح الصندوق أمام ديفيد ويأخذ زجاجة الكحول تلك بسرعة.

نظر إلى حاملة الأكواب بين الكرسيين الأماميين، وقد وجد كوب قهوة فارغ، قارورة مياه، وعدة أكياس سكر أسفل القارورة.

كما توقع هاري تماماً، حيث كانت تلك عادة روي. كان كثيرا ما يفوّت وجبات طعامه، لذلك يحتفظ بأكياس سكر دائماً حتى يأخذها إذا ما شعر بالدوار..

أخذ الأكياس والكوب على الفور. وقد صب بعض الكحول في الكوب ثم أذاب جميع الأكياس داخله.

ثبّت الكوب بين ساقيه، ثم مزق طرف قميصه ليبلل طرف القماش بمحتويات الكوب، ويدك القماش في عنق الزجاجة، تاركاً جزءاً منه يتدلى للخارج.

اتسعت عينا روي وهو ينظر عبر المرآة إلى ما يفعله، ليهتف قائلاً بعدم تصديق: لا تقل لي أنك قد قمت للتو بصناعة قنبلة مولوتوف؟!!

أجاب هاري دون ان ينظر نحوه، وهو يمسح الجزء الخارجي من الزجاجة بقميصه: إنها لن تكون فعالةً جداً بما إنني لم أستخدم البنزين، لكنها ستكون كافية لإحداث حريق صغير.

ابتسم روي من كلامه ليقول بابتسامة ماكرة: إنها فكرة عبقرية. ارفع الكرسي الذي تجلس عليه ايمي، ستجد هناك زيت محرك. يمكنك استعماله أيضاً، فهو سيجعل النار تعلق لفترة أطول.

بالفعل قام هاري بإخراج زيت المحرك من الفراغ الخاص بالتخزين أسفل كرسي ايمي، وقد قام بإضافته للزجاجة.

سأله روي بينما ينظر إلى السيارة من المرآة الجانبية: هل ستكون قادراً على رميها؟

أجاب هاري وهو ينظر إلى السيارة أيضاً: خزان الوقود من جهتي، لذلك سيكون من السهل إصابته. أحتاج فقط أن أكون على بعد مسافة متوازية بيني وبينه حتى يمكنني رمي الزجاجة وإصابته بشكل مباشر. يمكنك ذلك صحيح؟

ابتسم روي بخبث وقال وهو يشد المقود: بالطبع يمكنني...

رمي روي قداحته إلى هاري الذي التقطها فوراً، قبل أن يخفض سرعته ليقود سيارته بشكل متوازي مع تلك السيارة، تاركاً مسافة لا بأس بها بينهما. أخرج مسدسه ليطلق النار بينما يمسك المقود بيده الأخرى.

كانت تلك السيارة على وشك الاقتراب منهم، دون أن يلاحظوا هاري الذي فتح نافذته بعد أن أشعل فتيل تلك الزجاجة. وقبل أن يدركوا أي شيء، رمى الزجاجة عليهم بكل قوته لتنكسر على جانب السيارة بالقرب من خزان الوقود، محدثةً بذلك انفجاراً بسيطاً لتشتعل النيران على الفور. وفي الوقت نفسه، داس روي على دواسة الوقود بقوة ليبتعد عن تلك السيارة بأقصى سرعته.

توقفت تلك السيارة على الفور، ليخرج كل من فيها وهم يركضون بجنون مبتعدين عنها، قبل أن تنفجر بأكملها في اللحظة التي وصلت فيها النيران إلى داخل خزان الوقود، محدثةً بذلك صوت انفجار عالٍ هز أرجاء المكان.

يتبع..

******

_رأيكم في الفصل؟

_توقعاتكم للأحداث القادمة؟

_هل توقعتم أن من سينقذ كارل هو روي؟

_هاري قد قتل شخصاً! هل توقعتم ذلك؟ وما الذي سيحدث الآن؟

_ما سر تلك القضية؟ ولماذا يسعون باستماتة للحصول على ايمي؟

_ومن وراء كل هذا؟

_رأيكم بمهارات روي في القيادة؟ وكذلك خطة هاري من أجل الإفلات من مطاردة تلك السيارة؟😁

كل هذا وأكثر ستعرفونه في احداث الفصول القادمة..

نعرف الفصل أقصر من العادة، بس الفصل اللي بعده جاهز حتى هو. لو لقيت تفاعل رح ننشره غدا باذن الله😉

لقد أرهقتني كتابة هذا الفصل حقا خصوصا في نهايته😵 لا اعلم إذا ما كنت قد افلحت في وصف مشاهد الأكشن، لكن أرجو أنها قد نالت إعجابكم واستطعتم تخيلها بالصورة المطلوبة💔

لا تنسو التعليق والتصويت على الفصل بجد رح تفرحوني كثيير..وان شاءالله يكون الفصل عجبكم❤

اللي في الصورة فوق هو روي..طبعا اعتبره من شخصياتي المفضلة في القصة بعد هاري😂

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top