الفصل الأول : القمر

لم تُرد الهروب، و لا المواجهة. روحها معلقةٌ بأغلالٍ لا تراها، تحثها على البقاء، على أن تكون شاهدةً على قطعةٍ من الماضي، ماضيها، تموت صاحبةً معها حلماً غير مكتمل الملامح. حلمها.

وجهها، ترى وجهها في وجه امرأةٍ أخرى، تكاد تُقسم. كيف لها أن تكون، و ألا تكون؟!

كيف يعقل أنها موجودة، وليست كذلك!

هي موجودة، لكن ليس بالكامل، فجزءٌ منها قد هرب بالفعل، اختبأ في دهاليز أي رواقٍ بعيد عن الذاكرة، و عن المكان. و عن حفلة زفاف صديقتها، التي تكاد تجزم بأنها هي..

- تماماً كما اعتقدتُ.

و جاءها صوته على حين غفلة، غفلة من الروح، ليذكرها، بأنها ليست صديقتها، و بأن التي تتزوج اليوم، من فريد، ليست هي، بل صديقتها، إيما.

- و ما الذي اعتقدته؟

سألته، و عيناها معلقتين على البحر خلفَ المنصة. منصة العروسين، و هي ليست واحدةً منهما!

- بأن الحفل سيكون مملاً.

- و لو أن الحفل كان ممتعاً لما كنتُ سأصطحبكَ معي؟

- تقصدين، تجبرينني.

- عقدنا صفقة!

- نعم، نعم. فقط احرصي على ألا يضيفوا البصل إلى البيتزا.

ابتسامةٌ خفيفةٌ عبرت فاها في حين كانت تريد البكاء.

هو ليس أحمقاً. بعد عدة أشهر من العمل مع المحققة زوي كولينز، الثلاثينية المتسلطة، بات من الواضح له أنها ليست شخصاً يطلب المساعدة، حتى لو كانت في أمس الحاجة لها.. تماماً كالآن!

و حين بدأت مراسم الزواج، و صمت الجميع منصتاً. كانت وحدها تصرخ. تستنجدهم وقف كل شيء، و الاستيقاظ من هذا الكابوس.

لكن شيئاً لم يتوقف، لكن شيئاً لم ينصت، و مضى العالم فوق هزيمتها الصغيرة غير مُعتبِرٍ. و ما الذي سيغيره صوتٌ ضيئلٌ واحد..؟

و ذابت الشمس في كبد البحر..

***

و لأن بعض الأشياء يجب أن تحدث، وجبَ عليها قَصدُ أقرب حانة.

- ذكرني مجدداً لمَ أنتَ هنا؟

- مرافقة شخصٍ بائسٍ إلى الحانة تعني مشروبات مجانية!

أشار بالكأس، و حاول أن يبدو متزناً، و قد كان.

- لعلمكَ، أنا سعيدةٌ لهما..

- واضح!

و كان رأسها قد وقع فوق الطاولة، و لم تتكبد عناء رفعه، فضلته مطأطأ متوارياً. لكنها كانت تشعر بنظراته تخترق أسوار حزنها، بفضوليةٍ غير معلنة، و تشن حرباً على حدود مملكة خصوصيتها. ما دفعها لتقول:

- لا تنظر إليّ.

- لمَ؟

- لأنني على وشكِ البكاء.

على وشك اقتراف الخطيئةِ الأكبر. كانت تهمس لنفسها.

لم تبكِ.

بدلاً من ذلكَ همت بالوقوف سريعاً، على إثر صرخةٍ قادمةٍ خلف درجٍ مؤدٍ إلى طابقٍ علوي..

و خلال ثوانٍ كان الدرج على امتداده يعج بالناس. هرعت – مترنحةً- برفقةِ يونغي إلى الطابق العلوي للاستفسار عما يجري.

- ما الذي يحدث؟

رفعت شارتها في وجه الحشدِ المتجمهر، فبدلاً من الإجابة، قاموا بإفساح الطريق لها، لترى ما كان الخطب.
قصدت الغرفة الوحيدة في نهاية الدرج، و التي كان بابها مشرعاً.

- لا يمسنّ أحد أي شيء.

تسمرت في مكانها، محدقةً في العينين المغلقتين من الجسد المتدلي.

و كان ثمت  أوراق لعب مربوطةٍ بخيطٍ خفيف حول جبين الرجل المشنوق. سحبتها بتأنٍ.

كُتب على إحداهما، القمر، و على الأخرى، الست صولجانات..

***

- إذاً، ماذا لدينا؟

كانت جالسةً على المكتب، عاقدةَ الحاجبين، تدخن.

- لا شيء! أفهم أنكِ بائسة لأن صديقتكِ تزوجت الرجل الذي أحببته، لكن لا دخل لهذا بحادثة الانتحار..-

- جريمة القتل.

حدجته بنظرةٍ ساخطةٍ.
كيف له أن يعترف بالأمر بكل هذه السهولة؟! ليتها تقدر!

نفثت الدخان من رئتيها و استطرت:

- سيصلنا تقرير الطب الشرعي بعد ساعات، و سنعرف سبب الوفاة.

ترك الملف من يده، و قال:

- لو كانت جريمةَ قتل، ما علاقة هذا بنا؟

نزلت من فوق المكتبِ و سارت نحوه، كان واقفاً بجانبِ الخزانة. أطفأت السيجارة بالحائط، خلف أذنيه مباشرةً و قالت رافعةً أحد حاجبيها:

- كلانا متفرغ. لا ضير من ذلك إذاً!

حين خرجت من الغرفةِ دوى صوت صفق الباب، و زفر هو متوجهاً إلى المكتب و مقلبلاً بين صفحات ملف القضية.

هو يعلم لمَ تصرُ كل هذا الإصرار!

***

كان واقفاً بجانب آلةِ بيع القهوة، يتفقد هاتفه. عدةُ اتصالاتٍ فائتةٍ من شخص سجله باسم : أمي. أبدى حنقاً إزاء الأمر و امتعاضاً، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فصوت من آخر الممر كان يصرخ:

- أيها الأحمق!!!

صوت مألوف سبق صاحبه، ثم ظهرت هي من خلفه، ممسكةً بملفٍ أزرق صغير، تركض نحوه. انحنت تلتقط أنفاسها ثم استقامت و على وجهها ابتسامةٌ لا يُعرف لاتساعها مدى.

فتحت الملف، و أشارت إلى:

سبب الوفاة: جرعة زائدة من الأسبرين.

وقت الوفاة: ما بين الخامسةِ و السادسة.

عاود النظر إلى وجهها، و لا تزال الابتسامةُ بذات الاتساع.

- سنعمل على هذه القضية.

لم يعارض، فلربما، هذا هو ما تحتاج إليه زوي لتُشفى..

***

- إذاً، ما المعلومات المتوافرة لدينا عن القتيل؟

هذه المرة، عادت لكونها الآمرة المتسلطة.

- نيكولاس سباركس. في الثالثة و العشرين. كان يعمل بدوامٍ جزئي في تلك الحانة، و كان يغني فيها أحياناً، مع شابٍ آخر يُدعى آرثر كلير. كان يعيش في تلك الغرفة.

- فقط؟

- هذا يتضمن ما سمعته تلك الليلة، فلم أكن مهتماً بالواقعة، و لا أزال.

زفرت بأناةٍ، و من ثم حولت نظرها إلى البطاقتين على الطاولة.

- ماذا بشأنهما؟

- لا أدري. بطاقات تاروت.

- أعرف بأنها بطاقات تاروت! أقصد لما كانت معلقةً في جبينه؟

أسهب عينيه في البطاقات بضع لحظاتٍ ثم قال:

- أظن "القاتل" يحاول قول شيءٍ ما، فلا يعقل أن القتيل من وضعها.

همت واقفةً فجأةً و قالت بينما تلتقط البطاقات:

- تحددت مهمةُ كل واحدٍ منا إذاً. سأقصد أحد قُراء هذه البطاقات، و ستذهب أنت لاستجواب الأشخاص في الحانة.

حدجها بتربصٍ دون أن ينبس بحرف.

-  ماذا؟

- أليس غريباً أننا لم نجد أي دليل غير هذا؟ !

توقفت قليلاً لتسأله:

- ما الذي ترمي إليه؟

- أرى في الأمر خدعةً.

- لهذا علينا الاجتهاد في اكتشافها!

***

عبرت الستار الفاصل بيت تلك الغرفة الصغيرة و الردهة. و كان أحدهم جالساً خلف طاولةٍ مستديرة. و على طرف الطاولةِ كان صندوقٌ خشبي صغير، بجانبه كرةٌ كريستالية.

- من حسن الحظ أنكِ جئت في غير ساعات العمل، و إلا توجب عليكِ الإنتظار طويلاً.

قال الرجل، و كان ذا صوتٍ عميقٍ هاديءٍ.
رفع رأسه لتظهر لها ابتسامته.

جلست مقابلةً له، تفصل بينهما الطاولة.

- أخبرتني مارغريت أنكِ شرطية، هل هذا صحيح؟

أومأت برأسها و عيناها تسبران أغوار المكان.

- المباحث الفيدرالية.

- استشارةٌ شخصيةٌ أم..-

- الأمر متعلق بجريمة قتل.

و رغم أنه لم يبدو محتفياً بمقاطعتها له، إلا أنه ردد فيما أخذ يخرج أوراقه من الصندوق:

- ليكن، ليكن.

كانت ستهم بإخراج البطاقتين إلا أنه استوقفها و قال:

- ليس قبل أن تعديني  باستشارةٍ شخصيةٍ قصيرة!

حدجته بنظراتٍ حادةٍ غير ودودة. فاستطرد:

- اعتبريها مقابل مساعدتي لكِ!

ملأت جوفها بالهواء ثم حددثت نفسها بأنه لا ضير من ذلك.

- حسناً.

أخرجت الأوراق و ناولته إياها. أمعن النظر فيها لبعض الوقت قبل أن يقول:

- عجيب!

- ما هو العجيب؟

رفع عينيه إليها و قالت:

- وُجدت هذه البطاقات معلقةً على رأس رجلٍ مشنوقٍ إن كان ذلك سيفيد. نظنها رسالةً من أحد، من القاتل ربما..؟ ما الذي تعنيه هذه البطاقات؟

أومأ برأسه موافقاً و شرع يفسر لها:

- إن لكلِ بطاقةٍ معنىً منفصلاً، سأخبركِ أولاً بمعنى كل واحدةٍ، ثم معاً. إن بطاقة القمر، تعبر عن الجانب الداخلي من الإنسان، الجانب الداخلي الذي يتهرب منه الشخص. غالباً ما ترمز إلى الغيرة أو الحقد الدفين. بطاقات الصولجان، هي بمفردها بطاقة إيجابية، دليل للنصر و الفوز لكن، مع أي بطاقة عاطفية كبطاقة القمر فإنها تعني حدّة هذا الشعور و عتوه.  أي أن بطاقة القمر و الصولجان معاً تعنيان حقداً أو غيرةً قوية متغلغلة في نفس الشخص و تتحكم في أفعاله.

- هل يبدو الأمر و كأن أحدهم يحاول قول شيءٍ ما؟!

- لا أدري. لكن، هل قلتِ بأنها كانت معلقةً على رأس رجل مشنوق؟

- نعم.

- لستُ متأكداً ما إذا كان أحدهم يحاول إيصال رسالة ما، لكن، هناك بطاقة تسمى بطاقة الرجل المشنوق.

- و ما الذي ترمز إليه؟

استل الرجل نفساً عميقاً و قال:

- اليأس و الاستسلام.

- و إذا أضفناها إلى البطاقتين السابقتين؟ أخبرني تصوركَ عن الأمر.

- أحدهم كان يصارع نفسه، لكنه في النهاية استسلم لحقده و غيرته الشديدين و باتا يتحكمان في كيفيةِ تصرفه.

لدقيقةٍ أو أقل، حدّقت و الرجل في الورقتين، ثم رفعهما هو عن الطاولة و ناولهما لها ثم بدأ بإعداد أوراقه الخاصة و التي بدت لها مختلفةً عن الورقتين اللتين معها. فلما سألته أخبرها أن أوراقه نادرة، أما الأوراق التي معها فهي متاحة للجميع.

- اختاري ثلاث بطاقات.

و حين اختارت بطاقاتٍ ثلاثة، أخبرها الرجل عن أسماء البطاقات الثلاثة.

الثالثة كانت البرج.

الثانية كانت الكأس.

و الأولى كانت، القمر..!

___________________________

(بطاقة القمر)

( بطاقة الصولجان)

( بطاقة الكأس)

( بطاقة البرج)

( بطاقة الرجل المشنوق)

____________

طبعاً، التاروت حرام.

واتايفر، كيف كانت؟
أحس بشعور غريب،
توقعت ما برجع أنزل شيء،
لكن اكتشفت إني مازلت أحتاج الكثير 😂😭💔.
قاعدة على قلبكم إلى ما شاء الله ☺👌

Bạn đang đọc truyện trên: AzTruyen.Top